رواية اولاد الباشا الفصل السابع7بقلم شيماء منير


رواية اولاد الباشا الفصل السابع7بقلم شيماء منير

دخل غرفته ورزع الباب وراه بقوة، الغضب كان لسه مالي عروقه وبيغلي جواه.

وقف في نص الأوضة وهو حاسس بخنقة رهيبة. فك زراير قميصه بعنف، وقلعه ورماه بإهمال وعصبية على أقرب كرسي. زفر زفرة طويلة حامية كأنها جمر، وحاول يهدي ضربات قلبه السريعة بس مفيش فايدة. خطى خطوات سريعة ناحية الكومودينو، سحب علبة السجاير بتاعته، وطلع منها سيجارة وولعها بـ "الولاعة" وهو بينفخ الدخان بعنف وغل، وعينه شاردة في الفراغ... بيفكر في تحكمات أبوه

وسط السكون والشرود ده، رن موبايله بصوت إشعار رسالة

فارس نفخ بضيق وهو بيمد إيده يجيب الموبايل من على الكومودينو، بس أول ما فتح الشاشة وشاف الاسم... ملامحه كلها اتغيرت في ثانية.

الرسالة كانت من بنان:

وصلت الفيلا ولا لسه؟ طمني عليك.. 💙

ابتسامة خفيفة ودافية شقت طريقها على وشه من وسط بركان الغضب اللي كان فيه. كأن كلمتها كانت نقطة ميه باردة نزلت على قلبه اللي بيغلي. مفيش ثواني وكان صباعه بيضغط على زرار الاتصال وعلق الموبايل على ودنه.

عند بنان...

أول ما شافت شاشة الموبايل بتنور باسمه، قلبها دق بسرعة وفرحة، وابتسمت بسعادة مالي وشها وهي بتفتح الخط بسرعة:

 ألو..

رد فارس بصوت واطي ودافي، نبرة الغضب اختفت تماماً وحل مكانها العشق:أيوة يا قلب فارس..

بنان خدودها احمرت وبان الخجل في صوتها وهي بتلعب في طرف تيشرتها: احم.. كنت بطمن عليك بس.. وصلت بالسلامة؟

فارس غمض عينه وهو بيسحب نفس عميق من سيجارته، وهمس بنبرة تقطر حنان:

— وصلت يا عمري.. ربنا ما يحرمني من سؤالك ولا من حنيتك عليا.

بنان بابتسامة رقيقة: ولا يحرمني منك.. هتعمل إيه دلوقتي؟

فارس وهو بينفخ الدخان بالراحة في الهوا:

— مفيش.. هاخد شاور دافي يفك جسمي كده، وأنام علطول.

بنان: أوكي.. وأنا كمان هنام دلوقتي عشان سهرانة من بدري.

فارس تذكر جدولها فسألها باهتمام: تمام يا قلبي.. عندك محاضرات بكره، صح؟

بنان:أيوة.. عندي تلاتة ورا بعض ومهمين أوي.

فارس: تمام.. أول ما تخلصي وتخرجي من باب الجامعة كلميني طمني عليكي، ماشي؟

بنان بدلع: أوكي.. حاضر.

صوت فارس اتحول فجأة للجدية والغيرة الرجولية اللطيفة وهو بيعدل وقفته:

— بقولك إيه.. لبسك بكره محترم، هااا؟ مش هعيد الكلام اللي قلته تاني يا بنان.. بلاش  اللبس الضيق.

بنان لوت بوزها بطفولية وقالت بضيق مصطنع:

— يا سلام! وهو أنا لبسي مش محترم يعني يا فارس؟

فارس ابتسم وهو بيتخيل شكلها لما بتعترض:

— أوقات بتستهبلي يا بنان.. جو كب و توب والشورتات دي تلبسيها في البيت عندي إن شاء الله، مش بره والناس تتفرج عليكي.

بنان دافعت عن نفسها بزهق:

— على فكرة بقى البنات في الجامعة بتلبس كل حاجة دلوقتي، ومحدش بيقول لحد حاجة!

فارس بنبرة حاسمة وصوت رجولي غيور:

— أنا مليش دعوة بحد.. ليا دعوة بيكي أنتِ وبس! وبعدين ما يمنى أنتيمتك أهيه.. لبسها محترم جداً، وكمان محجبة 

بنان أول ما سمعت اسم يمنى، الغيرة كلت قلبها وصوتها اتغير تماماً وبقى فيه نبرة ضيق واضحة:

— وأنت بقى مركز أوي مع يمنى وملاحظ لبسها ؟!

فارس حس بغيرتها وضحك في سره، وحب يضايقها شوية:

— لا مش حوار تركيز يعني.. بس البنت محترمة وده بيبقى باين للكل، فآخد بالي عادي.

بنان بضيق شديد وصوت مقمص:

— لا بقولك إيه.. متآخدش بالك بعد كده من حد خالص، ماشي؟ لا يمنى ولا غير يمنى!

ابتسامة فارس وسعت وبقت ضحكة هادية ملت وشه.. لما حس بغيرتها. حب ينهي غيرتها ويطمن قلبها فقال بنبرة حنينة أوي:

 خلاص يا ستي.. توبة، مش هاخد بالي من أي حد في الدنيا دي غيرك أنتِ.. أنتِ وبس اللي مالي عيني.

بنان سكتت لثواني، الفرحة رجعت لقلبها تترجم في ضحكة مكسوفة:

— أوكي.. مصدقاك.

فارس بضحكة رجولية دافية:

— يلا يا مجنونة.. روحي نامي عشان تقومي بكره فايقة مركزة في محاضراتك.

بنان بنعاس ودلع:

أوكي.. تصبح على خير .

فارس اتنهد بحب وقال وهو بيبص للفرغ بابتسامة:

 وأنتِ من أهلي

بنان همست قبل ما تقفل: باي.

قفل فارس الموبايل، وبص للسيجارة اللي في إيده اللي كانت قربت تخلص.. الغضب اللي كان مالي كيانه من شوية اتبخر تماماً، وبقت مكانه راحة وطمأنينة متتوصوفش.. رمى بقية السيجارة في الطفاية، ودخل الحمام وهو بيدندن بابتسامة صافية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تاني يوم في الجامعة...

أول ما المحاضرة الأخيرة خلصت، البنات لموا حاجتهم وخرجوا من المدرج وسط زحمة الطلاب.

بنان وهي بتعدل الشنطة على كتفها:

— بقولك إيه.. ما تيجي ندخل التواليت الأول نظبط نفسنا قبل ما نمشي؟

يمنى بابتسامة هادية:

— تمام، يلا بينا.

وقفوا قدام المراية، وبنان بدأت تبص لنفسها بتمعن وتعدل لبسها يمين وشمال، وبعدين التفتت ليمنى وسألتها بقلق طفولي:

— يمنى.. إيه رأيك في لبسي النهاردة؟ بجد كويس وواسع ولا إيه؟

يمنى ضحكت وفهمت الليلة:

— واضح كدا إن في أوامر عليا صدرت من ورايا! بس بجد يا بنتي، كويس جداً وأحسن من الأول بكتير على الأقل.

بنان بصت للمراية تاني وابتسمت بحب:

— أصل فارس طلب مني كدا.. وأنا مش بحب أوعده بحاجة وموفيش بيها.

يمنى وهي بتطلع موبايلها:

— لا بجد لابساه كويس أوي.. تعالي بس أما أفرجك على صورنا القديمة أول ما اتعرفنا، ده أنتِ لبسك كان منحرف بجد! الفاصل الزمني مرعب.. الفترة دي لبسك عاقل ومحترم.

بنان برطمت بضيق خفيف وضربتها على كتفها بهزار:

— يا بايخة! منحرف إيه بس؟ ملقيتيش إلا اللفظ ده!

يمنى بضحك:

— يا بنتي دي حقيقة والله!

وفجأة.. موبايل يمنى رن بـ إشعار رسالة. فتحتها، وتعبيرات وشها اتغيرت تماماً وحل مكانها توتر رهيب.

الرسالة كانت من مالك:

"أنا واقف بره الكلية.. مستنيكي."

يمنى صوابعها كانت بترتعش وهي بتكتب الرد بسرعة:

— "بره فين يامالك؟"

رد في ثانية:

— "قدام البوابة علطول.."

يمنى كتبت بقلة حيلة وخوف:

— امشي يا مالك مش هينفع.. ارجوك متعملش شوشرة

مالك بعند:

— مش همشي.. أنا عايز أشوفك يا يمنى ومش هتحرك من هنا.

بنان لفت ليها وقالت بشك وهي شايفة وشها جاب ألوان:

 إيه يا بنتي؟ ه تخلصي الرسايل اللي مش بتخلص دي ولا هنبات هنا؟

يمنى قفلت الموبايل بسرعة وحاولت تداري ارتباكها:
 أم م م.. يلا بينا.

بنان بفضول:

— في إيه يا يمنى؟ مالك وشك اتخطف كدا ليه؟

يمنى بتهرب:مفيش.. مفيش حاجة خالص.. يلا بينا عشان نتأخرش.

نزلوا من المبنى وخطواتهم بتقرب من البوابة الخارجية. بنان كانت ماشية عادي، بس يمنى كانت ماشية ببطء شديد وتلفت حواليها برعب وتوتر خلى بنان تلاحظ.

بنان وقفت وبصتلها بضيق:

— في إيه بجد؟ أنا مش مرتاحة لحركاتك دي خالص النهاردة!

يمنى بابتسامة صفرا:

— في إيه يعني؟ عادي يا بنان.. عادي والله.

وبمجرد ما خطوا بره بوابة الجامعة... كانت العربية بتاعة مالك راكنة على جنب.

يمنى لمحتها وقلبها وقع في رجليها، حاولت تعمل نفسها مش شايفاها وشدت بنان عشان يمشوا بسرعة، بس مالك ماداهمش فرصة. نزل من العربية بهيبته وعصبيته الواضحة، ووقف قدامهم مباشرة وقفل عليهم السكة.

مالك بنبرة جافة وهو عينه على يمنى:مساء الخير..

بنان بصتله بذهول واستغراب، بس بسرعة ربطت الأحداث وفهمت سر ارتباك يمنى: مساء النور..

الجو كان مشحون ومكهرب. محدش فيهم نطق بكلمة.. مالك باصص ليمنى بنظرات كلها عتاب وغضب، ويمنى مديرة وشها الناحية التانية وبتتجنب تبص في عينه تماماً.

بنان حست بالدربكة وقالت بإحراج:

— هو في حاجة يا جماعة؟

يمنى بسرعة وبنبرة مهزوزة:

— لا مفيش.. مفيش حاجة خالص.

بنان حبت تديهم مساحة يتكلموا:

— على فكرة.. أنا ممكن أمشي وأركب تاكسي عشان تتكلموا على راحتكم لو في مشكلة.

يمنى مسكت في إيد بنان بسرعة وبلهفة:

 مفيش حاجة أصلاً نتكلم فيها! يلا بينا يا بنان نمشي من هنا.

يمنى لسه بتتحرك وبتاخد خطوة، بس مالك مد إيده وقبض على دراعها بقوة وعصبية وضيق:

— أنا مش هستحمل استعباطك وتجاهلك ده أكتر من كدا!

يمنى لفتله وشدت دراعها منه بعنف وغضب، وعينها بتطلع شرار: احترم نفسك ومتلمسنيش تاني! سامع ولا لأ؟

بنان حست إن الناس بدأت تبص عليهم والمنظر العام بقى محرج: بس بقى يا جماعة! الناس بدأت تاخد بالها وتركز معانا.. اهدوا شوية بالله عليكم.

يمنى بدموع محبوسة وضيق:

— يلا يا بنان نوقف أي تاكسي ونمشي من هنا..

مالك صبره نفد تماماً، وبحركة سريعة وعصبية مسك إيد يمنى وفتح باب العربية اللي قدام ودخلها فيها غصب عنها:اركبي يا يمنى اخلصي!

وبص لبنان اللي واقفة مذهولة وقال بنبرة آمرة بس فيها رجاء: بنان.. اركبي يلا عشان نمشي من هنا ونلم الليلة دي

بنان ركبت في الكرسي اللي ورا بتوتر وخوف، وبقت تبص على يمنى اللي كانت قاعدة قدام جمب مالك وهي عاصرة إيدها وضغطاها بضيق ووشها أحمر من الزعل، وبنان مش فاهمة بجد الحوار بينهم وصل للدرجة دي إزاي.

مالك ركب مكانه ورا المقود، دور العربية وطلع بيها بسرعة وضيق وساكت تماماً.

بعد شوية.. وسط الصمت الرهيب اللي مالي العربية، موبايل بنان رن بصوت رنين هز السكون.

بصت في الشاشة لقت الاسم "فارس".. بلعت ريقها بتوتر وفتحت الخط:

ألو..

رد فارس بصوته الرجولي الدافئ اللي دايماً بيطمنها: أيوة يا روحي.. خلصتي؟

بنان: أيوة.. خلصت من شوية صغيرة.

فارس بنبرة عتاب خفيفة:

— أنا مش قايلك رني عليا أول ما تخلصي علطول عشان أطمن؟

بنان بنبرة هادية وبتحاول تبان طبيعية:

 سوري بس انشغلت والله.. أنا عموماً في الطريق للبيت أهو.

فارس بنبرة اهتمام وسرعة: راكبة تاكسي؟ طب ابعتيلي اللوكيشن بسرعة عشان أتابعك.

بنان حبت تقوله الصدق عشان متكدبش عليه: متقلقش.. أنا راكبة مع مالك أنا ويمنى.

فارس أول ما سمع الاسم، نبرة صوته اتغيرت تماماً لضيق وغيره وحزم:
 نعم؟! ومالك إيه اللي جابه عندك؟ وليه تركبي معاه؟ كنتي كلمتيني وأنا كنت هسيب اللي في إيدي وأجي آخدك في ثانية!

بنان بصوت واطي وهادي عشان مالك وميركزش معاها:

— يا فارس أنا مكلمتوش أصلاً.. هبقى أفهمك كل حاجة أول ما أرجع البيت.. الموضوع جه صدفة والله.

فارس اتريق بضيق وغيرة واضحة:

— صدفة؟! صدفة إزاي يعني؟ على كدا بقى أخويا مكشوف عنه الحجاب وعرف ميعاد آخر محاضرة ليكي وعدى بالصدفة من قدام الجامعة ولقاكم بالصدفة برضه؟!

بنان بتوتر ويأس: مش بالظبط كدا.. لما أروح هحكيلك.

فارس بلهجة حادة وناشفة قفلت الكلام:
 ماشي سلام

وقفل السكة علطول من غير ما يسمع ردها.

بنان بصت للموبايل بتوتر وحسرة، وعرفت إن فارس اتضايق بجد وقفلت معاه وهي متأثرة. اتنهدت بتعب وبصت من الشباك، ولقت إنهم فعلاً وصلوا تحت بيتها.

مالك وقف العربية قدام عمارتها من غير ما ينطق ولا كلمة.

بنان فتحت الباب ونزلت، وبصت ليمنى بنظرة قلقة وقالتلها بصوت واطي:

— يمنى.. أول ما تروحي طمنيني عليكي وكلميني، ماشي؟

يمنى هزت راسها بالايجاب وهي باصة قدامها بكسرة وحزن.

بنان نزلت وقفلت الباب، وطلعت العمارتها بخطوات قلقة، ومالك داس بنزين واختفى بعربيته في ثواني

------------

العربية كان مسيطر عليها سكوت تقيل ومحدش فيهم بيتكلم، لحد ما يمنى زهقت ومبقتش قادرة تستحمل الوضع، فبصتله بضيق وقالت:

 نفذت اللي في دماغك وجبتني وراك.. نزلني بقا هنا لو سمحت.

مالك كشر ورفع حاجب، وقال بنبرة مفيهاش نقاش وهو باصص للطريق قدامه:

أنا أنزلك في المكان اللي يعجبني أنا.

يمنى عيونها لمعت بالغضب واتكلمت بنبرة كلها ضيق ويأس:وده كله ليه؟ لو سمحت كفاية بقا.. كفاية أوي اللي حصل قدام الجامعة وقدام بنان

مالك فرمل العربية فجأة وبكل غضب، الوقفة كانت قوية لدرجة إن يمنى اتحدفت لقدام ورجعت لورا وهي مخضوضة 

مالك لف بجسمه وقرب منها براحة، بس الهدوء ده كان وراه غضب باين جداً في عينه الزيتوني اللي لونها بقا أغمق من كتر النرفزة. يمنى قلبها دق بسرعة وخافت من قربه، فرجعت لورا ولزقت في الكرسي وهي متوترة ومترددة.

بص في عينها أوي وقال بصوت هادي بس قوي ويخوف:

اسمعي بقا.. واعرفي كويس إنتي بتتعاملي مع مين. أنا مالك الباشا، وأنا واخد من اسمي نصيب كبير أوي.. لو عوزت أمتلك حاجة مفيش قوة على الأرض تقدر تقف قصادي. وقلبك ده بقا بتاعي، سواء بمزاجك أو غصب عنك.. فبلاش استعباط، لإن أنا أكتر واحد بيفهم في عيون البنات، وعيونك إنتي بالذات بتقول حاجات كتير أوي.

يمنى بصتله وهي مشتتة ومتوترة من قربه، فسألها بصوت أهدى وفيه حنية:بتهربي ليه؟

الدموع لمعت في عين يمنى، وقالت بصوت مخنوق:

—/مش بهرب.. بس أنا وضعي غيرك خالص.. النظام عندنا في البيت غير عندكم تماماً.

قلبه رق لما شاف دموعها، فمد صباعه براحة ومسح دمعة نزلت على خدها. يمنى اتنفضت ورجعت براسها لورا وقالت وهي بتترجاه:
لو سمحت يا مالك مِتلمسنيش.. أنا مش هقدر أخون ثقة بابا وأخويا، كفاية أصلاً إني بكلمك في الموبايل وده لوحده مش مريحني وتعبلي ضميري.

بص في عينها بصدق وقال الكلمة اللي دايماً بتهزها من جواها:

أنا بحبك

يمنى ابتسمت بمرارة وبصتله بشك:قولتها بقا لكام واحدة قبلي؟

رد عليها بجدية وهو بيحلف بصدق:

والله العظيم أول مرة أقولها لبنت في الدنيا.

هزت راسها وهي مش مصدقة:مش قادرة أصدقك..

اتنهد بضيق وقال:على فكرة.. دي منطقة عدم ثقة.

ردت عليه بسرعة:مش فكرة ثقة وبس.. بس أنا بتمنى إنك تكون صريح معايا، ده أفضل بكتير.

مالك سكت شوية وبعدين قال بوضوح:

أنا مش بكذب، وهكذب ليه يعني؟ بصي.. أنا فعلاً ليا علاقات كتير.

قاطعته يمنى بغيرة واضحة وهي متضايقة:

واضح طبعاً.. من الفيديوهات اللي بتنشرها باين إن حياتك كلها بنات وصحوبية.

مالك اتحرج شوية وقال بصراحة:احم.. وممكن ليفل أعلى برضه شوية..

كشرت وهي مش فاهمة:مش فاهمة.. تقصد إيه يعني؟

قالها بجرأة وهو بيراقب رد فعلها:علاقات نسائية يعني..

يمنى حاولت تفهم الكلمة ببراءتها وقالت:

أيوة يعني صحوبيـ...

ومكملتش الكلمة لما فهمت قصده وبان عليها الصدمة والكسوف، ووشها احمر جداً وقالت بنفور:

أنت قليل الأدب أصلاً

مالك اتضايق من رد فعلها وقال بنرفزة:

متغلطيش يا بت.. أنا قولتلك كده عشان لما تعرفي مبقاش خبيت عليكي حاجة من الأول.

لوت بوزها بضيق وقالت بتريقة:لا يا شيخ؟ كتر خيرك بجد!

العربية رجعت هادية تاني، بس مالك قطع السكوت وهو بيبص لها برجاء حقيقي، كأنه بيستسلم وبيطلب رضاها:

بس بجد.. أنا مابقتش عايز كل ده خلاص.. أنا عايزك إنتي وبس يا يمنى.

سألته بصوت هادي وفيه عشم إنها متتوجعش:وأنا أصدقك إزاي؟

ابتسم بهدوء وطمنها وقال:الأيام هتثبتلك كتير أوي.. وعد بجد.

اتنهدت براحة، وحست إن الشك اللي جواها بدأ يقل شوية، فقالت باستسلام:تمام.. أنا هصدق وعدك. بس ممكن بقا توصلني لإن اتأخرت أوي؟

مالك رجع ضهره لورا، وشغل العربية وهو مبتسم ابتسامة خفيفة: عيوني

ـــــــــــــــــــــــــ

بنان طلعت الشقة وقررت تبعت ريكورد لفارس عشان تعرفه إنها وصلت، فتحت الواتساب وسجلت: أنا وصلت الشقة

فارس كان واقف عند شباك مكتبه بيشرب سيجارته، سمع صوت إشعار الموبايل، فتحه وسمع الريكورد بتاع بنان.

فارس اتصل عليها فوراً، وبنان ردت: "ألو".

فارس: "وصلتي؟"

بنان: أيوه، لسه واصلة حالاً.

فارس سأل بنبرة فيها تحفظ: إيه اللي جاب مالك بقا؟

بنان: "بجد والله صدفة."

فارس بعصبية خفيفة: بنان! متقوليش صدفة.

بنان: والله العظيم ما كنت أعرف إنه جاي خالص.

فارس زفر بضيق: طيب إيه اللي يوديه عند الجامعة في الوقت ده بالذات؟

بنان بتردد: بصراحة كدا بقا..

فارس: أيوه، قولي يلا زي الشاطرة كدا.

بنان: هو تقريباً كدا بينه وبين يمنى حوارات.

فارس باستغراب: هو ويمنى مين؟

بنان: هو في كام يمنى يعني؟ بس والله أنا اتفاجئت بيه قدام الجامعة، هي تقريباً كانت محرجة تقولي إنه جاي.

فارس: ممم.. فهمت، ودا من إمتى بقا؟

بنان: مش عارفة بالظبط، هو تقريباً من يوم ما وصلها وهما اتعرفوا وكدا.

فارس: ماشي.

بنان: بس أمانة عليك متقولش إني قولتلك حاجة

فارس: أنا مالي أصلاً، بس يا رب آخرته ما تكونش مصيبة

بنان باستغراب: ليه يعني؟

فارس غير الموضوع بسرعة: روحي يلا غيري هدومك واتغدي، وأنا هخلص شغل وأول ما أروح هكلمك.

بنان: طيب ما تيجي تتغدى معانا؟

فارس: بلاش النهاردة، خليها وقت تاني.

بنان بضيق: أوكي.

فارس: "متقفليش المكالمة بكدا، أنا كدا كدا راجع من الشغل متأخر.

بنان: أنت تقريباً يومك كله شغل في شغل.

فارس: أيوه.

بنان: دأومال ليه مالك طول الوقت بحس إنه فري ومش مربوط بشغل خالص؟

فارس: آه فعلاً، مالك ده إحنا أصلاً بنشوفه صدفة في البيت وفي الشركة.

بنان: أخوك ده أصلاً حياته كلها بنات، أنا مش عارفة علاقته بيمنى هتبقى إزاي.

فارس: طيب هقفل دلوقتي وهكلمك لما أرجع البيت.

بنان: أوكي، باي.

فارس: باي.

ـــــــــــــــــــ
مرت عدة أشهر.. أشهر كانت كفيلة بأن تزرع حب مالك في قلب يمنى، وتجعلها تتعلق به رغماً عنها، رغم كل مخاوفها السابقة.

في غرفتها الهادئة، كانت تجلس على سريرها، تضم ركبتيها إلى صدرها والهدوء يلف المكان. أمسكت بهاتفها تتصفح موقع "فيسبوك" بشرود، لتسلية وقتها قبل النوم.

فجأة.. تجمدت أصابعها على الشاشة.

وقع عيناها على مقطع فيديو تم نشره مؤخراً.. كان هو.

بملامحه التي تحفظها عن ظهر قلب، وبضحكته الصاخبة.. مالك.

لكنه لم يكن وحده؛ كان يرقص بانسجام تام، وبطريقة فيها الكثير من التقارب، مع فتاة في صخب ملهى ليلي (نايت كلاب).

في ثانية واحدة، شعرت يمنى وكأن الهواء سُحب من غرفتها. ضربات قلبها تسارعت لدرجة مؤلمة، وتجمعت الدموع في عينيها ممزوجة بـغضب عارم وحرقة غيرة كادت تنهش صدرها. مسحت دموعها بعنف وهي تبص للشاشة بصدمة وغيظ لا يوصف، وبأصابع ترتجف ضغطت على اسمه ورنت عليه.

ظلت دقات الرنين تتوالى.. دقة وراء دقة.. ولم يجب.

أغلقت الخط وهي تتنفس بصعوبة، وهمست بصوت مبحوح يملؤه الوعيد والكسرة:ماشي يا مالك.. ماشي.

لم تمر سوى دقيقة واحدة حتى اهتز الهاتف في يدها معلناً عن اتصال منه. ابتلعت ريقها المر، وفتحت الخط وهي تحاول تتكلم بهدوء ونطقت بنبرة حادة وباردة كالثلج:ألو..

جاءها صوته دافئاً، مفعماً بالحيوية كالعادة، وبنبرة الدلع التي اعتاد أن يناديها بها:

إيه يا يوما؟ عاملة إيه يا حبيبتي؟

لم تذوب كلماته الجليد في قلبها هذه المرة، بل زادته اشتعالاً. قالت بضيق شديد ونبرة جافة:

إيه الفيديو اللي نازل على الفيس ده؟

أجابها بنبرة مستغربة وخالية من أي فهم:

فيديو؟ فيديو إيه ده؟

ضغطت على أسنانها بغيظ شديد وقالت بنبرة حادة ومتهكمة:

افتح وشوف.. ده لو كنت فعلاً مش عارف!

أحس مالك بنبرة الشرارة في صوتها، فشعر بالقلق:
طيب.. ثواني معايا.

سكت مالك لثوانٍ فتح فيها التطبيق.. وبمجرد ما لقى الفيديو قدامه وهو بيرقص مع البنت والجو حواليهم صاخب والمؤثرات البصرية مشتعلة، تجمعت الدماء في عروقه، وشعر بصدمة ألجمت لسانه. همس بذهول ورعب حقيقي من ردة فعلها:

يا نهار أسود.

هتفت يمنى والدموع تفر من عينيها رغماً عنها، وصوتها يرتجف بالوجع:

إيه؟ شوفت؟ ده إيه بقا إن شاء الله؟!

حاول مالك أن يجمع شتات نفسه، وتحدث بسرعة ونبرة متلعثمة يملؤها الخوف من خسارتها:

يمنى.. بصي.. والله ما تفهميش غلط.. الموضوع مش زي ما إنتي شايفة خالص

قاطعته يمنى بصرخة مخنوقة، صرخة تحمل وجع أشهر من محاولة بناء ثقة هدمها في ثوانٍ:

لا أنا فاهمة صح وصح جداً كمان! إياك.. إياك يا مالك تفكر تكلمني تاني، سامع؟

وقبل أن ينطق بحرف واحد يدافع به عن نفسه، أغلقت الخط في وجهه. ولم تكتفِ بهذا، بل وبكل ما أوتيت من غيظ وكسرة قلب، ضغطت على زر إيقاف تشغيل الهاتف تماماً، لتغلق الباب أمام محاولاته، وتترك نفسها لدموعها التي انهمرت بغزارة في عتمة غرفتها

ــــــــــــــــــ

في شقة سمية، كان الدفا مالي المكان، وفارس سهران معاهم والوقت بيعدي من غير ما يحسوا بيه.

بنان كانت قاعدة جمبه فارشة قدامه كذا سكتش من لوحاتها وعيونها بتلمع بشغف وهي بتسأله:إيه رأيك بقا؟

فارس بص للوحات وبص لعيونها اللي بتلمع بحب، وقال بابتسامة دافية تذوب الحجر:

كلهم حلوين.. بس صاحبة اللوحات أحلى بكتير.

ابتسمت بنان بكسوف وودت وشها الناحية التانية وقالت بسعادة:

المعرض هيفتح آخر الشهر ده، وهعرض فيه لوحاتي كلها لأول مرة

فارس بنبرة مشجعة ومليانة فخر بيها:
تمام يا حبيبتي، وأنا هبقى أول واحد واقف جنبك.

في الوقت ده، قربت منهم سمية وهي شايلة صينية عليها الشاي والكيك الدافىء، وريحة الفانيليا ملأت الأوضة، حطت الصينية وقالت بحنان أموي:

يلا يا ولاد، اشربوا الشاي وهو سخن قبل ما يبرد.

فارس عدل قعدته ومسك كوباية الشاي، أخد منها رشفة وبص لبنان بتساؤل :بس قوليلي يا بنان.. طالما إنتي بتحبي الرسم أوي كده وبتموتي فيه، ليه مدخلتيش فنون جميلة من الأول؟

لوت بنان بوزها بزعل طفولي وبصت لسمية وقالت بضيق:

اسأل الست مامي بقا.. هي اللي حكمت!

سمية قعدت جمبهم وقالت بنبرة عملية وجادة:

الرسم ده يا حبيبي هواية، تسلي نفسها بيه وتضيع وقتها.. إنما كان لازم تدخل كلية عملية تضمن بيها مستقبلها.

بنان اتضايقت ودافعت عن نفسها وهي باصة لفارس:

على فكرة  يا فارس! هي أصلاً كانت بتعاقبني وقتها عشان مجبتش المجموع اللي يدخلني صيدلة اللي كانت بتحلم بيها.

سمية ردت عليها بسرعة وحسم أموي:

أيوه طبعاً، لأن كان متوفرلك كل سبل الراحة والدروس وكل حاجة بجد، وفي الآخر مجبتيش مجموع كويس يريح قلبي

بنان :أنا جبت 92% يا ماما! ده وحش يعني؟!

فارس حس بكسرة خاطرها، فبص في عيونها بنظرة كلها حنية ووهن، ونطق بصوت دافي طبطب على قلبها:

ولا يهمك يا روحي.. بالنسبة لي كأنك جبتي 100% وزيادة كمان.

بنان أول ما سمعت كلمته "يا روحي" قدام مامتها، وشها احمر جداً وضغطت على شفايفها بكسوف وخجل، وحاولت تبص في الأرض عشان تداري ضربات قلبها السريعة.

سمية بصت لفارس بضيق خفيف ممتزج بابتسامة مدارية وقالت:

اتنيل أنت كمان وما تحترم نفسك! ده أنا قاعدة وسطكم حتى.. مفيش أي حياء؟

فارس ضحك بمرح وغمز لبنان:

—ولو إنتي مش موجودة عادي برضه.. مش هنختلف

ضحكوا هما التلاتة وصوت ضحكتهم ملا الصالة بالبهجة. سمية حبت تلاغيهم وقالت لبنان وهي بتطبطب على كتفها:

طب قومي يا بنان هاتيلي مية أشرب ريقي نشف منكم.

بنان قامت بسرعة بابتسامة:

حاضر يا ماما، من عيوني.

أول ما بنان دخلت المطبخ ورجلها خطت لجوا، سمية لفت لفارس ووشها بقا جاد، وقالت بلهجة حاسمة بس واطية عشان بنان متمسعش:

ما تلم الدور يا فارس! أنا قولتلك شيل الحاجز اللي بينكم وقرب منها.. مش تسوق فيها كدة وقدامي كمان! احترم وجودي يا واد.

فارس ابتسم وبدأ يدافع عن نفسه:

— "يا سمسمة والله أنا...

وقطع كلامه أول ما بنان رجعت وشايلة كباية المية في إيدها.

فجأة، رن موبايل بنان برنة قوية قطعت هدوء المكان. مسكت الموبايل وبصت للشاشة باستغراب وعقدت حواجبها.

فارس عينه راحت على الموبايل وسألها بضيق غيور:

مين اللي بيرن في وقت زي ده؟

بنان بدهشة:ده مالك!

فارس ضيق عينه بغضب مكتوم:

وبيرن عليكي دلوقتي ليه أصلاً؟! وإيه المناسبة؟

بنان: معرفش والله

فارس بنبرة آمرة بس هادية:

طيب ردي وشوفي في إيه

بنان فتحت الخط، وردت بنبرتها الرقيقة المعتادة:ألووو..

فارس حس بالغيرة تنهش صدره من رقة صوتها وهي بتكلم أخوه، فمسك مخدة صغيرة كانت جمبه وحدفها فيها بخفة وهو بيوشوشها بضيق:

اتكلمي عدل ..

بنان اتخضت وبصتله بضيق طفولي وهمستله:

ما أنا بتكلم عادي أهو

بعدين زفرت بضيق وحاولت تخلي صوتها رسمي وهي بتكلم مالك:

أيوه يا مالك.. معلش.

جاءها صوت مالك المخنوق والضايع من الناحية التانية:

أيوه يا بنان.. معلش بجد إني برن عليكي في وقت متأخر كدة

بنان:لا عادي ولا يهمك.. خير في حاجة؟

مالك بتنهيدة يأس:أيوه.. حصلت مشكلة كبيرة بيني وبين يمنى.

بنان انتبهت وركزت معاه والفضول والقلق على صاحبتها ملا قلبها:

—في إيه؟ إيه اللي حصل بالظبط؟

مالك بدأ يحكي لها بنبرة ندم وخوف، وقالها على موضوع الفيديو والرقص في النايت كلاب، وإن يمنى فهمت غلط وقفلت السكة في وشه.

بنان اتنهدت بأسف وقالتله تهبط من روعه:

خلاص.. اهدى أنت، أنا هكلمها وأشوف مالها.

مالك بيأس:

مش هتعرفي.. هي قفلت موبايلها خالص.

بنان بتفكير:

اممم.. طيب هحاول أوصلها من موبايل طنط، أوموبيل آسر أخوها.. تقريباً رقمه معايا برضه.

​في الوقت داسمية قامت وقالت:

أنا هقوم أجهز عشا خفيف لينا. واتحركت ناحية المطبخ.

​بنان قفلت المكالمة مع مالك وتنهدت بضيق وهي بتبص للموبايل.

​فارس ربع إيديه وبص لها بحدة غيورة وسألها:

ها.. إيه الحوار بقا؟

​بنان بقلق:

متخانق هو ويمنى، ومش عارف يوصلها خالص لأنها قفلت الموبايل وصدته

​فارس برفع حاجب:

وإنتي مالك ومال الحوارات دي؟ 

​بنان ببراءة:

ألا! مش صاحبتي يا فارس؟ لازم أتدخل 

​فارس سكت ثانية، بعدين عينيه اسودت من الغضب وركز في تفصيلة تانية خالص:

وآسر مين ده بقا إن شاء الله اللي رقمه معاكي وتعرفيه منين؟! وبأي حق تحتفظي برقمه؟

​بنان حست بغيرته اللي بتسعد قلبها بس بتخوفها في نفس الوقت، فقالت بتمهيد ودلع:

عادي يعني يا فارس.. والله كانت يمنى مكلماني مرة من موبايله والاسم اتسيف عندي، مفيش حاجة

​فارس شاور بصباعه بنبرة حاسمة وصوت رجولي غيور لا يقبل النقاش:

إياكي.. إياكي ترني عليه يا بنان، سامعة؟  وبعدين اصلاً طلعي نفسك من الحوارات دي كلها، عشان الأستاذ مالك ميتعودش كل شوية يرن عليكي ويدخلك في تفاصيل حياته

​بنان هزت راسها بقلة حيلة وبنظرة كلها استسلام لغيرته اللي بتموت فيها:

حاضر يا سيدي.. خلاص هكلمها على موبايل طنط منال وهطمن عليها 

ــــــــــــــ
في منزل خالد البسيط والدافئ، كانت يمنى قاعدة جنب والدتها منال قدام التلفزيون، الشاشة بتعرض مشهد عابر بس يمنى كانت في عالم تاني خالص. نار الغيرة كانت بتاكل في صدرها وكل ما تفتكر شكل مالك وهو منسجم وبيرقص مع البنت دي ويتبادلوا النظرات، تحس بغصة بتخنقها ودموعها بتتحبس بالعافية في عيونها.

شقق​أمها منال لفت وشها ليها، ولاحظت ملامح بنتها الشاردة والعبوس اللي مغطي وشها، فقالت بحنان أموي:

مالك يا يمنى؟ فيكي حاجة يا بنتي؟

​يمنى اتنفضت من شرودها وحاولت ترسم ابتسامة باهتة:

مفيش حاجة يا ماما.. بس مصدعة شوية

​منال بمساندة:

طيب في مسكن هناك على الترابيزة حلو أوي، ابقي خدي منه حباية وريحي.

​يمنى وهي بتقوم:

—حاضر.. ماشي، أنا هقوم آخده وأدخل أنام.

​في اللحظة دي، رن موبايل منال، وبصت على الشاشة لقت اسم بنان منور. منال مدت إيدها بالموبايل لـيمنى وقالت:

طيب خدي ردي على بنان الأول تلاقيها بتطمن عليكي.

​يمنى أخدت الموبايل وهي ميتة في جلدها وعارفة كويس بنان متصلة ليه، وبسرعة مشيت خطوت واسعة وراحت على أوضتها وقفلت الباب وراها عشان تاخد راحتها. فتحت الخط وقالت بصوت مجهد:أيوه يا بنان.

​بنان بلهفة وقلق:

أيوه يا يويو! موبايلك مقفول ليه؟ قلقتيني عليكي

​يمنى بضيق ومرارة:

—قفلته ومش هفتحه يا بنان.. أنا عارفة إنه أكيد جرى عليكي وكلمك.

​بنان بنبرة حاسمة ومؤازرة لصاحبتها:

ومين قالك إني هقولك افتحيه؟ لا يا حبيبتي متفتحهوش، وسيبيه كدة وربيه لحد ما يعرف قيمتك كويس! قليل الأدب بتاع البنات ده!

​في شقة سمية، كان فارس قاعد وسامع بنان وهي بتتكلم بعصبية وحزم أول مرة يشوفهم فيها، فبص ليها بذهول تام ودهشة، وفي نفس الوقت صعب عليه أخوه مالك رغم إنه رافض تماماً اللي مالك بيعمله وتصرفاته الطايشة.

​يمنى ملقيتش حد ترمي حمولها عليه غير صاحبتها، فانفجرت في البكاء وصوت شهقاتها طلع:

أنتي مشوفتيش شكله يا بنان.. مشوفتيش كان بيرقص معاها إزاي وبيبصلها بطريقة مقززة تضايق إزاي! بجد قلبي بيوجعني أوي.

​بنان بضيق شديد وحرقة على صاحبتها:

متعطش يا يمنى عشان خاطري، اهدى خالص وسيبيه يتربى
​فارس فتح عينه على وسعها ومش مصدق ، وبص ل بنان بصدمة، كأنه بيسأل نفسه: "هي دي بنان الرقيقة الهادية اللي بيكلمها؟!

​بنان كملت كلامها برقة لما حست بوجع صاحبتها:

خلاص يا حبيبتي، اهدي دلوقتي وبكرة لما أشوفك في الجامعة هنتكلم براحتنا.. يلا باي.

​يمنى: ماشي سلام

​قفلت بنان الموبايل وحطته جنبها على الكنبة، ولفت وشها لقت فارس باصص لها بنظرات غريبة مليانة دهشة واستنكار ممزوج بابتسامة ذهول.

​بنان بحيرة طفولية:

مالك يا فارس؟ بتبصلي كده ليه في إيه؟

​فارس بسخرية دافية:

لا ولا حاجة.. بريئة أوي يا بنان، ما شاء الله عليكي يعني!

​بنان دافعت عن نفسها وعقدت حواجبها:

أومال يعني كنت عايزني أعمل إيه؟ أدافع عن أخوك الصايع وأسيبه يجرح في مشاعر صاحبتي كدة عادي؟

​كلمة "الصايع" نزلت على فارس وضايقته، كرامته كرجل من عائلة "الباشا" نقحت عليه. قام وقف ببطء وقرب منها بخطوات رجولية واثقة لحد ما بقا قصادها بالظبط وبص في عيونها بنظرة حادة وقال بصوت رجولي واطي وفي ضيق مداري:

ما تاخدي بالك من كلامك يا حيلتها.. إيه صايع دي؟

​بنان رجعت خطوة لورا بتوتر وخوف حقيقي من هيبته وقربه، بس حاولت ترسم شجاعة مزيفة وقالت بصوت مرتعش:

مش.. مش دي الحقيقة يعني؟

​فارس رفع حاجبه وقرب خطوة تانية وابتسامة تحدي على وشه:

وهي صاحبتك عارفة الحقيقة دي من الأول، يعني مش جديدة عليها.. وبعدين، ولاد الباشا يعملوا اللي على مزاجهم ومحدش يحاسبهم 
​بنان وقفت وهي بتفرك إيديها بتوتر، ونبرتها بقت رقيقة ومستسلمة:

خلاص بقا يا فارس.. هو أنت هتقلبها خناقة معايا وخلاص؟

​فارس :ايه رجعتي لوراه ليه مانتي كنتي  شجاعه دلوقت
 ولسانك..
فارس  :يلا بلاش احسن

بنان وبصتله بصمت

فارس ومسك البليزر  بتاعه

يلا.. ادخلي عرفي سمية إني همشي عشان الوقت اتأخر

​بنان برقة ودلع فطري ظهر في عيونها:

ما تخليك قاعد شوية معانا.. لسه بدري.

​فارس بصلها بضعف عاشق وعيون بتلمع بالحب
لا.. أنا ممكن أضعف بجد قدام الرقة دي وأقعد، وأنا ورايا شغل بدري جداً وبكرة يوم طويل 

​بنان ابتسمت بخجل وبصت في الأرض وهي حاسة بفرط السعادة جوة قلبها. في اللحظة دي، طلعت سمية من المطبخ وهي شايلة الأطباق:

استنى يا فارس رايح فين؟ أنا خلاص جهزت العشا خفيف أهو.

​فارس التفت لسمية بابتسامة احترام:

لا معلش يا سمسمة.. خليها مرة تانية بجد، أنا محتاج أنام أوي وعندي ضغط شغل بكرة ومقابلات من الصبح

​سمية بإلحاح أموي:

لقمة صغيرة مش هأخرك والله يا حبيبي.

​فارس بصلها بأسف:
معلش بجد، ماليش نفس خالص دلوقتي

​سلم فارس على سمية وبص لبنان نظرة أخيرة دافية مليانة كلام، ونزل ركب عربيته واتجه لفيلا الباشا وعقله شغال تفكير في تصرفات أخوه مالك.. وفي سحر بنان اللي بيجننه يوم بعد يوم

♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️

​عدّت نص ساعة والهدوء مسيطر على الشقة، لحد ما رنين الموبايل فجأة قطع السكات ده.

​سمية اتخضت وبصت على الشاشة بتوجس، بس قلقها زاد أول ما شافت اسم أخوها "صلاح" هو اللي منور الشاشة. خدت نفس طويل عشان تداري توترها، وفتحت السكة وقربت الموبايل من ودنها:

ألو..

​جالها صوته من الناحية التانية، هادي بس وراه نبرة غامضة ومقلقة:

 إزيك يا سمية.. عاملة إيه؟

​ردت وهي بتحاول تبان طبيعية على قد ما تقدر:الحمد لله يا صلاح.. إنتوا أخباركم إيه؟ كله تمام؟

​صلاح ضحك ضحكة خفيفة باردة، وقالها:

 أخبارنا؟ ما هي أخبارنا كلها عندك وبتوصلك أول بأول يا سمية.

​قلب سمية انقبض وفهمت هو يرمي على إيه بالظبط، بس حبت تعمل نفسها مش فاهمة  فقالت بتساؤل:

 تقصد إيه يا صلاح؟ مش فاهمة كلامك.

​هنا نبرة صلاح اتغيرت وبقت حادة وناشفة:

إنتي عارفة قصدي كويس أوي يا سمية أنا مش ناقص وجع دماغ ولا مشاكل

​سمية تنهدت بضيق وهي بتدافع عن نفسها:

ومن إمتى وأنا بجيب المشاكل يا صلاح؟ طول عمري في حالي.

​صلاح اتنرفز وصوته علي:

لما تبقي فاتحة بابك لفارس على البحري يبقا بتفتحي باب للمشاكل! فاتحة له الباب ليه ياسمية؟

​سمية حست إن كلامه بيقلل منها، فردت بحدة ووجع:

 إنت عايزني أقفل بابي في وش ابن أخويا؟! ده بدل ما تفرح إنه بيودّ عمتو وبيسأل عليا؟ كتر خيره إنه لسه فاكر إن ليه عمه في الدنيا.

​صلاح نفخ بضيق وصمت لثانية كأنه بيسيطر على أعصابه، وبعدين قال بنبرة حاسمة:

— يا ريته بيودّك لوحدك! لو كان بيجيلك إنتي وبس أنا مش هزعل، بالعكس هفرح.. إنما بنتك؟ لا يا سمية. ابعدي فارس عن السكة دي خالص.

​سمية ريقها نشف وبلعته بصعوبة وتوتر، وسألته بصوت مهزوز:

— وبنتي مالها؟ إيه دخل بنتي في الموضوع؟

​صلاح نفد صبره وزعق:

— بقولك إيه، إنتي فهماني كويس ومش محتاجة شرح.. ابني مش هيتحمل نتيجة غلطة تانية عملها جوزك بتفكيره العقيم ده، ومات وساب لنا القنبلة دي ومشي!

​سمية قاطعته وصوتها مكسور:

— يا صلاح.. أرجوك..

​لكنه قاطعها بقسوة ومنعها تتكلم:

— اسمعيني إنتي للاخر! أنا اتصلت بيكي أول ما عرفت إنه لسه نازل من عندك.. أنا طول عمري واقف في ضهرك وسند ليكي، وجوزك عايش ولحد النهارده وأنا شايلك في عيني ومش هسيبك.. لكن بنتك؟ لا يا سمية، بنتك موعدكيش بأي حاجة تخصها. أنا بكره المشاكل، وبنتك القرب منها  كله مشاكل.

​أخد نفسه وكمل بتهديد واضح:
ابعدي فارس يا سمية، أنا مش هسمحلك تدخليه في الدايرة دي. زياراته كترت أوي الفترة الأخيرة وده مش مريحني.. وأتمنى تفهمي كلامي ده كويس. العين من هنا ورايح هتبقى عليه.. بلاش تدخلي ابني في دايرة مشاكل بنتك اللي لسه يدوب هتبدأ!

​سكت ومستناش يسمع منها رد، وقفل السكة في وشها.

​سمية فضلت واقفة في مكانها، الموبايل لسه على ودنها وصوت صفارة قفل الخط بتتردد في ودنها، وعينيها بتلف في الأوضة وهي حاسة إن في عاصفة كبيرة جاية هتاكل الأخضر واليابس

                   الفصل الثامن من هنا
تعليقات



<>