رواية عشقت ابنة الصعيد الفصل الثامن8بقلم فاطمة عبد الرازق

رواية عشقت ابنة الصعيد الفصل الثامن8بقلم فاطمة عبد الرازق 

بعدما صعد أسر إلى جناحه، ظلت حور جالسة مكانها، تحدق في الفراغ وكأن كلماته ما زالت تتردد داخل رأسها.

«أنا مش بطلب منك تحبيني... أنا بطلب منك تثقي فيا علشان تحمي نفسك وتحمي أخوكي.»

أغمضت عينيها للحظات، ثم فتحتها وهي تشعر بثقل شديد في صدرها.

لم تعد تعرف أي طريق تسلك.

إن وافقت، فهل تكون بذلك قد أعطت أدهم ما يريد؟
هل ستصبح زوجة لرجل لا تحبه، حتى لو كان الزواج مجرد ورقة تحميها؟

وإن رفضت...

ماذا سيفعل أدهم بها؟
وماذا سيفعل بريان؟

وضعت يدها على صدرها، وأخذت نفسًا عميقًا، لكن القلق لم يهدأ.

ظلت تفكر طويلًا، حتى اتخذت قرارها أخيرًا...

ولكنها لم تكن تعرف أن هذا القرار سيغير حياتها بالكامل.

---

في فيلا عز الدين الألفي

كان عز الدين الألفي جالسًا في غرفة مكتبه، يمسك بكأسه بين أصابعه، يرتشف منه بين الحين والآخر، بينما كان وليد، ذراعه اليمنى، يجلس أمامه.

ظل عز شاردًا للحظات، ثم قال:

عز: النهاردة حصلت حاجه غريبه ف فيلا اسر... ف بنت هناك إسمها حور، بس معرفش تقرب اي ل اسر، بس كان معاها طفل، ولما نزلت تحت اسر زعق فيها وقالها اطلعي... حاسس يا وليد إنها مهمه عنده، بس هي مين دي؟

فكر وليد قليلًا ثم قال:

وليد: ممكن تكون قريبته.

رفع عز حاجبه وقال بثقة:

عز: لا، مش قريبته.

وليد بتساؤل: وانت عرفت منين إنها مش قريبته؟

ابتسم عز ابتسامة جانبية وقال:

عز: لأنها كانت بتتكلم بلهجة صعيدية.

وليد: ممكن تكون شغالة.

هز عز رأسه نافيًا:

عز: من لبسها مش شغالة، وكانت بتلاعب الطفل، واسر اتعصب... لا لا يا وليد، مش شغالة. لو شغالة مكنش زعق فيها كدا.

وليد بتفكير: يمكن يكون مش بيحب الشغالات تظهر قدام حد موجود.

عز: لا لا يا وليد... ما في واحدة جات قدمت القهوة ومشيت. بقولك يا وليد، اعرفلي البنت دي تبقى مين، بس عايز كل معلوماتها بأسرع وقت.

وليد: ماشي يا باشا.

نظر عز أمامه بنظرة غامضة، ثم ارتشف من كأسه مرة أخرى.

كان هناك شيء في تلك الفتاة جعله يشعر بأن وجودها في فيلا أسر لم يكن صدفة.

وكان يريد أن يعرف السبب.

---

في شركة أسر الأنصاري

استيقظ أسر في صباح اليوم التالي وقد تحسنت حالته قليلًا.

ارتدى بدلة رمادية أنيقة، وصفف شعره بعناية، ثم نزل إلى الطابق السفلي، وألقى التحية على ديجا قبل أن يغادر متجهًا إلى الشركة.

وبمجرد دخوله مكتبه، نظر إلى سمر، سكرتيرته، وقال:

أسر: عندنا اجتماعات النهاردة يا سمر؟

سمر بأدب: أيوو يا باشا، الساعة ١٢.

أسر: ماشي يا سمر، اخرجي انتي.

سمر: حاضر يا فندم.

خرجت سمر، وبعد دقائق دخل فهد إلى المكتب، ووضع ملفًا سميكًا فوق المكتب.

فهد: حمد الله على السلامة يا صاحبي، الشركة منورة والله.

ابتسم أسر ابتسامة خفيفة:

أسر: الله يسلمك يا حبيبي.

جلس فهد أمامه وقال بجدية:

فهد: أسر، الشركة داخلة على صفقة كبيرة، بس أنا شايف إن الأرقام دي محتاجة مراجعة.

رفع أسر عينيه عن الأوراق وقال بهدوء:

أسر: وأنا كمان حاسس إن في حاجة مش مظبوطة، خصوصًا في سعر الأرض.

فهد: بالضبط، السعر أقل من قيمتها بكتير، وده اللي مخليني مش مرتاح.

سكت أسر لحظة، ثم أغلق الملف وقال:

أسر: يبقى قبل ما نمضي أي حاجة، نعرف مين المستفيد الحقيقي من الصفقة دي.

ابتسم فهد ابتسامة خفيفة:

فهد: كنت عارف إنك هتقول كدا، عشان كده جبتلك الملف كله.

مد أسر يده وأخذ الملف منه.

أسر: كويس، من بكرة نبدأ نراجع كل حاجة من الأول.

فهد: إن شاء الله.

ساد الصمت للحظات، قبل أن ينظر فهد إلى أسر وقال:

فهد: حور ردت عليك؟

أغلق أسر الملف مرة أخرى وقال:

أسر: لا لسه... بس حاسس إنها هترفض.

سكت لحظة، ثم ابتسم عندما تذكر حديثهما في الحديقة.

أسر: امبارح قالتلي لازم نكون بنحب بعض علشان نتجوز.

رفع فهد حاجبه بدهشة:

فهد: ازاي يعني؟

حكى له أسر ما دار بينهما في الحديقة، وكيف أخبرته حور أنها لا تستطيع الزواج من رجل لا تحبه.

وما إن انتهى حتى انفجر فهد في ضحكة رجولية:

فهد: بتهزر صح؟

نظر إليه أسر باستغراب:

أسر: أهزر ليه؟ هو ده في هزار؟

ضحك فهد مرة أخرى وقال:

فهد: هي صغيرة يا أسر، فمش فاهمة حاجه. وبعدين الأفلام والمسلسلات كلت عقول البنات... بس أهم حاجة متضغطش عليها، إيدها حُرية الاختيار.

نظر إليه أسر بهدوء وقال:

أسر: أنا مش بغصب عليها.

ثم نظر إلى الساعة وأضاف:

أسر: يلا، الاجتماع هيبدأ.

دخل أسر وفهد إلى قاعة الاجتماع.

---

في فيلا أسر

كانت حور قد استيقظت، وارتدت ملابسها، ثم قررت أن تنزل وتتحدث مع ديجا.

ربما تجد عندها إجابة تساعدها على اتخاذ القرار.

نزلت وهي تحمل ريان، وألقت التحية على ديجا، ثم جلست معها وتناولت الفطور.

كانت ديجا تداعب ريان، الذي بدأ يتعلق بها شيئًا فشيئًا، بينما كانت حور شاردة، تتلاعب بطعامها دون أن تأكل تقريبًا.

لاحظت ديجا ذلك.

أنزلت ريان من فوق ساقيها، وتركته يلعب بالألعاب التي أحضرها له أسر، ثم التفتت إلى حور بقلق.

ديجا: مالك يا حور يا حبيبتي؟ مالك حساكي تايهه؟

تنهدت حور، ثم قالت بتردد:

حور: بصراحة آه يا ماما... أسر عرض عليا إنه يتچوزني چواز شكلي مؤقت، علشان يحميني أنا وريان من أدهم.

اتسعت ابتسامة ديجا، وقالت بفرحة:

ديجا: بجد؟ وانتي إيه رأيك؟

نظرت إليها حور باستغراب.

حور: انتي مبسوطة يا ماما؟

اقتربت ديجا منها وأمسكت يدها بحنان.

ديجا: أيوو طبعًا. ثم إني اتعلقت بيكي وحبيتك أوي، فده خبر حلو. مقولتليش إيه رأيك؟

خفضت حور عينيها وقالت بحيرة:

حور: مش عارفة... خايفة أوافچ وأثبت لأدهم كلامه، وخايفة أرفض وأدهم يأذي ريان علشان يضغط عليا أتچوزه.

اقتربت منها ديجا ومسحت على شعرها بحنان.

ديجا: لو عايزة نصيحتي يا حور، وافقي على أسر. صدقيني أدهم مش هيقدر يقربلك لو انتي اتجوزتي أسر. فده لمصلحتك، صدقيني.

نظرت حور إليها بتردد.

حور: يعني أوافچ؟

ديجا: طبعًا وافقي، وأنا معاكي.

صمتت حور للحظات، ثم قالت:

حور: ماشي... ربنا يستر.

ابتسمت ديجا وربتت على يدها.

ديجا: صدقيني مش هتندمي على جوازك من أسر.

نظرت حور إليها طويلًا.

كانت ترى الحب والحنان في عيني ديجا، ذلك الشعور الذي افتقدته منذ أن رحلت أمها.

لم تستطع حور منع نفسها.

اندفعت نحوها واحتضنتها بقوة، ودفنت وجهها في صدرها، وقالت بصوت مبحوح:

حور: ربنا يخليكي ليا يا ماما.

احتضنتها ديجا هي الأخرى، ودموعها تلمع في عينيها.

ديجا: ويخليكي يا حبيبتي.

وظلتا معًا تتحدثان طويلًا، بينما كان ريان يلعب بجوارهما، وكأن حور لأول مرة منذ سنوات شعرت أن لديها أمًا تخاف عليها حقًا.

---

في المساء

انتهى أسر من عمله وعاد إلى الفيلا.

وفي طريقه، لمح رجلًا يقف على جانب الطريق يبيع غزل البنات.

توقف للحظات، واشترى واحدة لحور، كما اشترى لريان بعض الحلوى والألعاب.

دخل الفيلا وهو يحمل الأكياس، وقال:

أسر: إزيكم يا جماعة؟

ردت ديجا بابتسامة:

ديجا: الحمد لله يا حبيبي، حمد الله على السلامة.

اقترب أسر منها وقبّل رأسها بحنان.

أسر: يارب دايمًا يا حبيبتي.

ثم التفت إلى حور:

أسر: عاملة إيه يا حور؟

احمر وجه حور قليلًا وقالت بخجل:

حور: الحمد لله... انت كيفك؟

أسر: الحمد لله.

ثم نظر إلى ديجا وقال:

أسر: إيه مش هنتغداء يا ديجا؟ أنا جعان.

ضحكت ديجا:

ديجا: أيوو طبعًا. دي حور عاملة رز معمر وملوخية وبط، وعاملة بسبوسة.

نظر أسر إلى حور بدهشة:

أسر: حور بتعرف تطبخ؟

ضحكت ديجا:

ديجا: دوق واحكم.

ابتسم أسر:

أسر: طيب، أنا هطلع أغير، وأهو خدي يا حور، دي حاجات ليكي انتي وريان.

ثم ناولها الأكياس وصعد إلى جناحه.

نظرت حور إلى الأكياس بدهشة، وكأنها لم تعتد أن يفكر أحد في احتياجاتها بهذه الطريقة.

بعد قليل نزل أسر، وكان يرتدي تيشيرتًا زيتيًا بأكمام قصيرة، وبنطالًا أسود من القماش، وقد بدا أكثر راحة بعد يوم طويل من العمل.

جلس إلى المائدة، وكانت ديجا بجواره، بينما جلست حور أمامه.

أخذ أسر أول لقمة، وما إن تذوق الطعام حتى رفع حاجبيه بدهشة.

أسر: تحفة... تحفة يعني. تسلم إيدك.

توقفت حور للحظة.

لم تكن معتادة على سماع مثل هذه الكلمات.

في بيت عمها، كانت تطهو للجميع، ولا أحد يسألها حتى إن كانت قد تعبت.

ابتسمت بخجل وقالت:

حور: بالف هنا... شكرًا، ربنا يخليك.

نظرت ديجا إليها بخبث وقالت:

ديجا: أصلًا حور زي القمر وشاطرة.

تحول وجه حور إلى اللون الأحمر من شدة الخجل.

حور: ربنا يخليكي يا ماما.

ضحكت ديجا، بينما حاول أسر إخفاء ابتسامته.

تناولوا العشاء وسط جو هادئ، وبعد أن انتهوا، صعد أسر إلى جناحه.

وبعد دقائق، وقفت حور أمام باب غرفته.

ترددت قليلًا، ثم طرقت الباب بخفة.

جاءها صوته من الداخل:

أسر: ادخل.

فتحت الباب ودخلت بهدوء.

رفع أسر عينيه إليها، وبدا عليه الاستغراب من مجيئها في هذا الوقت.

أسر: اتفضلي يا حور، خير؟ في حاجة؟

وقفت حور أمامه، تحاول أن تجمع شجاعتها.

حور بتردد: أنا جاية بخصوص الجواز.

اعتدل أسر في جلسته، وركز نظره عليها.

أسر: قررتي؟

ابتلعت حور ريقها، وأخذت نفسًا عميقًا.

ثم رفعت عينيها إليه وقالت...

حور: أنا...

وتوقفت الكلمات على شفتيها.

فماذا كان قرارها؟

تعليقات



<>