رواية عتبة الابواب الفصل السابع7بقلم مي عيد
بعد ما الدكتور مشي وساب توصياته المشددة بالراحة التامة والعلاج اللازم، الأوضة هديت تدريجيا جدو اللي أصر إني لازم أنام،
الليل كان هادي برة، والظلمة حواليا ساكتة بشكل يوحي بالوحشة. الجناح كله كان فاضي ما عدا نور أباجورة صغيرة صفراء رامية ضوء خافت في ركن الأوضة. مسكت التليفون ببطء وإيدي بتترعش، وفتحت يوتيوب وأنا بدور على أي حاجة تهدي روحي وتثبت قلبي اللي كان بيلعب جوة صدري من كتر التفكير.
ظهر قدامي فيديو لشيخ صوته هادئ وجميل بيحكي عن الصبر على فقدان الأحبة وابتلاءات الدنيا. كان بيتكلم عن قصة سيدنا يعقوب عليه السلام، وإزاي صبر على فقدان ضناه وحزن عليه لحد ما أبيضت عيناه من الحزن، وإزاي ربنا سبحانه وتعالى في الآخر رد عليه بصره وجبر خاطره بأعظم جبر. الشيخ كان بيقول بصوت يقترب من البلسم: "إن الله إذا أحب عبداً ابتلاه، ليمتحن صبره، وليجعل لقلبه راحة كبرى تليق بحجم صبره وتحمله..."
كلامه دخل جوة قلبي زي المية السقعة في يوم حر، وخلاني أحس إن وجعي وفراقي لرعد مش هدى سدى، وإن ربنا حاسس بكل دمعة نزلت من عيني في الغرف المقفولة.
قفلت التليفون بهدوء، وحطيت إيدي الاثنين على بطني بحذر شديد ورهبة جديدة، ودموعي نزلت بصمت وهي بتلمع في ضوء الأباجورة. ابتسمت ابتسامة باهتة وسط وجعي،
فضلت تايهة في أفكاري ودموعي بتغرق مخديتي، لحد ما حسيت بنسمة هوا باردة وغريبة دخلت من الشباك المفتوح نص فتحة، ورائحة عطر رعد المميزة
رفعت عيني برعب وذهول شديد ناحية باب الجناح المفتوح على نص
همست
"رعد..؟! إنت.. إنت إزاي؟!"
. ده مش خيال ولا حلم، ده هو بجد! رعد!
قمت من على السرير بسرعة مجنونة وعقلي طاير من الصدمة والفرحة، وجريت عليه واترميت في حضنه بكل قوتي وأنا بصرخ بعياط شق صدرى:
"رعد! إنت عايش؟! إنت بجد؟
حرام عليك سبتني كل دا مقهوره عليك انا بموت من غيرك
فضلت أضرب على كتفه بقبضة إيدي بضعف وانهيار، وأنا بعيط بحرقة ومش مصدقة. رعد شدد على حضني بقوة رهيبة، وقال
"حقك عليا يا روح رعد..، مكنش بايدي.. الظروف والمؤامرة اللي دبروهالي كانت أكبر مني بكتير، وكان لازم أختفي وأسيبهم يقعوا في شر أعمالهم عشان أقدر أحميكم بجد.. سامحيني، والله العظيم ما هسيبك تاني أبداً."
بعدت عنه شوية وأنا بمسح دموعي بعنف، وببص له بلوم وعتاب محبوس في صدري وقولت: انا حامل الدكتور قال اني بقالي شهر
رد عليا بصوت مهزوز اول مره اشوفو في رعد. حامل؟!
هزيت راسي بابتسامة خدني في حضنه تاني وهو بيعيط بفرحة مش معقولة، وباس راسي بحب وقال:
". تعالي معايا ننزل
مسك إيدي ونزلنا بخطوات سريعة لتحت ناحية الصالة.. أول ما ظهرنا قدامهم، الأنفاس وقفت! مي وجدو عز وكل الموجودين فتحوا عيونهم على آخرها بذهول تام وكأنهم بيشوفوا شبح. مي صرخت بصوت عالي وجريت عليه حضنته وهي بتعيط بجنون:
"رعد!! أنت عايش بجد؟! الحمد لله يا رب!"
جدو عز جه جاري بعصايته وخد رعد في حضنه وهو بيعيط بقهر وفرحة مع بعض، والكل كان بيجري عليه وبيحضنه بدموع وزغاريط مكتومة من كتر الصدمة السعيدة..
إلا شخص واحد...
كيندا
كانت واقفة في ركن الصالة، ووشها خطف وأبيض زي الثلج، وعيونها مبرقة برعب هستيري وكأنها شايفة عفريت مش بني آدم. رجعت لورا خطوتوات وهي بترتجف بعنف وبتقول بصوت مزلزل وصرخة رعبة قطعت قلب الكل:
"أنت... أنت إزاي عايش؟! لا... ابعد عني! ابعد عننا!"
الكل سكت وبص لكيندا بذهول واستغراب شديد من رد فعلها المرعب. رعد بص لها بابتسامة مستغرب وقرب منها خطوة بحنية وقال بصوت هادئ:
"كيندا.. مالك يا حبيبتي؟ خايفة مني ليه؟ ده أنا رعد!
كيندا انهارت تماماً وصرخت بصوت مسحوب بوجع ودموع حارقة وهي بتبعد عنه بانهيار:
"حرام عليك!ابعد"
فضلت تعيط بحرقة شديدة وتخبط على صدرها بوجع، ورعد اتصدم مكانة من كلامها ومنهارة قدامه، وبسرعة البرق قرب منها وفتح إيده وخدها في حضنه بقوة وهو بيطبطب عليها بحزن عميق وبيقول بصوت مرعوب:
"اششش.. حقك عليا يا كيندا، أنا آسف.. والله ما كنت أعرف إن وجعي هيوصلك للدرجادي، أنا أسف يا حبيبتي
كيندا هديت براحه وبعدين جدو عز قال بابتسامه يلا يا ولاد نقوم ناكل رعد هتلاقو تعبان كان في مهمه صعبه بردو ضحكنا كلنا وقومنا اكلنا
خلصنا الاكل وقومت لميت الاطباق انا ومي وبعدها طلعت فوق الجناح عند رعد
كان بيصلي قعدت جمبو بصلي بابتسامه وبعدين قال بصوت هادئ تعالي احكيلك قصة سيدنا موسى ابتسمت وهو كمل وقال:
عارفة قصة سيدنا موسى عليه السلام لما ساب أهله وخرج من مصر خايف ووحيد، ماشي في الصحراء لا معاه فلوس، لا أكل، ولا حتى مكان يسند فيه ظهره؟
قعد تحت شجرة في "مدين" وهو ميت من التعب والجوع، وقال جملة واحدة بس تكسر القلوب: "رَبِّ إِنِّى لِمَا أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ" (يعني يا رب أنا على بابك ومحتاج أي خير منك).
وهو قاعد كده، مكسور ومنهك، مكنش عارف إن ربنا بيجهزله أكبر "جبر" في حياته من غير ما يحس! في ثواني ربنا بعتله بنتين يساعدهم، وبعدها دخل بيت نبي الله شعيب، فلقى الأمان، ولقى البيت اللي يلمه، ولقى الزوجة الصالحة، وبقى نبي كريم.
تخيلي.. طلع من مصر خايف ومطارد، فربنا جبر بخاطره وعوضه بكل ده في لحظة! عشان كدة دايماً تفتكري: ربنا عمره ما بيكسر قلب حد لجأ له، دايماً بياخد بايدك من وسط القاع عشان يوديك في مكان أحسن بكتير مما تتخيلي
كلامه دخل قلبي، حسيت براحة غريبة بتسري في روحي وأنا سامعة الحكاية دي. قد إيه ربنا رحيم بينا، لطيف بعباده، بيكتب لنا النهايات الحلوة واحنا في أقصى لحظات التعب واليأس. أوقات كتير بنبقى ماشيين في ظلام تام، حاسين إن الطريق اتقفل، ومش شايفين بكرة رايح بينا على فين، وناسين إن ربنا بيكون بيدبر لنا أحسن بكتير من اللي نتمناه. رحمته أوسع من همومنا، وجبره بييجي في الوقت الصح بالظبط عشان يطبطب على قلوبنا المكسورة ويرجع لها الحياة
قطع صوت تفكيري خبط على الباب
