رواية اوقات في الملجا الفصل السادس6بقلم الين روز


رواية اوقات في الملجا الفصل السادس6بقلم الين روز

_ أنت بتترحم علي والدتك؟ 
_ لأ مهي مها مش والدتي. 
_ إيه؟ أومال تبقي مين؟ 
_ تبقي مرات بابا. 
سمعت كلامه بصدمة ومش قادرة أستوعب! "مها هانم" اللي كانت واقفة حايشة، واللي كانت أحن واحدة عليا وعلى الملجأ ومصممة توفق الأوضاع، تطلع مش أمه الحقيقية؟!
​بصيت له باستغراب وشفت في عينيه لمعة حزن قديمة ومكتومة، حزن مش شبه المدير المغرور اللي عرفته في الأول، بس شبه نظرة التوهان اللي بشوفها في عيون أطفال الملجأ لما يسألوا عن أهاليهم.

​بلعت ريقي وسألته بصوت هادي:

_ أومال.. والدتك الحقيقية فين يا صهيب؟

​سرح بعينه بعيد ناحية الأساسات اللي العمال بيصبوها، وأخد نفس طويل وقال بنبرة فيها وجع قديم:

_ أمي اتوفت وأنا صغير أوي.. كنت لسه ست سنين. ومها هانم دخلت حياتنا بعد وفاتها بسنتين. رغم إنها مجابتش ولاد، لكن الحق يتقال، عمرها ما عاملتني كابن جوزها، بالعكس.. كانت دايمًا بتحاول تعوضني، بس أنا اللي كنت دايمًا ببعد وقافل على نفسي. أصل اللي بيخسر أمه بدري يا ليل، بيفضل طول عمره حاسس إن السقف اللي حاميه ممكن يقع عليه في أي لحظة.

​الكلمات خرجت منه ولمست قلبي بجد.. كلامه خلاني أفتكر نفسي، أفتكر وجعي اللي عشت كاتماه طول السنين دي. أخدت نفس عميق والدموع بدأت تتجمع في عيني  وبصيت له وقلت بصوت مخنوق:

_ عارف يا صهيب.. أنا كمان حاسة بالنقص ده، يمكن أكتر منك بكتير.

​بص لي باهتمام وسكت، فكملت وأنا سارحة في الذكريات:

_ أنا مكنتش مجرد بنت اتولدت ورموها جنب الملجأ زي ما كنت فاكرة زمان.. أنا فاكرة أمي، فاكرة ريحتها وحضنها. كنت مع أهلي عادي، بابا وماما، لحد ما بابا اتوفى.. وماما أخدتني وراحت بينا الملاهي عشان تفرحني وتخفف عني، وفي وسط الزحمة واللعب.. ضاعت مني! فضلت أدور عليها وأعيط وأنا بنادي باسمها، لحد ما حد أخدني ووداني الملجأ.

​مسحت دمعة نزلت على خدي وكملت:

_ لما أخدوني هناك، كانوا فاكرين إني ماليش حد، وماما سميرة حكت لي بعدين إنهم لقوا السلسلة دي والصورة واقعين على بعد خطوات مني، فخمنوا إنها وقعت من الشخص اللي جابني. السلسلة دي فيها صورتي مع ماما، والذكرى الوحيدة اللي فاضلة لي من حياتي اللي فاتت، فضلت سنين أصحى كل يوم على أمل إن الباب يخبط وماما تدخل تأخدني في حضنها وتقولي إنها كانت بتدور عليا.. عاشت طفولتي كلها وأنا مستنياها، ولحد النهاردة، رغم كل اللي مريت بيه، لسه عندي أمل ألاقيها، ولسه ماسكة في أمل إنها متخليتش عني بإرادتها.

​صهيب كان بيسمعني بسكوت تام، وملامح وشه كلها اتغيرت، النظرة الحادة اختفت تماماً وحل مكانها تعاطف وصدمة حقيقية من اللي سمعها.

​قرب مني خطوة ورفع إيده بتتردد كأنه عايز يمسح دموعي، بس نزلها بهدوء وقال بصوت دافي جداً:

_ أنا آسف يا ليل.. آسف على كل كلمة قلتها لك، وعلى كل مرة حكمت عليكِ فيها من غير ما أعرف أنتِ شفتِ إيه في حياتك. أنتِ أجمل وأقوى من أي حد عرفته، وحقك تحاربي على الملجأ ده، لأنك عارفة يعني إيه بيت وأمان بجد.

​ابتسمت وسط دموعي وهزيت رأسي:

_ الأمان مش بالفلوس يا صهيب.. الأمان بوجود ناس تحبك وتخاف عليك. ومها هانم بتحبك بجد، أنا شفت ده في عينها لما كانت خايفة عليك من المشاكل وخايفة إنك تظلم حد.

​بص لي بهدوء، ولأول مرة أشوف ابتسامة حقيقية ودافية على وشه، وقال:

_ شكراً يا ليل.. شكراً إنك فتحتِ قلبك ليّ، وشكراً إنك خليتيني أشوف الحقيقة.

​عدت الأيام، وبقت علاقتي بصهيب أقوى وأعمق. الشغل في الشركة بقى يمر بسلاسة، وسحر لما لقيت إن صهيب ومها هانم ووائل بيه كلهم بقوا يحترموني جداً، انسحبت من الملاوعة وبقت تتعامل بحدود أدب الشغل.

​وفضل الشغل شغّال في المبنى الجديد للدار على قدم وساق، وكل أسبوع كنت بروح مع صهيب نتابع المبنى وهو بيكبر ويترفع خطوة بخطوة.. والورش والمكتبة بقوا واقع بيتجهز بأحدث طراز.

​وبعد مرور ست شهور كاملة..

​وقفنا كلنا في احتفالية افتتاح "دار الأمل الجديدة". المكان كان جديد، واسع، دافي، ومجهز بأعلى مستوى. الأطفال كانوا بيلعبوا في الجنينة الكبيرة، وماما سميرة واقفة وبتبكي من الفرحة وهي شايفانا كلنا ملمومين، البنات صحباتي كل واحدة أخدت وظيفة محترمة بفضل الدعم المالي والتدريب اللي أتوفر للدار، وأنا واقفة لابسة فستان بسيط لكن شيك جداً، ورافعة رأسي بفخر.

​قربت مننا مها هانم ووائل بيه، ومها هانم حضنت ماما سميرة بحرارة وقالت:

_ مبارك يا أمي.. المبنى ده يربى فيه أجيال وأجيال، وبإذن الله مش هنسيبكم ولا نقصر معاكم في أي حاجة أبداً.

​ردت ماما سميرة وهي بتمسح دموع الفرح:

_ الله يبارك في عمرك يا مها هانم.. الجميل ده مش هنساهولكم طول عمري، والفضل بعد ربنا يرجع للجدعة دي اللي عافرت وما استسلمتش.

​بصيت لماما سميرة وابتسمت، وضميتها ليّ وأنا حاسة إن تعبي وسهري ونزيف الدم اللي اتصفى مني في الحادثة، كله هان قدام اللحظة دي.

​في وسط الهيصة والاحتفال، لمحت صهيب واقف بعيد شوية، لابس بدلة كحلية أنيقة ومبتسم وهو بيتفرج على الأطفال وهما بيلعبوا كورة في الملعب الصغير اللي اتعمل مخصوص عشانهم. كان شكله مختلف تماماً عن أول يوم شفته فيه، البهجة والنور كانوا مالين وشه، والقسوة والجمود اتبخروا تماماً.

​مشيت بالراحة ناحيته ووقفت جنبه، وبصيت لنفس الاتجاه وقلت بهدوء:

_ عقبال ما نشوف أول دفعة بتتخرج من الورش والمكتبة يا أستاذ صهيب. 

​التفت لي وابتدت ابتسامته تتسع، وقال بنبرة هادية ودافية:

_ أستاذ صهيب برضه يا ليل؟ أظن بعد كل اللي مرينا بيه ده، رفع الألقاب بقى حق مكتسب!

​كسفت وبصيت للأرض وأنا ببتسم، فرديت بنبرة خفيفة:

_ ماشي يا صهيب.. شكراً على كل حاجة عملتها.

​قرب مني خطوة، وحط إيده في جيبه وسحب منها علبة صغيرة مخملية بلون كحلي، ومدها ليا وهو بيصلح حنجرته بتوتر ملحوظ:

_ دي حاجة بسيطة.. مناسَبة الافتتاح، ومناسبة بدايه جديدة لكل حاجة.

​بصيت للعلبة باستغراب، وترددت قبل ما أمد إيدي وأخدها:

_ إيه دي؟
​_ افتحيها وشوفي.

​فتحت العلبة بالراحة، وأول ما شفت اللي جواها، صوابعي اتجمدت وعيني اتسعت بصدمة شلت حركتي.. العلبة كان فيها "السلسلة" بتاعتي! السلسلة الفضة اللي فيها صورتي مع ماما لما كنت صغيرة، لكن المرة دي كانت مصلحة وملمعة، وحلقتها المقفولة اللي كانت مكسورة اتصلحت بدقة عالية جداً ورجعت أكنها جديدة.

​رفعت عيني ليه بدموع وشفايفي بتترعش:

_ أنت.. جبت دي منين؟ أنا كنت فاكرة إني ضيعتها يوم الحادثة!

​ابتسم بهدوء وقرب أكتر وقال:

_ يوم الحادثة لما نقلتك الإسعاف، السلسلة كانت واقعة جنبك في الأرض ومكسورة.. أخدتها وحفظتها معايا، ووديتها لأكبر جواهرجي عشان يرجعها أصلية ومظبوطة. وكنت مستني اليوم ده عشان أرجعهالك.. لأن المكان الجديد ده بقى أمان لإخواتك، والسلسلة دي أمانك أنتِ وذكراكِ الجميلة.
​حطيت إيدي على بقِي وأنا بدمّع من كتر التأثر، وما حسيتش بنفسي غير وأنا بقوله:

_ أنا مش عارفة أقولك إيه.. صهيب أنت بجد غيرت حياتي كلياً. 

​حط إيده على كتفي بحنية وقال بثبات ونبرة صادقة هزت كياني:

_ أنتِ اللي غيرتيني يا ليل.. أنتِ علمتيني يعني إيه قوة وشغف، وعلمتيني إن الأمان مش بالفلوس ولا بالشركات، الأمان بإننا نكون جنب الناس اللي بنحبهم ونحميهم. وأنا.. أنا مش عايز أسيبك يا ليل، ومش عايز طريقنا ينفصل بعد النهاردة.

​بصيت لعينيه، وشفت فيهم صدق ومشاعر واضحة مفيهاش أي زيف أو تتردد.. المشاعر اللي كنت خايفة أصدقها أو أتعلق بيها، بقت حقيقة واقعة قدامي.

​_ صهيب.. أنت بتتكلم بجد؟

​_ بجد جداً.. وأمي مها هانم وبابا وائل عارفين، وكنت مستني الافتتاح يخلص عشان أطلب إيدك رسمياً من ماما سميرة، لو أنتِ موافقة ومستعدة تديني فرصة نكون سند لبعض طول العمر.

​الدموع نزلت من عيني، بس المرة دي كانت دموع فرحة حقيقية.. هزيت رأسي بإيجابية وأنا ببتسم من قلبي:

_ موافقة يا صهيب.. موافقة.

​في اللحظة دي، طلعت ماما سميرة ومها هانم ووائل بيه، وأول ما شافوا ملامحنا والعلبة المفتوحة، مها هانم زغردت بصوت عالي ودموع الفرحة في عينها، وحضنتني بقوة وهي بتقول:

_ ألف مبروك يا حبيبتي! أنتِ بنتي اللي مجبتهاش، وأحلى حاجة دخلت بيتنا وحياة صهيب!

​قرب وائل بيه وباركلنا وهو بيسلم عليّ بتقدير حقيقي واحترام، وماما سميرة كانت بتبص لي وعينها بتلمع بفخر، كأنها بتشوف ثمرة تعبها وصبرها كبرت وبقت عروسة مرفوعة الرأس.

​عدت الأيام، واتحددت خطوبتنا في حفلة دافية وجميلة في حديقة "دار الأمل" وسط الأطفال والبنات وماما سميرة، وبدأت صفحة جديدة تماماً في حياتي.. صفحة مفيهاش خوف من بكرة، ولا إهانة، ولا حتي حرمان.

وفيوم كنت عندهم وطنط مها كانت في المطبخ وقتها فضلت أتمشي لحد ما وقفت قصاد أوضه كان بابها فيه رسمة عجبتني جدآ لكن فقت علي صوت طنط مها لما قالت 

_ عجبتك؟ 
_ هايلة!، أنتِ اللي رسمتيها؟ 
_ أيوه. 

قربت مني وفتحت باب الأوضة وشفت رسومات كتير كلهم لحد ما وقفت قصاد صورة معينة وأنا حاسة إني شفتها قبل كده، أتكلمت طنط مها 

_ دي صورتِ أنا و وائل أيام ما كنت في عز شبابي. 
_ هو… هو أنتِ معاكِ صورة حقيقية؟ 

هزت رأسها بإيجاب وقربت من أحد الأدراج وفتحت ألبوم صور وقربت مني وهيا بتشاور علي صورة كان فيها صهيب و هيا و وائل. 

بصيت ليها بدموع وأنا مش مصدقة اللي قدامي تبقي أمي!، غمضت عيني وأنا حاسة بدوخة فقربت مني بسرعة وقالت 

_ أنتِ كويسة؟ 

هزيت راسي ليها برفض فخرجتني من الأوضة وخرجت وأنا مش مصدقة، هل صهيب كان عارف ومخبي عليا؟ 

رفعت راسي لما حسيت بحد واقف وكان هو!، سيبته ومشيت برا البيت وأنا حاسة بخنقة وكنت مش قادرة أقف لنا نادي عليا لكن وقفت برا لما مسك أيدي فبصيت ليه بدموع وأنا بقول 

_ هو أنت كنت عارف إن طنط مها تكون أمي؟ هيا فعلآ سابتني ولا توهت منها فعلآ؟

                    الفصل السابع من هنا
تعليقات



<>