رواية عشقت ابنة الصعيد الفصل السادس6بقلم فاطمة عبد الرازق
نزلت حور خلف أسر وديجا إلى الطابق السفلي، وما إن وقعت عيناها على الشخص الواقف أمامها حتى تجمدت في مكانها.
توقفت أنفاسها، واتسعت عيناها في صدمة.
كان هو...
أدهم.
ذلك الشخص الذي هربت منه، والذي ظنت أنها ابتعدت عنه إلى الأبد.
خرج صوتها مرتجفًا:
حور بصدمة:
"أدهم؟! إنت بتعمل إيه اهنيه؟"
استدار أدهم إليها، وكانت ملامحه مشتعلة بالغضب.
أدهم بغضب:
"إنتي اللي بتعملي إيه اهنيه؟! في بيت غريب وفي راچل؟! يا چليلة الرباية! الظاهر أكده أنا معرفتش أشكمك!"
شهقت حور، وشعرت وكأن الكلمات صفعات متتالية على وجهها.
للمرة الثانية...
للمرة الثانية في وقت قصير يتهمها أحد بشيء لم تفعله.
لم تستطع الرد.
فقط امتلأت عيناها بالدموع، ثم بدأت تبكي.
لكن هذه المرة لم تكن دموعًا عادية.
كانت دموع فتاة أنهكها الخوف، وأتعبها الهروب، وسحقتها الاتهامات.
كانت قد ظنت أن هذا البيت سيكون مكانًا آمنًا لها...
لكن الماضي لحق بها حتى إلى هنا.
اشتعل الغضب في عيني أسر.
تقدم نحو أدهم، وقبل أن يتمكن أحد من منعه، سدد لكمة قوية إلى وجهه.
أسر بزعيق:
"دي أشرف منك يا كلب يا حيوان! قالتلك مش عيزاك! إنت معندكش دم؟!"
ترنح أدهم، ثم مسح الدم الذي سال من طرف فمه، وابتسم بسخرية مستفزة.
أدهم:
"ما هو إنت لو راچل مكنتش چابلت تخلي عيلة صغيرة چاعدة معاك... إلا إذا كان عچباك ولا مچضيها معاك!"
تجمد أسر للحظة.
لكن أدهم لم يتوقف.
أدهم باستفزاز:
"ما هي هربت... أتوقع منها أي حاچه. بس أنا كانت عاملة عليا دور الشريفة، واهنيه چاعدة في بيت راچل غريب!"
شعرت حور وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها.
لم تعد تسمع الأصوات من حولها بوضوح.
كانت الكلمات تتردد داخل رأسها...
الشريفة... راجل غريب... هربت...
وضعت يدها على فمها، وانهمرت دموعها بغزارة.
نظرت إلى أسر، ثم إلى الأرض، وكأنها لم تعد تعرف أين تختبئ من العالم.
في لحظة واحدة، اندفع أسر نحو أدهم.
ولم تكن لكمة واحدة هذه المرة.
كان غضبه قد خرج عن السيطرة.
أمسك بأدهم وراح يضربه، بينما أسرع الحراس نحوهما محاولين إبعاده.
أسر بغضب:
"إنت إزاي تتكلم عنها بالطريقة دي؟!"
كان أدهم يحاول الإفلات منه، لكن أسر لم يكن يسمع شيئًا.
أما حور...
فكانت واقفة في المنتصف، تبكي وكأن شيئًا بداخلها قد انكسر.
رفعت صوتها فجأة.
حور بصراخ وبكاء:
"بسسسسسس!"
لم يتوقف أحد.
صرخت من جديد، وهذه المرة خرج صوتها ممزقًا:
حور:
"كفاية أكده بقااااا!"
توقفت أنفاسها، ووضعت يدها على صدرها.
حور بانهيار:
"لحد إمتى؟! لحد إمتى هفضل عايشة أكده؟!"
سقطت دمعة على خدها.
ثم أخرى.
حور:
"حرام... حرام كل دا يحصل فيا..."
ارتجف صوتها.
حور:
"أنا عملت إيه؟!"
لم تجد إجابة.
رفعت عينيها إلى الجميع، وكأنها تستنجد بأي شخص يفهم ألمها.
حور بانهيار:
"أبويا وأمي ماتوا... وأنا لسه طفلة!"
وضعت يدها على قلبها.
حور:
"خدمت أخويا بدل أمه... استحملت... استحملت علشان ريان!"
بدأ جسدها يرتجف.
حور:
"حرمت من التعليم... واتعاملت كأني خدامة... ولما قالوا لي أتجوز راجل قد أبويا هربت!"
ثم صرخت من بين دموعها:
حور:
"هربت علشان أنقذ نفسي!"
ساد الصمت.
حتى أدهم توقف عن المقاومة للحظة.
كانت حور قد وصلت إلى نقطة لم يعد فيها قلبها قادرًا على الاحتمال.
حور:
"ولما جيت اهنيه... قلت أخيرًا هبقى في أمان..."
شهقت وهي تبكي.
حور:
"بس لقيت الماضي لحچني لحد اهنيه!"
ثم أخذت نفسًا متقطعًا.
حور:
"أنا تعبت..."
قالتها بصوت ضعيف.
حور:
"والله تعبت..."
كانت ديجا تبكي هي الأخرى، واقتربت منها بسرعة وحاولت احتضانها.
لكن حور كانت قد دخلت في حالة من الهلع والانهيار؛ كانت تهز جسدها بعنف، وتتنفس بسرعة، وكأنها تحاول الهروب من شيء لا يراه أحد سواها.
ديجا ببكاء:
"حور... يا حبيبتي، اهدي... اهدي يا بنتي."
لكن حور لم تكن تسمع.
كانت تضغط على أذنيها بيديها.
حور:
"كفاية... بالله عليكم كفاية..."
اقترب أسر منها.
كانت عيناه قد تغيرتا تمامًا بعدما رأى حالتها.
اختفى الغضب من وجهه، وحل مكانه شيء يشبه الندم والشفقة.
انحنى قليلًا أمامها، لكنه لم يلمسها.
قال بصوت هادئ، رغم أن نبرته كانت قوية:
أسر:
"خدوا الكلب دا برا."
أمسك الحراس بأدهم وأبعدوه.
لكن أدهم ظل يقاوم ويصرخ:
أدهم:
"هرچعلك يا حور! وهاخدك بالعافية! وهتبچي تحت رچلي، وأخليكي تبكي بدل الدموع دم!"
ارتجفت حور أكثر.
حتى اختفى صوت أدهم خلف الباب.
لكن كلماته بقيت داخل رأسها.
ظلت تبكي، وجسدها يهتز من شدة الانهيار.
ثم...
توقفت فجأة.
تراخت يداها.
وأغمضت عينيها.
سقط جسدها إلى الخلف.
ديجا بفزع:
"أسر! الحقني! حور أغمي عليها!"
اندفع أسر نحوها وأمسك بها قبل أن تسقط على الأرض.
أسر بقلق:
"حور! حور!"
لم تجبه.
حملها بين ذراعيه، وصعد بها إلى غرفتها.
وضعها على السرير، ثم حاول إفاقتها.
لكنها لم تستجب.
أحضر زجاجة عطر، وقرّبها منها، ثم اتصل بطبيب العائلة.
وبعد دقائق، وصل الطبيب مسرعًا.
دخل الغرفة وفحص حور، بينما وقف أسر وديجا خارج الغرفة في قلق.
وبعد قليل خرج الطبيب.
اقترب منه أسر بسرعة.
أسر:
"هي كويسة يا دكتور؟"
الطبيب:
"هي كويسة الحمد لله، بس دخلت في نوبة غضب وانهيار شديدة بسبب الضغط اللي اتعرضت له."
تنفس أسر بارتياح.
الطبيب:
"حاولوا تبعدوا عنها أي حاجة تضايقها الفترة دي، وخلوها ترتاح. هي محتاجة أمان وهدوء."
أسر:
"حاضر يا دكتور، متشكر."
الطبيب:
"العفو يا أستاذ أسر. لو احتجت أي حاجة كلمني."
غادر الطبيب.
جلست ديجا بجوار أسر، وكانت دموعها تنزل في صمت.
نظرت إلى باب الغرفة.
ثم رفعت يديها إلى السماء.
ديجا ببكاء:
"يارب..."
شهقت.
ديجا:
"يارب دي لسه صغيرة... لسه تمنطاشر سنة."
مسحت دموعها.
ديجا:
"عملت إيه علشان تشوف كل دا؟"
ثم قالت بصوت مكسور:
ديجا:
"يارب عوضها عن كل اللي شافته... واجبر خاطرها يا رب. هي ملهاش غيرك."
ظل أسر صامتًا.
لكنه لم يستطع إخراج صورة حور من رأسه وهي تبكي وتقول:
"أنا تعبت..."
أخرج هاتفه واتصل بفهد.
أسر:
"ألو يا فهد..."
فهد:
"أيوه يا صاحبي؟"
أسر:
"الحيوان أدهم كان هنا."
اعتدل فهد في جلسته، بعدما كان يجلس أمام حاسوبه يراجع تفاصيل الصفقة الجديدة.
فهد بصدمة:
"نعممم؟! بتقول إيه؟ حصل إيه؟"
حكى له أسر كل ما حدث، من لحظة دخول أدهم إلى الفيلا، وحتى انهيار حور وفقدانها الوعي.
ساد الصمت للحظات.
ثم قال فهد بحزن:
فهد:
"والله مش لاقي كلام أقوله يا أسر... البنت دي شافت فوق طاقتها. كل ما تحاول تهرب من وجع، وجع تاني يستناها."
تنهد أسر.
أسر:
"عملت إيه في اللي قولتلك عليه؟"
صمت فهد لحظة، ثم قال:
فهد بتساؤل:
"بس لازم تاخد رأيها الأول يا أسر."
أسر:
"حاضر. لما تفوق هكلمها."
فهد:
"أجي طيب؟"
أسر:
"لا يا فهد، أنا اللي هتكلم معاها."
ثم سأل:
أسر:
"بس تتوقع هتوافق؟"
فكر فهد قليلًا.
فهد:
"مش عارف... ممكن آه وممكن لأ. سيبها على الله."
تنفس أسر بعمق.
أسر:
"ونعم بالله."
ثم قال:
أسر:
"يلا تصبح على خير، قلقتك."
ضحك فهد بخفة.
فهد:
"ولا أي حاجة يا صاحبي، كنت براجع الصفقة الجديدة."
تذكر أسر العمل فجأة.
أسر:
"آه صح... أنا نسيت الشغل خالص بسبب حوار حور."
فهد:
"متقلقش يا صاحبي. إنت قف جنب البنت اليتيمة دي وسيب الشغل عليا. ولو احتجت أي حاجة كلمني."
أسر:
"ماشي يا فهد، تشكر يا حبيبي."
فهد:
"على إيه يا صاحبي؟ ربنا معاك."
أغلق أسر الهاتف.
ظل جالسًا للحظات، ثم نظر إلى باب غرفة حور.
كان يفكر في القرار الذي اتخذه...
هل ستوافق عليه؟
أم سترفضه؟
وهل ستثق به أصلًا بعد الكلمات القاسية التي قالها لها؟
ظل السؤال يدور في رأسه، بينما كانت حور في الداخل غارقة في نومٍ ثقيل، لا تعلم أن استيقاظها القادم سيضع أمامها قرارًا قد يغير حياتها بالكامل...
