رواية خيوط لاتري الفصل الخامس5بقلم فاطمة مالكي
: خارج أسوار الشركة
استيقظت حنين قبل موعد المنبه بدقائق. فتحت عينيها ببطء، وظلت مستلقية للحظات تحدق في سقف الغرفة. كانت هذه إحدى العادات التي اكتسبتها منذ انتقالها إلى القاهرة؛ الاستيقاظ أولًا، ثم تذكر مكانها ثانيًا، لأن جزءًا منها ما زال يتوقع أن يجد نفسه في غرفته القديمة بالجزائر، لا في غرفة فندق.
تنهدت بخفة، ثم جلست على حافة السرير وأمسكت هاتفها. كانت هناك رسالة جديدة من إدارة الفندق، وبمجرد أن رأت المبلغ المطلوب لتجديد الإقامة أسبوعًا إضافيًا... أغلقته فورًا!
— يا لطيف...
تمتمت بها وحدها، ثم أعادت فتح الرسالة وكأنها تتوقع أن يكون الرقم قد تغير، لكنه بقي كما هو؛ كبيرًا، ومزعجًا، ومذكرًا لها بحقيقة واحدة: لا يمكنها البقاء هنا طويلًا.
نهضت من السرير واتجهت نحو النافذة. القاهرة بدأت تستيقظ؛ السيارات، الأصوات، والزحام الذي لا يبدو أنه ينام أصلًا. أسندت جبينها إلى الزجاج، ثم فتحت هاتفها مجددًا لتتصفح إعلانات الشقق. شقة صغيرة غالية، أخرى أبعد، وثالثة تحتاج إلى مقدم إيجار يجعلها تضحك من شدة السخرية: — هاذو حابين يبيعوا الباطيما (العمارة )كاملة ولا شقة؟
هزت رأسها وأغلقت الهاتف، ثم بدأت تستعد للعمل.
في الشركة، كان الصباح أكثر هدوءًا من المعتاد، وهو أمر جعل حنين تشك فيه فورًا؛ فالأيام الأخيرة علمتها أن الهدوء داخل شركة الحكيم غالبًا لا يستمر طويلًا. وصلت إلى مكتبها، وضعت حقيبتها، وبدأت مراجعة الملفات التي وصلت مساء الأمس، ولم تمضِ عشر دقائق حتى ظهرت سلمى أمامها تحمل كوبين من القهوة:
— صباح الخير.
ابتسمت حنين: — صباح النور.
وضعت سلمى أحد الكوبين أمامها ثم جلست كعادتها وسألت: — مالك؟
— مابيا والو.
ضيقت سلمى عينيها: — دي كذبة جديدة؟
ضحكت حنين: — لا.. تنهدت ثم قالت: — كنت نشوف في لواجم الصباح
قصدي الشقق
— آه.. (اعتدلت سلمى في جلستها) بتدوري على سكن؟
أومأت حنين: — الفندق غالي بزاف.
ضحكت سلمى: — طب دي سهلة، في ناس كتير بتأجر هنا قريب، إن شاء الله تلااقى حاجة.
— إن شاء الله
كانت نادين تمر بجوار المكاتب عندما سمعت جزءًا من الحوار. لم تتوقف ولم تنظر نحوهما، لكنها التفتت والتقطت المعلومة بسهولة: حنين تبحث عن سكن. تابعت سيرها وكأنها لم تسمع شيئًا، إلا أن الفكرة بقيت تثقب رأسها كفرصة ذهبية للتحرك ضدها.
مع انتهاء الدوام، كان ياسين يغادر الشركة وعقله مشغول بالتحريات النشطة التي يجريها في الظل، عندما وصلته رسالة قصيرة: "أنا مستنيك." ابتسم رغمًا عنه، ثم اتجه نحو المقهى المعتاد حيث وجد مازن جالسًا بالفعل وأمامه فنجان قهوة، وفنجان آخر فارغ ينتظره.
جلس ياسين، فقال مازن مباشرة: — وصلت لإيه؟
ساد الصمت لحظة قبل أن يجيب ياسين بنبرة حازمة تعكس يقظته: — فيه حد جوه الشركة ولسه شغال.. وبيتحرك بجرأة..
اختفت ابتسامة مازن تمامًا: — متأكد؟
— أيوة، الكاميرات رصدت تفاصيل جديدة، ومستني نشوفها انا وانت الليلة.
— مين؟
رفع ياسين فنجان القهوة وأخذ رشفة صغيرة، ثم قال بهدوء: — لسه.
تنهد مازن بضيق: — إنت بتستمتع إنك تعصبني؟
— أحيانًا.
— عظيم.. (هز مازن رأسه مستسلمًا) والله ما في حد بارد بالشكل ده.
— عارف
—دي مش مجاملة على فكرة.
في تلك الليلة، عادت حنين إلى غرفتها في الفندق متعبة. ألقت حقيبتها فوق الكرسي وجلست على طرف السرير. كان اليوم طويلًا ومليئًا بالملفات، والشكوك. مدت يدها نحو هاتفها وترددت للحظة، ثم ضغطت على اسم أختها "حنان" التي لم تنتظر أكثر من ثانيتين قبل أن ترد:
— أخيرًا تفكرتي بلي عندك أخت!
ابتسمت حنين رغم تعبها: — السلام عليكم قبل
— ما تبدليش الموضوع.. وشراكي؟
— بخير.
— كذابة! (أضافت حنان فورًا) نعرفك ، إذا قلتي "بخير" بهذه الطريقة فمعناها ماكيش(مش) بخير.
استلقت حنين على السرير وأغلقت عينيها: — تعبت شوية.. الخدمة والغربة.
سكتت أختها لثوانٍ ثم قالت بحنان: — ارجعي.
فتحت حنين عينيها وابتسمت: — بهذه السهولة؟ ونحبس الخدمة؟ ونقعدوا عند الجامع نطلبو صدكه صدكه؟
انفجرت حنانبالضحك وردت : — حل ممتاز! علابيها أنا الأخت الصغيرة الحكيمة..!
ساد الصمت لثوانٍ قبل أن تقول حنين فجأة:
— حنان... وش رأيك تجي لمصر؟
توقف الطرف الآخر تمامًا: — وشنوووووووو؟
— ارواحي.. ني نهدر صح( انا اتكلم بجد)، نعيشو مع بعض
سمعت حنين صوت حركة سريعة وكأن حنان نهضت من مكانها فجأة: — استني.. راني نوجد من ضرك فالفاليزات ( الحقائب)!
انفجرت حنين ضاحكة: — أولًا جهزي الأوراق.
قالت حنان بصوت أكثر دفئًا: — توحشتك.
أغلقت حنين عينيها من جديد وشعرت بالراحة: — وأنا أكثر منك..
في صباح اليوم التالي، وصلت حنين إلى الشركة وهي تشعر بخفة بفضل مكالمتها مع أختها. جلست أمام مكتبها وفتحت حاسوبها، لتجد رسالة جديدة من إدارة الفندق تذكرها بموعد انتهاء الحجز الحالي. ألقت رأسها على ظهر الكرسي هامسة: — يا لطيف...
وفي هذه اللحظة وصلت سلمى: — صباح الخير.. لقيتي شقة؟
هزت حنين رأسها: — لا.. النار شاعلة في السومة، كون نكمل فيه شهر نفلس!
ضحكت سلمى ثم توقفت عندما رأت الجدية في وجهها: — لا بجد؟ طيب لازم نشوف حل.
وفي القسم، كانت رانيا قد وصلت لزيارة أخيها ياسين، وبينما كانت تمر عبر الممرات، التقطت جملة حنين العفوية: "كون نكمل فيه شهر نفلس". فتوقفت دون قصد ونظرت نحو المكتب حيث تجلس حنين وسلمى تتحدثان بجدية. وقبل أن تسمع المزيد، سحبها صوت مازن من الخلف:
— بتتجسسي على الموظفين؟
التفتت رانيا بسرعة: — لا.. شوية! فضحك مازن، وسألته رانيا :
— معناها إيه الجملة دي؟( كون نكمل فيه شهر نفلس)
قطب مازن حاجبيه وقال: — تقريبًا كده معناها لو أكمل شهر أعلن إفلاسي.. بس بتسألي ليه؟
رفعت رانيا حاجبها: — وإنت فهمت منين؟
— خبرة في التخمين.. وتدريب خاص من الأستاذه حنين .
ضحكت رانيا وألقت نظرة أخيرة نحو حنين، وقد بدأت فكرة صغيرة تتشكل داخل رأسها.
قال مازن وهو يراقبها: — أنا عارف البصه دي.. انتي ناوية تعملي مصيبة.
— ظلم.. والله ظلم!
بعد أقل من ساعة، كانت رانيا تدخل مكتب ياسين دون استئذان كعادتها. رفع ياسين رأسه من الأوراق أمامه وقال مباشرة بوقاره المعتاد:
— لا إله إلا الله.. أخلص من مازن تطلعيلي إنتي؟ في باب نخبط عليه طيب!
توقفت مكانها: — إيه يعني؟ ما أنا مش أي حد برضو.
— أيًا كان اللي جاية تطلبيه... لا.
— أنا حتى ما اتكلمتش! طيب لو طلب بسيط؟ إنساني؟ خيري؟
— لا.. لا.. لا.
قالت رانيا باستسلام: — إنت شخص صعب.. (ثم ابتسمت فجأة الابتسامة التي يعرفها جيدًا، فأغلق الملف أمامه وقال): — اتكلمي.
فردت بسرعة: — البنت الجزائرية.. حنين.. قاعدة في فندق وبتدور على شقة.
ياسين بهدوء، محاولاً إخفاء اهتمامه الشخصي المتزايد بمعرفة تفاصيل حياتها: — عارف.. دي حياتها الشخصية.
سكتت رانيا لحظة ثم قالت بمكر: — ماما لو عرفت مش هتسكت.
وهنا فقط رفع ياسين رأسه بالكامل؛ لأن غريزة الحماية لديه تحركت، وهو يعرف جيدًا أن أخته لم تأتِ لتدريبها اليوم ولا لتتحدث معه بل جاءت لتجمع المعلومات قبل أن تذهب إلى والدته وتُدخل حنين في حسابات العائلة.
وضع ياسين القلم على المكتب: — رانيا... أوعي تروحي تحطي أمي في الموضوع.. سيبي الأمور تمشي زي ماهي .
وضعت يدها فوق صدرها بصدمة مصطنعة: — أنا؟ مستحيل!
نظر إليها لثوانٍ وهز رأسه: — كذابة.
نهضت وأمسكت حقيبتها واتجهت نحو الباب، وقبل أن تخرج استدارت: — على فكرة.. البنت لطيفة ومحترمة، وغريبة عن البلد وقاعدة لوحدها.. خلاص بقى! ثم غادرت وأغلقت الباب خلفها، ليتمتم ياسين بعينين شاردتين: — خلاص دي أخطر كلمة عندها انا حياتي حتتقلب بسبب البت دي!
في الطابق نفسه، دخل مازن مكتب ياسين بعد خروج رانيا وجلس أمامه مباشرة: — من ساعة ما خرجت رانيا وإنت سرحان..هي عملت إيه المرة دي؟
ياسين وهو يحاول العودة لملفاته: — سألت عن حنين.
اتسعت ابتسامة مازن: — يا نهار أبيض.. والله البنت رانيا دي حتسود ايامك الجايه.
ضربه ياسين بالقلم ليخرسه، فضحك مازن وهو يغادر المكتب: — ربنا يعينك عليها وعلى شغلك!
في المساء، عادت رانيا إلى المنزل وجلست أمام والدتها السيدة امينه التي كانت تحتسي الشاي:
—ماما.. فاكرة البنت الجزائرية اللي اشتغلت عند ياسين ؟ انتي عارفه انها قاعدة لوحدها في فندق، وأهلها في الجزائر، والأسعار هناك مغلية عليها الإقامة ولسه مالقتش شقه ... البت صعبانه عليا اوي يا ماما.
سكتت الأم لحظة ووضعت كوب الشاي على الطاولة، وسألت: — والبنت شكلها كويس ومحترمة؟
اجابت رانيا فورًا: — جدًا.. (ثم أضافت بخبث): — انا لما كلمتها اول مره من اسبوعين حبيتها انتي عارفه اننا بقينا صحاب بس هي ماقالتليش على مشكلتها انا سمعتها بالصدفه
اتسعت ابتسامتها بينما تنهدت الأم وقالت بحنان الأمومة: الغريب ليه حق علينا يابنتي .. اعزميها عالعشا عشان اتعرف عليها ونحاول نخفف عليها احساس الغربه لي هي فيه .
في تلك اللحظة دخل ياسين المنزل، وما إن رأى الابتسامات المنتشرة حتى توقف مكانه وشعر بأن التخطيط العائلي قد حاصر حنين بالفعل، فقال بحذر: — عملتوا إيه؟ مين الضحية المرة دي؟
جلس على الأريكة فقالت والدته بهدوء: — رانيا كانت بتحكيلي عن الآنسة حنين.. البنت لوحدها في الغربة ومقيمة في فندق، وصعب تسيبها كده.
نظر إليها ياسين، وشعر برغبة داخلية غريبة في ان يخفف كل آلامها و أعبائها ، لكنه قال مباشرة ليحافظ على رصانته: — ماما... أياً كان اللي بتفكري فيه.. لا.
ابتسمت السيدة سلوى: — طالما عارف اني مش حسمع كلامك ... وفر علينا وقت النقاش! عزومة عشا مش جريمة، دي بنت محترمة وغريبة عن البلد.
في هذه اللحظة رن هاتف رانيا، نظرت للشاشة واعتدلت فجأة: — "استنوا! حنين نزلت حالة جديدة على الموبايل.. شوفي يا ماما."
قربت الهاتف من والدتها التي نظرت إلى صورة بسيطة لكوب قهوة وكتاب مفتوح مأخوذة من نافذة الفندق تطل على القاهرة ليلًا، ومكتوب أسفلها: "بعض الأيام تكون الغربة أثقل من المعتاد."
ساد الصمت الطاولة. التفتت الأم ونظرت لياسين الذي كان يحدق في الجملة المكتوبة على الشاشة، وشعر بإنقباض خفيف في قلبه؛ فكلمات حنين حملت مسحة حزن رقيقة مست وترًا حساسًا لديه. ليسأل رانيا : انتي خدتي رقمها امتا و كمان بتتكلمو ؟
تبادلت رانيا ووالدتها نظرة سريعة، وقالت رانيا بابتسامة منتصرة: — خلاص.. هحكيلكم!
Flashback
قبل أسبوعين، كانت رانيا تدخل مقر الشركة مسرعة ومتوترة وهي تحمل ملفات مشروعها الجامعي وترد على رسائل هاتفها، فلم تنتبه للفتاة الخارجة من المصعد واصطدمت بها مباشرة لتتناثر الأوراق في كل اتجاه.
— يا ساتر! (قالتها رانيا وهي تنحني بسرعة، لكن الفتاة الأخرى بدأت تجمع الأوراق معها برقة قائلة بلطف): — سمحيلي.
رفعت رانيا رأسها لتجد فتاة ملامحها هادئة وعيناها واسعتان وتبدو محرجة للغاية: — لا لا... أنا اللي كنت ماشية من غير ما أبص.
ابتسمت الفتاة وناولتها الأوراق: — المهم ما صرالك والو.
ضحكت رانيا: — إيه؟
رمشت الفتاة: — قصدي... لم يحدث لكِ شيء؟
— آه.. كده فهمت! (ضحكت الأخرى هي أيضًا ومدت يدها): — حنين.
— رانيا.
وبعد أن جمعتا الأوراق، سألت حنين بتردد: — ممكن نسقسيك على حاجة؟ قصدي اسألك على شيء.. إدارة الترجمة فين؟
أرشدتها رانيا وتحركتا معًا في الممر، وخلال الطريق دار بينهما حديث قصير عفوّي عرفت فيه رانيا أن حنين وصلت للقاهرة منذ أيام وتحاول التأقلم مع اللهجة والناس، بينما حنين وجدت أن رانيا تتحدث كثيرًا أكثر مما ينبغي لكنها طيبة ومرحة للغاية. وعندما وصلتا للقسم قالت حنين مبتسمة من قلبها: — شكراً.. أنقذتيني من الضياع ومن الحارس عند الاستقبال، هو ما فهمنيش وأنا ما فهمتوش!
انفجرت رانيا ضاحكة: — عم حسين؟ عملتي معاه مشكلة؟ (ثم أخرجت هاتفها بسرعة): — خدي رقمي، لو احتجتي أي حاجة في القاهرة ابعتيلي، أنا لطيفة أحيانًا قليلة وهبقى دليلك هنا.
العودة إلى الحاضر
عادت رانيا إلى الحاضر ونظرت لياسين وقالت ببساطة: — وبس.. دي الحكاية كلها، وتبادلنا بعدها رسائل بسيطة عادية عشان أطمن عليها لتكمل بخبث مبطن بالدعم: — "عارف يا ياسين.. حنين دي رقيقة جداً وبقالها كام يوم شايلة فوق طاقتها بسبب المشاكل اللي حصلت في الشركة. البنت بجد وحشها بيتها وأهلها، وكلامها عن الغربة ده يوجع القلب."
ظل ياسين صامتاً، لكن أصابعه ضغطت على كأسه بقوة. لم تكن الكلمات مجرد "حالة" على هاتف، بل كانت نداءً غير مقصود التقطه قلبه مباشرة. علم في تلك اللحظة أن صرامته المهنية يجب أن تتنحى جانباً، وأن هناك "حنيناً" آخر يحتاج أن يطمئن بين يديه.
أعادت الأم الهاتف وقالت بهدوء: — شكلها بنت محترمة ومتربية كويس، والكلام ده طالع من قلب مغترب بجد.
تنهد ياسين وهو ينهض محاولاً التملص من حصار مشاعره: — ماما.. متبصيش للجملة دي كأنها استغاثة.. أنا عارف النظرة دي، نظرة إنك خلاص اعتبرتيها بنتك الثالثة! سيبي البنت في حالها ومش عايزين نضغط عليها خارج الشغل.
الأم بابتسامة : — وأنا عملت إيه؟ أنا هعزمها بس.
رانيا: — لسه.. بس كلنا عارفين هتعملي إيه! (ضحكت الأم، بينما مرر ياسين يده فوق وجهه مستسلمًا ).
في صباح اليوم التالي، وصلت حنين للشركة لتجد رسالة قصيرة بانتظارها، لكن هذه المرة من ياسين نفسه، رسالة مباشرة تحمل لهجة عملية وصارمة لكنها تخفي رغبة حقيقية في الاطمئنان عليها: "الساعة 7 مساءً. مقهى النيل. متتأخريش."
حدقت في الشاشة لثوانٍ، ودق قلبها بنبضة سريعة مجهولة السبب لأن ياسين كان آخر شخص تتوقع أن تلتقيه خارج الشركة:
— غريب...
وفي الطابق العلوي، كان مازن يراجع مع ياسين عدة صور مطبوعة وسجلات دخول وبيانات كاميرات المراقبة السرية .
سأل مازن بجدية: — أنت متأكد إننا هندخلها في الموضوع ونوريها الصور دي بره الشركة؟
رمقه ياسين بعينين حادتين: — هي بالفعل جوه الموضوع، واللي سرق الملف سرقه من مكتبها وبعتلها التهديد.. لازم تكون على علم بكل خطوة عشان تحمي نفسها.
مازن: — يعني إحنا مش بنحميها بس.. إحنا بنحاول نسبق اللي بيستهدفها. (أومأ ياسين بالموافقة بملامح صارمة وعزم حقيقي).
وفي مكان آخر داخل الشركة، كانت نادين تغلق باب مكتبها بتوتر، وتكتب على هاتفها السري رسالة: "البنت بتدور على شقة." جاءه الرد بعد دقيقة: "ممتاز.. رتبي الموضوع.. ابعتيلها سامح وهو يضبط الموضوع." شعرت بانقباض داخل صدرها؛ هذه المرة لن تكون مجرد مراقبة، بل خطوة فعلية ومصيدة تُنصب ضد حنين. أغلقت الهاتف ببطء وهي لا تدري أن فاعلية ياسين وتحرياته النشطة بدأت تضيق الخناق عليها وعلى الحسابات المخفية.
في السابعة مساءً، وصلت حنين إلى مقهى النيل الفخم. كانت الأضواء تنعكس على صفحة الماء بنعومة. نظرت حولها فوجدت مازن جالسًا عند طاولة تطل على النيل ورفع يده مرحبًا بها. جلست أمامه وجذبت سترتها بخفة من نسيم النهر وسألته: — الأستاذ ياسين وين؟ وأصلاً وش كاين؟
مازن: — خمس دقايق ويظهر، لو كنت أعرف كنت قلتلك.. أنا عارف جزء بس من اللي بيفكر فيه .
قبل أن تسأله أكثر، وصل ياسين؛ كان يرتدي حلة أنيقة بدون رابطة عنق، وبدا حضوره طاغيًا وهادئًا. جلس مباشرة، والتقطت عيناه ملامح حنين المتوجسة، ودون مقدمات وضع ملفًا أسود فوق الطاولة. نظرت حنين إلى الملف ثم إليه وقالت محاولة تخفيف التوتر: — هادي أكتر بداية تخوف شوفتها في حياتي على الاقل ارميلنا السلام !
انحنى ياسين للأمام قليلًا، ومرت في عينيه نظرة دافئة مطمئنة مخصصة لها وحدها، ثم فتح الملف وأخرج صورتين مطبوعتين بدقة من كاميرات المراقبة السرية لشخص مجهول الوجه دخل القسم بعد ساعات العمل وقال: — بصي.. لسه مش عارفين مين دا ، لكنه دخل القسم أكتر من مرة، واحتمال كبير يكون هو اللي اخذ الملف من مكتبك.
اتسعت عينا حنين وهي ترى فاعليته وسرعته في التحري لتقول : ويكتا
عرفت انا كنت لسع حنقلك عالملف سرقوه
ليقول مازن : بصي يابنتي حاولي تتكلمي بالعربي وخلينا فالمهم ليضيف وهو يرفع نسخة من سجل إلكتروني:
— فيه حاجة تانية.. الحساب الإداري اللي لقيناه لسه شغال وبيتستخدم لحد دلوقتي بس من أجهزة معينة مش كل الاجهزه
همست حنين بصدمة وهي تنظر لياسين القريب منها: — يعني كاين اكثر من واحد في الشركة..
ياسين بهدوء ونبرة واثقة طردت كل خوف من صدرها: — أيوة،.. بس متقلقيش، أنا مراقب الوضع ومش حيحصلك حاجه.
وفي الوقت نفسه، كانت نادين تجلس داخل سيارتها في مكان مظلم أمام أحد
المباني السكنية وبجوارها رجل في منتصف العمر يتحدث بسرعة: — الشقة جاهزة، والمستندات باسم مالكة حقيقية مفيش حاجة تثير الشك.. البنت لما
تشوف الصور و السعر حتوافق على طول
نادين بصوت منخفض حذر: — كويس.. لازم تمضي بأي طريقة.
اما في منزل الحكيم، كانت رانيا تدور داخل المطبخ بحماس وهي تفكر في تفاصيل العشاء المثالي لحنين، وتخمن الأكلات التي قد تحبها فتاة مغتربة، بينما تراقبها والدتها باسمة. تنهدت السيدة سلوى وقالت: — الغربة صعبة، خصوصًا على بنت صغيرة جاية بلد جديدة لوحدها.. لازم نحسسها إنها وسط أهلها.
دخل ياسين في تلك اللحظة بعد عودته من المقهى ليطمئن على والدته بعد ان عرف انها في المطبخ ولاحظ النظرات المتبادلة والابتسامات الخبيثة بين أخته وأمه فسأل وهو يفك زر سترة بدلته: — ليه حاسس إنكم بتتكلموا عني؟
لتنفجر رانيا يالضحك و ترد عليه : المرة دي لا انت ظلمتنا ... احنا بنتكلم عالعزومه
فتنهد ياسين بعمق وأدار وجهه نحو النافذة يراقب أضواء القاهرة، مدركاً بنبضات قلبه المتسارعة أن الموضوع قد حُسم، وأن حنين لم تعد مجرد موظفة عادية يترصدها الخطر، بل أصبحت رسميًا وفعلياً جزءًا من عالمهم الخاص... خارج أسوار الشركة.
