رواية عشقت ابنة الصعيد الفصل السايع7بقلم فاطمة عبد الرازق
فتحت حور عينيها ببطء، وكأنها كانت تحاول العودة من مكان بعيد لا تعرف كيف وصلت إليه.
ظلت لثوانٍ تحدق في سقف الغرفة دون أن تفهم أين هي، حتى بدأت الذكريات تتدفق إلى رأسها دفعة واحدة...
أدهم.
صوته.
كلماته القاسية.
نظراته إليها.
ثم أسر وهو يضربه، وديجا وهي تحاول تهدئتها، وكل الأصوات التي أحاطت بها قبل أن تفقد وعيها.
شهقت حور، ورفعت يدها إلى فمها، ثم بدأت دموعها تنزل من جديد.
لم تحتج إلى أن تتذكر كل شيء.
يكفي أن تتذكر نظرة أدهم إليها، وتهديده لها.
وضعت يدها على صدرها، وأخذت تتنفس بصعوبة.
حور ببكاء:
"ليه يا رب؟... ليه كل ما أهرب من حاجة ألاچي حاجة تانية مستنياني؟"
كانت ديجا تجلس إلى جوارها منذ أن نقلوها إلى الغرفة، وما إن رأت دموعها حتى اقتربت منها واحتضنتها.
ديجا بحنان:
"اهدي يا حبيبتي... اهدي."
لكن حور تشبثت بها كأنها طفلة صغيرة وجدت أخيرًا شخصًا تستطيع أن تبكي أمامه دون خوف.
حور:
"أنا تعبت يا ماما..."
ارتجف صوت ديجا عند سماعها تناديها بذلك.
حور ببكاء:
"أنا كل اللي كنت عايزاه أعيش أنا وريان في أمان... هو أنا طلبت حاجة صعبة؟"
مسحت ديجا على شعرها بحنان.
ديجا:
"لا يا بنتي... والله ما طلبتي حاجة صعبة."
ثم احتضنتها أكثر.
ديجا:
"إنتي تستاهلي تعيشي مرتاحة، وتفرحي، وتكبري زي أي بنت في سنك... مش تشيلي هم الدنيا كلها فوق راسك."
شهقت حور وهي تبكي.
حور:
"أنا من يوم ما ماتوا أمي وأبويا وأنا بحاول أبقى أم لريان... بس أنا مش أم يا ماما... أنا لسه بنت."
لم تستطع ديجا حبس دموعها.
وضعت قبلة على رأسها وقالت:
ديجا:
"عارفة يا حور... عارفة."
ثم همست:
ديجا:
"ومن النهاردة، لما تتعبي... تعالي ارمي حملك عليا."
أغمضت حور عينيها، وانهمرت دموعها بصمت.
وفجأة...
جاء طرق خفيف على الباب.
ثم سُمع صوت أسر:
أسر:
"ممكن أدخل؟"
مسحت حور دموعها بسرعة.
ديجا:
"ثانية."
اعتدلت حور في جلستها، ومدت يدها إلى طرحتها ووضعتها على شعرها.
ثم قالت ديجا:
ديجا:
"ادخل يا أسر."
فتح أسر الباب ودخل بهدوء.
توقفت عيناه للحظة عند حور، فوجدها تجلس على السرير، وملامح التعب والانكسار واضحة على وجهها.
اقترب خطوة، ثم قال بأدب:
أسر:
"معلش يا ديجا... ممكن تسبينا لوحدنا شوية؟"
نظرت إليه ديجا باستغراب، ثم إلى حور.
أما حور، فظلت تنظر إلى أسر بتساؤل.
ما الذي يريده منها؟
نهضت ديجا من مكانها، وربتت على كتف حور بحنان قبل أن تخرج.
وبمجرد أن أغلقت الباب، ساد صمت قصير.
جلس أسر على المقعد المقابل للسرير، ولم يقترب منها أكثر حتى لا تشعر بالخوف.
أسر برفق:
"إنتي كويسة؟"
خفضت حور عينيها.
حور بوجع وكسرة:
"الحمد لله."
ظل أسر صامتًا للحظات، وكأنه يبحث عن الكلمات المناسبة.
ثم قال:
أسر:
"ممكن أتكلم معاكي شوية؟"
رفعت حور عينيها إليه باستغراب.
حور:
"ايوو... اتفضل."
أخذ أسر نفسًا عميقًا.
أسر بتردد:
"بصي يا حور... أدهم هيفضل يطاردك، ومش هيسيبك، وهيعمل المستحيل علشان يضغط عليكي وتوافقي تتجوزيه."
ظل وجه حور ساكنًا، لكنها كانت تستمع لكل كلمة.
أسر:
"وممكن يستخدم نقطة ضعفك... أخوكي."
تجمدت ملامحها.
كانت تعرف.
تعرف أن ريان هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يجعلها تستسلم.
لاحظ أسر التوتر الذي ظهر في عينيها، فأكمل بهدوء:
أسر:
"وساعتها ممكن يهددك بيه، أو يحاول ياخده منك، وتلاقي نفسك مضطرة تتنازلي وتوافقي عليه علشان تنقذي أخوكي."
لم تجب حور.
لكن عينيها قالتا إن كلامه أصاب أكثر نقطة تؤلمها.
أغمض أسر عينيه للحظة، وأخذ نفسًا طويلًا، ثم قال:
أسر:
"علشان كدا... أنا فكرت إننا..."
توقف.
فتح عينيه ونظر إليها.
أسر:
"إننا نتجوز."
اتسعت عينا حور.
لم تستطع استيعاب الكلمة.
أسر بسرعة قبل أن تقاطعه:
"وقبل ما تردي، اسمعيني للآخر."
ظل صوته هادئًا.
أسر:
"هيبقى جواز مؤقت... على الورق، شكليًا قدام الناس. مفيش حاجة هتتفرض عليكي، ومش هطلب منك حاجة مش عايزاها."
كانت حور تنظر إليه وكأنها تسمع شيئًا مستحيلًا.
أسر:
"بالجواز دا هتقدري تحمي نفسك وريان. وأدهم لما يعرف إنك بقيتي مراتي، هيبعد عنك، ومش هيقدر يقربلك بسهولة."
صمت قليلًا.
أسر:
"وبعد ما الأمور تهدى... نطلق."
ظلّت حور صامتة.
كانت الكلمات تدور داخل رأسها بسرعة.
زواج؟
هي؟
من رجل لا تحبه؟
لكنها لم تكن تعرف ماذا تفعل.
أسر ترك لها مساحة للتفكير، ثم نهض.
أسر:
"هسيبك تفكري لبكرا... وقرري براحتك. هستنى ردك."
خرج من الغرفة.
وبقيت حور وحدها.
ظلت تحدق في الباب الذي أغلقه خلفه.
لم تستوعب كيف تحولت حياتها في أيام قليلة.
من فتاة تهرب ليلًا من رجل يريد إجبارها على الزواج...
إلى فتاة عُرض عليها زواج من رجل آخر حتى يحميها.
وضعت يدها على رأسها.
إذا وافقت...
فكأنها تثبت لأدهم كل ما قاله عنها.
وإذا رفضت...
فقد يعرض ريان للخطر.
كانت تقف بين نارين.
ولأول مرة في حياتها، لم تكن تعرف أي طريق يمكن أن ينقذها.
---
في غرفة أسر
رن هاتف أسر.
نظر إلى الشاشة، فوجد اسم فهد.
أجاب.
أسر:
"ألو."
فهد:
"طمني يا ابني... عملت إيه؟"
تنهد أسر.
أسر:
"كلمتها."
فهد:
"وقلتلها؟"
حكى له أسر كل ما حدث، من حديثه مع حور إلى اقتراح الزواج المؤقت.
ظل فهد صامتًا لثوانٍ.
ثم قال:
فهد:
"بصراحة يا أسر... حاسس إنها هتحتاج وقت علشان تستوعب."
أسر:
"عارف."
ثم سكت قليلًا قبل أن يقول:
أسر:
"حاسس إني بظلمها يا فهد."
جاء صوت فهد هادئًا ومتفهمًا.
فهد:
"لا يا أسر، إنت مش بتظلمها. بالعكس، إنت بتحاول تحميها."
أسر:
"بس أنا بطلب منها تتجوز واحد هي متعرفوش، ومفيش بينه وبينها أي مشاعر."
فهد:
"إنت بنفسك قلتلها إنه جواز مؤقت، وإنك مش هتجبرها على حاجة. هي محتاجة حد يديها أمان دلوقتي، مش حد يطلب منها تحبه."
ظل أسر صامتًا.
فهد:
"وبعدين، القرار في إيدها. إنت عرضت عليها حل، وهي تختار."
تنهد أسر.
أسر:
"أنا بس خايف توافق وهي مضطرة."
فهد:
"علشان كدا لما ترد عليك، اسمعها كويس. لو وافقت، لازم تتأكد إنها موافقة بإرادتها."
صمت أسر لحظة.
ثم قال:
أسر:
"عندك حق."
فهد:
"وأنا شايف إن حور محتاجة أكتر حاجة تحس إنها لأول مرة في حياتها عندها اختيار."
خفض أسر عينيه.
كانت الجملة الأخيرة قد لامست شيئًا بداخله.
حور قضت سنوات يُفرض عليها كل شيء.
التعليم.
الخدمة.
الزواج.
حتى حياتها لم تكن ملكًا لها.
وربما...
كان أهم شيء يستطيع تقديمه لها الآن هو أن يترك لها القرار.
أسر:
"تصبح على خير يا فهد."
فهد:
"وإنت من أهله يا صاحبي. وربنا يكتبلكم الخير."
أغلق أسر الهاتف، وظل يفكر طويلًا.
---
في وقت متأخر من الليل
استيقظت حور قلقه من نومها
ارتدت الإسدال، ثم نزلت إلى المطبخ لتشرب الماء.
لكنها توقفت عندما رأت من خلال نافذة المطبخ أسر جالسًا في الحديقة.
كان وحده.
شاردًا في السماء، بينما كانت نسمات الليل تحرك أوراق الأشجار من حوله.
ترددت حور للحظات، ثم خرجت إليه بهدوء.
اقتربت منه.
حور:
"احمم... بتعمل إيه؟"
انتبه أسر لوجودها، فرفع عينيه إليها.
أسر:
"مش بعمل حاجة... قاعد بتفرج ع السما، والجو هواه جميل."
وقفت حور بجواره.
مرت نسمة هواء باردة على وجهها، فتنفست بعمق.
حور:
"حچيچي الچو حلو چوي."
نظر أسر إليها للحظات.
ثم فكر في نفسه:
إزاي طفلة في العمر دا قادرة تشيل مسؤولية طفل؟
إزاي قدرت تستحمل كل اللي شافته؟
كان عمرها ثمانية عشر عامًا فقط...
ومع ذلك، كانت تحمل مسؤوليات ربما يعجز عن حملها أشخاص أكبر منها بسنوات.
ثم أفاق من شروده
أسر:
"قررتي يا حور ولا لسه؟"
خفضت حور عينيها.
ترددت قبل أن تجيب.
ثم قالت:
حور:
"مش موافچه."
نظر إليها أسر.
أسر:
"ليه؟"
تنفست حور ببطء.
حور بهدوء:
"ميرضنيش إنك تضيع حياتك علشاني... وأنا مش بحبك، ولا إنت بتحبني."
سكتت لحظة، ثم أكملت:
حور:
"وأنا أعرف إن الچواز لازم يكون الطرفين بيحبوا بعض."
ابتسمت ابتسامة حزينة.
حور:
"وكنت بشوف دا ف الأفلام... إن البطل يكون بيحب البطلة، فعلشان كدا يقرر يحميها."
نظرت إليه.
حور:
"إنما إحنا مش بنحب بعض يا أسر بيه."
استمع أسر إليها حتى النهاية دون أن يقاطعها.
كان يفهم الآن أن عقلها البسيط بنى الأمر بطريقة مختلفة.
هي لا ترى الزواج إلا بالصورة التي عرفتها من الحكايات والأفلام؛ رجل يحب امرأة، فيتزوجها ويحميها.
أما أن يتزوج رجل امرأة فقط ليحميها، دون وجود قصة حب بينهما، فبالنسبة لها كان شيئًا غير مفهوم.
وكانت تخشى فوق ذلك أن تشعر بأنها مدينة له بحياتها.
أخذ أسر نفسًا هادئًا.
ثم قال:
أسر:
"ومين قال إني بضيع حياتي؟"
رفعت حور عينيها إليه.
أسر:
"وإنتي بقرارك دا مش بتضيعي حياتك؟ مش بتعرضي نفسك وريان للخطر؟"
لم تجب.
اقترب أسر خطوة، لكنه حافظ على المسافة بينهما.
أسر:
"حور... أنا مش بطلب منك تحبيني."
سكت قليلًا.
ثم نظر في عينيها مباشرة.
أسر:
"أنا بطلب منك تثقي فيا."
ظلت حور تنظر إليه في صمت.
أسر:
"ثقي فيا علشان تحمي نفسك... وتحمي أخوكي."
كانت كلماته مختلفة هذه المرة.
لم يكن يأمرها.
ولم يكن يضغط عليها.
كان فقط يطلب منها شيئًا واحدًا...
الثقة.
لكن هل تستطيع حور أن تمنح ثقتها لرجل دخل حياتها فجأة، وأصبحت حياتها معلقة بقراره؟
وهل سيكون هذا الزواج فعلًا مجرد حماية...
أم أن الأيام ستكشف لهما أن وراء هذا القرار شيئًا لم يكن أيٌّ منهما يتوقعه؟
