رواية اوقات في الملجا الفصل السابع7بقلم الين روز
_ هو أنت كنت عارف إن طنط مها تكون أمي؟ هيا فعلآ سابتني ولا توهت منها فعلآ؟
كنت بصاله بترجي إنه يقول لأ، أو علي الأقل يكدب أحساس اللي جوايا لكن نظراته و إنه بيهرب بعيونه عني خلاني أتأكد إنه عارف حاجة.
وقف "صهيب" مكانه مصدوم، وشه أصفر خالص ومش عارف ينطق حرف. نظرات "ليل" ليه مكنتش مجرد زعل، دي كانت خيبة أمل قاتلة من أكتر شخص صدقته وأمنت له.
صرخت "ليل" في وشه بدموع تحرق:
_ أنت كنت عارف يا صهيب؟ عارف إنها أمي ومخبي عليا؟ رد عليا متسكتش!
_ ليل.. أرجوكِ اهدي واسمعيني، أنا والله...
_ أبعد عني! متلمسنيش!
زقته بأقصى قوة عندها وهي بتاخد نفسها بالعافية، وجسمها كله بيرتعش من كتر الصدمة. صوت الزعاق والعياط كان مالي المكان وصوته واصل لجوه، وفجأة اتفتح باب الفيلا وخرجت "مها" تخطو بسرعة وهي بتقول بقلق:
_ في إيه يا صهيب؟ صوتكم عالي ليه يا ابني؟ مالك يا ليل يا بنتي في إيه؟!
لفت ليها "ليل" ببطء شديد، وعيونها حمرا ومغرقة دموع. مسكت السلسلة اللي في رقبتها وشدتها بقوة فتحتها، وطلعت الصورة الصغيرة ومدت إيدها بيها قدام وش "مها".
أول ما "مها" شافت الصورة، رجلها ما شالتهاش، وتراجعت خطوة لورا وهي مصدومة، النظرة الدافية اللي في عينها اتبخرت وتحولت لذهول ورعب. مسكت رأسها وقالت بصوت بيترعش وطالع بالعافية:
_ أنتِ... أنتِ جبتِ دي منين؟ أنتِ ليلى؟
صرخت "ليل" بوجع هز المكان كله:
_ متقوليش اسمي! أنا ليل.. البنت اللي سبتيها في الملاهي وعشتِ حياتك ولا كأن كان عندك بنت! ٢١ سنة وأنا عايشة في ملجأ، فاكرة إن أمي ضاعت مني غصب عنها وبدعي ربنا ألقاها، تطلعي أنتِ يا طنط مها؟! أنتِ أمي اللي رميتني؟!
"مها" اتأثرت جداً وعيونها اتملت دموع، وبدأت تتكلم بنبرة كلها رجاء وعياط وهي بتحاول تدافع عن نفسها وتقنعها:
_ أرميكي إزاي يا ليلى؟ حرام عليكِ! والله العظيم أنا دورت عليكِ في كل شبر وما لقيتكيش! يوم الملاهي ده الزحمة أخدتك من إيدي في ثانية، صرخت وبلغت الشرطة ورحت كل المستشفيات والملاجئ! أنا فضلت سنين حياتي متدمرة وببكي عليكِ، ولما صحتي راحت وأهلي فقدوا الأمل هما اللي أخدوني وعالجوني! أنا عمري ما نسيتك يا بنتي!
ردت عليها "ليل" بضحكة وجع ودموعها نازلة بغزارة:
_ دورتِ عليا؟ اللي بتدور على بنتها بجد ما بتهدأش وتستسلم وتروح تتجوز وتعيش في الفيلا والعز ده وتنسى! أنتِ نسيتيني وعشتِ حياتك، وسيبتيني أنا أتربى في الملجأ!
بصت "ليل" لـ "صهيب" وقربت منه بكسرة ودموع:
_ وأنت يا صهيب؟ سيبني أجي هنا وأتعامل معاها وأشوفها الأم المثالية وأنت عارف الحقيقة ومخبي عليا؟
غمض "صهيب" عينيه بوجع وقال بنبرة ندم وحيرة:
_ عرفت يوم السلسلة يا ليل.. وسألتها وقالتلي إنك ضعتِ منها زمان وإنها دورت عليكِ وما لقيتكيش. أنا خفت أقولك تتصدمي، وكنت مستني الوقت المناسب عشان متبانش إنها شفقة أو إنك داخلة حياتنا بسبب السر ده!
زقتهم "ليل" هما الاتنين بعيد عنها وقالت بكبرياء مكسور والشهقات خنقاها:
_ أنتم كلكم كدابين وبتمثلوا عليّ.. واحد يمثل إنه السند وهو مخبي، وواحدة عايشة حياتها وتقول دورت عليكِ! أنا مش عايزه أعرف حد فيكم تاني، ولا عايزة شغل ولا فلوس.. الملجأ اللي اتولدت وأتربيت فيه أنضف بكتير من الكدب ده!
خرجت "ليل" تجري في الشارع وهي مش شايفة قدامها من كتر الدموع، الشارع كان فاضي والضلمة حوليها زي الضلمة اللي اتجمعت في قلبها فجأة. كل حاجة بنيت عليها أملها وطموحها أتهدت في ثواني؛ الملجأ، الذكريات، حلمها بـ "صهيب"، وحبها لـ "مها" اللي اكتشفت إنها أمها اللي نسيتها وعاشت حياتها.
جري "صهيب" وراها بكل قوته، ينادي عليها وصوته مالي الشارع بنبرة كلها ترجي وخوف حقيقي:
_ ليل! استني يا ليل أرجوكِ! متعمليش في نفسك وفينا كده.. اسمعيني بس لخمس دقايق!
لكن "ليل" مابصتش وراها ولا أدت له فرصة يقرب منها، كانت بتجري بكسرة وجرح يهدوا الجبال. وفي أول الشارع الرئيسي، لمحت تاكسي معدي، رفعت إيدها بسرعة ووقفته، وركبت وقفلت الباب وراها بقوة وهي بتقول للسواق بنبرة مخنوقة ودموعها نازلة زي المطر:
_ اطلع بسرعة يا أسطى.. أرجوك اطلع دلوقتي!
جري "صهيب" بأقصى سرعة عنده عشان يلحق التاكسي قبل ما يتحرك، وخبط على زجاج العربية وهو بينادي بصوت بحوح:
_ ليل! افتحي يا ليل مت مشيش! أرجوكِ اسمعيني الأول!
بس "ليل" غمضت عينها بحرقة وحطت إيدها على ودنها وهي بتصرخ في السواق:
_ امشي يا أسطى بقولك أرجوك!
تحرك التاكسي وسرّع في طريقه، ووقف "صهيب" في نص الشارع بيتأمل العربية وهي بتبعد وتختفي في الضلمة، نزل إيده العاجزة وهو بنهج، وشه أصفر وعيونه اتملت دموع، حاسس إنه خسر أكتر حاجة كان بيخاف يخسرها في حياته.
جوة التاكسي، كانت "ليل" ساندة رأسها على الإزاز، ودموعها نازلة في صمت يجرح أكتر من الصريخ. شريط حياتها كله كان بيمر قدام عينها في ثواني: طفولتها في الملجأ، الأسئلة اللي كانت بتقتلها كل ليلة وهي صغيرة "هي أمي سابتني ليه؟ هو أنا وحشة؟"، فرحتها لما قابلت "مها" وحست ناحيتها بدفء غريب، وثقتها في "صهيب" اللي افتكرته الأمان الوحيد في الدنيا.. كل ده طلع كدبة كبيرة ووهم.
السواق بص لها في المراية بقلق من شكل دموعها وشهقاتها المخنوقة، وقال بصوت هادي:
_ على فين يا بنتي؟ نوصل فين؟
مسحت "ليل" دموعها بكف إيدها المرتعش، وبصت بره الشباك وقالت بنبرة مبحوخة بس مصممة:
_ على الملجأ يا أسطى.. وديني ملجأ (سعادة الأطفال).
كان المكان الوحيد اللي جه في بالها، المكان الوحيد اللي ما كدبش عليها ولا حط على وشه ماسك الحنان المزيف. المكان اللي فيه "ماما سميرة"، الست الوحيدة اللي شالتها وطبطبت عليها بجد من غير مقابل ولا حكايات متألفة.
في الفيلا، كان الهدوء مرعب..
"صهيب" كان واقف في نص الشارع مكان ما التاكسي اختفى، إيديه المضمومة على جنبه بتبتدي ترتعش من العجز والغضب. لف ظهره ورجع بخطوات ثقيلة ناحية الفيلا، لقوا "مها" قاعدة على الأرض عند الباب، بتعيط بحرقة وجسمها كله بتهزه الصدمة.
قرب منها "صهيب"، ونزل لمستواها وقال بنبرة مليانة عتاب وجرح:
_ ارتاحي يا مها هانم.. مبسوطة كده؟ أديكي ضيعتيها تاني، بس المرة دي ضيعتيها بجد!
رفعت "مها" رأسها وهي بتشهق:
_ والله العظيم ما كان قصدي يا صهيب! أنا دورت عليها.. أنا اتعذبت! أنت ليه مش مصدقني؟!
زعق "صهيب" بصوت هز المكان:
_ عشان كان المفروض تصارحيها من أول يوم! كان المفروض لما تشوفي السلسلة وتعرفي إنها بنتك تقفي قدامها وتقولي الحقيقة، مش تخليني أنا وأنتِ بنمثل ونخبي عليها وكأننا بنلعب بفيلم! ليل مش هسامحنا يا مها هانم.. ليل كرهتنا إحنا الاثنين!
سابها وقام دخل جوه الفيلا، وضرب الباب وراه بأقصى قوة عنده، وقعد على أول كرسي وقفل وشه بين إيديه وهو حاسس إن روحه اتسحبت منه.
وصل التاكسي قدام باب الملجأ القديم. نزلت "ليل" وحسبت السواق، ووقفت قدام الباب الحديدي الكبير اللي قضت وراه كل سنين عمرها.
فتحت الباب بالراحة ودخلت، كانت الأنوار هادية والأطفال نايمين. مشت بخطوات بطيئة ناحية أودة "ماما سميرة". خبطت على الباب خبطات خفيفة.
اتفتح الباب، وظهرت "ماما سميرة" بوشها الدافئ ونظارتها القريبة. أول ما شافت "ليل" بالشكل ده؛ شعرها المنكوش، وجاكتتها الضايعة، ووشها الغرقان دموع، ملامحها اتغيرت وفزعت:
_ ليل؟! يا بنتي مالك؟ في إيه يا حبيبتي حصل لك إيه؟!
ما نطقوش أي كلمة..
"ليل" اترمت في حضن "ماما سميرة" بكل قوتها، ومسكت في هدومها وهي بتبكي بصوت عالٍ وشهقات طالعة من جرح عميق، وقالت بنبرة تقطع القلب:
_ طلعت هي يا ماما سميرة.. طلعت هي الأم اللي رمتني وسابتني.. وطلع هو كمان عارف ومخبي عليا! هما كلهم كدابين يا ماما.. كلهم كدابين!
ضمتها "ماما سميرة" لحضنها بقوة، وبقت تطبطب على ظهرها ودموعها هي كمان نازلة على حال بنتها اللي ربتها:
_ اهدي يا ضنايا.. اهدي يا ليل، أنتِ في بيتك يا حبيبتي.. محدش يقدر يؤذيكي هنا طول ما أنا حية. تعالي يا بنتي.. تعالي في حضني.
دخلتها أوضة لوحدها وسابتها تنام جوة الأوضة القديمة في الملجأ، كانت ليل قاعدة على السرير، ساندة رأسها على الحيطة وضامة ركبتها لِصدرها. الهدوء حولين منها كان تقيل ويخنق، ومفيش غير صوت دقات الساعة المعلقة على الحيطة اللي بتكتك في صمت.
غمضت عينيها، وبدأت أفكارها وذكرياتها تتدفق وتتزاحم في راسها زي شريط سينما بيتعرض غصب عنها.
افتكرت أول يوم دخلت فيه الملجأ وهي طفلة صغيرة عندها 9 سنين، خايفة، ماسكة في طرف فستانها، ومش فاهمة ليه الناس حولين منها بيططبوا عليها بشفقة. افتكرت ليالي الشتا الطويلة لما كانت بتقعد جنب الشباك، وهمست لنفسها وهي بتفتكر وجع الزمان:
_ هو أنا ليه هنا؟ هي أمي سابتني ليه؟ هو أنا وحشة للدرجة دي عشان ملاقيش أمي! ؟
افتكرت كمان اللحظات الحلوة اللي اتسرقت وسط الكابوس ده.. افتكرت نظرة صهيب ليها في الشغل لما كانت بتسهر للصبح تجهز ملفات الترجمة، واهتمامه البسيط لما جاب لها القهوة بإيده، وافتكرت كلماته الدايمة ليها وهي بتكررها بينها وبين نفسها بصوت واطي ومكسور:
_ أنتِ أصلًا اللي شايلة الشغل ده كله يا ليل.. ومن غيرك المشروع ده ما كانش هيشوف النور.
افتكرت اليوم اللي وقف فيه قدام إدارة الشركة كلها يدافع عن فكرتها بكبرياء وثقة، والراحة اللي بدأت تحس بيها معاه، لحد ما صدقت إن ربنا بيعوضها عن كل السنين اللي فاتت وإن صهيب هو الأمان اللي اتمنته.
وافتكرت مها.. الست الأنيقة اللي دخلت حياتها فجأة. افتكرت في الحفلة الأخيرة لما مها قربت منها وعدّلت لها عقدها بإيدين بترتعش، وبصت في عينيها بحنين غريب، وافتكرت قولها ليها:
_ أنا حاسة إنك حتة مني يا ليل.. فرحتك النهارده بتمس قلبي أنا.
افتكرت ضحكتهم سوا، والكلام المعسول اللي كان بيطمن روحها العطشانة لدفء الأمومة.. كل المظاهر والأقنعة والمشاعر الدافية دي اتهاوت واتفتت في ثواني لما الحقيقة انكشفت وبانت الخديعة.
وفجأة.. وقفت أفكار ليل، وتجمدت عينيها وهي باصة للفراغ.
عقلها اللي كان مغمور بالوجع بدأ يربط الخيوط والتفاصيل ببعضها، وحست بحاجة مش منطقية.. حاجة غريبة صدمتها وخليتها تتعدل في قعدتها بسرعة، وبدأت تمتم وتكلم نفسها بحيرة وتشتت:
_ كيف يعني؟ كيف تكون مها أمي الحقيقية، وفي نفس الوقت هي مراته لوائل من سنين طويلة؟
حسبتها في سرها بصوت مهزوز وهي بتراجع الكلام اللي سمعته والتاريخ اللي تعرفه:
_ صهيب لما مها اتجوزت أبوه كان عنده يادوب 8 سنين.. يعني مها كانت متجوزة وائل وعايشة معاهم من وقتها! في حين إني أنا اتسابت وضعت في الملاهي لما كان عمري 9 سنين!
