رواية عهود الطفولة الفصل الخامس5بقلم مي عيد
فوقت من صوت أفكاري على صوت تميم وهو كأنه بيزعق برّه الأوضة بصوت عالي، وفجأة... الدنيا اتقفلت في عيني أكتر ما هي مقفولة.
جريت برجلين بتترعش
وقلبي بيدق بجنون
، فتحت باب الأوضة وطلعت الصالة، لقيت بابا واقف وماسك دماغه، وتميم بيحاول يهدي الدكتور اللي كان لسه طالع من أوضة ماما، وملامح تميم كلها رعب مش عياط.
قربت بخطوات بطيئة وصوت مخنوق مش طالع، وبصيت لتميم وقلت بانهيار: "في إيه.. الدكتور بيقول إيه؟ ماما مالها؟!"
تميم بص لي بعيون مليانة دموع لأول مرة أشوفها، قرب مني بسرعة، مسك كتافي بلهفة ووجع، وقال بصوت مهزوز مكسور:
"مليكة.. ابقي قوية عشاني.. وعشانها.. مامتك تعبت أوي فجأة، والقلب.. القلب استسلم يا مليكة."
كلماته نزلت عليا كالصاعقة،
حسيت إن الأكسجين اتسحب من الغرفة كلها.
مقدرتش أستوعب.. يعني إيه استسلمت؟! يعني إيه مش هشوف ضحكتها تاني؟! يعني إيه الحنّية دي كلها هتمشي وتسيبني تايهة في الدنيا لوحدي؟!
صرخت بصوت هز أركان البيت، وجريت زي المعتوهة على أوضتها، رميت نفسي على السرير جنبها، حضنت إيدها اللي كانت لسه دافية في إيدي من كم يوم، ولقيتها باردة.. باردة جداً.
عيطت بعياط مش من الكوكب ده، عياط بينهي الروح بيقطع النَفَس. "ماما.. قومي.. إنتي وعدتيني إنك هتشوفي عيالي.. إنتي روح البيت يا ماما، هعيش إزاي من غيرك؟ سيبتيني لمين؟!"
بابا دخل الأوضة، وقع على ركبتة جنب السرير، وحضننا إحنا الاتنين وهو بيعيط بصوت مقهور لأول مرة أشوف دمعة راجل كسرته الدنيا. والبيت كله اتقلب في ثواني لمأتم صامت.. صمت أثقل من الجبال.
وف وسط انهياري وصراخي، حسيت بإيد قوية وحانية بتحاوط كتفي، وبتشدني لضهر دافئ وثابت. تميم نزل على كتافه جنبي، وخدني في حضنه بكل قوته، وبكى بصمت وهو بيطبطب عليا ويقول بصوت دافئ ومرتجف:
"عيطي يا مليكة.. فرغي كل وجعك، بس اسمعيني كويس.. أنا مش هسيبك. أنا هنا.. هكون ضهرك وعزوتك وأهلك، ومامتك ارتاحت من التعب، بس سابتني أنا عشان أكمل الأمان اللي بدأته معاكي."
عدت الأيام، وكل دقيقة كانت بتمر عليّ كأنها دهر. البيت بقى فاضي وموحش، ريحتها كانت في كل ركن، وسجادتها اللي كانت بتصلي عليها لسه على حالها. كنت بقعد في أوضتها بالساعات، ماسكة طرحتها وشاربة من ريحتها ودموعي ما بتنشفش
_____________________________
الأيام بعد ما ماما سبتنا بقت أشبه بغيمة سمكاية تانية قاعدة على صدر البيت،
كأن الألوان كلها اتسحبت واتبقى اللون الرمادي الباهت. بابا كان قاعد أغلب وقته في الصالة متبتل وساكت، عينه تايهة في الفراغ كأنه بيدور على ركن كانت قاعدة فيه،
وأنا.. أنا كنت تايهة جوه نفسي، مش عارفة الأيام بتعدي إزاي ولا الليل بيدخل ويخرج امتى.
سجادتها ومصلايتها كانوا زي ما هما، ريحة العود والمسك اللي كانت بتعطر بيهم أوضتها لسه عايشة في الحوائط، وكل ما أدخل الأوضة دي أحس إن قلبي بيتعصر من جوه. بقيت أهرب من البيت ومن قعدته الوحشة
، بس في نفس الوقت بخاف أبعد أحسن ريحتها تطير من المكان.
وفي وسط الوجع ده كله، كان تميم هو الحيطة الصلبة اللي استندت عليها عشان ماوقعش.
من غير ما أطلب، كان بيبقى موجود. الصبح بدري يبعتلي رسالة يطمن فيها عليا،
وبالليل يلاقي وقت يجي يقعد مع بابا ويهون عليه، ويقعد معايا على السلم أو في البلكونة يحاول يخرجني من الكتمة دي بنبرة صوته الهادية اللي فيها طمأنينة الدنيا كلها.
في يوم، كنت قاعدة على سريرها ماسكة طرحتها وبشمها وعياطي شغال بصمت، سمعت صوت خبط خفيف على باب الأوضة. رفعت عيني المتبهدلة، لقيت تميم داخل وبهدوء شديد قفل الباب وراه. قرب مني، نزل على كتافه قدامي على الأرض، ومد إيده مسح دمعة كانت نازلة على خدري وقال بصوت دافئ كالعادة:
"تاني يا مليكة؟ مش اتفقنا إن الدموع دي بتوجع روحها وهي في مكان أحسن؟"
بصيت له بكسرة وقلت بصوت مخنوق ومرتجف:
"مش بايدي يا تميم.. البيت فاضي أوي، وكل حتة هنا بتفكرني بيها. مش متخيلة إني هعيش عمري كله من غير ما أسمع صوتها ولا أدخل أحضنها لما أتعب.. أنا تايهة ومن غير سند."
تميم مسك إيدي الاتنين بين كفوفه، ضغط عليهم بقوة كأنه بينقل لي طاقته وصبره، وقال بنبرة حازمة ومليانة حب:
"حقك تزعلي وتعيطي، الفراق مش سهل، بس اسمعيني كويس يا مليكة.. مامتك سابتنا صحيح جسدياً، بس سابتني أنا عشان أكمل الأمان اللي هي بدأت. أنا مش هخليكي تحسي بالوحدة، ولا هسمح للدنيا تكسرك. أنا ضهرك وعزوتك، وبيتنا هيبقى مليان بحسك وضحكتك اللي كانت بتحبها."
كلماته دخلت قلبي زي الملمس الدافي على جرح مكشوف. حسيت إن ربنا ما سابنيش، وإن البركة والدعوات اللي كانت بتدعيهالي ماما وهي عايمة استجابوها في وجود راجل بجد زي تميم.
ابتسمت بدموع، وهزيت راسي ببُطء وأنا بقول بصوت واطي:
"ربنا يخليك ليا وما حرمنيش منك أبداً.. لولاك كنت زماني ضعت."
رد بابتسامة حانية وهو بيمسح دموعي بإيده:
"ولا أسمع الكلمة دي تاني.. أنا هنا عشانك، وبكرة تعدي الأيام الصعبة دي ونرجع نبني حياتنا زي ما كنتِ تتمني وأكتر."
قعدنا نتكلم لحد ما هديت،
_______________________________
انا كتبت كتابي على مليكه قبل وفاة مامتها بشهر بس لحد الان مليكه في بيت باباها
مش معايا انا كنت عايزها جمبي بس مكنتش عارف افتح الموضوع ازاي جوايا تفكير ولف كتير اوي في دماغي
باباها هيرضى؟ طيب وهو هيقعد ازاي؟ مليكه هتتقبل انها تمشي من مكان مامتها كانت فيه!
أفكار كتير اوي بتلف جوا دماغي وانا شايف حالتها بتسوء اكتر...
لحد ما اتكلمت وقولتلها:
مليكه اي رايك لو روحنا بيتنا تغيري جو
بصتلي بصدمه وقالتلي
مش عايزه اسيب مكان ماما
حاولت اكون طبيعي مش هنكر اني ادايقت
جربي هنغير جو ولو على باباكي ناخدو معانا اي رايك؟
بصتلي بحيره كنت عارف انها محتاره بس كان لازم تبعد شويه عن جو البيت
اما مليكه
فا كنت محتاره اوي هسيب مكان ماما؟ واروح مع تميم؟ طب وبابا؟
