رواية خيوط لاتري الفصل السابع7بقلم فاطمة مالكي
الطاولة المقلوبة
في أروقة الشركة.. طوق النجاة الحائر
تسلل الصباح إلى ردهات الشركة برتابته المعهودة. توقفت حنين أمام مكتبها، ألقت حقيبتها كمن يلقي عن كاهله عبئًا ثقيلًا، ثم جلست ببطء وهي تحاول صب تركيزها على الملفات المتراكمة أمامها كتل ترفض الانصياع. لكن عقلها كان شاردًا في مكان آخر، يسافر بعيدًا؛ منذ الأمس وهاجس السكن يطاردها كظلها، وتلك الشقة التي نفث السمسار ملامحها في خيالها، والرسائل المتبادلة بينها وبين رانيا كبندول قلق لا يهدأ. تنهدت بخفة، زفرة قصيرة طردت بها بعض حيرتها، ثم فتحت حاسوبها لعل شاشته المضيئة تجبر عينيها ونفسها على العمل، لكن بلا جدوى. كانت تختلس النظر إلى هاتفها كل بضع دقائق، تنتظر اتصالًا، أو رسالة، أو أي طوق نجاة يحسم الأمر أخيرًا وينتشلها من بحر الحيرة.
—حنين.
رفعت رأسها بانتفاضة خفيفة كطائر جفله صوت مفاجئ، لتجد سلمى تحدق بها من خلف مكتبها بعينين تملؤهما التساؤلات.
—نعم؟
ضيقت سلمى عينيها في شك وقالت بنبرة لا تخلو من مكر محبب:
—من الصبح وأنتِ مش معانا أصلًا.
ابتسمت حنين بخفة محاولة التهرب وارتداء قناع الهدوء:
—كيفاش؟
—يعني جسمك هنا. أما عقلك... فالله أعلم راح فين.
ضحكت حنين رغم التوتر الذي يعتصر قلبها:
—عندي شوية أمور فقط.
دفعت سلمى كرسيها نحوها قليلًا، ثم خفضت صوتها لتبدو كمن يفشي سرًا دفينًا في عتمة الليل:
—أمور سكن؟
تجمدت الدماء في عروق حنين لثانية، وشل المفاجأة حركتها، ثم قالت باقتضاب:
—ايه.
رفعت سلمى كتفيها ببساطة وعفوية:
—واضح جدًا... لقيتي حاجة مناسبة؟
قبل أن تجيب وتفتح خزانة أسرارها، اهتز هاتفها فجأة فوق المكتب مرسلًا ذبذبات قطعت حبل الحديث. نظرت إلى الشاشة؛ رقم غريب، لكن بصيرتها عرفته فورًا كلمح البصر. السمسار. شعرت بانقباضة خفيفة في معدتها كأنها نذير عاصفة قادمة، ثم التقطت الهاتف بوجل.
—ألو؟
—صباح الخير يا آنسة حنين. أنا سامح.
—صباح النور.
—حبيت أطمن حضرتك إن صاحب الشقة موجود النهارده. ولو حابة المعاينة... ممكن تتم خلال ساعة.
اعتدلت حنين في جلستها وقد تسارع نبضها كطبول حرب:
—اليوم؟
—أيوة. ولو عجبتك الشقة نقدر نخلص كل حاجة فورًا.
سكتت لثوانٍ تزن الأمور بميزان الحذر الدقيق، ثم قالت بحسم يقطع دابر التردد:
—حسناً، سأتصل بك لتأكيد الموعد.
—ممتاز.
أغلق الخط. أنزلت الهاتف ببطء شديد، وظلت تحدق في شاشته المظلمة للحظات كأنها تقرأ غيبًا، قبل أن ترفع رأسها، لتجد سلمى ما تزال تراقبها باهتمام وشغف.
—الشقة؟
أومأت حنين بهدوء ووداعة:
—نعم.
تنهدت سلمى، لكن هذه المرة خلت ملامحها من أي ابتسامة عابرة، بل اكتست بجدية غير معتادة كأنها ترتدي درع الحكمة:
—روحي شوفيها. بس متروحيش لوحدك.
تلاشت ابتسامة حنين تدريجيًا كغروب يبتلعه الليل. لقد سمعت هذه الجملة أكثر من مرة خلال الأيام الماضية، حتى تحولت من مجرد نصيحة عابرة إلى تحذير مبطن يقرع ناقوس الخطر. وضعت الهاتف على المكتب، ثم فتحت تطبيق المحادثات وتوقفت عند اسم "رانيا" كمن يقف أمام باب أمل.
كتبت بتردد يرتعش في أصابعها: "السمسار اتصل."
لم تمر دقيقة حتى ظهر الرد كبرق مستعجل: "وأخيرًا."
ارتفع حاجب حنين بدهشة، وكتبت: "الشقة اليوم."
ظهرت علامة الكتابة مباشرة كشرارة تشتعل: "إمتى؟"
"خلال ساعة تقريبًا."
تأخر الرد قليلًا هذه المرة كمن يزن العواقب، ثم ظهر: "متروحيش قبلي."
ابتسمت حنين دون أن تشعر،إجابة رانيا كانت كشمس تشرق وسط الغيوم، وأرسلت: "كنت راح نستناك أصلًا."
جاء الرد سريعًا يفيض بمرح يذيب الجليد: "كويس. لأنك لو رحتِ وحدك... ماما حتعتبرني فاشلةرسميًا."
ضحكت حنين بخفة بللت جفاف الموقف وأجابت: "لهذي الدرجة؟"
"وأكتر. أنتِ متعرفيش أمي."
أغلقت حنين المحادثة وهي تتنفس الصعداء، طاردةً بقايا الخوف من صدرها. على الأقل، لن تواجه هذا الموقف وحدها، لن تسير في هذا الدرب المجهول بلا سند. لكنها لم تكن تدري أن الموازين ستنقلب رأسًا على عقب خلال أقل من ساعة، وأن القدر يخبئ لها إعصارًا يغير مجرى النهر.
في الطابق العلوي، كان مكتب ياسين يغرق في صمت مريب كصمت القبور قبل العاصفة. وقف ياسين كطود شامخ أمام النافذة الزجاجية البانورامية، يراقب المدينة الممتدة تحته بعينين ثاقبتين كعيني الصقر تلتهمان المدى، بينما كان مازن يجلس على الأريكة المقابلة، يقلب بعض الأوراق بشرود كمن يبحث عن إبرة في كومة قش، قبل أن يغلق الملف فجأة مصدراً صوتاً حاسماً.
—حنين كلمها السمسار؟
أجاب ياسين بصوت جليدي النبرة يقطر حسمًا دون أن يلتفت أو يحرك ساكنًا:
—أيوة.
عقد مازن ذراعيه وظل يراقبه لثوانٍ بعينين تقرآن الصمت، ثم سأل بتركيز يثقب السكون:
—لسه عندك نفس الشك؟
ساد الصمت للحظة ثقيلة كأنها دهور، قبل أن يكسره ياسين بهدوء مرعب، هدوء يسبق زئير الأسد:
—الشك انتهى من زمان.
رفع مازن رأسه باهتمام بالغ وقد اشتعل فضوله:
—يعني أنت متأكد؟
استدار ياسين أخيرًا ليواجهه كقائد يستعد للمعركة، ونظراته تشتعل بحدة كشفرات الحسام:
—متأكد إن فيه حاجة غلط. بس لسه مش متأكد مين موجود في الصورة كلها.
تنهد مازن وقد التقط الإشارة وفهم مغزى الكلمات، ثم سأل مباشرة ليدخل عاصفة الحقيقة:
—ونادين؟
توقف ياسين لحظة يزن كلماته بميزان الذهب الدقيق:
—نادين جزء من الموضوع. لكن مستحيل تكون كل الموضوع.
عاد ياسين بنظره إلى النافذة ليلتحم بالمدى وأضاف بنبرة حاسمة كالسيف الصارم:
—واللي يهمني دلوقتي... هو الشخص اللي واقف ورا الستار. مش اللي واقف قدامه.
نهض مازن من مكانه في حركة تعلن الاستعداد، والتقط مفاتيح سيارته استعدادًا للمغادرة:
—أنا رايح المطار أجيب أختها. ولو في جديد كلمني.
أومأ ياسين برأسه إيجابًا في صمت مهيب، وما إن غادر مازن وابتلعت الردهة خطاه حتى التقط هاتفه الذكي وضغط على اسم رانيا.
—أيوة يا أخويا؟
—فاضية؟
—حسب السؤال.
أغمض عينيه للحظة ليمتص اندفاعها الحاد بمصفاة هدوء الصخر وقال:
—حنين رايحة تشوف الشقة النهارده.
—عارفه. أنا أصلًا هخرج من البيت بعد شوية وأقابلها.
ساد الصمت لثانية قطعت حبل الأثير، ثم جاء صوته قاطعًا كشفرة الحسام التي لا تُثنى:
—لا. مش هتروحي.
اعتدلت في جلستها بانفعال وثورة مفاجئة:
—نعم؟
—عندك ظرف طارئ.
—ياسين... وقبل ان تكمل جملتها قال ياسين بحسم
—رانيا.
نطق اسمها بنبرة منخفضة لكنها تحمل ثقل الجبال ينهي أي نقاش ويغلق أبواب الجدال. تنهدت بضيق واستسلام لسطوته المطاعة:
—أنت مخبي إيه؟
—حاجات لسه مش وقتها.
—وأنا المفروض أوافق وخلاص؟
—المرة دي أيوة.
سكتت لثوانٍ تفكر في الموقف وتحاول فك طلاسمه، ثم قالت بصوت قلق يرتعش فيه الوجل:
—هي هتزعل.
—مش أكتر مني لو حصلها حاجه.
طال الصمت هذه المرة وتمدد حبل السكون، حتى زفرت رانيا هواءً محبوسًا في صدرها كمن يزيح حملاً:
—حاضر. بس لو طلعت بتبالغ... أنا اللي هزعل منك.
لاحت شبح ابتسامة باردة على شفتي ياسين كشمس شتاء دافئة:
—مقبول.
أغلقت رانيا الخط، نظرت إلى شاشة الهاتف بوجل وتوجس، وتمتمت بشفاه يرتجف عليها الدعاء: "ربنا يستر بس."
بعد أقل من عشر دقائق، اهتزت أحشاء هاتف حنين معلنةً اتصالاً جديداً. رانيا. ابتسمت فورًا كمن رأى هلال العيد وأجابت بلهفة:
—وصلتي؟
جاءها صوت رانيا مثقلاً بأغلال الاعتذار والحرج:
—حنين... أنا آسفة. عندي ظرف طارئ، ومش هقدر أجي.
شعرت حنين بخيبة أمل لاذعة كجرعة علقم، لكنها تداركت الأمر بسرعة وارتدت درع التماسك:
—لا عادي. المهم تكوني بخير. خلاص. نشوفها يوم ثاني.
لكن رانيا قاطعتها بلهفة غريبة تثير الشكوك:
—لا، روحي شوفيها. على الأقل شوفي المكان. ولو ما ارتحتيش... امشي فورًا.
عقدت حنين حاجبيها بتعجب؛ فللمرة الثانية خلال ساعة تسمع نفس العبارة المبطنة تدق جدران مسامعها! وكأن هناك إجماعًا خفيًا ومؤامرة صامتة على وجود خطر يتربص بخطواتها كذئب في الظلام. ابتلعت ريقها بصعوبة، وقالت بهدوء مصطنع تواري خلفه قلقها:
—حاضر.
أغلقت الخط ونظرت للنافذة طويلًا بشرود استوطن عينيها... لقد كُتب عليها بقلم القدر أن تخوض هذه المعركة الضروس وحدها، بلا سند يشد أزرها.
بعد أقل من ساعة، توقفت السيارة الأجرة أمام مبنى حديث وراقٍ، واجهته الزجاجية تعكس أضواء النهار بأناقة. ترجلت حنين ببطء، ورفعت رأسها تتأمل العمارة بارتياح. كانت الصور التي رأتها حقيقية تماماً دون زيف؛ فالمنطقة حيوية وراقية، والأهم أنها قريبة جداً من مقر الشركة. الشارع يعج بالحياة والمحال الفاخرة، وصخب القاهرة المعتاد يضفي على المكان طاقة محببة وألفة تامة.
أخرجت هاتفها وكتبت لرانيا رسالة قصيرة: "وصلت، والمكان ممتاز ونفس الصور بالظبط وقريب جداً من الشركة."
أجابتها فوراً: "الحمد لله يا حبيبتي، طمنيني أول بأول وعايني الشقة كويس من جوه، ربنا يكتبلك الخير."
أخذت نفساً عميقاً لتستعد للمقابلة والتوفيق. في تلك اللحظة، فُتح الباب الزجاجي الفخم للعمارة ليخرج منه رجل متوسط العمر، يرتدي بدلة رمادية أنيقة ومهندمة، وعلى وجهه ابتسامة ترحيبية ودودة. —آنسة حنين؟
أومأت بابتسامة هادئة: —نعم.
اتسعت ابتسامته ترحيباً: —أهلاً أهلاً.. أتمنى الطريق مكانش صعب عليكي؟ اتفضلي، صاحب الشقة مستنيكي من بدري.
تبِعته إلى الداخل بخطى واثقة. كان المصعد حديثاً وسريعاً، يتحرك بسلاسة تامة دون صوت، بينما كان سامح يتحدث بلباقة عن مميزات المنطقة وقربها من الخدمات والمواصلات. توقف المصعد أخيراً في الطابق الرابع، فتح سامح باباً خشبياً فاخراً بلون بني دافئ، ودعاها للدخول برقي.
أُعجبت حنين بالمكان بمجرد أن وطأت قدمها الداخل؛ فالشقة كانت واسعة ونظيفة، والأثاث منسق تماماً كما رأته في الصور بل وأجمل. التفت إليها سامح قائلاً برضا: —زي ما وعدتك.. الشقة على الطبيعة تفتح النفس.
أومأت برأسها بالموافقة وهي تتأمل التفاصيل. في منتصف الصالة الواسعة والمضاءة بنور مريح، كان يجلس رجل في الأربعينات، يرتدي بدلة رسمية مهندمة تتناغم تماماً مع رقي الشقة وفخامتها، وأمامه ملف سميك فوق طاولة زجاجية راقية. نهض بوقار وقال بابتسامة عمليّة هادئة: —أهلاً يا آنسة حنين.. أنا مدحت، صاحب الشقة.
حيته وجلست في الجهة المقابلة له يفصل بينهما لوح الزجاج. دفع الملف نحوها فورًا كمن يقدم طعماً لصيد:
—كل الأوراق جاهزة. لو الشقة مناسبة، نقدر نخلص الإجراءات في دقائق.
فتحت الملف. مرت عيناها على الصفحة الأولى بلا مبالاة وفتور، ثم الثانية، وهنا بدأت تقاطيع وجهها تتصلب كالحجر. عند الصفحة الثالثة، توقفت تمامًا وشُلّت حركتها. رفعت رأسها ببطء شديد ونظرت إلى مدحت بنظرات ثاقبة، ثم عادت للأوراق لتتأكد من جرم ما رأت.
—لحظة.
ساد الصمت الخانق أرجاء الغرفة، وتلاشت ابتسامة سامح للحظة كالدخان قبل أن يسأل مدحت ببرود ثلجي مستفز:
—خير؟
أغلقت حنين الملف بإصبعها بقوة كمن يثبت التهمة وقالت بنبرة حاسمة لا تقبل التشكيك:
—هذا مش عقد إيجار.
تبادل سامح ومدحت نظرة سريعة مريبة، ثم ضحك سامح بتوتر يحاول مداراته:
—لا يا آنسة. حضرتك بس قريتي جزء معين وفهمتيه غلط.
لكن حنين لم تتراجع ولم تلن، بل قلبت الصفحة ووضعت إصبعها بقوة على بنود محددة كمن يشير إلى مكمن الداء:
—هنا مكتوب تفويض. وفي الصفحة الزاوجه(الثانيه) كاين بند خاص بمعاملات تجارية. وهنا... اسم شركة. وش علاقه هذو كامل بعقد إيجار شقة؟
حافظ مدحت على بروده المستفز كأنه يستند إلى جدار صلب:
—إجراءات قانونية عادية.
—لا!
قاطعتُه بحزم شديد ووقفت كالسيف الصارم، لتشرف عليهما من أعلى بنظرات شامخة:
—هذا البند يعطي صلاحيات مالية. وهذا يتعامل تجاريًا باسمي. أنا جيت نشوف شقة، مش نوقع على أوراق شركة. شكرًا على وقتكم.
تجاهلت محاولات سامح الواهية للحديث وحملت حقيبتها كمن يستعد للفرار من شرك، بينما راقبها مدحت بعينين ضيقتين كالأفاعي وسأل بجمود صخري:
—يعني مش هتوقعي؟
نظرت إليه بتحدٍ يشتعل في عينيها:
—لا مانوقعش على ورقة ما نفهمش محتواها.
ضغط مدحت على فكيه بقوة حتى كادت تظهر عظام وجهه من فرط الغيظ، بينما تدخل سامح بسرعة في خطوة غبية غير متوقعة:
—طيب خدي الملف معاكي! راجعيه براحتك، ولو عندك أي سؤال كلّمينا.
تجمدت حنين. عرض مريب يثير ألف علامة استفهام؛ فالمزورون عادةً يحاولون إخفاء أدلتهم وطمس معالم جرمهم، لكنه يدفعها لأخذ الملف دفعاً! هذا زاد من ريبتها وأشعل الشك في صدرها إما ان يكون هذا السامح ذكيا جدا او غبيا جدا ، لكنها مدت يدها وسحبت الملف بقوة فرسان يذودون عن غنيمة:
—اوك نراجعو ونخمم.
بمجرد أن خرجت إلى الممر الفاخر... انغلق الباب الخشبي خلفها بنقرة رقمية هادئة، لكنها دوت في مسامعها كإغلاق زنزانة مخملية. استندت بظهرها إلى الجدار الرخامي البارد لثانية واحدة، تسحب الهواء إلى رئتيها بصعوبة بالغة وكأنها كانت تغوص في أعماق يَمّ عميق وتصارع الغرق وسط كل هذا الترف الخادع. ضمت الملف إلى صدرها بقوة، وقلبها يقرع طبولاً عنيفة متسارعة في قفصها الصدري. هي لا تعرف على وجه اليقين حجم الكارثة والهوة السحيقة التي كانت تنتظرها في الداخل خلف تلك الابتسامات المهندمة والترحيب الأنيق، لكن غريزتها وذكاءها كانا يصرخان بشيء واحد: لو وقّعتِ على تلك الأوراق... لكانت قد سلمت رقبتها لمقصلة سوداء حادة مخبأة وراء المظاهر البراقة، لا تعرف من يمسك بحبل حتفها.
ابتعدت عن الشقة بخطوات سريعة، شبه راكضة نحو المصعد الحديث، تريد فقط الانعتاق والهروب، لتندمج بسرعة وسط صخب الشارع الحيوي بالخارج، مستجيرة بزحام الناس والحياة الطبيعية من زيف ذلك المكان الأنيق الذي كاد يطبق على أنفاسها.
على بعد شارعين فقط من تلك البناية الحديثة الفاخرة، كانت سيارة ياسين الرياضية تقف عند زاوية الطريق، بنوافذها الداكنة التي تحجب ما بداخلها تماماً، لتندمج مع فخامة الحي الراقي كفهد أسود يتربص في صمت بانتظار فريسته وسط صخب الشارع. كان الصمت داخل السيارة ثقيلاً، مشحوناً بترقب حارق يكاد يودي بالصبر..
فجأة، انفتح باب المقعد المجاور، وانزلق إلى الداخل خلسة رجل بملامح حادة كحد السيف وملابس داكنة لا تثير أي انتباه أو فضول. إنه "الظل"؛ العين الساهرة التي كلفها ياسين بمراقبة كل خطوة تخطوها حنين ورصد حركاتها.
أخرج الرجل جهازاً لوحياً (تابلت) ووضعه بهدوء احترافي فوق لوحة القيادة أمام ياسين:
—
الآنسة حنين خرجت، ومعاها الملف. ما وقّعتش على أي حاجة يا فندم. ولما نزلت، قدرت ألقط صورة سريعة للراجل اللي كان معاها فوق وهو بيسحب عربيته، وجبت رقم اللوحة.
لم تظهر على وجه ياسين أي علامة للراحة أو الانفراج، بل سحب الجهاز ببطء وئيد، وعيناه تتركزان على الشاشة كالصقر الجائع. كانت الصورة لـ "مدحت"، الرجل الذي ارتدى قناع صاحب الشقة وزيف هويته.
بنقرات سريعة ومدروسة كضربات شطرنج، أدخل ياسين رقم اللوحة في نظام بحث مشفر متصل بقاعدة البيانات الخاصة بشركة الحكيم. ثوانٍ مرت ثقيلة كأنها دهور، يضيء فيها انعكاس الشاشة ملامح ياسين القاسية الصارمة. وما إن ظهرت النتيجة وانجلت الحقيقة، حتى توقفت أصابعه تماماً وشُلّت حركتها. ضاقت عيناه بشدة، وتلاشى هدؤه الجليدي ليحل محله تجهم مرعب وعاصف، وكأنه يرى شبحاً مخيفاً بعث من مرقد الماضي.
—مدحت عبد الغني...
تمتم بالاسم بصوت خفيض، أقرب إلى فحيح أفعى يقطر مرارة وسمًا لا يرحم. لاحظ الرجل التغير المفاجئ والعاصف في ملامح رئيسه، فسأل بفضول مهني حذر:
—تعرفه يا فندم؟ مسجل خطر؟
أغلق ياسين شاشة الجهاز اللوحي، ليعود الظلام الدامس ليحتل السيارة ويبسط سلطانه. التفت نحو الطريق أمامه كأفق مجهول، وقال بنبرة تحمل غضباً هادئاً، وهو أخطر أنواع الغضب وأشدها فتكاً:
—لا.. مش مسجل خطر. ده كان مستشار قانوني في قسم العقود عندنا في شركة الحكيم...ومطرود من سبع سنين بسبب تلاعب في ثغرات قانونية.
ساد صمت خانق ومطبق في السيارة كحبل يلتف حول الأعناق. عقل ياسين كان يعمل بسرعة فائقة، يربط الخيوط الممزقة ببعضها ويصل بين أطرافها. الرؤية الآن تبلورت، والضباب انقشع عن حقيقة مفزعة كشفت عن وجهها الكالح؛. نادين تعمل في الشركة منذ ثلاث سنوات فقط، فكيف لها أن تعرف محامياً فُصلت أوراقه منذ سبع سنوات؟ بل وتستعين به لصياغة فخ قانوني مُحكم للإيقاع بحنين في تعاملات مالية مشبوهة؟
هناك شخص يختبئ في الظل العميق؛ عقل مدبر يعرف تاريخ الشركة العتيق التليد، يعرف أسرارها وخباياها، ويعرف من أين تؤكل الكتف.
أحكم ياسين قبضته على عجلة القيادة حتى ابيضت مفاصله كالعظام، وقال ببطء شديد ينذر بعاصفة قادمة تأتي على الأخضر واليابس:
—اللعبة قلبت لساحة تانية خالص... اللي بيحرك الخيوط دي مش مجرد موظف حاقد، ده حدكان بياكل معانا على نفس الترابيزة.
التقط هاتفه، وضغط بيقين على رقم مازن.
—أيوة.
—فين؟
—عند بيتكم، لسه نازل من عند طنط أمينة.
—كويس. تعال على المكان اللي اتفقنا عليه.
—حصل حاجة؟
—أيوة. خرجت بالملف.
تغيرت نبرة مازن وارتدت ثوب الجدية: — يعني لقت حاجه.
—شكلها كده. عشرين دقيقة وأكون هناك.
أدار ياسين محرك السيارة، وانطلق مبتعداً عن المكان كالسهم. الخيط الأول قد ظهر للعلن، وهو لن يفلته من يده أبد الآبدين.
في نفس وقت مكالمة ياسين ومازن، كانت حنين تسير بخطوات واسعة وسريعة تبتعد بها عن تلك العمارة ، مستجيرة بصخب الشارع الراقي والحيوي من حولها، وهي تضم الملف إلى صدرها وتلف ذراعيها حوله وكأنه قنبلة موقوتة تخشى انفجار شظاياها. فجأة، قاطع أفكارها المتلاطمة ورعبها الداخلي رنين هاتفها الجاثم في حقيبتها. توقفت والتقطت أنفاسها اللاهثة المتلاحقة وهي تخرج الهاتف، لتجد اسم "ياسين بيه" يتلألأ ويضيء الشاشة..
أجابت بصوت يكتنفه ارتعاش طفيف، جاهدة في ترويض حبال صوتها المذعور والسيطرة على نبرتها:
—ألو...
جاءها صوته رصيناً، عميق القرار، يحمل طمأنينة تامة وسيطرة غريبة تبدد غبار الفوضى العارم وسط كل هذه المعمعة:
—حنين، أنتِ فين دلوقتي؟
ابتلعت ريقها الجاف وقالت بخلجات مندفعة تواري خلفها روعها:
—أنا خرجت... هربت منهم. الشقة كانت فخ!
—عارف.
تسمرت في مكانها كشجرة ضربت جذورها، وعقدت حاجبيها بدهشة شلت تفكيرها:
—عارف؟ كيفاش عارف؟
تجاهل سؤالها المحتار وأردف بنبرة آمرة حازمة تصادر أي رغبة في الجدال ولا تقبل النقاش:
—خدي أول تاكسي يقابلك، وتعالي فوراً على كافيه (...) في الزمالك. أنا ومازن هناك ومستنيينك. وماتتكلميش مع حد لحد ما توصلي.
أغلق الخط مجهضاً أي فرصة تلتمس فيها فهماً أو استفساراً. وقفت للحظة تدبر فحوى كلماته وتستوعب مداها، ثم أوقفت سيارة أجرة وانطلقت نحو العنوان المطلوب، وعقلها يدور في دوامة من التساؤلات.
بعد نصف ساعة، دفعت حنين برفق الباب الزجاجي المصقول للكافيه الراقي المستكن في حياض حي الزمالك الهادئ. كان المكان واحة من السكينة، يلفه ضوء خافت شاعري وموسيقى كلاسيكية هادئة تباينت بحدّة تامة مع العواصف الهوجاء والبراكين التي تضرب داخلها. جالت بنظرها وتصفحت الوجوه في جنبات المكان، حتى التقطت عيناها ياسين ومازن يجلسان في زاوية معزولة قصية في آخر القاعة يرقبان المدى.
اقتربت منهما بخطوات سريعة وثابة. بمجرد أن وصلت إلى الطاولة وحاذتها، لم تنطق بكلمة واحدة ولم تنبس ببنت شفة، بل ألقت بالملف السميك بقوة وعزم على سطح الطاولة الزجاجية لتحدث رنيناً مدوياً، وجلست وهي تزفر هواءً محبوساً.
نظر ياسين إلى الملف بهدوء ورصانة، ثم رفع عينيه إليها يغرس حدقتيه في تقاطيع وجهها مقيماً حالتها النفسية وخلجات صدرها. كانت شاحبة كالغيم، لكن نظرتها وحمل حدقتيها كانا يقطران غضباً وتحدياً يشتعل.
قال مازن محاولاً تلطيف الأجواء وكسر حدة الصمت كعادته:
—حمد لله على السلامة يا بطلة.. باين إن المعركة كانت حامية.
تجاهلت حنين مزاحه وفكاهته ونظرت لياسين مباشرة مسددةً سهام تساؤلها بلا مواربة:
—نتوما كنتو عارفين! صح؟ كنتوا عارفين بلي مش مجرد عقد شقة وإنهم حابين يورطوني؟
مال ياسين بجذعه للأمام مقترباً، وشبك أصابعه فوق الطاولة كمن يجمع خيوط القضية، وقال بنبرة جادة وثابتة الصرامة:
—كنا شاكين بنسبة كبيرة، والنهارده بس اتأكدنا.
أشارت حنين إلى الملف بانفعال مكبوت حاولت لجمه وثورته:
—هدا مش عقد إيجار.. هدا تفويض مالي وتجاري باسمي لشركة أنا منعرفهاش أصلاً! كانوا حابين يستغلوا إني غريبة في البلد ومحتاجة سكن باش يمضوني على كارثة قانونية.
سحب ياسين الملف بهدوء وتؤدة، وفتحه ليطالع الأوراق بعين المحامي الخبير والناقد القانوني. توقفت عيناه وتسمر حدقتاه عند التوقيع واسم المحامي الجاثم في ذيل الورق.
قال مازن وهو يراقب رد فعل ياسين المريب:
—مدحت عبد الغني، صح؟
أومأ ياسين برأسه إيجاباً في صمت صخري، فقالت حنين بصدمة تزلزل ثباتها وتفضح روعها:
—شكون مدحت هذا؟ أنتم تعرفوه؟
أغلق ياسين الملف بقوة، ونظر في عينيها مباشرة بنظرة ثاقبة كالنصل اخترقت كل حصون مخاوفها وهواجسها الدفينة، وقال بصوت حاسم كالحسام القاطع:
—مدحت دا محامي مطرود من شركتنا من سبع سنين. والحكاية دي أكبر بكتير من لي كنا فاكرينو . اللي حصل النهارده معناه إن في حد تقيل ورا الستار بيحرك نادين ومدحت، وكان هدفه يضرب الشركة عن طريق توريط مسؤولة العقود الدولية الجديدة في قضايا نصب.
اتسعت عينا حنين برعب داهم وجسيم وهي تهضم حجم الهاوية والسقوط السحيق الذي كادت أن تسقط في قاعه المظلم:
—نادين... يعني أنا كنت راح ندخل الحبس على بسبتهم؟ استنا يعني نادين تخدم معاهم؟
تغيرت ملامح ياسين وتقاطيعه الصارمة، ولانت صرامته المعهودة قليلاً وهو يرى طيف الخوف يرفرف في عينيها الوادعتين. مد يده وسحب الملف نحوه في حماية صامتة، وقال بنبرة هادئة لكنها تحمل وعداً قاطعاً وثابتاً لا يلين:
—محدش كان هيقدر يمس شعرة منك طول ما إنتِ بتشتغلي في مجموعة الحكيم. أنا منعت رانيا تيجي معاكي عشان كنت محتاجك تدخلي وتطلعي بالملف ده، وكنت واثق في ذكائك إنك مش هتمضي على ورقة من غير ما تفهميها.
ساد صمت ثقيل رصاصي لثوانٍ تمدد فيها السكون. نظرت حنين إلى ياسين، تتأمل ملامحه الحازمة كالصخر، هدوءه المريب الذي يخفي خلف سدوده عواصف وبراكين ثائرة، وحمايته المبطنة لها التي تسيج خطاها. في هذه اللحظة بالذات، أدركت في وعيها أن هذا الرجل لا يلعب بالكلمات، وأنه يخوض حرباً حقيقية ضروساً لحماية عرش شركته وتلاد أسرته، وأنها لم تعد مجرد ترس عابر وموظفة مستجدة، بل أصبحت ركيزة في قلب هذه الحرب وقلعتها.
أخذت حنين نفساً عميقًا من سويداء قلبها، وكأنها توقع بمداد عزمها على أخطر قرار في حياتها برمتها. تلاشت نظرة الخوف والوجل من عينيها، وحل محلها بريق تحدٍ صلد وثبات رصين أثار انتباه ياسين وفضوله فوراً.
أدخلت يدها في غيابة حقيبتها، وأخرجت هاتفها المحمول ملوحة به كأقوى دليل.
—مدام الحكاية كبرت، وولاّت فيها حرب ومحامين وضرب في الظهر... قالتها بنبرة خفيضة ولكنها قاطعة كحد السيف — أظن جا الوقت باش نلعبوا كامل أوراقنا على المكشوف يا أستاذ ياسين.
عقد مازن حاجبيه باستغراب تام ودهشة بالغة، بينما ضيَّق ياسين عينيه مترقباً ما سينجلي عنه الستار.
فتحت حنين معرض الصور في هاتفها، ووضعته على الطاولة الزجاجية المصقولة، ودفعته ببطء شديد وتؤدة نحو ياسين كمن يسلم مفاتيح الحصن:
—الملف اللي هربت بيه اليوم ماشي هو أول ملف يدينهم .
وجه ياسين سهم نظراته صوب الشاشة المضيئة. كانت هناك عدة صور واضحة وعالية الدقة والبيان لأوراق قديمة غبر عليها الزمن. التقط الهاتف ببطء متأنٍ، وطفق يقلب الصور صفحة تلو أخرى بشغف وحذر. ما إن قرأ الترويسة واستقرأ التواريخ والعهود حتى تحجرت ملامحه وصار كالصنم تماماً، وتحولت عيناه إلى قطع من الجليد المشعل بنيران الغضب الثائر.
قال مازن متوتراً يغشاه الفضول وهو يحاول مائلاً النظر للشاشة:
—إيه ده يا ياسين؟ دي عقود قديمة للشركة!
رفع ياسين عينيه وجفنيه ببطء شديد ونظر كالصقر نحو حنين، وصوته خرج كفحيح منخفض يقطر وعيداً:
—الصور دي... لـ الملف البني لي اتسرق . إنتِ لقيتيه ؟
أجابت حنين بثبات الرواسي ويقين لا يلين، ولم تتهرب أو تزغ من نظراته الثاقبة التي تخترق الوعي:
—في اليوم الأول ليا في الخدمة.. بعد ما رجعتوا من الاجتماع. لقيته محطوط فوق مكتبي، وكي فتحته لقيت فيه نفس التلاعبات اللغوية الخبيثة اللي تضر الشركة. خبيته في الدرج وصورته، وفي الصباح... كان اختفى.
سقطت الكلمات كالصاعقة المدوية والزلزال العنيف على الطاولة لتطير ببرج العقول. اتسعت عينا مازن بذهول تام وحيرة غامرة، ولطم جبهته بكف يده بصدمة:
يا نهار أسود! يعني الملف اللي كريم سرقه بالليل، إنتِ كنتِ مصوراه قبلها؟ وإحنا قالبين الدنيا عشان نعرف محتواه؟ دي مش موظفة يا ياسين.. دي مخابرات!
لكن ياسين لم يلتفت لمازن ولم يعر صيحته انتباهاً. ظل حبل نظره معلقاً وثابتاً بحنين. لم تكن نظرته تلك نظرة مدير يرمق موظفته المستجدة، بل كانت نظرة صياد ماهر ورجل يكتشف للتو واللحظة أنه وجد "شريكاً ونداً" يساويه ويعادله في الدهاء والذكاء والقدرة على إدارة المعارك الصامتة.
لقد احتفظت بأخطر دليل صامتةً كالقبور، وراقبتهما بحذر وتؤدة حتى تأكدت من ولائهما ونقاء سريرتهما قبل أن تبوح بسرها وتكشف أوراقها.
ظهرت على شفتي ياسين الصارمتين ابتسامة بطيئة، نادرة الملامح، وخطيرة جداً؛ ابتسامة رجل أدرك بيقين أن النصر والغنيمة قد صارا في جيبه. أطفأ شاشة الهاتف برفق وأعاده إليها بتؤدة، وقال بصوت يحمل تقديراً عميقاً وعظيماً لم يحاول دثاره أو إخفاءه:
— طول عمري بعرف أختار اللي يشتغلوا معايا.. بس إنتِ طلعتِ أذكى اختيار عملته في حياتي يا حنين.
تنحنح مازن لكسر حدة الصمت ورتق حبل الإثارة بعد أن تجاوز صدمته الغامرة، وابتسم قائلاً بدعابة تذيب الجليد:
—عموماً، الشرير ما كسبش النهارده، والفضل يرجع لتركيزك في المرتين! والخبر الحلو بقى، إن أختك حنان وصلت بالسلامة، وسبتها مع طنط أمينة في البيت تفرغ نص طن أكلجزائري هي جايباه معاها.
أشرق وجه حنين فجأة وتفرقت وتلاشت كل علامات الغضب والتوتر من أساريرها، وانفرجت شفتاها وابتسمت باتساع أضاء محياها:
— حنان وصلت؟ صح!
ليجيبها مازن :" والله ياحنين لازم تعرفي حجم التضحية القومية اللي أنا بقدمها عشانك!"
__علاه؟ سألته وهي على يقين أن أختها قد فعلت الأفاعيل في هذا المازن
ليردف مازن بتمثيل كوميدي وهو يفرك ضهره :" انتي بجد بتسألي اسمعو بقى "
فلاش باك :
قبل ذلك بساعات طوال، وفي عالم موازٍ تماماً من حيث الأجواء الصاخبة... في صالة الوصول بمطار القاهرة الدولي.
كان مازن يقف مستنداً إلى أحد الأعمدة الخرسانية، يحمل كوب قهوة فقد حرارته منذ زمن واستحال بارداً، وينظر إلى شاشة الرحلات بملل يثقل كاهله، ثم يعود ليتأمل الصورة في هاتفه للمرة العشرين كمن يحفظ ملامحها. زفر بقلة حيلة وعجز:
—والله يا ياسين لو طلعت البنت مش دي... هخليك تلف المطار كله بنفسك.
أعاد النظر إلى الصورة؛ إنها نسخة كربونية مطابقة لحنين. فجأة، التقطت عيناه حركة غير عادية وجلبة بين الركاب القادمين من رحلة الجزائر. فتاة تسير بخطوات عسكرية حازمة واثقة الخطى، تجر خلفها حقيبتين ضخمتين بحجم خزانة ملاءبس عتيقة، وتحمل حقيبة ثالثة على كتفها تنوء بها، وكأنها في مهمة إغاثة دولية عابرة للقارات.
اعتدل مازن في وقفته وابتسم بتهكم ودعابة افتر عنها ثغره:
—أيوة... أكيد دي أختها. مفيش حد طبيعي يسافر بكل ده.
اقترب منها برصانة، ورسم على وجهه ابتسامة ترحيبية مهذبة بالغة اللطف:
—الآنسة حنان عمراني؟
توقفت الفتاة فجأة كصخرة صماء. رفعت رأسها، ومسحته بنظرة تقييمية حادة كالسم من أعلى رأسه إلى أسفل قدميه، وبدلاً من أن ترد تحية اللقاء وتبادله اللطف، أطلقت سؤالها وقذيفتها كطلقة رصاص طائشة:
—وين راهي حنين؟
رمش مازن مرتين كمن أفاق من صدمة، مأخوذاً بهجومها المباشر الخاطف:
—أهلاً بيكي إنتِ كمان في مصر.
—وين راهي؟
كررتها بنفس الجدية والصرامة الحديدية التي لا تلين، فتراجع خطوة دفاعية إلى الوراء وأجاب:
—في الشغل.
انعقد حاجبها بغضب وثورة جزائرية أصيلة تشتعل منها الشرار:
—الخدمة أهم من ختها؟
—لا طبعاً. بس عندها ظرف مهم جداً، وسلمتني مهمة استقبالك كضيفة مهمة.
راقبته لثوانٍ طويلة بعينين تشبهان عيني حنين تمامًا عندما تركزان لاصطياد كذبة واهية وإسقاط قناع زائف، ثم قالت باقتضاب وجفاف:
—نشوفو.
استدارت نحو حقائبها الجبلية التي ترتفع كالسدود. تحركت شهامة مازن ومروءته التلقائية تلبي النداء، فانحنى ليرفع الحقيبة الأولى فظفر بها بعد جهد وعناء. ثم حاول زحزحة الثانية، فتصلب ظهره وتجمد مكانه كأنه يحرك جبلًا راسخًا. نظر إليها وعيناه متسعتان بصدمة تامة وذهول بالغ:
—هو إيه اللي جوه الشنط دي؟ طوب بناء؟
أجابته بمنتهى البساطة والهدوء والسكينة التي لا تهتز:
—ماكلة.
—أكل؟!
—أيه... تاع ختي.
حدق فيها محاولاً استيعاب هذا المنطق المدهش:
—أختك ناوية تفتح مطعم هنا؟
—لا. بصح توحشت ماكلة الدار.
حاول سحب الحقيبة مرة أخرى وهو يعض على شفتيه من فرط الثقل الذي ينوء به العصب:
—أكل الدار عندكم محتاج تصريح نقل ثقيل؟
ولأول مرة منذ لقائهما... انكسر الجليد الصارم الذي يغلف ملامحها، وتسللت ابتسامة صغيرة دافئة تلمست طريقها إلى وجه حنان.
بعد أقل من ساعة، وقفت السيارة أمام البوابة العريضة الشاهقة لقصر عائلة الحكيم الفخم. ترجل مازن أولاً، يئن بصمت مكتوم وهو يفرك أسفل ظهره المنهك. فتح الصندوق الخلفي، ونظر إلى الحقائب بنظرة استسلام مطلق وعجز:
—يا رب قوّيني.
نزلت حنان من مقعدها. وقفت تتأمل البناء الفخم الأثري بملامح حيادية لا تفصح عما يجيش في صدرها، ثم سأل باقتضاب:
—هنا؟
—هنا.
—مليح.
سحب مازن أول حقيبة وهو يلهث وينفث أنفاسه بجهد جهيد:
—متحكميش بدري... لسه ما قابلتيش أهل البيت.
وقبل أن تتاح لحنان فرصة الرد أو التعقيب، انفتح الباب الخشبي العريض المؤدي للداخل. ظهرت السيدة "أمينة" بطلتها المريحة المتسمة بالوقار وابتسامتها الدافئة الكفيلة بإذابة أعتى حصون التوتر والوجل. اقتربت من حنان بخطوات هادئة رصينة، وقالت برقة وعذوبة وعيناها تلمعان ببريق الترحيب الصادق:
—حنان؟
تفاجأت حنان قليلًا وتراجعت خطوة خفيفة للوراء كغزال متوجس، لكنها أومأت برأسها موافقة:
—نعم.
اتسعت ابتسامة أمينة أكثر لتقهر أي غربة، وفتحت ذراعيها لتعانقها وتطوقها وكأنها ابنة غابت عن العش دهورًا ثم آبت إلى منزلها:
—أهلاً بيكي يا بنتي. نورتي مصر كلها.
في تلك اللحظة بالذات، ولسبب غامض لم تجد له حنان تفصيلاً في نفسها، شعرت أن جزءاً كبيراً من قلاع دفاعاتها الحصينة قد انهار وتهاوت أسوارها. الدفء الصادق الكامن في نبرة أمينة جعلها تشعر أنها لا تقف تائهة أمام سيدة غريبة الأعراق، بل إنها حطت رحالها أخيرًا في مرسى آمن ومكان مظلل بالسكينة.
نهايه الفلاش باك
نهض ياسين من مكانه كطود شامخ حاملاً "ملف الشقة المزيف" في يد، بينما يشير بيده الأخرى إلى هاتفها الجاثم. كان يبدو الآن كقائد عسكري حازم حصل للتو على أقوى سلاح وأشدها فتكاً في معمعة المعركة:
— يلا بينا، هوصلك بنفسي للبيت عشان تشوفيها. ومن بكرة، اللعبة في الشركة هتتغير... اللي حاول يقلب الترابيزة عليكي النهارده، إحنا اللي هنقلبها فوق دماغه هو واللي بيشغله.
