رواية عتبة الابواب الفصل السادس6بقلم مي عيد


رواية عتبة الابواب الفصل السادس6بقلم مي عيد

الصوت كان هادر وقوي جداً
 لدرجة إن جدران الفيلا كلها اهتزت، والكلمات نزلت كالصاعقة على المتسلل اللي وقف مكانه متسمر من الصدمة والرعب. لف راسه بسرعة ذعر ناحية مصدر الصوت اللي جاي من مدخل الصالة، وأنا فتحت عيني بدموع وتعب شديد وبصيت لنفس الاتجاه وعقلي وقف.

​ ده كان جدو عز!
​واقف بطوله الهيبة وقوته رغم كبر سنه، وماسك في إيده عصايته بغضب أعمى وعيونه بتلمع بشرار النيران، وورا عدد من حراس الفيلا اللي ظهروا فجأة وحاصروا المكان في ثواني معدودة.
​الشخص الي واقف  اترعب ووشه أصفر ومبقاش عارف يعمل إيه ولا يهرب فين بعد ما اتكشف، وحاول يرجع بضهره لورا، بس جدو عز مااداهوش فرصة؛ شاور للحراس بعصايته بصرامة وقال بصوت جهوري:
"هاتوه.. متخليهوش ينطق بكلمة، ووروني وشو ده اللي تجرأ ودخل بيتي!"
​في لحظة واحدة، هجم الحراس على المتسلل بغضب وقبضوا عليه باحتراف، وطرحوه أرضاً وسط تخبطه ومحاولاته الفاشلة للهروب، وشد الحارس القماشة السوداء من على وش الراجل بعنف.. وهنا ظهرت ملامحه المرعوبة قدامنا!
​الحراس خدوا مربوط ورموه في المخزن والصالة هديت تدريجياً، بس رعب اللحظة لسه سايب أثره في قلوبنا كلنا. مي جريت عليا بقلق وحضنتني وهي بتطبطب على ظهري عشان تهدي روعي، وكيندا طلعت من فوق على صوت الزعاق وشافت المنظر وهي مخلوعة.
​دقائق قليلة، ورجع راس الحراسة ودخل الصالة بخطوات سريعة وقال باحترام لجدو:
"يا فندم.. الراجل دا نطق بكل حاجة! اعترف إن هدى وبنتها ملك هما اللي خططوا لكل ده، وإنهم مدينله فلوس عشان يدخل ويأذي المدام ليل ويمضيها على أوراق تنازل مستغلين إن رعد الله يرحمه كتب كل حاجه والبيت باسمها!"
​الكلمات نزلت في الصالة كالصاعقة! جدو عز ضحك ضحكة قصيرة مليانة سخرية ووعيد، وعيونه لمعت بشرار الغضب وقال بصوت رن في الجدران:
"بقى هدى بتلعب بديلها وبتستغل غياب رعد عشان تسرق حق مراته وتدبر لها في الغمى؟! دي فاكرة إن البيت مالوش صاحب وإنها هتعمل اللي هي عايزاه.. بس والله العظيم ما هرحمها ولا هخليها تخرج من الباب ده غير وهي محبوسة ومذلولة 

​وقبل ما جدو يتحرك عشان ينفذ وعيده، سمعنا صوت خبط مزعج وعنيف على الباب الرئيسي للفيلا، وصوت صراخ عالي بيملأ المكان.. صوت هدى وهي جاية برجليها تقتحم البيت بكل صفاقة!
​الباب اتفتح بعنف، وظهرت هدى وهي داخلة وعيونها بتطلع شرار، وواخدة وضع الهجوم والزعاق قبل ما تفهم حتى إيه اللي حصل:

"إيه المهزلة دي؟! مين ده اللي حابس السواق في المخزن وبيلفق التهم ليا ولبنتي؟! أنتوا اتجننتوا ولا إيه؟ فاكرين عشان رعد مابقاش موجود هتعملوا اللي تحبوه في البيت ده براحتكم؟!"

​الكل اتجمد مكانه من جرأتها وشجاعتها المزيفة وهي واقفة قدامنا بكل وقاحة، بس جدو عز ماداهاش فرصة تخلص كلامها ولا تتنفس حتى. خطى خطوات ثابتة وقوية ناحيتها، وعصايته خبطت في الأرض بصوت مرعب، وبص لها بنظرات نارية وقال بصوت جهوري هز الصالة كلها:
"صوتك ميعلاش يا هدى يخسارة تربيتي فيكي بقا كده بتأذي مين بنت اخوكي؟ لا وكمان انتي الي مدبره موت رعد؟ حرام عليكي يا خسارة تربيتي فيكي يا هدى

​هدى خطوتها رجعت لورا بغريزة الخوف، وشفايفها بدأت تترعش أول ما شافت عيون جدو، بس حاولت تتمالك نفسها ورفعت صوتها باهتزاز:
"أنت.. أنت بتكلمني أنا كدة يا بابا عشان شوية كلام فاضي من شوية عيال؟! أنا.. أنا هبلغ البوليس إنكم بتعتدوا عليا!"
​جدو قاطعها بضحكة سخرية خلت الدم يفر في وشها، وشاور للحراس بصوت حاسم:
"بلغوا البوليس أنتم.. وقولوا إننا ماسكين المجرم بالجرم المشهود وبالصوت والصورة وهو بيعترف إن الهانم هي اللي أمرته يقتل ويرهب! والكلب اللي في المخزن هينطق بكل بلاويكم قدام النيابة
​وش هدى خطف.. والألوان طارت من وشها، وبقت تبص حواليها برعب بعد ما أدركت إن اللعبة اتكشفت بالكامل ومفيش أي مفر للهروب!
​الشرطة مخدتش ثواني وكانت عربياتهم مالية شارع الفيلا كله، ودخلوا بسرعة بناءً على اتصال جدو عز الفوري. الظباط وقفوا قدام هدى اللي كانت وشها أصفر وبتترعش من الهلع وهي شايفة الحبل بيضيق حواليها.
​ وجه نظره لهدى وقال بصرامة:
"مدام هدى؟ معانا أمر بالقبض عليكِ بتهمة التحريض على القتل، اقتحام، والاتفاق الجنائي لترهيب سكان البيت اتفضلي معانا بهدوء من غير مشاكل!"
​هدى صرخت بصوت هستيري وهي بتخبط في الهوا بجنون:
"أنتَ بتقول إيه؟! دي مؤامرة! سبوني بقولكم.. بابا! مش هتسيبهم يعملوا فيا كدة صح؟!

​جدو عز بص لها بنظرة مقرفة ودار وجهه عنها بقمة الإحتقار، وقال بصوت حاد:
"خدوها من قدامي.. مش عايز أسمع صوتها ، وخلي القانون ياخد مجراه

​ظباط الشرطة كتفوا إيديها وسط صراخها وعياطها اللي هز أركان المكان، وخدوها برة الفيلا ركبوها البوكس، وسحبوا وراهم سواقها اللي طلعوه من المخزن مكتوف، واتقفل باب الفيلا وراهم وكأن جبل ثقيل انزاح من على صدورنا كلنا!

​مي جريت عليا وحضنتني بقوة وهي بتتنفس بعمق، 

​قعدت على الكنبة بتعب شديد وإرهاق هد حيلي من كتر الخوف والتوتر اللي عشته، حسيت إن جسمي كله بيترعش من كتر الأحداث اللي حصلت ورا بعضها، بس على الأقل.. هدى اتأدبت ودخلت السجن ومبقاش ليها وجود بيننا.
​جدو عز قرب مني وطبطب على كتفي بحنان وقال بصوت أبوي دافئ:
"اطلعي يا بنتي ارتاحي في أوضتك، واطمني.. طول ما أنا عايش محدش يقدر ينزل دمعة واحدة من عينك."
​هزيت راسي بامتنان

 وطلعت بخطوات بطيئة ومتعبة حسيت إن طاقتي انتهت تماماً وعضم جسمي كأنه متكسر من كتر الرعب والإرهاق اللي عشته.

​كنت باصة قدامي ومركزة في السلم، وقبل ما ألحق أوصل لآخر درجاية وأفتح باب الجناح، حسيت بدوخة عنيفة ومفاجئة هجمت على راسي الدنيا لفت بيا بطريقة مخيفة، وعيني ظلمت تماماً في ثانية. ماقدرتش أتحكم في رجلي، وفقدت توازني تماماً... ووقعت على السلم!
​صرخة خرجت مني وأنا بوقع، والصوت تردد في أرجاء الفيلا. في ثواني، لقيت كيندا ومي بيجري بجنون من تحت ومن الأوض، وصوت مي بيصرخ بذعر:
"ليل!! الحقونا يا جماعة، ليل وقعت من على السلم!"

​الكل اتلم حواليا في ثواني، وجدو عز جه بخطوات مرعوبة وهو بينادي على الحراس عشان يجيبوا الدكتور بسرعة.

​بعد وقت قصير كنت نايمة على السرير جوه الجناح ودكتور كان واقف جنب السرير بيقيس النبض بتركيز وشده واضحة على وشك، وحواليا كيندا ومي وجدو عز باصين لي بقلوب مخلوعة وعيون مليانة خوف.
​أول ما فتحت عيني ببطء وصعوبة، مي اتنهدت بعمق وقالت بدموع ولهفة:

"ليل! حبيبتي، أنتِ كويسة؟ 
​حاولت أعدل نفسي بس حسيت بوجع خفيف، وقولت بصوت مهزوز ومبحوح:
"أنا.. أنا إيه اللي حصل؟ حسيت بدوخة فجأة 

​في اللحظة دي، الدكتور بص لنا كلنا بابتسامة هادئة ومطمئنة، وقال وهو بيقفل شنطته:
"حمد لله على سلامتك يا بنتي.. متخافيش، الوقعة والدوخة دي نتيجة الإرهاق الشديد وانخفاض الضغط، بس فيه خبر تاني خالص هو السبب الأساسي في كل ده."
​بصيت للدكتور باستغراب وتعب، ورفعت حواجبي وأنا بسأله بصوت ضعيف:
"خبر إيه يا دكتور؟"
​الدكتور بص لجدو وكيندا ومي اللي ابتسموا بسعادة، ورجع بص لي وقال بهدوء:

"مبروك يا ليل.. أنتِ حامل وبقالك فتره لازم تلتزمي بالعلاج

​كلمة "حامل" نزلت على وداني أوقفت دقات قلبي تماماً! فتحت عيني على آخرها وبصيت له بذهول تام ومش مصدق اللي بتقوله، ونطقت بصوت عالي ومنهك وعقلي واقف مش استوعب:
"حا... حامل؟! 

تعليقات



<>