رواية عهود الطفولة الفصل السادس6بقلم مي عيد


رواية عهود الطفولة الفصل السادس6بقلم مي عيد

تاني يوم الصبح

، بابا كان قاعد في الصالة شارب قهوته وبيقلب في تليفونه، وبص لي بنظرة حانية وقال بصوت هادئ:

"أنا شايف إن تميم عنده حق.. روحي معاه في بيته فرصة تغيري جو، وفي نفس الوقت هو أهلك وعزوتك دلوقتي، وأنا موجود ومش بعيد عنكم."

​بصيت لبابا بذهول وخوف من الفكرة

، بس حسيت إن كلامه صح. البيت بقى مليان ذكريات توجع،

 وكل ركن فيه بيصرخ باسم ماما.

 وفي نفس الوقت، كنت محتاجة أكون قريبة من تميم اللي مبيسيبنيش لحظة.

​قبل ما أرد، كان جرس الباب رن. بابا قام فتح، ولقى تميم واقف وبملامحه البادئة والجدية دخل، وسلم على بابا وقعد معاه دقايق. وبعدين بص لي وقال بصوت كله حنان:

"ها يا مليكة.. جهزتي شنطتك؟ أنا مستنيكي، ، وباباكي هيكون معانا على طول، تطمني عليه.. 

​هزيت راسي ببطء وأنا حاسة بضربات قلبي سريعة، دخلت أوضتي بسرعة، نظرت نظرة أخيره على سرير ماما

​جهزت شنطتي وطلعت مع تميم. ركبت عربيته، وطول الطريق وهو ماسك إيدي وبيطمني بنظراته الدافاية،

 لحد ما وصلنا قدام العمارة اللي فيها شقته. دخلنا البيت، وكان مرتب وهادئ، وأول ما دخلت، حسيت بريحة أمان غريبة.

​قعدنا يومين تلاتة، وكل شوية ألاقي نفسي باخد بعضي وأقول لتميم بحنين:

 "عايزة أروح أطمّن على بابا وأقعد في بيتنا شوية." وكان من كرمه وشهامته إنه مبيعارضش أبداً، بالعكس، كان بياخدني بنفسه ويروح معايا، ويقعد معانا يشرب الشاي، لحد ما أتطمن على بابا وأرجع أطمن أنا وهو.

​في يوم، كنت قاعدة في بيت بابا القديم، ماسكة ألبوم صور قديم لماما وهي صغيرة، وفجأة حسيت بباب الشقة بيفتح..

​رفعت عيني بسرعة ناحية باب الصالة وأنا كلي لهفة، اكني كنت مستنية أشوف ماما طالعة كالعادة بابتسامتها الدافية وهي شايلة صينية الشاي. بس اللي دخل وظهر قدامي كان بابا، وعينيه تايهة وفيه ابتسامة حزينة وهو شايل في إيده كتاب قديم لماما.

​قرب مني وقعد جنبي على الكنبة، ومد إيده حط الكتاب على الترابيزة وقال بصوت دافئ ومهزوز:

"كنت بدور في الدولاب, لقيت الدفتر ده.. مامتك الله يرحمها كانت كاتبة فيه بخط إيدها وصفات الأكل اللي كنتِ بتحبيها وهي صغيرة، عشان لما تتجوزي وتفتحي بيتك تعمليها.. 

​فتحت الدفتر وعيني دمعت أول ما شوفت خطها المنتظم وكلماتها الحنونة. حسيت كأنها لسه عايشة معانا، روحها طايرة في المكان بتطبطب على قلوبنا المكسورة. حضنت الدفتر لصدري وعيطت بحرقة، وبابا مد إيده طبطب على كتفي وقال بصوت كله رضا:

"عيطي يا مليكة.. العياط بيخفف، ومامتك مسبتناش.. هي ساكنة في قلبنا هنا، وشايفانا وفرحانة بيكي وبجوازك من تميم، اللي أثبت في الكام يوم اللي فاتوا إنه راجل بجد ومستعد يشيل الأرض اللي تمشي عليها."

​في اللحظة دي، باب الشقة اتفتح تاني بهدوء، وظهر تميم وهو داخل وماسك في إيده كيس فيه حلويات، وملامحه مليانة قلق وخوف عليّ عشان اتأخرت عند بابا. أول ما شاف دموعي والدفتر في إيدي، فهم على طول. ساب الحاجة من إيده وقرب مني بسرعة، نزل على ركبو قدامي ومسك إيدي وقال بنبرة دافية تملى القلب أمان:

"تاني يا مليكه؟... 

​بصيت له ودموعي على خدري، وقلت بصوت مكسور:
"مش بايدي يا تميم.. كل ركن هنا بيناديني، وكل حاجة بتفكرني بريحتها وضحكتها. بخاف أنساها!"

​تميم ابتسم بحنان، وقام قعد جنبي على الكنبة وخدني في حضنه قدام بابا، وقال بصوت ثابت وواضح:

"محدش بيقدر ينسى روحه يا مليكة، ومامتك روحها حاضرة في كل مكان بتدعيلينا فيه. وبعدين، أنا مش جيت عشان أبعدك عن أبوكي ولا عن بيتكم القديم.. أنا هنا عشان أكون ضهرك، وكل ما تحبي تيجي تطمني على أبوكي وتعدي هنا، أنا اللي هجيبك بنفسي."

​بابا بص لنا برضا وابتسم ابتسامة باهتة بس كلها طمأنينة، وقال لتميم:

"ربنا يبارك فيك يا ابني ويجعلك سند ليها طول العمر.. مليكة أمانة في رقبتك."

​رد تميم بثقة ورجولة:

"في عيوني يا عمي، مليكة مش مراتي وبس.. دي بنتي الغالية اللي مستحيل أخلّي حاجة تكسرها."

​قعدنا التلاتة نتكلم ونفتكر مواقف ماما الجميلة وضحكتها اللي كانت منورة البيت، ولأول مرة من أيام طويلة حسيت إن وجع الفراق بيبدأ يتحول لسلام ودفء داخلي، وإن ذكرياتها الحلوة هتعيش معانا للأبد.
______________________________

​قعدت في الأوضة الهادية، باصص لمليكة وهي نايمة على السرير وماسكة طرحة مامتها بين إيديها وبتحضنها وكأنها خايفه لتطير

. قلبي كان بيتقطع كل دقيقة وهي قدامي بتذبل ببطء. بقيت أشوف ضحكتها اللي كنت بموت فيها بتختفي يوم بعد يوم، وحياتها بتتأكل من كتر الحزن والوجع اللي ساكن عيونها.

​قربت منها بخطوات هادية، ونزلت على ركبتي جنب السرير. مسكت إيديها الباردة وبصيت لها بصوت خافض ومرتجف من كتر القلق عليها:

"مليكة.. حبيبتي، كفاية وجع لنفسك. إنتي بتأذي نفسك وبتموتييني معاكي بالبطيء من كتر ما أنا شايفك بالشكل ده."

​رفعت عينيها اللي كانت حمرا ومورمة من كتر العياط، وبصتلي بكسرة خلت روحي تسحب مني، وقالت بصوت مكسور يا دوب مسموع:

"مش بايدي يا تميم.. روحي راحت معاها. كل ما ببص في البيت أو بفتكر صوتها، بحس إني تيهة ومش قادرة أستوعب إنها خلاص سابتني لوحدي في الدنيا دي."

​حسيت إن الكلام بينغرز في صدري زي السكينة. طبطبت على إيديها بحنان وجمعت كل قوة في صوتي عشان أطمنها، وقلت بحزم دافئ:
"وأنا فين يا مليكة؟ مش أنا جوزك وسندك؟ مش أنا وعدتك إني هكون عيلتك وكل الدنيا دي ليكي؟ تعبك ده بيكسرني، ومامتك الله يرحمهات كانت بتتمنى تشوفك فرحانة ومستقرة، مش منهارة كده. عشاني.. وعشان خاطر حبنا، حاولي تقومي وتقاومي الحزن ده معايا."

​بصتلي بدموع مليانة امتنان، وسندت راسها على كتفي وهي بتترعش. حضنتها بكل قوتي وكأني بخبيها من وجع الدنيا، بس جوّايا كنت

 مرعوب.. مرعوب إن الوجع ده يتمكن منها أكتر، ومقدرش أرجع الضحكة لوشها اللي بحبه.

                     الفصل السابع من هنا
تعليقات



<>