رواية خيوط لاتري الفصل السادس6بقلم فاطمة مالكي
: خيوط جديدة
في اليوم التالي... وصلت حنين إلى الشركة وهي تشعر بشيء من الراحة لأول مرة منذ وصولها إلى القاهرة؛ ربما بسبب مكالمتها الطويلة والدافئة مع أختها حنان الليلة الماضية، أو لأن فكرة الانتقال من الفندق والتحرر من أعبائه المالية بدأت تقترب من الحل، أو ربما... لأنها أصبحت تملك في هذه المدينة وجوهًا مألوفة تمنحها شعورًا خفيًا بالأمان، وأشخاصًا يمكنها الاتصال بهم إذا احتاجت شيئًا.
لكن ذلك الشعور بالسكينة لم يستمر طويلًا داخل جدران شركة الحكيم؛ فبمجرد أن خطت قدمها داخل القسم، استشعرت حنين أن هناك ثقلًا غريبًا يشوب الأجواء. كانت الحركة على غير عادتها، وسلمى لم تكن تضحك أو تمازح الموظفين، بل كان الجميع يتحدثون بأصوات منخفضة مشوبة بالحذر، ثم يصمتون فجأة فور مرور أحد المديرين في الممر.
توقفت حنين عند مكتب سلمى ونظرت حولها بريبة قبل أن تسألها بنبرتها العفوية:
— واش صرا؟
رفعت سلمى رأسها فورًا، وتلفتت حولها بيقظة، ثم اقتربت منها وخفضت صوتها إلى حد الهمس:
— تعالي هنا.. فيه مراجعة داخلية مفاجئة النهارده.
قطبت حنين حاجبيها باستغراب:
— مراجعة؟ بسبب العقود؟
هزت سلمى كتفيها بقلة حيلة:
— محدش عارف، لكن الواضح إن فيه حاجة كبيرة من الصبح، والمديرين داخلين خارجين من المكاتب والتوتر عالي.
وقبل أن تضيف سلمى تفصيل آخر، ظهر كريم في نهاية الممر؛ كان يحمل عدة ملفات في يده ويمشي بهدوء مصطنع لم يفلح في إخفاء توتر نظراته. توقفت عيناه على حنين لثانية واحدة، التقت فيها نظراتهما، قبل أن يرسم على وجهه ابتسامة مهذبة وعابرة:
— صباح الخير.
— صباح النور.
ردت حنين تلقائيًا وبرسمية، ثم تابع كل منهما طريقه وعاد إلى عمله، وكأنها مجرد مصادفة عادية في ممرات الشركة. ولم تمضِ أقل من ساعة، حتى تأكدت الإشاعات؛ حيث وصل بريد إلكتروني داخلي وموجه من الإدارة يفيد بأن بعض الأقسام ستخضع لمراجعة تدقيقية مؤقتة، فانتشرت الهمهمات الساخطة والشكوك داخل المكاتب.
وسط هذه المعمعة، لاحظت حنين شيئًا آخر أثار فضولها؛ نادين لم تنزل إلى القسم ولو لمرة واحدة منذ بداية الدوام، وهو أمر غير معتاد بالمرة من شخصية تفرض رقابتها على كل صغيرة وكبيرة. رفعت حنين رأسها نحو مكتب سلمى وسألتها بصوت خافت:
— نادين ما جاتش اليوم؟ وينها؟
رفعت سلمى حاجبها بخبث ومرحها المعتاد بدأ يعود تدريجيًا:
— موجودة من الصبح عند الإدارة فوق.. ليه؟ وحشتك؟
كادت حنين تختنق برشفة القهوة التي أخذتها، وسعلت بخفة:
— الله يهديك يا بنتي!
انفجرت سلمى ضاحكة من ردة فعلها، بينما عادت حنين إلى شاشتها وهي تهز رأسها وتمتم بلهجتها:
— بقات غير نادين لي نتوحشها.
لكن حنين لم تكن تعلم أن نادين في تلك اللحظة بالذات، كانت تجلس خلف مكتبها المغلق في الطابق العلوي، وعيناها مثبتتان بحقد وتدبير على ملف صغير ومفتوح أمامها، يحمل اسم ضحيتها بخط عريض: حنين عمراني.
وفي الطابق العلوي نفسه، وتحديدًا داخل المكتب الرئيسي... كان مازن يقف أمام مكتب ياسين، ينظر بذهول إلى الأوراق والتقارير المبعثرة قبل أن يسأل بنبرة جادة خالية من الهزل:
— إيه الاستدعاء العسكري ده؟ و المراجعة الداخلية اللي نزلت فجأة؟
أدار ياسين شاشة حاسوبه المحمول نحو مازن ببرود شديد، ونقر على لوحة المفاتيح ليعرض صورة مكبرة وعالية الدقة من كاميرات المراقبة، وقال بنبرة هادئة تقطر خطورة:
— بص هنا.. وركز على الكارت اللي متعلق في رقبة الشخص ده.
اقترب مازن من الشاشة، وعقد حاجبيه محاولاً التدقيق، وما هي إلا ثوانٍ حتى شحب وجهه وتلاشت تساؤلاته لتحل مكانها صدمة حقيقية. رفع رأسه نحو ياسين بصوت منخفض ومتقطع:
— استنى.. ده كريم؟ موظف قسم العقود؟ إنت متأكد يا ياسين؟
أسند ياسين ظهره إلى كرسيه الجلدي، وشبك أصابع يديه بثبات وابتسامة جليدية على شفتيه:
— متأكد من امبارح بالليل. هو اللي سرق الملف من مكتب حنين.
ضرب مازن كفاً بكف بذهول:
— وعارف من امبارح وساكت؟ ده خاين من جوه الشركة! ولما إنت عرفته، ليه ما استدعتوش للتحقيق فوراً وفصلته؟
لمعت عينا ياسين بذكاء حاد، وقال بنبرة صارمة وحاسمة:
— عشان كريم مجرد أداة.. عسكري شطرنج صغير. لو قطعته دلوقتي، الرأس الكبيرة هتاخد حذرها وتستخبى. أنا سايبه يلعب وسايب المراجعة الداخلية تشتغل عشان أوترهم كلهم.
ابتلع مازن ريقه بوجل:
— الرأس الكبيرة؟ قصدك... نادين؟
هز ياسين رأسه برفض قاطع، ورسمت على شفتيه ابتسامة باردة تحمل سخرية سوداء، وقال وعيناه تزدادان قسوة: — "لأ يا مازن.. نادين أصغر بكتير من إنها تدير اللعبة دي، دي مجرد بيدق على الرقعة، عروسة ماريونيت بتتحرك بخيوط مش شايفاها. نادين فاكرة إنها أذكى من الكل، بس هي في الحقيقة بتنفذ أوامر من حد فوقيها.. حد أعمق وأخطر بكتير." خيوط اللعبة كلها بقت في إيدي يا مازن، أنا بس مستني اللحظة اللي يغلطوا فيها غلطة واحدة تخليني أفرمهم كلهم ضربة واحدة، وبأدلة ما يقدروش ينكروها.
تنهد مازن وهو يمسح على وجهه:
— الخيوط بتتشابك يا صاحبي.. طيب وحنين؟ عارفة باللي وصلتله؟
أغلق ياسين شاشة الحاسوب بحسم:
— محدش يعرف حاجة دلوقتي.. خصوصاً حنين. لازم تفضل بعيدة عن الشبهات والضغط وتفتكر إن الأمور عادية، عشان نقدر نتحرك من غير ما نلفت نظر نادين لإننا بنراقبها.
في الأسفل، قطع حبل أفكار حنين اهتزاز هاتفها. فتحت الشاشة لتجد رسالة من رانيا: "صباح الخير.. ماما بتسأل إذا بتحبي المحشي."
رمشت حنين بدهشة، واستغربت من هذا السؤال المفاجئ وسط أجواء العمل المشحونة، ثم كتبت مستفسرة: "علاش؟"
وجاء الرّد من رانيا فورًا ودون تفسير: "جاوبي على السؤال الأول."
ضحكت حنين بخفة من طريقتها وكتبت: "أكيد."
لتجيبها رانيا بعبارة احتفالية سريعة: "ممتاز.. تم اعتمادك رسميًا!"
حدقت حنين في الشاشة بحيرة وازدادت علامات الاستفهام في رأسها، فكتبت: "اعتماد في واش؟"
لكن رانيا توقفت عن الرد تمامًا؛ لأنها كانت في تلك اللحظة بالذات تلوح بهاتفها بانتصار أمام والدتها السيدة أمينة في المنزل قائلة بزهو:
— قلتلك بتحب المحشي! أنا عارفاها.
فردت السيدة أمينة باسمة وبعاطفة أمومية دافئة:
— كنا حنحبوها ونعزموها حتى لو ما بتحبوش يا رانيا، البنت دخلت قلبي من كلامك عنها.
وفي مكتب نادين... كانت الأخيرة تنظر بخبث إلى ورقة صغيرة بين يديها، مدون عليها عنوان شقة سكنية ورقم هاتف لسمسار عقارات. التقطت هاتفها السري، وطلبت الرقم وسارت في المكتب ذهابًا وإيابًا:
— ألو؟ ايوا يا سامح؟ الشقة اللي كلمتني عليها جاهزة ؟ ممتاز.. جاه وقت التنفيذ حضر نفسك.
بعد أقل من ساعة... كانت حنين خارجة من قسمها ومتجهة نحو المصعد العام، عندما سمعت صوتًا غريبًا يناديها من الخلف:
— آنسة حنين؟
التفتت لتجد رجلًا في منتصف الأربعينات، يرتدي بدلة رسمية بسيطة وملامحه تبدو عملية للغاية. ضيقت عينيها وقالت:
— نعم؟
ابتسم الرجل بمهنية مصطنعة وقال:
— أنا من مكتب عقارات متعاون مع خدمات الشركة، وصلنا من الإدارة إن حضرتك موظفة جديدة وبتدوري على سكن هنا قريب.. فيه شقة مناسبة جدًا، موقعها ممتاز وقريبة من المقر، وإيجارها أقل من السوق بكتير.. وده كارت المكتب وفيه العنوان.
أخذت حنين البطاقة بتعجب ودهشة، ونظرت إليها ثم إليه:
— شكراً.
غادر الرجل مسرعًا نحو المخرج، وبقيت هي واقفة في ممر المصاعد بحيرة وقلق ينهش صدرها؛ فهي لم تخبر بموضوع بحثها عن السكن إلا لعدد محدود جدًا من الناس، فكيف وصل الأمر لمكتب عقارات خارجي بهذه السرعة؟
ومن الطابق العلوي... كان ياسين يقف خلف الجدار الزجاجي الكبير يراقب المشهد بالأسفل بيقظة تامة؛ رأى الرجل الغريب وهو يتحدث مع حنين ويغادر، ورأى البطاقة البيضاء وهي تستقر في يدها المتوترة، كما لمح بطرف عينه نادين وهي تتابع الموقف وتتلصص من خلف جدار الممر البعيد بابتسامة نصر خافتة.
أظلمت عينا ياسين، وبدت ملامحه حادة وعنيفة في تلك اللحظة، وقال بصوت منخفض وهادئ للغاية:
— بدأتي تلعبي على المكشوف.. خلينا نشوف آخرتها معاكي يا نادين.
بينما قال مازن الذي كان يقف بجواره ويراقب نظراته بقلق:
— بتفكر في ايه ... أنا بدأت أقلق بجد من اللي هيحصل.
ياسين بكل برود وثقة:
— وأنا بدأت أطمّن.. لأن اللعب لما بيبان بيبقى أسهل.
قبل نهاية الدوام بقليل... لمحت سلمى البطاقة المتروكة بجانب لوحة مفاتيح حنين، فالتقطتها بسرعة وصفرت بإعجاب وهي تقرأ العنوان:
— لا لا، دي منطقة محترمة جدًا وهادية! إنتِ لقيتي شقة لقطة تانية وخبّيتي عليا؟
حنين بنبرة قلقة:
— ما لقيتش، واحد جاني الشركة وعطاني العنوان وقال بلي عندو شقة مناسبة ، والله ما نعرف شكون هو ولا كيفاش عرف بلي راني نحوس!
حدقت أمينة بها بجدية، واختفت ابتسامتها وتحولت لنبرة تحذيرية:
— ما تعرفيهوش؟ وجالك لحد هنا وعايزك تروحي تشوفي شقة لوحدك؟ حنين.. الموضوع ده غريب، لو قررتِ تروحي.. إياكِ تروحي لوحدك! سامعة؟
أومأت حنين برأسها تأكيدًا، وظلت كلمات سلمى التحذيرية عالقة في ذهنها تثير هواجسها.
اهتز هاتف حنين مجددًا برنين رسالة جديدة من رانيا: "خلصتي دوام؟ ممنوع ترجعي الفندق لأنك مدعوة رسميًا للعشاء في البيت، وماما قالت لو رفضتي أو اعتذرتي هتزعل بجد.. والزعل مش في مصلحتك."
ضحكت حنين من قلبها وسط كل هذا التوتر، وكتبت مستسلمة للطفهن: "هذا تهديد؟"
رانيا فورًا: "طبعًا، وتهديد عائلي من الدرجة الأولى كمان."
ردت حنين: "خلاص.. استسلمت للأمر الواقع."
بعد أقل من ساعة... كانت سيارة الشركة تتوقف أمام بوابات منزل عائلة الحكيم الفخم. نزلت حنين وهي تشعر بتوتر يسري في أوصالها؛ فهذا هو منزل العائلة الكبيرة التي تمتلك المجموعة بأكملها، والمكان يحمل هيبة خاصة. وقبل أن تطرق الباب، انفتح فجأة لتظهر رانيا بابتسامتها الحيوية:
— أخيرًا وصلتي! تعالي بسرعة ادخلي قبل ما ماما تنزل بنفسها وتعملنا قلق عند الباب.
تبسمت حنين بخجل:
— سلام عليكم أولًا.
رانيا وهي تسحبها من يدها بحماس للداخل:
— وعليكم السلام والرحمة! ادخلي يا بنتي.
استقبلتها السيدة أمينة بوجه بشوش وابتسامة أمهات دافئة بددت جزءًا كبيرًا من توترها:
— أهلًا يا حنين، نورتي بيتك التاني يا بنتي.
شعرت حنين بخجل شديد ووجنتاها احمرّتا لطيب المعاملة، وفجأة دخل مازن إلى الصالون وهو يصلح هندامه، ورفع حاجبيه بمرح:
— والله طلعتِ موجودة فعلاً ونورتينا! أنا كنت متوقع رانيا تخطفك من الفندق لو فكرتي ترفضي العزومة.
رانيا بجدية مصطنعة:
— كنت هعمل كده فعلاً لو اعتذرت!
فانفجر مازن ضاحكًا، وشاركتهم السيدة أمينة الابتسام.
كانت حنين، برغم خجلها، تصر على مساعدة السيدة أمينة ورانيا في تجهيز سفرة الطعام الكبيرة، ورغم اعتراضات الأم الحنونة، إلا أن رانيا حسمت الأمر بضحكة:
— فكي شفرتك يا ماما، قانون البيت ده انتي لي عاملاه؛ أي حد يدخل المطبخ لازم يشتغل ويساعد!
ضحكت حنين وشاركتها ترتيب الأطباق:
— هذا قانون ظالم بزاف.
وفجأة، وبينما كانت حنين تضع آخر الأطباق على السفرة الممتدة، سمعت خطوات هادئة وثقيلة تنزل من الدرج الداخلي للمنزل. التفتت تلقائياً، وتوقفت الكلمات تماماً في حلقها، وتسمرت يدها فوق الطاولة.
كان هذا ياسين.. ولكنه وضع "الجنرال" جانباً في جناحه بالأعلى. كان قد خلع درعه الرسمي بالكامل ونزل بـ "لوك" كاجوال عفوي وآسر لم تعهده فيه من قبل!
كان يرتدي كنزة قطنية خفيفة باللون الرمادي الداكن ، ذات أكمام طويلة قام بتشميرها بعفوية حتى مرفقيه، مبرزةً سواعده القوية والصلبة. الكنزة كانت تلتصق بجسده الرياضي بطريقة أبرزت عرض كتفيه المهيب وضخامة بنيته دون أي تكلف. وكان يرتدي بنطالاً مريحاً من القماش الأسود. شعره الأسود الكثيف الذي كان دائماً مصففاً بدقة شديدة في الشركة، كان الآن مجففاً بعشوائية وينسدل بقليل من الحرية على جبهته، مما منحه مظهراً أصغر سناً، وأكثر وسامة، وجاذبية طبيعية قاتلة.
تسمرت عينا حنين عليه، وشعرت بقلبها يقفز قفزة مفاجئة وعنيفة جعلت وجنتيها تشتعلان حمرة. غمرتها موجة من الارتباك الشديد؛ فرؤيته بهذا القرب وبهذه الثياب التي تفيض بالرجولة العفوية والراحة المنشرحة، سلبتها كل قدرة على التفكير. لقد بدا وسيماً لدرجة مرعبة في بيته!
أما ياسين، فقد التقت عيناه بعينيها المتسعتين بدهشة، ولمحت عيناه السوداوان نظرة ارتباكها، ليمر بريق مستمتع وخفي في نظراته تداركه سريعاً ببروده المعتاد وهو يتقدم ويجلس على رأس السفرة.
عندما جلس الجميع حول السفرة الممتدة، تعمدت رانيا اختيار الكرسي المجاور لياسين لتجلس فيه حنين. وبسبب رائحة عطره الخفيفة ، عاد التوتر لحنين وتضاعف خجلها بينما كسر مازن الصمت قائلًا بصوت متهكم:
— إيه يا عم غيرت اللوك بس مافكيتش وشك ليه ابو برودك ياشيخ
بدأت الأحاديث تتحرك بعفوية ودفء، وحاولت رانيا كعادتها المشاغبة إحراج أخيها الأكبر لتلطيف الأجواء:
— تعرفي يا حنين إن ياسين وهو صغير... كان أهدأ طفل في العالم بس لو حد لمس ألعابه بيتحول لشخص مرعب؟
ياسين دون أن يرفع رأسه من طبقه، وبنبرة منخفضة حازمة:
— رانيا.. كلي وإنتي ساكتة.
انفجر مازن ضاحكًا وهو يصفق بخفة:
— لا لا كملي يا رانيا، انا بحب افتكر مصايبنا جدًا!
وجه له ياسين نظرة حادة ومحذرة:
— مازن.
عدل مازن جلسته بسرعة:
— حاضر.. كتمت الضحكة أهو.
ولم تفارق الابتسامة وجهه، بينما بدأت حنين تضحك بخفة ولأول مرة من قلبها وهي تكتشف هذا الجانب العائلي الإنساني البعيد عن صرامة وجفاء مديرها في العمل، ولمحت عين ياسين وهي تتابع ضحكتها برضا خفي.
عادت السيدة أمينة لتسأل برقة:
— حنين، بخصوص السكن ، مفيش أي عرض جالك؟
تذكرت حنين موقف الصباح، فوضعت شوكتها وقالت:
— اليوم صباح جاني عرض شقة غريب؛ واحد جاء لوسط الشركة وقال إن عندو شقة مناسبة وقريبة وبسعر قليل، وعطاني الكارت.. والله ما علابالي شكون بعتو ولا كيفاش عرف بلي راني نحوس، الموضوع جاني مشبوه شوية.
في تلك اللحظة، مرت نظرة سريعة، خاطفة وحذرة للغاية بين ياسين ومازن، لقطتها الأم فورًا بذكائها، فقالت لحنين بحنان تام:
— ما تروحيش لوحدك أبدًا يا بنتي تشوفي الأماكن دي، إنتي جديدة في البلد وأي مكان غريب لازم تاخدي حد معاكي يطمن عليكي.
أومأت حنين باقتناع:
— أكيد، هذا وش خمممت أنا وسلمى ثانـي.
بينما ظل ياسين صامتًا، يحلل الموقف وعقله يعمل كآلة؛ فيقظته أكدت له أن نادين بدأت تتحرك لجر حنين لمصيدتها أسرع مما توقع، وأن الشقة ما هي إلا طُعم.
بعد انتهاء العشاء والانتقال للصالون لاحتساء الشاي، سألت رانيا فجأة لتلطيف الجو:
— سؤال مصيري ومهم يا حنين.. لو خيروكي في مقارنة دولية بين المحشي المصري والكسكسي الجزائري؟ هتنحازي لمين؟
شهقت حنين ضاحكة من المقارنة الصعبة:
— هذا سؤال واعر وصعيب بزاف.. الكسكسي طبعًا بلا منازع! هو سلطان المايدة عندنا.
رانيا بانتصار ومازحة مع والدتها:
— يس! أهو اعترفت طالما بتحب الكسكسي يبقى ذوقها عالي.
السيدة أمينة بأسف مصطنع:
— خسارة.. وضاع تعب المحشي عالفاضي .
مازن بأسى كوميدي:
— انتهت الصداقة والعلاقات الدبلوماسية بين البلدين !
لينفجر الجميع في الضحك، وبينما كان الصخب يملأ الغرفة، ظهرت شبه ابتسامة ، هادئة ودافئة على وجه ياسين وهو يراقب اندماج حنين مع عائلته.
عند المغادرة، وقفت حنين عند الباب تشكر السيدة أمينة للمرة الثالثة على كرم الضيافة، فقالت الأم مبتسمة وهي تحتضنها:
— لو شكرتينا تاني هحسبها زيارة رسمية وجافة، إحنا هنا أهلك والزيارة دي لازم تتكرر كتير.
رانيا بمشاغبة:
— وبنفس الشكل الخاطف!
حنين ضاحكة:
— أنتِ خطيرة يا رانيا.. راني عرفتك خلاص!
بعد خروج حنين واستقلالها سيارة الشركة العائدة للفندق، التفتت رانيا فورًا لوالدتها والسعادة تغمرها:
— ماما.. بلاش تمثيل بقى، البنت قاعدة لوحدها في فندق ومش مرتاحة والوضع المالي والشركة بيضغطوا عليها، وأنتِ بتفكري في نفس الحكاية اللي في بالي، صح؟
هتف مازن من خلفهما وهو يرفع يده:
— أنا شاهد ومؤيد.. من أول نص ساعة في السهرة والبنت تستاهل!
تنهدت السيدة أمينة وقالت بنبرة جادة تحمل حنان الأمومة:
— أنا فعلاً مش مرتاحة لفكرة إنها قاعدة لوحدها في الغربة وهي جديدة في البلد ومش عارفة حد.. (ثم التفتت ونظرت مباشرة نحو ياسين الصامت): — إيه رأيك يا ياسين نستضيفها مؤقتًا وبإيجار رمزي في شقتك القريبة من الشركة لحد ما تلاقي سكن مناسب وتستقر؟ أوعى تقول ما كنتش فاهم ترتيبنا من الصبح.
نظر ياسين لوالدته، ثم لأخته، وصمت للحظة تفكير هادئة وعميقة؛ كان يعرف أن هذا الاقتراح سيضرب خطة نادين في مقتل، ويحمي حنين ويجعلها تحت ناظريه وفي أمان تام، فقال بنبرته الرصينة المعتادة:
— لو هي موافقة ومفيش إحراج ليها... أنا معنديش مشكلة في الموضوع ده.
قفزت رانيا بحماس:
— يس! كنت عارفة إنك مش هترفض!
أغمض ياسين عينيه مستسلمًا لجنون أخته، وانفجر مازن ضاحكًا وهو يضرب كتف ياسين:
— ألف مبروك يا صاحبي.. بدأ المشروع والترتيب رسميًا!
وفي الجهة الأخرى من المدينة... أغلقت نادين حاسوبها المحمول في غرفتها براحة تامة وثقة؛ فالسمسار تحدث مع حنين والشقة أصبحت جاهزة تمامًا لاستدراجها، ولم يعد يفصلها عن تنفيذ خطتها وإيقاع الفتاة إلا خطوة واحدة، دون أن تعلم شيئًا عن "المؤامرة العائلية" الدافئة التي حيكت بدقة وتلقائية في منزل الحكيم.
في صباح اليوم التالي... استيقظت حنين بنشاط غير معتاد، ولم تشعر بالثقل الذي كان يلازم صباحاتها السابقة؛ بفضل تلك السهرة الدافئة التي أعادت لها روح العائلة. وعند الظهر، وبينما كانت تراجع بعض الأوراق في مكتبها، رن هاتفها برقم السمسار الغريب:
— صباح الخير يا آنسة حنين، مع حضرتك سامح من مكتب العقارات.. حابة تشوفي الشقة النهارده بعد الدوام؟ الشقة جاهزة للمعاينة.
ترددت حنين للحظات، وتذكرت تحذير أمينة ووالدة ياسين، فقالت بحذر:
— تمام.. بعد الدوام إن شاء الله، نجي نشوفها.
وفي الوقت نفسه، دخل مازن مكتب ياسين العلوى ومعه كوب قهوة ساخن، وقال وهو يبتسم:
— رانيا ووالدتك صاحيين من الصبح بيخططوا وفرشوا الشقة في خيالهم، وبيفكروا إزاي يعرضوا موضوع الاستضافة على حنين من غير ما يحرجوها.. لجنة إسكان ودعم نفسي كاملة شغالة لحسابك!
ظهرت لمعة استسلام هادئة في عيني ياسين، ووضع قلمه جانباً وقال بهدوء:
— الله يكون في عونها بجد.
قطب مازن حاجبيه بمرح:
— في عون مين؟ رانيا؟
ياسين بنبرة ذات مغزى:
— لا.. في عون حنين من رانيا وأمي!
فانفجر مازن ضاحكًا.
لم تمر دقائق معدودة، حتى اهتز هاتف حنين في الأسفل برسالة جديدة وقاطعة من رانيا: "ممنوع ترفضي أو تاخدي أي قرار لوحدك.. ماما قالت لو لسه ما لقيتيش سكن مناسب لازم نتقابل النهارده بعد الشغل ونتكلم في موضوع مهم جدًا يخص استقرارك."
اتسعت عينا حنين بذهول ودهشة، وضربت جبهتها بخفة وكتبت بسرعة: "نتكلم في ماذا؟ واش كاين؟"
لتجيبها رانيا فورًا بإيموجي ضاحك ومبهم ومستفز: "هتعرفي في وقتها! مستنينك."
تنهدت حنين بعمق ونظرت إلى شاشة الهاتف المضيئة، وقالت لنفسها بنبرة قلقة ومضحكة تحمل الكثير من التوجس:
— يا ساتر يا ربي... باين إنها مؤامرة عائلية كاملة ومخططين ليها مليح!
