رواية اوقات في الملجا الفصل الثامن8بقلم الين روز
_ كيف يعني؟ كيف تكون مها أمي الحقيقية، وفي نفس الوقت هي مراته لوائل من سنين طويلة؟
حسبتها في سرها بصوت مهزوز وهي بتراجع الكلام اللي سمعته والتاريخ اللي تعرفه:
_ صهيب لما مها اتجوزت أبوه كان عنده يادوب 8 سنين.. يعني مها كانت متجوزة وائل وعايشة معاهم من وقتها! في حين إني أنا اتسابت وضعت في الملاهي لما كان عمري 9 سنين!
قعدت "ليل" على طرف السرير وجسمها كله بيرتعش، والدموع ابتدت تنزل من عينها بغزارة وحرقة. كانت بتعيط بكسرة ووجع يهد الحيل، حاسة إن كل حاجة حلوة عاشتها أو صدقتها كانت مجرد وهم وكدبة كبيرة.
ضمت ركبتها لِصدرها وهي بتشهق في الصمت والضلمة، ودموعها نازلة متواصلة وهي بتتمنى من جوه قلبها لو كل حاجة تتصلح.. بتتمنى ترجع الأيام ويطلع كل ده كابوس وتبص تلاقي أمها جنبها بجد، أو تطلع مها هي أمها الصادقة، أو صهيب يطلع الأمان المخلص اللي متمنياه من غير كدب ولا أسرار. كانت بتتمنى تلاقي حقيقة واحدة صلبة تتسند عليها وماتقعش.
وفي وسط دموعها وشهقاتها اللي طالعة بالعافية، رن تليفونها..
بصت لِلشاشة بدموع وشافته رقم "صهيب". إيدها كانت بتترعش وهي ماسكة التليفون، وترددت كتير، لكن من كتر العجز والوجع ردت.. وما قدرتش تنطق ولا كلمة، مفيش غير صوت بكائها وشهقاتها المكسورة هي اللي كانت طالعة وعالية في السماعة.
على الناحية التانية، كان صهيب واقف في البلكونة في الضلمة، ساند رأسه على الإزاز وماسك التليفون بإيد بتترعش. أول ما سمع صوت عياطها وشهقاتها اللي بتقطع القلب، شفايفه اتجمدت وعينيه اتملت دموع.
حس بعجز قاتل ينهد له الجبال، حس بقلبه بيموت وهو عارف ومدرك إنه السبب الرئيسي في كل الوجع والدموع اللي هي بتعيطها دلوقتي، إنه خبا واشترك في اللعبة وسابها تعيش في الوهم ده لحد ما اتكسرت بالبشاعة دي.
ضغط على التليفون بقوة وقال بصوت مبحوح ومخنوق بالدموع، والنبرة كلها عجز ونشيج مكتوم:
_ ليل.. أرجوكِ ما تعيطيش.. صوت بكائك بيقتلني يا ليل. أنا آسف.. والله العظيم آسف إني كنت السبب في الوجع ده كله.. أنا عاجز ومش عارف أصلح إيه ولا أعمل إيه عشان أردلك ضحكتك.
قبل ما يكمل كلامه، جمعت "ليل" كل القوة والوجع اللي في قلبها، وقالت بصوت مبحوح ومكسور يخرج كالخنجر:
_ أنا بكرهك يا صهيب.. بكرهك.
وقفلت التليفون فوراً في وشه، وقفلته خالص. اتجمد صهيب مكانها في الفيلا، ماسك التليفون وعينيه مثبتة في الضلمة، والصدمة والعجز ماسكين في روحه ومش قادر يتنفس ولا ينطق كلمة.
وفي صباح يوم جديد..
دخلت "ماما سميرة" الأوضة بهدوء ومعاها صينية الفطار وهي بتقول بحنية:
_ "صباح الخير يا ليل يا بنتي.."
لكن الصينية وقعت من إيدها اتكسرت على الأرض لما بصت على السرير ولقيته فاضي والمرتبة متوضبة، والدولاب مفتوح ومفيش فيه غير هدمتين قدام. ليل اختفت تماماً، وسابت وراها ورقة صغيرة على الترابيزة مكتوب فيها:
_ سامحيني يا ماما.. كان لازم أمشي عشان ألاقي نفسي وأعرف أنا مين من غير كدب.
مرت الأيام والأسابيع واكتملت شهرين كاملين من الغياب القاسي، انقطعت فيها أخبار "ليل" تماماً وكأن الأرض انشقت وبلعتها، دون أن يصل أحد لأي خيط يوصله ليها أو يعرف المكان اللي اختفت فيه.
خيم الهدوء والحزن على دار الأمل، وبقت "ماما سميرة" تقف كل يوم عند الباب مع كل غروب، تبص في الفراغ وتدعي بدموع وتتمنى تشوف طيفها راجع من بعيد، والبنات يهمسوا بأسى على أختهم الكبيرة اللي اختفت وسابت الفراغ وراها.
أما صهيب فكان حاله يصعب على الغريب. من أول لحظة عرف فيها بختفائها، أعلن حالة طوارئ في كل مكان وكرس كل طاقته ونفوذه عشان يدور عليها، وسافر بين المحافظات والمحطات يوزع صورها ويسأل عنها في كل شبر، لكن بدون أي فائدة.
تحول صهيب لظل إنسان؛ ذبلت ملامحه وفقد الكثير من وزنه، واختفت ضحكته تماماً. كان ييجي كل يوم للدار، يدخل أوضة "ليل" الفاضية ويقعد في العتمة على طرف سريرها، يمسك دفترها أو أثر من ريحتها ويعيط في صمت قاتل وهو حاسس بذنب وعجز مش قادر يتخلص منهم.
وفي محاولة منه للتكفير عن خطأه وتهدئة النار اللي في قلبه، كرس جزء كبير من وقته وثروته لبناء مؤسسة خدمية متخصصة في البحث عن الأطفال التائهين ورعايتهم، وسماها باسمها، علّ الدعوات أو القدر يسوقها لطريقه تاني.
وكان كل ليلة، وقبل ما ينام، يمسك تليفونه بلهفة مرتعشة ويطلب رقمها، ليأتيه دائماً نفس الرد الآلي البارد:
_"الهاتف الذي طلبته مغلق أو غير مُتاح ".
ومع كل مرة كان بيقفل فيها السكة، كان جبل الندم ثقله بيزيد على صدره.
وفي نهاية الشهرين، وفي ليلة شتوية ممطرة، كان اليأس والحيرة وصلوا لأقصى درجاتهم عند الكل، والجميع منتظر أي إشارة تفك لغز الغياب ده.
كان قاعد على السرير بعد ما قفل مع شخص قال إنه ملاقيش منها أي أثر، كان ندمان من كل حاجة عملها معاها و بيتمني بس تكون موجودة وهو هيعوضها على كل حاجة.
أما هيا كانت واقفه عند الباب وهي حاسة ببرود في جسمها، قربت من الڨيلا ووقتها شافها الحارس الشخصي فقربت منه وقالت ليه بهدوء
_ عاوزة أستاذ وائل.
_ مين حضرتك؟
_ ليل.
غاب عنها لدقائق ودخل أما عيونها واقعه علي الباب وهيا عارفه ومتأكدة إنهم هيخرجوا.
وبالفعل عدي دقائق وخرج أول واحد " صهيب" كان باين عليه الصدمة، قرب منها وهو مش مصدق وحاسس إنه بيحلم وقبل ما يمسك أيدها بعدت عنه وهيا بتقول
_ بلاش لو سمحت.
_ ليل.
بصيت ليه وأنا بحاول أتحكم في مشاعري لأن مش ده اللي جاية علشانه، شاور ليا صهيب إني أدخل فدخلت ووقتها شفته أستاذ وائل اللي قرب مني هو و طنط مها.
بصيت ليهم وأنا مش مصدقة إنهم السبب في كل حاجة حصلتلي، بصيت لأستاذ وائل وأنا مش متخيلة أول مرة شفته فيها كنت حاسة إني شفته قبل كده لكن مكنتش متأكده لكن دلوقتِ… كل حاجة أتغيرت.
_ أزاي حضرتك يا أستاذ وائل ولا أقول يا جوز ماما؟
_ ليل كنتِ فين كل ده؟
_ إياكِ تقربي!
قلتها وأنا ببعد عنهم وأنا مش مصدقة خوفها اللي ظاهر في عينها، بصيت ليها بقرف ويمكن كنت أتمنى إني مشوفهاش قبل كده أو أعرف حتي الحقيقة.
_ خايفة عليا؟ ويا تري خوفك حقيقي ولا تمثيل المرادي؟
_ فيه إيه يا ليل؟
قالها صهيب فضحكت وأنا بصاله وقلت
_ أنا عارفة إن ملكش ذنب بس أنا بحسدك علي حياتك، أتربيت مع أب حنين عليك و حتي مرات أب رمت بنتها علشان تربي أبن جوزها!
_ إيه؟
_ أنا عرفت الحقيقة يا ماما، عرفت إنك كنتِ بتحبيه قبل ما تتجوزي بابا، بس بعد ما أتجوزتِ وبعد ما خلفتيني طلبتي الطلاق علشان ترجعيله وقتها بابا رفض بس أنتِ مسكتيش.
كملت كلامي وأنا حاسة بدموع علي خدي
_ وأصريتِ علي الطلاق لحد ما بالفعل وافق على الطلاق بس قبل ما يحصل كان هو مات، فضلتي معايا وأتجوزتِ وائل وكان صهيب عنده وقتها تمن سنين.
_ أنتِ بتقولي إيه أكيد الكلام ده محصلش!
_ حصل يا صهيب، حتي أسأل باباك لما كان بيجيلنا علشان كده لما شفته حسيت إنه شفته قبل كده، وبعد سنتين أخدتيني الملاهي وكان هو معانا، كنت فرحانه بس مكنتش أعرف اللي هتعملوه، سبتيني قصد استغليتي الدنيا الزحمة وأخذك هو وعملتوا بلاغ إن أنا اختفيت و اللي متعرفيهوش إن وائل بيه مفل حد يوديني الدار وهناك عشت عمري وأنا مستنياكِ.
كانت منهارة من اللي بقولوا، ضحكت بدموع وأنا مش متخيلة إن يوم ما ألاقي أمي مقدرش حتي أحضنها، مكنتش مهتمة بالزعيق اللي ما بينها وبين وائل، قربت مني وهيا بتعيط وأخدتني في حضنها لكن الغريبة إن مكنش ده نفس الحضن اللي عاوزاه!
_ قلتله يرجعك ليا، مكنتش أعرف إنه عارف مكانك، ياريتني ما كنت سيبتك!
بعدت أيدي عنها بعيط وقلت
_ لأ بالعكس كويس إنك رميتيني يمكن وقتها مكنتش شفت ماما سميرة اللي كانت أم بجد ليا ولا كنت عرفت أصحابي، زمان كان عندك أختيار بيني وبين جوزك وأختارتِ جوزك وأنا دلوقتِ اخترت إني أبعد عنك، مش عاوزة أشوفك تاني لأ أنتِ ولا هو.
نهيت كلامي وأنا أقصد بكلامي صهيب، سيبتهم وخرجت ركبت تاكسي وخليته يروح للدار، دخلت وأنا شايفة الظلام لكن أتصدم عمو محسن اللي بيقف علي الباب وهو بيقول
_ الست ليل رجعت!
ضحكت بعد ما مسحت دموعي من ردة فعله وخرجت ماما سميرة اللي مكنتش مصدقة لحد ما قربت منها وحضنتها ويمكن هيا أكتر شخص وحشني في غيابي، بعدت عنها فبصيت ليا بلؤم وقالت
_ بقي كده يا ليل تخوفيني عليكِ، شهرين بحالهم بعيدة عني؟
_ حقك عليا، أنا رجعت مش ههرب تاني.
أخدتني جوا الأوضه عندها وبدأت أحكيلها علي كل حاجة لكن قالت وهيا مش مصدقة
_ أنا مش فاهمة حاجة بجد!
_ يعني ماما وبابا لما كانوا هينفصلوا بابا مات، وقتها ماما بعد العدة أتجوزت وائل وكانت بتروح هناك وتجي تقعد معايا بس بعد سنتين وأنا عندي تسع سنين رمتني وأعتقد هو اللي قالها تعمل كده وهيا وافقت علشان بتحبه.
_ أزاي أم ترمي بنتها؟
