رواية اولاد الباشا الفصل السادس6بقلم شيماء منير


رواية اولاد الباشا الفصل السادس6بقلم شيماء منير


كانت تجلس في غرفتها، والهدوء يلف المكان من حولها، هدوء لا يقطعه سوى صوت أفكارها المتضاربة. فجأة، انشق صمت الغرفة على صوت رنين هاتفها المحمول.

انتفضت في مكانها، وسحبت الهاتف ببطء وعيناها تتسع بتوتر حقيقي وهي تقرأ الاسم المنقوش على الشاشة. لم تجرؤ يوماً على كتابة اسمه صريحاً، خوفاً من أي عين قد تتلصص، فاكتفت بتسجيله بحرف واحد غامض.. (م).

ظل الهاتف يرتجف بين يديها، يصرخ بالرنين وهي تحدق فيه بقلب ينبض بعنف.. حتى فصل الاتصال.

تنفست الصعداء لثوانٍ، وظنت أن الكابوس انتهى، لكن شاشة الهاتف أضاءت مجدداً بالرنين ذاته. ابتلعت ريقها الجاف، وتصلبت أصابعها.. وبرضه مردتش.

هدأ الرنين، ليعقبه فوراً صوت نغمة وصول رسالة. نقرت على الشاشة بعيون قلقة، لتجد رسالته تعاتبها:

مالك: ليه مش بتردي عليا ✓✓

شعرت بوجنتيها تشتعلان، وبتوتر ينهش أعصابها. كتبت بسرعة وأصابعها ترتجف على لوحة المفاتيح:

يمنى: كدا لو سمحت مترنش تاني عليا✓✓

لم تمر ثانية واحدة حتى ظهرت علامة (يكتب الآن...)، ليرد بنبرة هادئة مستفزة لتوترها:

مالك: طيب ليه انا عايز اتكلم معاكي✓✓

تنهدت بضيق، وحاولت أن ترسم جداراً قاسياً بكلماتها لتنهي هذا العبث:

يمنى: وانا مش عايزه اتكلم مع حد انا مليش في الجو دا ✓✓

جاء رده سريعاً، وكأنه يبتسم خلف شاشته ولا يدرك حجم الرعب الذي تعيشه:

مالك: انتي مكبره الامور اووي احنا ممكن نتكلم زي فريندس✓✓✓

بصت يمنى للرسالة بضيق شديد، واجتاحتها موجة من الغضب الممزوج بالخوف، لتكتب بحسم:

يمنى: مفيش صداقة بين بنت وولد✓✓

فاجأها بجرأته التي جعلت قلبها يقفز في صدرها عندما قرأت:

مالك: خلاص نتكلم زي اليفرز كدا صح ✓✓

تسلل الخوف الحقيقي إلى أعماقها، فالأمر تجاوز مجرد تسلية عابرة، تذكرت عائلتها، وتقاليدهم، والعيون التي تترقب كل حركاتها، فكتبت بنبرة توسل مستترة خلف العصبية:

يمنى: لو سمحت كفايه كدا احنا قرايب متجبش المشاكل ✓✓

لكن مالك بدا وكأنه يعزف على أوتار مشاعرها دون رحمة، مرسلاً كلمات اخترقت حصونها بقوة:

مالك: "انا مش ببطل تفكير فيكي من وقت ما شوفتك" ✓✓

اضطربت أنفاسها، وشعرت بضعف يهدد ثباتها، لتكتب بضعف وقلة حيلة:

يمنى: كفايه بقا لو سمحت✓✓

جاء سؤاله المباغت والذكي ليزيد من حصارها:

مالك: طيب انتي مش بتفكري فيا✓✓

شافت يمنى الرسالة.. وتجمدت أصابعها تماماً ومردتش.

وضعت الهاتف على صدرها وهي تشعر بضغط رهيب، ودارت عيناها في أركان الغرفة كأنها تبحث عن مخرج، وقالت لنفسها بهمس مرعوب:

وبعدين بقا في المصيبه دي.. ياربي هعمل إيه؟

في تلك اللحظة، كان مالك يراقب علامتي القراءة الزرقاء اللتين خانتا صمتها. لم يترك لها فرصة للهروب وأرسل فوراً:

مالك: مش بتردي ليه✓✓

أعادت الهاتف أمام عينيها، وبدافع الخوف المحض من الفضيحة ومن العواقب، كتبت له الرسالة التي طالما خشيت كتابتها، ملقية بورقتها الأخيرة:

يمنى: اخويا لو عرف انك بتكلمنى هتعملي مشكله كبيره ✓✓

انتظرت رده والثواني تمر كأنها دهور، حتى أرسل كلماته التي حاول بها طمأنتها، لكنها لم تزدها إلا حيرة:

مالك: صدقني انا مش هعملك اي مشاكل✓✓

قرأت يمنى الرسالة.. وسكتت تماماً، تاركة الصمت والترقب يعلقان في الهواء بينهما، وخوفها من القادم ينهش روحها...

ــــــــــــــــــ

بعد مرور أسبوع كامل، كانوا قاعدين في ساحة الجامعة.

يمنى مكنتش حاضرة بذهنها خالص، صوابعها كانت بترتعش وهي بتكتب على شاشة الموبايل بسرعة، وعينيها بتلف بقلق وهي بتبعت الرسالة بحذر:

مش هينفع أقابلك متجيش عند الجامعة✓✓

الرد جابها في ثواني والموبايل اتهز في إيدها:

مالك: أنا عايز أشوفك.✓✓

تنهدت بضيق وبصت حواليها بخوف وقلق قبل ما تكتب:

لا أنا وبنان هناك✓✓

 رد مالك اللي كان كله برود:إيه المشكلة إن بنان موجودة؟ بنان عادي.

الضيق ظهر وبان جدًا على وش يمنى، وحواجبها اتعقدت وعينيها اتسمرت على الشاشة وهي بتدوس على الحروف بعنف يبين قد إيه هي متوترة:

 يمنى:مش هينفع، أنا قولتلك مش هنعرف حد.. أنا خايفة!

فجأة، حست يمنى بنظرات بتخترق وشها، رفعت عينيها ببطء ولقت بنان بتبصلها بتركيز شديد وشك مالي عينيها. يمنى حاولت ترسم ابتسامة باهتة ومتوترة على شفايفها عشان تداري ارتباكها، وعينيها كانت بتهرب من مواجهة نظرات صاحبتها.

بنان بصتلها بضيق قليل وقالت بعتاب:

مش ملاحظة من وقت ما جينا وإنتي مشغولة بالموبايل؟

يمنى بلعت ريقها وقفلت الشاشة بسرعة وهي بتحاول تخلي نبرة صوتها طبيعية:

معلش، أنا قفلت الموبايل خلاص، خلصت.

بنان مأقتنعتش، وضيقت عينيها وهي بتراقب ملامح يمنى بدقة وسألتها علطول بنظرة فاحصة:

بتكلمي مين؟

يمنى هربت بنظراتها يمين وشمال، ومسكت شنطتها بتوتر واضح وقالت بصوت مرتعش:

دي فرح بنت خالتي، كانت عايزاني أخرج معها بس أنا مش فاضية.

بنان هزت رأسها ببطء، وظهر على وشها إنها مش مقتنعة تمامًا، وسكتت للحظات وهي بتبص لها كأنها بتقرأ اللي ورا الكلام، وبعدين قالت:تمام.

يمنى حاولت تغير مجرى الكلام بسرعة عشان تبعد الشبهات عنها، فمدت إيدها وطبطبت على كتف بنان وقالت بفضول عشان تهرب من الموقف:

سيبك إنتي بقى، المهم احكيلي على يوم العيد ميلاد.. قولتي فارس عملك مفاجأة ومش عارفة إيه؟

في اللحظة دي، ملامح بنان اتبدلت تمامًا، وعينيها لمعت ببريق دافي وتسللت ابتسامة ناعمة على شفايفها وهي بتفتكر وقالت:أيوة عملي مفاجأة وجبلي عقد تحفة، كان أحلى يوم في حياتي بجد.

بنان طلعت موبايلها بسرعة وعينيها مليانة فرحة، وقربته من يمنى وقالت:

بصي، مامي صورت الفيديو ده.

يمنى مدت إيدها وأخدت الموبايل، وعينيها اتسعت بإعجاب شديد وهي بتتفرج على المقطع القصير لفارس وهو بيقرب من بنان برقة ويلبسها العقد، ولغة العيون بين فارس وبنان في الفيديو كانت مليانة دفا واهتمام كبير.

يمنى علقت وعينيها لسه متثبتة على الشاشة بذهول:

واو.. العقد يجنن بجد!

بعدين رفعت عينيها لبنان بنظرة ليها معنى، ومالت برأسها شوية وقالت بمرح:

ده بقى اللي زي أخوكي الكبير؟

بنان أخدت الموبايل وهي بتبتسم بحيرة واضحة، ونزلت عينيها للشاشة بخجل دافي ظهر على وشها وقالت:

مش عارفة..

يمنى قربت منها أكتر، وثبتت عينيها في عين بنان عشان تأكد كلامها بقوة:

يا بنتي واضح أوي عليه، شكله بيحبك يا بنان.

عين بنان اتسعت بذهول، ونظراتها اتهزت بصدمة حقيقية كأن الكلمة فاجأتها تمامًا، فقالت بإنكار وتلعثم وعينيها بتدور بحيرة:

بيحبني إزاي؟ مستحيل! أصل إنتي مش عارفة فارس.. هو بيقف جنبنا على طول، أكتر حد في العيلة بيقف جنبنا، حتى هو قالي إنه هيفضل جنبي على طول.

يمنى بصتلها بنظرة ساخرة خفيفة، ورفعت حواجبها بقلة حيلة وقالت:

بذمتك في واحد هيقول لواحدة أنا جنبك على طول عشان هو أخوها؟ ده أخويا اللي الغيرة مابتفارقوش وقارفني في عيشتي مقالهاش ليا مرة واحدة!

بنان بصتلها بعينين مليانين حيرة شديدة، كأنها بتحاول تستوعب فكرة جديدة تمامًا عليها، وسألت بهمس ونظراتها معلقة بيمنى:

طيب هو هيحبني ليه؟

يمنى ضحكت بخفة وقالت بنظرة دافية:

سؤال غريب! لكن أنا عايزة أقولك إنه عدى مرحلة الحب دي بكتير.. وبعدين تقريبًا هو الوحيد اللي كان فاكر عيد ميلادك وعملك مفاجأة وجبلك عقد تحفة.

بعدين غمزتلها بعينها بخفة وكملت بهزار:

آه صحيح.. ابقي ادهوني لفة بقى!

بنان فطست على روحها من الضحك، وكتفاها اتهزوا وهي بتبص لصاحبتها بامتنان وحب، وفضلت يمنى وعينيها بتلمع بجدية ونصيحة:

بنان.. فكري في كلامي وهتلاقيه صح.

قطع كلامهم رنين موبايل يمنى المفاجئ.

يمنى اتخشبت في مكانها، وعينيها راحت بسرعة على الشاشة، وحدقاتها اتسعت بتوتر شديد وخوف كان هيفضحها. التغيير المفاجئ ده مfontش على بنان، اللي راقبت حركة عيون يمنى المرعوبة ونظراتها اللي لزقت في الشاشة بنظرة ذكية وفاحصة.

بنان قامت وقفت بهدوء، وعلى شفايفها ابتسامة مكر وهي بتبص ليمنى بعينين ضيقين فيهم فهم كتير وقالت بنبرة ليها معنى:

أنا هروح التوليت.. على ما تردي على فرح بنت خالتك!

عينيهم التقت في اللحظة دي، فيمنى حست بالكسوف وحاولت تداري ده بابتسامة متوترة وساكتة، وبنان مشيت وهي بتبص عليها نظرة أخيرة كلها غمز ولمز.

يمنى اتنفست الصعداء بعد ما بنان مشيت، وبصت حواليها بسرعة كأنها بتسرق عشان تتأكد إن مفيش حد من معارفهم واقف، وداس على زرار الرد وحطت الموبايل على ودنها وهمست بتوتر شديد وعينيها بتلف في كل حتة:

ألو..

صوت مالك جاها عتاب وفيه شوية ضيق:

أخيرًا يعني رديتي!

ردت وهي منزلة رأسها وبتتكلم بصوت واطي وعينيها بتبص على الطريق:

بنان كانت جنبي.

مالك رد بنبرة مستهترة معجبتهاش:

وإيه يعني؟ هي بنان هتعمل إيه؟ وبعدين دي صاحبتك.

يمنى عضت على شفتها التحتانية بضيق، وقالت بنبرة حادة وخايفة:

إنت مش فاهم حاجة.

سألها باستفسار:

مش فاهم إيه؟

تنهدت بضيق وعينيها بتدور على بنان في الأفق خايفة ترجع فجأة:

مش مهم.. إنت متصل ليه؟

رد عليها بنبرة حاسمة ومن الآخر:

عايز أشوفك.

غمضت عينيها بيأس وقالت بنبرة قاطعة:

قولت مش هينفع.

سألها بحدة شوية:

طيب ليه؟

ردت وهي بتشبك صوابعها في بعضها من كتر القلق، وعينيها بتلمع بالخوف من اللي ممكن يحصل:

أنا أصلاً مش بخرج بعد ما بطلع من الكلية، حتى لو خرجت أخويا بيبقى معايا.

مالك اقترح بإصرار:

طيب هجيلك الجامعة.

هزت رأسها بالرفض تلقائيًا كأنها شايفاه قدامها، وقالت بصوت قاطع وعينيها بتوسع من الرعب من الفكرة:

برضه لا، مش هينفع!

ـــــــــــــــــ

في شركة الباشا

كان فارس قاعد في مكتبه، عينه مش بتفارق الورق وهو مركز بكل حواسه ومنهمك في شغله. قصاده كان قاعد آسر، وبيهمس بنبرة عملية وهو بيرص شوية فايلات بترتيب قدامه على المكتب:

ـ أنا خلصتهم زي ما حضرتك طلبت، وسجلت كل حاجة على سيستم الشركة.

فارس سحب نفس أخير من سيجارته، وطفّاها ببطء في المطفأة اللي جنبه، ورفع عينه لآسر بنظرة كلها تقدير وارتياح:

ـ تمام أوي يا آسر.. أنا على فكرة مبسوط من شغلك أوي، ووجودك معانا في الجرد السنة دي فرق معانا بجد.

ملامح آسر نورت بابتسامة واسعة، وفرحة داخلية واضحة في عينه وهو بيهز رأسه بامتنان:

ـ شكراً لحضرتك.

فارس رجع ضهره لورا وسند على الكرسي وهو بيبص له بجدية مريحة:

ـ أنا ناوي بجد أنزلك مكافأة آخر الشهر.

آسر اتفاجئ ورفع حواجبه بذهول خفيف:

ـ بس حضرتك لسه منزلي مكافأة قريب!

فارس ابتسم ابتسامة هادية وهو بيفتكر، وعينه لمعت بأسف خفيف:

ـ لا.. ده كان اعتذار مني على اللي عمله مالك معاك، دي حاجة ودي حاجة تانية.

آسر ابتسم بخفة واحترام، ونظرة الامتنان زادت في عينه:

ـ شكراً لحضرتك.

فارس عدل وقفته وبص للورق تاني بنظرة حاسمة:

ـ نكمل شغل بقى.

آسر انتبه وركز معاه علطول:

ـ تمام، يلا.

في اللحظة دي، الموبايل بتاع فارس رن بإشعار رسالة. سحب الموبايل وفتحه، وأول ما شاف الاسم، ملامحه اتغيرت تماماً.. الابتسامة اترسمت على وشه بوضوح وعينيه لمعت بدفا وهو بيقرأ رسالة بنان:

عامل إيه؟ مش بنسمع صوتك ليه؟

فارس صوابعه كانت لسه هتلمس الشاشة عشان يكتب الرد بلهفة، لكن تليفون المكتب الأرضي رن وقطع اللحظة. اتنهد بقلة حيلة وحط الموبايل، ورفع السماعة:

ـ ألو..

جاله صوت صلاح القوي والواضح من الطرف التاني:

ـ تعالى يا فارس، عايزك.

فارس عدل ياقة قميصه تلقائياً وقال باحترام:

ـ حاضر يا باشا، على طول.

قفل السماعة وقام وقف، سحب البليزر بتاعه من على الكرسي ولبسه وهو بيبص لآسر بنظرة سريعة:

ـ آسر، كمل شغل على ما أرجعلك.

آسر قام وقف بسرعة وباحترام:

ـ حاضر.

فارس قبل ما يمشي، قرب منه وطبطب على كتفه بود وهو بيبتسم:

ـ اقعد يا آسر.. كمل.

خرج فارس من المكتب، وآسر قعد تاني ورجع يركز في شغل الملفات وهو متحمس.

في بيت بنان

كانت قاعدة في أوضتها، ضامة رجليها لصدرها وعينيها مش بتفارق شاشة الموبايل. شافت علامتين الصح الزرق، وشافت إنه قرأ الرسالة.. لكن مفيش أي رد.

دقايق مرت كأنها ساعات، وحست بضيق وخنقة بتزيد في صدرها. بغيظ وكسرة خاطر، رمت الموبايل جنبها بعنف على السرير، وربعت إيديها وهي بتنفخ بضيق.

في اللحظة دي، الباب اتفتح ودخلت سمية وهي بتبتسم وبتقول بنبرة أمومية دافية:

ـ يلا يا بينو، الغدا جهز.

بنان دارت وشها الناحية التانية وقالت بنبرة مخنوقة وناشفة: ماليش نفس

سمية وقفت مكانها واستغربت جداً، وبصت لملامح بنان المتقلبة:

إيه يا بنتي؟ ما كنتي راجعة من الجامعة دلوقتي مبسوطة وجعانة!

بنان ضيقها زاد، وحست إنها مش قادرة تتكلم، فردت بنفاد صبر:

ـ خلاص يا ماما.. ماليش نفس!

سمية قربت منها خطوة وضيقت عينيها بشك وقلق:

ـ هو في حاجة حصلت؟

بنان من غير ما تبصلها:

ـ لا.

سمية بنبرة حائرة:

ـ طيب إيه؟

هنا طاقة بنان خلصت، وبصت لوالدتها وعينيها لمعت بدموع محبوسة، وقالت بصوت عالي ومليان ضيق وتوتر:

ـ مافيش بقى! خلاص يا ماما!

ملامح سمية اتقبلت بضيق وحزم من أسلوب بنان، وبصت لها بتحذير وهي بتقول:

ـ طيب وطي صوتك ده بدل ما أديكي على وشك!

بنان اتفاجئت، وبصت لوالدتها بنظرة مكسورة ومليانة ضيق، وسكتت تماماً وهي بتعض على شفتها.

سمية نفخت بضيق ودارت وشها وخرجت من الأوضة ورزعت الباب وراها خفيف، وسابتها لوحدها.

أول ما الباب اتقفل، بنان حست بضعف شديد، سندت راسها على ركبها، والدموع اللي كانت حبساها نزلت على خدودها بغزارة، وهي حاسة بوجع غريب مش عارفة تفسره في قلبها بسبب غيابه وتجاهله

-----------

تاني يوم في الجامعة.

كانوا ماشيين في الممر بين المحاضرات، وبنان كانت لسه شايلة في قلبها وملامحها باين عليها الزعل والضيق، ويمنى ماشية جنبها وبتحاول تهديها بابتسامة هادية:

ـ يا بنتي أكيد مش فاضي يرد عليكي.

بنان وقفت فجأة وبصت لها بضيق حقيقي وعينيها بتلمع بدموع مكتومة:

ـ إزاي هااا؟ طيب تمام بالليل مرجعش؟ وما أخدش شاور؟ وما شربش قهوته؟ كل ده ومفيش خمس دقايق يمسك فيهم الموبايل يرد؟

يمنى حاولت تبسط الأمور وطبطبت على كتفها وهي بتقنعها:

ـ صدقيني هما شكلهم مشغولين الأيام دي جداً، حتى آسر أخويا بيرجع متأخر عن مواعيده والضغط عليهم كبير في الشغل.

بنان هزت رأسها بعدم اقتناع تماماً، ونزلت عينيها الأرض بكسرة وندم:

ـ الظاهر إني فهمت اهتمامه غلط.. ياريتني ما سمعت كلامك وفكرت فيه أصلاً.

يمنى قربت منها وبصت في عينيها بثقة وتحدي:

ـ أنا كلامي مش غلط، وبكرة الأيام هتثبتلك ده يا بنان.

بنان حركت دماغها بالنفي بوجع وهي بتتهرب من نظرات يمنى:لا.. قولتلك هو بيعمل كل ده عشان هو قريب لماما وبيجي ويتكلم معها كتير، مش أكتر من كده.

ـــــــــــــــــ

بعد يومين

في المساء، كان الهدوء يسود ردهة قصر الباشا.

تسللت رائحة عطره الفاخرة والقوية لتسبق خطاه الهادئة وهو ينزل على الدرج بطلة خاطفة للأنظار. كان يرتدي قميصًا باللون النبيتي الغامق، يلتصق بجسده الرياضي ليبرز عضلات صدره المتناسقة بوضوح، مع بنطال أسود أنيق. شعره كان مصففًا بعناية فائقة، وملامحه الحادة يزينها غموض جذاب.

في الأسفل، كان صلاح ونجوى يجلسان معًا. انتبهت نجوى لخطواته، فرفعت عينيها تتابعه بإعجاب أمومي، بينما راقبه صلاح بنظرات ثاقبة هادئة.

اقترب فارس منهما بخطوات واثقة، وانحنى قليلًا ليسلم عليهما بود:

ـ مساء الخير.

نجوى تفحصت شياكته الزائدة وابتسمت بتساؤل:

ـ مساء النور يا حبيبي.. إيه، خارج ولا إيه؟

فارس عدل ساعة يده الفاخرة وأجاب بنبرة هادئة يحاول جعلها عادية تمامًا:

ـ أيوه، هروح أزور عمتو.

صلاح اعتدل في جلسته، ورفع حاجبًا واحدًا وهو ينظر إليه بتركيز شديد خالٍ من التعبير:

ـ بتزور عمتك كتير الأيام دي.. خير؟

شعر فارس بوخزة توتر، لكنه حافظ على ثبات ملامحه وبصره معلق بوالده، وحاول صياغة مبرر طبيعي:

ـ عادي يا بابا.. يعني أنا بقالي أسبوعين مزرتهمش، حابب أطمن عليهم.

صلاح لم تفت عليه نبرة فارس، فقال بنبرة حملت مغزى غامضًا:

ـ وأنت لازم تروح كل أسبوعين يعني؟

ظهر التوتر بوضوح في حركة عيني فارس التي زاغت لثانية قبل أن يستجمع هدوءه ويجيب بصوت منخفض:

ـ عادي يعني يا بابا.. عشان هما لوحدهم ومفيش حد معاهم.

صلاح هز رأسه ببطء، وكأنه يمرر الأمر بمزاجه هذه المرة، ثم قال ببرود:

ـ ماشي.. ابقى سلم لينا عليهم.

فارس تنفس الصعداء داخليًا، وأومأ برأسه:

ـ تمام.. تصبحوا على خير.

خرج فارس بخطوات أسرع قليلًا، ركب سيارته الفاخرة، وانطلق بها في عتمة الليل متجهاً إلى وجهته المفضلة.

داخل ردهة القصر، التفتت نجوى إلى صلاح وعيناها تملؤهما الحيرة من نبرة زوجها الجافة مع ابنهما:

ـ إيه يا صلاح؟ حسيتك متضايق من وجوده هناك وزياراته ليهم.

صلاح اتكأ بظهره على المقعد، ونظراته معلقة بالباب الذي خرج منه فارس منذ قليل، وقال بهدوء مخيف:

ـ لا، أنا مش متضايق.. بس حبيت أعرفه إني واخد بالي، وعارف إنه على طول هناك.

نجوى حاولت تبسيط الأمر بابتسامة دافئة:

ـ يا صلاح عادي.. هو بيحب عمته شوية زيادة، زي باباه الله يرحمه ما كان متعلق بيها.

صلاح ابتسم بسخرية مريرة ظهرت على طرف شفتيه، وأخرج علبة سجائره ببطء، سحب واحدة وأشعلها وهو يراقب تصاعد الدخان بشرود تام، ثم تمتم بصوت خافت:

ـ يارب تيجي على كدا بس!

نجوى قطبت حاجبيها بقلق من طريقته، وسألته باهتمام:

ـ قصدك إيه يا صلاح؟

صلاح أخذ نفسًا عميقًا من سيجارته، وعيناه غارقتان في تفكير عميق بعيدًا عن الغرفة، ثم قال بنبرة حاسمة تنهي النقاش:

ـ مقصدش.. مش وقته يا نجوى، مش وقته.

----------

بعد ساعة تقريباً، فرمل فارس بعربيته قدام عمارة عمتو.

نزل وبإشارة سريعة بيده نادى البواب اللي جري عليه بترحيب كبير. بدأ فارس يشيل الشنط والحاجات الكتير اللي جابها معاه كالعادة، وطلع في الأسانسير لغاية شقة عمتو وهو حاسس بقلبه بيدق بلهفة غريبة بقاله أسبوعين محسهاش.

رن الجرس، وثواني والباب اتفتح. سمية أول ما شافته واقف قدامها بطلته الأنيقة اللي تخطف العين، وشها نور بابتسامة واسعة من المفاجأة:

وحشتني يا فارس

فارس ابتسم بحب حقيقي وقال وهو بيميل عليها ياخدها في حضنه: وحشتيني أكتر يا سوسو.

سمية أخدته في حضنها بلهفة دافية وقالت:وأنت يا قلب سوسو، وحشتني يا حبيبي

البواب دخل الشنط والحاجات الكتير اللي معاه، وسمية مأبدتش أي اعتراض ولا اتكلمت زي كل مرة، لأنها لقت إن الكلام مش هيأثر فيه، هو كده كده هيفضل يجيب ويدلعهم كأنه المسؤول الأول عنهم.

بصتله سمية بعتب محب:طيب مش تعرفني إنك جاي؟ كنت جهزتلك عشاء يليق بيك.

فارس مسك إيدها وباسها برقة وهو بيمشي معاها لجوه:
عشاء إيه بس.. تعالي أقعدي يا عمتو، أنا مش جعان خالص والله.

سمية صممت وهي بتبتسم: طيب تعالى نعملك كوباية قهوة تظبط دماغك الأول.

سمية اتجهت ناحية المطبخ، وفارس مشي وراها بخطوات بطيئة وعينيه بتلف في المكان بتلقائية كأنه بيدور على حد ناقص، وقال بصوت واطي فيه نبرة رجاء دافية ولماحة: أومال القمر فين؟

سمية لفت وبصتله بمكر ودهاء ستات يفهم الحركات دي كويس، وقالت وهي بتبتسم: في السماء

فارس ضحك بخفة وهز رأسه بقلة حيلة:المفروض أضحك يعني؟ هي فين بجد؟ أوعي تقولي نايمة

سمية اتنهدت وخفتت نبرتها بشوية قلق وحيرة:

ـ لا، في أوضتها من بعد الغدا.. بس تقريباً بترسم، لأنها قافلة على نفسها من بدري ومبتخرجش.

فارس ملامحه هديت ونظرة الشوق والاهتمام ظهرت في عينيه وهو بيقول بصدق: أنا بقالي أسبوعين مشوفتهاش يا عمتو.

سمية هزت رأسها وقالت بنصيحة حقيقية:أنا بقول بلاش تدخلها دلوقتي، بلاش أحسن يا فارس.

فارس استغرب وسألها باهتمام وقلق ظهر في صوته علطول: ليه؟ في إيه؟ مالها؟

سمية حطت كنزة القهوة على النار وقالت بضيق يأسس من تصرفات بنتها:والله يا فارس ما أعرف مالها.. متخانقة أنا وهي بقالنا تلات أيام، وبجد كنت همد إيدي عليها من أسلوبها وطريقتها الناشفة معايا.

فارس عقد حواجبه وبان خوفه عليها وحبه المكتوم في نبرته:وإيه اللي مضايقها للدرجة دي؟

سمية هزت كتافها بقلة حيلة:مش عارفة، كل ما أسألها تقولي مفيش وهي هطق من الجناب.

في اللحظة دي، كانت بنان خارجة من أوضتها وهي مش حاسة بأي حاجة حواليها ولا بوجود فارس أصلاً. كانت لابسة برمودة كب صيفية مريحة، ورافعة شعرها الطويل لفوق بمشبك بعشوائية سابت خصلات ناعمة منه تنزل على رقبتها البيضا بنعومة طاغية. ودنها كانت فيها السماعات وهي مندمجة مع مزيكا هادية بتعشقها وعينيها نص مقفولة بتأثير اللحن.

مشت ناحية المطبخ من غير ما تاخد بالها من خيال فارس اللي واقف، ودخلت وهي بتقول بعفوية وتلقائية تامة:

ـ مامي.. شوفيلي مسكن أرجوكي، بطني بتوجعني أوي وشكل البو...

الكلمة وقفت في زورها وقطعتها فجأة، وعينيها اتسعت بصدمة ورعب حقيقي وهي بتلتقي بعينين فارس الواقف جنب والدتها بقميصه النبيتي الأنيق اللي مبرز عضلاته وسامته اللي بتخطف الأنفاس.

بنان فتحت بقها بذهول ووشها اتحول للون الأحمر الدموي من كتر الكسوف والإحراج، وحست إن الأرض بتلف بيها وهي بتفتكر الجملة اللي كانت هتقولها قدامه بالظبط.

سمية ضغطت على شفايفها وهي بتحاول تمنع ضحكتها بصعوبة لأنها فهمت بنتها كانت هتقول إيه بالظبط وعذرت كسوفها القاتل ده.

أما فارس، فنظراته اتغيرت تماماً.. اتأمل ملامحها المخطوفة بلهفة وشوق بانوا في عينيه بوضوح، وعينيه لمعت بابتسامة حنونة ومقربش منها عشان ميحرجهاش أكتر، وقال بصوت رجولي دافي مليان اهتمام وخوف حقيقي عليها:
فارس: مالك؟ بطنك بتوجعك ليه؟ لو تعبانة بجد ممكن نكشف عند دكتور دلوقتي حالا.

بنان حاولت تستجمع شتات نفسها وضمت ذراعيها حوالين نفسها بكسوف، وقالت بنبرة مرتعشة وصوت يدوب طالع:شكراً.. أنا كويسة.

بسرعة مدت إيدها ومسكت كوباية مياه قريبة وبدأت تشرب بلهفة عشان تداري توترها ووشها اللي سخن من الإحراج ونظرات فارس اللي مابتفارقهاش. حطت الكوباية وقالت وهي بتبص لوالدتها وبتتهرب من عيون فارس تماماً
بنان:مامي.. أنا هنزل أروح ليمنى.

سمية لسه كانت هتفتح بقها وترد، بس فارس سبقها بسرعة وبنبرة جافة رافضة:ليه؟

بنان بصتله ببرود مصطنع وهي بتحاول تظهره بقوة عشان تخبي ارتباكها قدام عيونه اللي بتاكلها:هنذاكر سوا

ولفت وضهرها ليه وخرجت من المطبخ بسرعة.

فارس مسبهاش، خرج وراها علطول وخطواته الواسعة جابتها في الصالة، وقال بنبرة ضيق وغيرة واضحة:

ـ وليه هي اللي ماتجيش عندك وتذاكروا هنا؟

بنان وقفت ولفتله، وبصتله بعناد طفولي:عشان أخوها بيرفض خروجها خالص.

فارس ضيق عينيه وصدره اتسع بنفخة ضيق وغيرة عمياء حاول يداريها: تقومي إنتي اللي تروحي بيت فيه شاب؟ عادي كده؟

بنان رفعت راسها وبصتله بنظرة برود مستفزة: عادي.. أخوها محترم جداً، ما هو بيشتغل عندكم في الشركة وإنت عارفه كويس.

ولفت وتوجهت ناحية أوضتها بخطوات سريعة.

وقبل ما تحط إيدها على أكرة الباب عشان تفتحه، كان فارس أسرع منها بكثير.. مد إيده الطويلة وضغط على الأكرة وقفل الباب بجسمه، ووقف قدامها مباشرة بحيث مابقاش فيه بينهم غير مسافة صغيرة جداً خلتها تحس بحرارة جسمه وأنفاسه الدافية اللي بتلف وشها.

بنان اتوترت وضربات قلبها بقت مسموعة، وبصت للأكرة بعدين رفعت عينيها ليه وقالت بمحاولة بائسة للثبات:

 عايزة أدخل أوضتي عشان أغير هدومي.

فارس حسم الأمر بنبرة رجولية آمرة مفيهاش نقاش

 وعينه متبتة في عينيها بعمق:مفيش خروج.. ولا هتروحي بيت حد، ولا هتخرجي من البيت في الوقت ده بالليل.

بنان هنا حست بتمرد شديد، وافتكرت تجاهله لرسالتها وكل الضيق اللي عاشته اليومين اللي فاتوا بسببه. رفعت عينيها الخضرا بجرأة واتحدت عيونه وقالت بنبرة حادة ووجع مستخبي ورا عنادها:

ـ ليه؟ بابايا؟ ولا أخويا؟ ولا تكونش حبيبي عشان تمنعني أخرج؟!

السؤال نزل على قلب فارس كأنه لمس جرح مفتوح، وعيونه تاهت تماماً وهو بيبص في عينيها الخضرا الساحرة في اللحظة دي.

اللمعة اللي في عينيها، التمرد الطفولي المخلوط بجمال أنثوي طاغي، خلاه يقف مكانه مذهول. حس في اللحظة دي إنه سافر لعالم تاني خالص.. عالم ملوش وجود غير في خياله وأحلامه اللي بتجمعه بيها. تاه في ملامحها، في رقة بشرتها، وبص لشفافها المكنزة المصبوغة بلون أحمر طبيعي دافي، وقلبه كان بيدق بعنف لدرجة خاف إنها تسمعه.

بنان حست بنظراته اللي اخترقت روحها وزلزلت كيانها، ملامحها الهجومية بدأت تدوب تحت تأثير نظرة الحب والشوق الصريحة في عينيه، بس حاولت تفوق نفسها من السحر ده، فقالت بصوت رقيق مرتعش طالع يدوب من بين شفايفها:

ـ هنضل واقفين كده كتير؟

​فارس اتنحنح ببطء وحاول يرجع لوعيه بعد ما تاه في تفاصيلها، نزل إيده عن الأكرة وقال بصوت هادي وناعم بس مليان حنان وخوف حقيقي:

ـ احم.. أنا خايف عليكي مش أكتر، بلاش تروحي بيوت حد بالليل كده يا بنان.

بنان حركت راسها بطفولية وضيق، وبوزت شفايفها بزعل طفولي خطف قلبه تماماً:

ـ أنا مش عيلة صغيرة عشان تخاف عليا.. وبعدين أصلاً هو إنت مهتم بيا؟

فارس ابتسم ابتسامة دافية تذوب الصخر، وقرب منها خطوة تانية وعينيه بتلمع بصدق وحب كبير عمره ما خباها:

ـ آه طبعاً.. إنتي أكتر واحدة في الدنيا دي كلها أنا مهتم بيها، وعايزك تكوني أحسن وأجمل واحدة في الدنيا دي كلها.

بنان بصتله بضيق حقيقي والزعل القديم ظهر في صوتها وهي بتقول بنبرة طفولية معاتبة:

ـ إنت فعلاً لو مهتم بيا بجد، كنت رديت على رسالتي بدل ما شوفتها وسيبتني كدة ومبرتنيش!

​فارس افتكر الرسالة وافتكر اليوم ده، وبص حواليه بعشوائية وهو بيضحك بخفة وصمت. في سره أقسم إنه بيعشق طفلة.. طفلة حقيقية بعقل صغير بريء وجسم أنثى تسلب العقول والقلوب.

بص في عينيها تاني ببهجة وقال بنبرة كلها دلال عشان يراضيها:

ـ ده بقى اللي مزعلك ؟

بنان رفعت كتفها بلامبالاة مصطنعة وهزت راسها بعناد:

ـ وأزعل ليه يعني؟ أنا بس برّد على كلامك وبوضحلك إنك مش مهتم.

​فارس ملامحه لانت تماماً وابتسم بحب حقيقي وهو بيميل عليها شوية ويقول برجاء رقيق وصوت دافي:

ـ حقك عليا يا بنوبونايتي.. بس بجد كنت مشغول جداً ومطحون في الشغل، كان عندنا جرد سنوي ومكنتش فاضي أتنفس والله 

بنان ربعت إيدها ورفعت راسها بدلال وكبرياء أنثى بتحاول تتقل عليه:

ـ يعني مثلاً مكنتش بتروح تاخد شاور؟ ولا بتشرب قهوتك؟ كان ممكن ترد عليا بكلمة واحدة عادي يعني ومش هتاخد منك ثانية واحدة.

فارس ضحك بصوت دافي وعينيه غرقانة في تفاصيل ملامحها، وقال بنبرة واعدة وصادقة مليانة حب:

ـ أوعدك مش هتتكرر تاني أبدًا، وأول ما أشوف رسالتك هرد عليها علطول حتى لو في إيدي إيه.. وعد رجالة.

​بنان فكت تربيعة إيدها شوية وحاولت تخبي ابتسامة الفرحة اللي بدأت تترسم على شفايفها غصب عنها وقالت بدلع طفولي:

ـ براحتك.. أصلاً مش فارق معايا.

فارس فهم دلعها وابتسم بروقان وسعادة حقيقية:

ـ طيب اطلبي أي حاجة تراضيكي، وأنا أصالحك بيها فوراً ومن غير تفكير.

بنان عينيها لمعت بفرحة طفولية وابتسمت وهي بتفكر وصباعها على خدها برقة وبراءة:

ـ اممم.. اطلبلي بيتزا.

فارس ضحك من قلبه وقال وعينيه بتفيض حنان:

ـ عيوني.. أحلى بيتزا لأحلى وأجمل بنوبوناية في الدنيا دي كلها.

​فارس طلب بيتزا حجم كبير ليهم كلهم، وقعدوا سهرانين مع بعض في جو مليان ضحك ودفء عائلي، وعيون فارس مكنتش بتنزل من على بنان اللي رجعت لضحكتها وفرحتها الطبيعية ونظراتهم كانت بتتلاقى كل شوية بوعود صامتة وكلام كتير مش محتاج لسان ينطقه.

​بعد ما سهروا وانبسطوا، فارس قام عشان يمشي. بص في ساعته اليدوية لقاها حداشر بالليل. نزل من عندهم وهو حاسس إن روحه وقلبه سابهم فوق مع طفلته الجميلة في الشقة.

----------

فارس نزل وركب عربيته
فارس وبص في المرايه بتركيز

من أول ما خرج من بوابة الفيلا، وهو حاسس إن في خيال ماشي وراه. عينه مكنتش بتنزل من على المراية؛ العربية الكحلي دي متبتة وراه، أول ما يهدي تهدي، وأول ما يزود سرعتها تزيد.

​قرر يقطع الشك باليقين. كسر الدريكسيون فجأة وركن على جمب هادي قدام سوبر ماركت. نزل ببرود وهو بيحاول ميبينش أي حاجة، دخل اشترى علبة سجاير ووقف ثواني يعمل نفسه بيدور على حاجة في محفظته، لكن عينه كانت بتراقب الشارع من ورا الإزاز الشفاف... وطبعاً، العربية وقفت على مسافة مش بعيدة.

​فارس ابتسم بسخرية وضيق. رجع عربيتة، داس بنزين وطلع، والتانية لفت وراه في ثانية.

​وفجأة... وبدون أي مقدمات، فارس كبس فرامل بكل قوته لدرجة إن الكاوتش عمل صوت صريخ عالي هز السكون اللي في الشارع. فتح الباب ونزل بخطوات سريعة وعينه بتطلع شرار، راح دايركت على العربية اللي وراه، وقف عند باب السواق وخبط بإيده بكل غل وعصبية على الإزاز وهو بيزعق:

— انزل! بقولك انزل هنا!

​اللي سايق عمل نفسه مش سامع وودى وشه الناحية التانية، بس فارس كان جايب آخره. خبط على سقف العربية بقبضة إيده وصوته رج الشارع:

— بقولك اخلص وانزل.. بدل ما أكسر الإزاز ده على دماغك!

​الراجل خاف وجاب ورا، فتح الباب ونزل بالراحة وعينه في الأرض مش قادر يحطها في عين فارس. وقبل ما ينطق بحرف، كان فارس قابض على ياقة قميصه بكل عصبية وشده عليه لدرجة إن الراجل كان هيترفع من على الأرض:

— أنت ماشي ورايا ليه؟ ومن إمتى؟! انطق!!

​الراجل بلع ريقه برعب وهو شايف وش فارس اللي بقى أحمر من الغضب:

— يا فندم.. أنا.. أنا بنفذ الأوامر والله..

​فارس هزه بعنف وصوته على أكتر:

— أوامر مين يا روح أمك؟! انطق قبل ما أدفنك مكانك هنا! مين اللي باعتك ورايا؟

​الراجل اتكلم بصوت مرعش ويادوب مسموع:

— صلاح باشا... صلاح باشا هو اللي قالي أمشي وراك وأجيبله أخبارك.

​إيد فارس اتجمدت للحظة. رخي إيده بالتدريج وكأن الصدمة هدت حيله، بس الغضب جواه زاد أضعاف. زق الراجل بعيد عنه بقرف، ولف ورجع لعربيته وركب وطار بيها، وساب الراجل واقف في الشارع بياخد نفسه بالعافية.

​فارس كان بيسوق بسرعة جنونية، وعقله هيطير من كتر العصبية. بقى مراقب؟ وبأمر من أبوه؟!

​دخل الفيلا بصوت كاوتش عالي وصريخ فرامل سمّع في الحديقة كلها. نزل ودخل من الباب الرئيسي زي الإعصار. في الوقت ده، كان صلاح ونجوى قاعدين في الإيفنج سهرانين وبيتكلموا في هدوء.

​فارس وقف على الباب، ملامحه متشنجة وصدره بيعلو ويهبط من العصبية. بص لأبوه علطول وقال بنبرة حادة وناشفة:

— لو سمحت يا باشا.. عايزك في كلمة على انفراد.

​نجوى اتخضت وقامت وقفت وهي بتبص لوش ابنها اللي بيغلي:

— في إيه يا حبيبي؟ مالك؟ إيه اللي حصل ومضايقك كده؟

​فارس مباصلهاش أصلاً، وفضل باصص لصلاح اللي كان قاعد ببرود تام.

​صلاح فهم هو عايز ايه... بص لنجوى وقال بصوت هادي بس مفيش فيه نقاش:

صلاح:سيبنا لوحدنا يا نجوى.

​نجوى بصتله بتردد وهي مش مطمنة: بس يا صلاح أنا..

​صلاح قاطعها بنبرة تزهق وأمر صريح:

صلاح :أنا قلت اخلصي يا نجوى.. اطلعي فوق!

​نجوى نفخت بضيق وبصت لفارس بقلق، وبعدين مشيت بسرعة وطلعت على فوق.

​أول ما نجوى اختفت، صلاح حط رجل على رجل بكل برود وبص لابنه وقال:

— هاا.. اتكلم، سامعك.

​فارس قرب خطوتين وضحك ضحكة سخرية ووجع في نفس الوقت:

— أكيد طبعاً رجالتك كلموك وقالولك إني كشفتهم.. صح؟ أنت بتعمل كده ليه؟ بتراقبني ليه أصلاً؟!

​صلاح رد بمنتهى الثقة والهدوء:

— عشان خايف عليك.. وعايز أطمن.

​فارس صوته علي بضيق وحرقة:

— أنا مش عيل صغير يا صلاح باشا! أنا راجل وعارف أنا بعمل إيه كويس.. وفاهم كويس أوي أنت بتعمل كده ليه ونيتك إيه!

​أخد نفسه بالعافية عشان يسيطر على أعصابه وتابع بلهجة تريقة وضيق:

— بس ياريت توفر رجالتك ومتبعتش حد ورايا تاني.. أنت عمرك ما سألتني في حاجة وكدبت عليك عشان تخليهم يمشوا ورايا.. لو عايز تبعت الرجالة دول بجد وتستفيد منهم.. ابعتهم ورا ابنك ! اللي تقريباً كل ما بيروح مكان بيعمل مصيبة، وأنا اللي بلف وراه وبمشي أصلح وأحل في قرفه..

​فارس سكت للحظة وبص لوش أبوه اللي ملامحه اتصلبت، وقال ببرود:

— عن اذنك..

​وسابه وطلع على أوضته بخطوات سريعة ورزع الباب وراه، وساب صلاح في الصالون والنار بتغلي جواه من الغضب.

تعليقات



<>