رواية عهود الطفولة الفصل السابع7بقلم مي عيد


رواية عهود الطفولة الفصل السابع7بقلم مي عيد

بعد الليلة دي، حسيت إن كلام تميم
 نزل على قلبي زي قطرات المطر اللي بتطفي حريق كبير. بصيت لنفسي في المراية ولقيت إني فعلاً بهدلت نفسي، وماما الله يرحمها كانت ديماً تدعيلي أفرح وتشوفني قوية. قررت إني لازم أقف على رجلي عشانها وعشان تميم اللي مشافش مني لحظة فرح من يوم ما اتجوزنا.

​تاني يوم الصبح، صحيت بدري، ولقيت تميم لسه صاحي وبيجهز نفسه عشان شغله. بص لي بقلق خفيف كالعادة، بس أول ما شاف ابتسامتي البسيطة على وشي، عيونه لمعت بفرحة حقيقية كأنه لقى كنز.
​قرب مني ومسك وشي بين إيديه بحنان وقال بصوت دافئ:
"الضحكة دي غالية أوي يا مليكة.. وحشتني بجد. أنا عارف إن الطريق لسه طويل، بس أنا جنبك في خطوة."
​حضنته بقوة وأنا حاسة إن الروح بدات تدب في جسمي تاني. جهزت معاه الفطار، وقعدنا كلنا سوا لأول مرة بطريقة هادية ومستقرة، وبعد ما مشي لشغله، كلمت بابا وطمنته على نفسي، وقولت له إني نازلة أشتري شوية حاجات للبيت.
​النزول للشارع كان خطوة صعبة، بس لما شميت الهوا ونزلنا أنا وتميم بالليل نتمشى شوية على بحر مرسى مطروح الهادي، حسيت إن الهوا بيغسل صدري من كتمة الشهور اللي فاتت. موج البحر كان صوته عالي وجميل، وتميم كان ماشي جنبي وماسك إيدي بقوة وكأنه بيبعتلي أمان الدنيا كله.
​بصيت للبحر وبعدين لتميم وقلت بامتنان:

"عارف يا تميم؟ حاسة إني لأول مرة من زمان قادرة أتنفس بعمق."

​ابتسم بحب وقال:
"طول ما أنا معاكي، هنعدي كل الأيام الصعبة، وهخليكي تفتكري مامتك بكل حاجة حلوة دعيتهالك."
​رجعت البيت وأنا حاسة بروح جديدة،
_______________________________

​بعد مرور شهور، وبفضل وجود تميم وحبه الدايم، قدرت أعدي أصعب أيام حياتي. الوجع مكانش بيختفي تماماً، بس بقى هادي، وذكريات ماما بقت بتنور قلبي بدل ما تكسره. الكلية رجعت لجدولي، وحياتي مع تميم بقت مليانة سكينة وأمان، لحد ما في يوم حسيت بتغيير غريب في جسمي، ودوخة مفاجئة تخليني أتلخبط.
​كنت واقفة في المطبخ بجهز الفطار لتميم، وفجأة حسيت الدنيا بتلف بيا، وماسكت في الرخامة عشان ماوقعش. في اللحظة دي، دخل تميم المطبخ، وشافني باهتة ووشي أصفر. جري عليّ بسرعة، وخدني في حضنه بقلق وقال بلهفة:
"مليكة! مالك يا حبيبتي؟ وشك أصفر كده ليه؟ حاسة بإيه؟"
​هزيت راسي بتعب وأنا ببتسم ابتسامة خفيفة وقلت بصوت مهزوز:
"مفيش يا تميم.. شوية دوخة عادية، متقلقش."
​هو مقتنعش بكلامي، وبعث جاب دكتورة صاحبتنا تكشف عليّ في البيت. بعد ما الدكتورة كشفت وقاست الضغط، بصت لنا بابتسامة واسعة وقالت:

"مبروك يا جماعة.. المدام حامل في الشهور الأولى!"
​الكلمة نزلت عليّ كالسحر. حسيت قلبي دق بجنون، وبصيت لتميم اللي عيونه لمعت بدموع الفرحة.

 الدكتورة مشيت، وتميم ما استناش، جه جري حضنني بقوة ورفعني من على الأرض وهو بيضحك بصوت عالي من كتر السعادة وقال:
"حامل؟! هبقى أب يا مليكة؟! أنا مش مصدق نفسي!"

​دموع فرحتي نزلت على خدي، وحطيت إيدي على بطني وأنا حاسة إن فيه روح جديدة بتدب في البيت، روح هتعوضنا عن كل وجع الفراق

​تاني يوم، كلمت بابا وبشرته، وجه عندنا البيت وهو دمع من كتر الفرح، وقعد يطبطب عليا ويدعيلي. الحياة بدأت تبتسم لنا من جديد، وحسيت إن ماما من فوق شايفة فرحتنا وراضية عنا.
______________________________
​الأيام بعد خبر الحمل أخذت طابع تاني خالص، كأن البيت كله بقى بينبض بالحياة والأمل. تميم تحول لشخص تاني خالص، من كتر خوفه عليّ بقى بيعاملني كأن إزازة خايف عليها تكسر. مكنش بيخليني أعمل أي حاجة في البيت، وكل ما يرجع من شغله يلاقيلي طلبات شكل، وفاكهة، وكل اللي نفسه فيه يشوفه قدامي.
​كنت قاعدة في الصالة بالليل، حاطة إيدي على بطني اللي بدأ يظهر عليها علامات الحمل البسيطة، وباصة للبراح قدامي وأنا بفكر في ماما.

 ياترى لو كانت موجودة كانت هتعمل إيه؟ أكيد كانت هتقلب البيت زغاريد وتجهزلنا أحلى أكل. دمعة خفيفة نزلت من عيني، بس بسرعةمسحتها وابتسمت وأنا حاسة كأن روحها حاوطتني.

​في اللحظة دي، باب الشقة فتح، ودخل تميم وعلى وشه ابتسامة تعب الشغل، بس أول ما شافني، الابتسامة بقت واسعة ومنورة. قرب مني، نزل على ركبتة قدام الكنبة، وحط إيده على بطني بحنان وقال بصوت دافئ:

"الكتكوت الصغير عامل إيه مع ماما
​ابتسمت بحب ومسكت إيده وقلت:
"كويسين جداً الحمد لله.. بس كنّا قاعدين بندردش أنا وهو عنك."
​تميم باس إيدي بحب وقال:
"عني أنا؟ وبتشتكيله مني ولا إيه؟ 
​ضحكت من قلبي على طريقته،

 وحسيت إن ربنا عوضني بتميم عن كل دمعة نزلت مني. بابا كان بيزورنا باستمرار، وكل زيارة ليه كانت بتملى البيت بركة وفرحة، وخصوصاً وهو بيلمحنا مستنيين البيبي الجديد اللي هيكون عِزوتنا كلنا.

​الحياة كانت بترتب نفسها على إيقاع هادي وجميل، بس في يوم بالليل، واحنا نايمين، حسيت بوجع خفيف ومفاجئ في بطني خلاني أصحى مخلوعة..

_________________________________________________________

______________________________________________________

​صحيت على وجع خفيف في بطني، حاولت أخد نفسي بهدوء وأقول لنفسي يمكن إرهاق عادي، بس الوجع بدأ يزيد ويخبط بحدة. حاولت اتحرك بالراحة عشان مصحش تميم، بس كتمان الأنين كان أصعب مما توقعت.
​فجأة حسيت بالحركة جنبي على السرير، وتميم فتح عينه بسرعة مخلوعة. أول ما شاف وشي الباهت وعليّ ملامح الألم، اعدل مفزوع وقال بصوت مهزوز من النوم والقلق:
"مليكة! مالك يا حبيبتي؟ حاسة بايه؟"
​مسكت دراعه بقوة ودموعي نزلت من الوجع وقلت بصوت مخنوق:
"بطني يا تميم.. وجع جامد أوي، خايفة على البيبي!"
​الدم اتحبس في وش تميم، ولقيته قام من على السرير في ثانية واحدة. متمالخش نفسه، لبس هدومه بسرعة الكبريت، ولف جه مسكني بحنان وثبات وقال:
"قومي معايا.. متخافيش، انا جنبك ومش هسيبك، ثواني ونكون عند الدكتورة."
​طيرنا على المستشفى في نص الليل، وطول الطريق وهو ماسك إيدي بيضغط عليها بقوة، وبيقرا آيات قرآنية بصوت واطي عشان يهدي روعي وروعه هو كمان. أول ما وصلنا، دخلت الطوارئ، والدكتورة كشفت عليّ بسرعة، وكتبتلي على محاليل ومهدئات.
​بعد ساعة، كنت نايدة على السرير في أوضة المستشفى والمحلول بينقط في إيدي، والوجع بدأ يهدى تدريجياً. تميم كان قاعد على الكرسي جنب السرير، وماسك إيدي بيبوسها وعيونه فيها لمعة خوف حقيقي. بص لي وقال بصوت دافئ ومرتجف:
"خوفتيني عليكي موت يا مليكة.. حسيت روحي بتتسحب مني لما شوفتك بتتوجعي كده."
​ابتسمت له بضعف، وضغطت على إيده وقلت:
"أنا بقيت أحسن بكتير.. الحمد لله إن البيبي كويس."
​الدكتورة دخلت طمنتنا وقالت إن ده مجرد إرهاق شديد وإن الجنين كويس بس محتاج راحة تامة الفترة الجاية من غير أي حركة زايدة أو توتر. تميم شكرها، وتاني يوم الصبح روحنا البيت،بس اول ما دخلت 
                   الفصل الثامن من هنا
تعليقات



<>