رواية اولاد الباشا الفصل الثامن8بقلم شيماء منير


رواية اولاد الباشا الفصل الثامن8بقلم شيماء منير

في صباح يوم جديد، الشمس كانت مالية ساحة الجامعة.

على واحدة من التربيزات، كانت "يمنى" قاعدة مع صاحبتها "بنان" اللي كانت ماسكة الموبايل وبتبص على الشاشة بذهول ووشها كله علامات دهشة:

 بنان بذهول وهي بتبص للفيديو: مالك ده ملوش كبير والله! إيه اللي بيعمله ده؟

يمنى اتنهدت بضيق ولفت وشها الناحية التانية:

بس بقى يا بنان عشان أنا أصلاً على آخري ومضايقة لوحدي.

بنان وهي بتحاول تقوي قلبها:
 اجمدي بس وربيه، خليه يعملك حساب بعد كده وميفتكرش إنك سهلة.

يمنى بكسرة حقيقية:

أنا هفضل كده على طول؟ كل شوية يوعدني ويخلف وعده معايا.. تعبت من الحكاية دي.

بنان وهي بتطبطب عليها وبتحمسها:

 على فكرة، هو زمانه جاي دلوقتي.. عايزة قلبك ده يبقى جامد، مش أول ما تشوفيه تريّلي ويضحك عليكي بكلمتين! ركّبي الوش الخشب الأول وربيه.

يمنى اتنرفزت وبصتلها بضيق:

إيه تريّلي دي؟ شايفاني عيلة صغيرة قدامك؟ وبعدين براحة على نفسك أوي يا ختي.. ده فارس لما بيبص لك بس، بتقفي قدامه زي الألف ومبتنطقيش!

بنان اتضايقت ووشها جاب ألوان:

قصدك إيه يعني؟ على فكرة أنا مش بخاف منه ولا حاجة.. أنا بس بحترمه، والاحترام مطلوب برضه بين أي اتنين بيحبوا بعض، ولا إيه؟

يمنى بسخرية ويأس:

 اتنيلي أنتي كمان.. هو أنتي عندك خيار تاني أصلاً؟

بنان حبت تلطف الجو وقلبتها هزار:

 ولا طماطم وحياتك

ضحكة رقيقة هربت من وسط ضيق يمنى، وبنان كملت وهي بتمثل الزعل:

أنا غلطانة أصلاً إني بنصحك وواقفة في صفك.

وفجأة لفت يمنى وشها ولمحت طيف جاي من بعيد، فدقات قلبها تسرعت وقالت بتوتر:

 أهو.. أهو وصل

بنان بهمس سريع وحازم:

 زي ما قولتلك.. اجمدي

خطواته كانت واثقة وهو بيقرب منهم.. "مالك" كان لابس قميص زيتي شيك جداً، مشمر كمامه لحد فوق كوعه فمبين تفاصيل عضلاته الرياضية، مع بنطلون أسود مظبوط، وشعره متسرح بعناية تامة، ومكمل هيبته بنظارة شمس سوداء ماركة.

يمنى تاهت لثواني وهمست لبنان وعينيها بتلمع:

شايفه قمر إزاي

بنان بصتلها من تحت نظارتها الشمسيه بسخرية قاتلة:

 آااه.. خربت يا روحي! افتكري بس لما كان بيرقص مع البنت.. هاا؟ افتكري

كلام بنان رجع يمنى للواقع، ووشها اتقلب وضيق الدنيا كله ظهر عليه.

مالك قرب ووقف قدام التربيزة وهو بيقلع النظارة بابتسامة جذابة:

 مساء الخير.

بنان ردت برسمية:

مساء النور.

أما يمنى، فعملت نفسها مشغولة في الكتب اللي قدامها وفضلت ساكتة وعينيها في الورق.

مالك بصلها وسألها بنبرة هادية ودافية:

عاملة إيه يا يمنى؟

يمنى من غير ما ترفع عينها وتنظر له:

 كويسة.

مالك بمرونة:

 شربتوا حاجة؟ ولا نطلب؟

بنان وقفت بسرعة وهي بتلم حاجتها عشان تديهم مساحة:

 لا اطلبوا أنتوا.. أنا هروح أجيب حاجة من المكتبة وارجع علطول.

بنان مشيت، ومالك قعد مكانها، قرب شوية من يمنى وقال بنبرة مليانة شوق:

وحشتيني على فكرة..

يمنى فضلت ساكتة وباصة في الكتاب.

مالك اتنهد:

 يعني هتفضلي ما بترديش كتير كده؟

يمنى ببرود مصطنع:

معنديش حاجة أقولها.

مالك بصدق ونبرة رجاء:

— والله العظيم أنا بحبك.

يمنى قفلوا جفونها بوجع وبصتله:

 والمفروض أصدق بعد اللي بشوفه ده؟ أرجوك متقولش إن الفيديو قديم.

مالك سكت ثانية، وقرر يكون صريح:

 لا.. الفيديو مش قديم، من حوالي أسبوعين كده.

يمنى حست بنار بتغلي جواها، وراحت رامية الكتاب اللي في إيدها على التربيزة بضيق وعصبية.

مالك حاول يهديها بسرعة:

كنت في عيد ميلاد واحد صاحبي وده حصل.. بس بجد مكنتش أعرف إن في حد بيصور، ووالله العظيم ما أعرف البنت دي أصلاً.

يمنى بمرارة وضيق:

 متحلفش.. البنت عندك في الفريندز ومشيرة معاك الفيديو وعملاك منشن

مالك بقلة حيلة:
 ماشي.. ممكن تكون عندي في الفريندز، بس والله العظيم ما أعرفها معرفة شخصية.

يمنى بتهكم: مش هتفرق.. أهو كان عاجبك الرقص معاها وخلاص.

مالك بحرج:

اندمجت.. بس مش أكتر.

يمنى بصتله بضيق حارق وضغطت على أسنانها بوجع، ومالك فكرها بعهدهم: مش اتفقنا إننا دايماً نتكلم بصراحة؟

يمنى بصتله والخنقة مالية حلقها، ودموعها بدأت تلمع في عيونها:

 وهنفضل كده لحد إمتى يا مالك؟ كل شوية وجع قلب؟

مالك بلهفة حقيقية وهو شايف دموعها: أنا بحبك.. بحبك أوي يا يمنى.

دموع يمنى خانتها ونزلت، فمسحتها بسرعة وبكبرياء، فكمل مالك بحنان:

 أنا محبتش حد قبلك، ولا هحب حد بعدك.. صدقيني.

يمنى بنبرة مكسورة:مش باين خالص.

مالك بابتسامة بيحاول يلطف بيها الجو:

 بذمتك.. ما أنا جاي على ملا وشي زي ما بيقولوا عشان أشوفك وأصالحك؟ غير البلوك اللي أنتي عملتيهولي في كل حتة ده؟

يمنى رفعت راسها بدلال وضيق طفولي:

 دي أقل حاجة أصلاً تتبهدل بيها.

مالك ضحك بحب:

 آه طبعاً دي أقل حاجة عشان خاطر الأميرة.. أنا ممكن أستحمل أي حاجة عشان رضاكي.

يمنى وشها أحمر وابتسمت بحرج وهي بتداري كسوفها.

مالك حس إنها بدأت تصفى، فمد إيده في جيبه وطلع علبة قطيفة صغيرة شيك جداً، وفتحها قدامها فظهرت منها ساعة رقيقة وقيمة جداً:
 ممكن تقبلي مني الهدية البسيطة دي؟

يمنى عينيها لمعت وبصت للساعة بانبهار حقيقي:

 دي جميلة أوي.. ذوقها رقيق جداً.

مالك بابتسامة انتصار:

 دي حاجة بسيطة يا قلبي.. أنا مردتش أجيب ورد عشان عارف إنك هتقوليلي مش هعرف أدخل بيه البيت وهيسألوني جيبتيه منين.

يمنى بصت للساعة وبصتله بحيرة:

طب ودي فعلاً هدخل بيها البيت إزاي؟ ما هي واضحة وغالية برضه!

مالك غمز لها بضحكة شقاوة:

— ماليش فيه.. اتصرفي أنتي بقى!

ــــــــــــــــــــــــ

في المساء.. داخل بيت سمية.

كانت "بنان" قاعدة في أوضتها، ماسكة الموبايل وبتضحك وهي بتكلم "يمنى":

 بنان بتريقة: ابقي افتكري الجمايل دي بقى! كل ما حد يسألك عن الساعة، الزقيها فيا وقولي بنان هي اللي جابتهالي هدية.. ماشي يا ستي؟

— يمنى بقلة حيلة من الناحية التانية: وأنا هعمل إيه طيب؟ هقولهم في البيت الساعة دي جاتلي منين يعني؟ لازم أدبسها فيكي!

بنان وهي بتضحك: ماشي يا ستي، فداكي.

فجأة الباب اتفتح ودخلت "سمية" ووشها باين عليه الجدية والاستعجال:

 سمية بنبرة حازمة: يلا يا بنان، بطلي رغي في الموبايل ده وقومي معايا عشان نجهز الأكل.

بنان بسرعة: حاضر يا مامي.. جاية وراكي علطول.

بنان رجعت للموبايل وهمست ليمنى بسرعة:

 يلا يا بنتي هقفل معاكي دلوقتي.. فارس جاي يتعشى معانا وماما متبهدلة في المطبخ وبتجهز الأكل.

 يمنى: تمام.. يلا سلام يا حبيبتي.

 بنان: سلام.

قفلت بنان الموبايل وقامت خرجت لسمية في المطبخ، فبصتلها سمية بطرف عينها وقالت:

 سمية: هو ده وقت كلام ورغي في التليفونات برضه؟ ورانا ميت حاجة.

— بنان وهي بتغسل إيديها: ما أنا جيت أهو يا مامي.. دي يمنى كانت بتحكيلي على حوار مالك والصلح اللي حصل بينهم.

 سمية باهتمام وربطت الأحداث: يعني اتصالحوا خلاص؟

 بنان وهي بتطلع الخضار: أيوة.. وجابلها ساعة هدية تجنن عشان يصالحها.

 سمية هزت راسها: ماشي  امسكي يلا اعملي السلطة دي عقبال ما أخلص اللي في إيدي.

بدأت بنان تقطع الخضار وتعمل السلطة، بس عقلها كان في مكان تاني خالص. بصت لسمية بتردد وقالت:

 بنان: هااا.. هتساعديني بقى؟

 سمية ببرود وهي بتقلب الأكل: هساعدك في إيه ؟؟

 بنان بقلة حيلة: يا مامي بلاش شغل ألزهايمر ده عليّا بقى! إنتي عارفة كويس أنا بتكلم في إيه.

 سمية لفت وبصتلها بحدة مصطنعة: بت.. ما تحترمي نفسك وتتكلمي عدل!

 بنان وهي بتقرب منها بملاوعة: يا مامي بكلمك من امبارح في الموضوع ده ومحتاجة رأيك ووقفتك معايا.

 سمية بقلة حيلة وتنهيدة: أنا ماليش دعوة بالموضوع ده يا بنان.. إنتي حرة إنتي وهو، اتصرفوا مع بعض.

بنان سابت اللي في إيدها وراحت لفت دراعاتها حوالين رقبة سمية وحضنتها من ضهرها بدلال:

 بنان برجاء: عشان خاطري يا مامي.. كلميه معايا، إنتي عارفة كلمتك هي اللي هتمشي.

— سمية لفت وشها ليها وبصتلها بحيرة حقيقية وقلق داري كالعادة: يا بنتي إنتي عارفة كويس إنه مش هيوافق إنك تروحي حفلات.. تفكيره غير تفكيرك ومش هيعديها.

 بنان وهي بتسبل عينيها بليز: بليز يا مامي اقنعيه معايا.. هو بيسمع كلامك أنتي بالذات وبيحترم رأيك جداً.

 سمية بصدق: بس أنا نفسي مش مقتنعة يا بنان عشان أروح أقنعه!

 بنان وهي بتزن بطفولية: عشان خاطري أنا.. وبعدين دي هتكون في النهار والله، يعني هروح وأرجع والشمس لسه طالعة، مفيهاش أي قلق.

سمية سكتت لثواني، افتكرت تحذير صلاح وخوفها من المشاكل، بس م حبتش تكسر بخاطر بنتها، فتنهدت وقالت وهي بتسمع صوت جرس الباب الخارجي:

 سمية: طيب.. أهو شكل فارس وصل، تعالي نفتح وندخل نتعشى وبعدها نتكلم معاه ونشوف هيقول إيه.

ـــــــــــــــــــــــ__ــــــــــ_ـــــ

كانت قاعدة في أوضتها، قافلة الباب وموطية صوتها وهي بتتكلم في الموبايل بلهفة:

— مالك بنبرة ضيق ورجاء: يعني مش هعرف أشوفك بكرة خالص يا يمنى؟

— يمنى بأسف حقيقي: لا مش هعرف أخرج للأسف.. وبعدين أنا بكرة معنديش محاضرات أصلاً، فهيبقى صعبة أوي أنزل من البيت.

— مالك بتنهيدة: أنا مسافر الساحل بكرة بالليل، وكنت حابب أشوفك أوي قبل ما أسافر.. مفيش أي طريقة؟

— يمنى بقلة حيلة: حقيقي مش هعرف يا مالك، غصب عني والله..

وفجأة، قطع كلامهم صوت خبط هادي بس حازم على باب أوضتها.

انتفضت يمنى في مكانها، وقلبها بدأ يدق بسرعة وتوتر، ردت بصوت مرعوش وهي بتبعد الموبايل شوية:

يمنى بتوتر: أيوه.. مين؟

جاءها صوت أخوها الهادي من ورا الباب:

 آسر: أنا يا يمنى.. صاحية؟

يمنى ملامحها اتخطفت وهمست بسرعة وخوف في الموبايل:

يمنى بهمس سريع ومرعوب: اقفل يا مالك.. آسر واقف برة!

قفلت الخط بسرعة من غير ما تستنى رده، ورمت الموبايل على السرير، وأخدت نفس طويل عشان تهدي ضربات قلبها قبل ما تروح تفتح الباب.

فتحت الباب ورسمت ابتسامة متوترة على وشها:
 يمنى: تعالى يا آسر.. اتفضل يا حبيبي.

دخل آسر وبص في عينيها بنظرة فاحصة دافية، وقال وهو بيقعد على الكرسي:

 آسر بعتاب هادي: إيه يا بنتي؟ مبقتش بشوفك خالص.. كل ما أسأل عليكي في البيت يقولولي في أوضتها، يا إما نايمة.. واخدة جنبك مننا ليه؟

 يمنى بابتسامة بتحاول تبان طبيعية: معلش يا حبيبي.. أصل عندي امتحانات وعملي كتير الأيام دي ومطبقة علطول.

 آسر بابتسامة حنونة: ربنا يوفقك يا حبيبتي ويعينك.. بس إحنا مقعدناش اتكلمنا مع بعض من وقت طويل، فقلت أجي بنفسي وأقعد معاكي شوية وندردش.

 يمنى وهي بتقعد قدامه وبتجاري الموقف: ماشي يا حبيبي، تنورني طبعاً.

وفجأة.. الموبايل المرمي على السرير نور وبدأ يرن بصوت عالي. يمنى بصت للموبايل برعب حقيقي، وشافت اسم "مالك" منور الشاشة، وحست إن الدم هرب من عروقها.

آسر لمح توترها وبص للموبايل وبعدين بص لها وسألها بفضول طبيعي:

 آسر: مين اللي بيرن عليكي في الوقت ده؟

يمنى بسرعة ولجلجة وهي بتحاول تداري الشاشة بإيدها: دي.. دي بنان!

 آسر بهدوء: طيب ردي عليها.. شوفيها عايزة إيه.

 يمنى بتهرب وهي بتقفل الصوت بسرعة: لا مش مهم دلوقتي.. بنان لو فتحت معاها مش هخلص، وهترغي كتير وأنا عايزة أقعد معاك إنت.

 آسر ابتسم وصدق كلامها: تمام يا ستي.. المهم، احكيلي بقى يومك في الجامعة بيمشي إزاي؟ وبقيتي بتعملي إيه هناك مع أصحابك؟

يمنى حاولت تركز مع كلامه وتجاوبه، بس عقلها وعينيها كانوا لسه باصين للموبايل اللي شاشته رجعت تنور تاني بترقب وخوف من إن آسر يلاحظ أي حاجة

-------------------

في شقة سمية، كانت "بنان" واقفة قدام مراية أوضتها بلمسات أخيرة.. كانت لابة فستان جنزاري هادي ومجسم واصل لتحت الركبة، ولمت شعرها الطويل كعكة عشوائية شيك جداً نزلت منها خصلات رقيقة حوالين وشها.

فجأة، جرس الباب رن. قلبها دق بفرحة وجريت بسرعة تفتح الباب قبل ماماتها.

فتحت الباب، ووقفت مكانها متفاجئة ومبتسمة.. كان "فارس" واقف بكامل أناقته، وفي إيده بوكيه ورد أحمر يجنن، ومعاه بوكس أحمر شيك ومتقفل بشريط ستان أحمر لفف حواليه.

فارس أول ما شافها، عينيه لمعت بإعجاب واضح وقال بنبرة دافية:

— البرنسيسة بنفسها هي اللي بتستقبلني؟

بنان وشها أحمر وابتسمت بكسوف وهي بتوسع له:

— اتفضل يا فارس.. أدخل.

فارس مد إيده بالورد والبوكس بفروسية:

— طيب اتفضلي أنتي الأول.

أخدت منه الورد، وقربته من وشها تشم ريحته وعينيها مقفولة بسعادة:

— ميرسي أوي يا فارس.. بجد يجنن.

فارس قدم لها البوكس الأحمر وهو بيبتسم بحب:

— Happy Valentine's Day يا عمري.. كل سنة وأنتي معايا.

بنان ضحكت بابتسامة واسعة وهي بتبصله:

— ميرسي يا حبيبي.. بس على فكرة، عيد الحب لسه بكرة!

فارس بغمزة شقاوة:

— ما هو بصراحة أنا مش هكون فاضي بكرة خالص، فقلت أسبق الكل وأجي أحتفل معاكي النهاردة وأقدم الهدية بنفسي.

بنان بصت للبوكس ولمحت ورقة رقيقة ملزوقة عليه، ومكتوب عليها بخط إيده:

(You mean everything to me - أنتي تعني لي كل شيء).

ابتسامة رقيقة ودافية اترسمت على شفايفها وهي بتقرأ الكلمات، وحست بقلبها بيدق بحب حقيقي.

قطع اللحظة دي صوت "سمية" اللي ظهرت من وراهم وهي بتبتسم:

— سمية: طيب ادخلوا اتكلموا جوة يا ولاد.. ميصحش برضه الوقفة اللي على الباب دي!

فارس دخل بخطوات واثقة وصوته علي بضحك:

— سوسو حبيبتي! وحشتيني جداً.

قفلت بنان الباب وراهم، وسمية ردت عليه وهي بتضحك:

— سمية: طيب ادخل خد نفسك الأول.. البت دي  نسيتك  سوسو

قرب فارس من سمية وباس راسها باحترام وحب:

— أنا أقدر برضه يا سوسو؟ ده أنتي الكل في الكل.

طبطبت سمية على كتفه بحنان وأمومة واضحة:

— ربنا ما يحرمني من دخلتك عليا يا فارس 

فارس بصدق وعينيه فيها لمعة وفاء:

— طول ما أنا عايش  ، عمري ما هقطع الدخلة دي أبداً.

بنان وقفت وربعت إيديها وبصتلهم بضحك وملاوعة:

— خلاص؟ أسطوانة العشق الممنوع دي خلصت ولا لسه في جزء تاني؟

سمية بصتلها وضحكت:

— بس يا جز..مة! يلا اخلصي عشان نجهز العشا ونرصه على السفرة.

فارس افتكر حاجة فقال بسرعة:

— على فكرة يا عمتو، أنا طالب تورتة زمانها جاية في السكة.

سمية بلوية بوز حنونة:

— تورتة إيه بس يا حبيبي؟ سيبك من الكلام ده، أنا عملالك النهاردة كل الأكل اللي بتحبه

بنان وهي بتغمز له: أيوة يا سيدي.. واقفة في المطبخ من الصبح بتعمله مخصوص عشانك على فكرة.

بعد شوية، السفرة كانت جاهزة وقعدوا التلاتة ياكلوا

بنان وهي بتاكل، حبت تنسب لنفسها الفضل:

على فكرة يا فارس.. أنا مساعده ماما في الأكل 

فارس بصلها بتمثيل الذهول وهو بيمضغ:

 وأنا أقول الأكل طعمه يجنن كدة ليه؟ ده أنا هاكل الشوكة وصوابعي وراها!

بنان ابتسمت بغرور مضحك، فسمية كبستها علطول بضحكة:

 سمية: يا خويا متنفردش بيها أوي كدة وتصدقها! دي ما عملتش غير السلطة، وكانت ماسكة السكينة بطراطيف صوابعها كأنها خايفة تعورها، والآخر أنا اللي كملتها معاها!

فارس ضحك وبص لبنان بحب:

— ما أنا قصدي على السلطة برضه.. كنت حاسس إن طعمها مختلف وفيه لمسة خاصة.

بنان ضحكت بصوت عالي ومن قلبها على دفاعه، وفارس فضل باصص لضحكتها وعينيه مليانة هُيام وإعجاب بملامحها وهي بتضحك.

سمية هزت راسها بقلة حيلة:

— أه يا ختي اضحكي.. عاجبك أوي الكلام

خلصوا الأكل، وقامت سمية عملت القهوة المظبوطة لفارس وقدمتها له.

فارس أخد رشفة وقال بمزاج:

— تسلم إيدك يا سوسو..

سمية: بالهنا والشفا يا حبيبي.

في اللحظة دي، جرس الباب رن تاني.

فارس: دي أكيد التورتة وصلت.

بنان قامت بسرعة انا هستلمها انا

فارس وقف وبضيق اتكم ليه؟ هو أنا مش عاجبك يعني؟

بنان بلجلجة:

 لا مش قصدي.. بس عشان تلحق تشرب قهوتك وهي سخنة براحتك.

فارس بابتسامة: لا مش هتفرق دقيقة واحدة.. هجيبها وأجيلك.

أول ما فارس مشى وبقى بعيد، بنان قربت من سمية وهمست بسرعة ورجاء:

— بنان: مامي.. أول ما يرجع افتحي معاه موضوع البارتي (الحفلة) بليز!

سمية بقلق وتوجس: ربنا يسهل يا بنان.. بس بلاش عناد معاه.

بنان كانت لسه هترد بس سكتت ورسمت ابتسامة هادية أول ما شافت فارس راجع وشايل علبة التورتة المستطيلة الشيك. فارس كان حاسس إن في "وشوشة" بتحصل من وراه، بس فوتها بمزاج.

حط العلبة على التربيزة وبص لبنان:

— افتحيها بقى بنفسك وشوفي.

بنان قربت بشغف، شالت الشريط الأحمر وبدأت تفتح العلبة المستطيلة.. وعينيها وسعت بانبهار وسعادة حقيقية لما شافت الكريمة مكتوب بيها:

(Happy Valentine's Day, my love! - عيد حب سعيد يا حبي!)

بنان بصت له وعينيها بتلمع بفرحة طفولية:

— تحفة أوي يا فارس.. بجد ذوقها يجنن.

فارس قرب منها وسألها بنبرة دافية وخافتة:

— مبسوطة يا بنان؟

بنان بصدق وبدون تفكير:

— أنا أسعد واحدة في الدنيا النهاردة.. بحبك أوي يا فارس.

فارس بهمس مليان مشاعر:

وأنا بموت فيكي يا قلب فارس..

 سمية: طيب هقوم أنا بقى أعملكم الشاي عقبال ما تقطعوا التورتة.

انتهزت بنان الفرصة، وقعدت جنب فارس على الكنبة وقربت منه بدلال:
 فارس.. كنت عايزة أطلب منك طلب صغير كدة.

فارس بابتسامة واسعة : شاوري بس يا حبيبتي.. متطلبيش، أنتي تؤمري.

بنان ابتسمت بس التوتر ظهر على ملامحها وهي بتتكلم بتردد: في بارتي (حفلة) كدة واحدة صاحبتي عاملاها بكرة.. وكنت عايزة أروح أحضرها.

ملامح فارس اتغيرت فجأة، والابتسامة اختفت وحل مكانها الجدية والرفض الصارم: حفلات لا يا بنان.. إحنا متفقين على الموضوع ده من زمان، وحوار الحفلات ده ممنوع ومرفوض تماماً.

بنان حاولت تلطف الموضوع بسرعة:

يا حبيبي ما هي الحفلة مش بالليل خالص.. دي الحفلة العصر، وفي الكومباوند هناك في فيلا سلمى صاحبتي.. وبجد مش هأخر، هخلص وأرجع على طول والشمس لسه طالعة.

فارس بنبرة حاسمة لا تقبل النقاش:

— مش فكرة وقت يا قلبي.. أنا رافض المبدأ نفسه، ومش حابب تروحي الأماكن دي.

في اللحظة دي، قربت سمية وهي شايلة صينية الشاي وحطتها، فحس فارس إنه محتاج حد يسانده:

— فارس: احضرينا يا سوسو.. شوفي بنتك بتقول إيه، وإيه حوار الحفلة اللي عايزة تروحها دي؟

بنان بصت لسمية بعيون متوسلة وبتترجاها تتدخل.

سمية حاولت تهدي الأمور وقالت بهدوء:

— سمية: دي يا فارس حفلة عند سلمى محمود شوقي.. اللي باباها عضو مجلس شعب، عاملاها وعازمة بنان معاها.

فارس طلع علبة السجاير بتاعته، شد سيجارة وولعها، وأخد منها نفس طويل ونفخ الدخان ببرود وهو بيبص لبنان:

— وأنا مالي ومال كل ده؟  أنتي عارفة رأيي كويس، الحفلات دي لأ.

بنان بضيق شديد بدا يظهر على وشها:

— بس أنا نفسي أروح بجد يا فارس.. كل صحابي رايحين.

فارس بنبرة جافة وهو بيبص للسيجارة:

— وأنا قلت لأ يا بنان.. الموضوع قُضي.

بنان قربت منه أكتر ومسكت دراعه برجاء ودلال طفولي بتحاول تليّن دماغه الناشفة:

 عشان خاطري بليز.. نفسي أحضر الحفلة دي أوي والله.

فارس بصلها بعيون حادة بس فيها خوف عليها:

— لا يا حبيبتي مش هينفع.. اطلبي أي حاجة تانية في الدنيا إلا الحوار ده، لأني مش هسمح بده.. مش هسمح إنك تروحي وتقعدي وسط شباب وخلطبيطة ملهاش لازمة.

بنان بضيق حقيقي: بس دي حفلة بنات من الكلية ومعظمنا بنات!

فارس: برضه لأ..

ثم لف وشها لسمية اللي واقفة تتابع بصمت وسألها:

— ساكتة ليه يا عمتو؟ قولي كلمتك.. ولا إيه؟

سمية بصت لفارس وبعدين لبنان، وحست بتعقيد الموقف وتوجسها من أي صدام، فقالت بهدوء واستسلام:

— سمية: اللي إنت شايفه يا فارس.. إنت أدرى.

بنان بصت لسمية بضيق وإحباط شديد، ونفخت بزهق وهي حاسة إن أملها الأخير ضاع. بصت لفارس وقالت بآخر محاولة يائسة:

— طيب.. ينفع تيجي معايا وتحضرها؟

فارس طفى السيجارة وبص لها بقلة حيلة:

— ما أنا قايلك من شوية.. بكرة أنا مش فاضي ووراي ميت حاجة ومش هكون موجود خالص.

بنان ملامح الضيق والحزن سيطرت على وشها بالكامل، وسكتت وهي بتبص للأرض، وحست إن الفرحة اللي كانت حاسة بيها من شوية اتبخرت وحل مكانها شعور بالخنقة والتحكم.

ــــــــــــــــ

عند يمنى

أول ما آسر خرج وقفل باب الأوضة وراه، يمنى أخدت نفس طويل كأن الروح ردت فيها بعد ما كانت كاتماها. جريت بسرعة على الباب وتأكدت إنه اتقفل تماماً، وبعدين لفت وراحت على السرير خطفت الموبايل وهي إيديها بتترعش، وضغطت على اسم "مالك" ورنت عليه وهي بتدعي يعدي الليلة دي على خير.

مالك رد علطول من أول رنة، وصوته كان مليان ضيق ولهفة:

— مالك: إيه كل ده على ما تردي؟! 

— يمنى بضيق حاد وهي كاتمة صوتها على قد ما تقدر: مش أنا قولتلك أخويا هو اللي كان عندي في الأوضة؟! بترن تاني وتالت ورا بعض ليه يا مالك؟ كنت عايز توديني في داهية؟!

— مالك ببرود وعدم مبالاة: وإيه يعني؟ هو أنا بعمل حاجة عيب؟

— يمنى اتنرفزت من بروده وصوتها اترعش بالخوف: هو إنت بتستهبل يا مالك؟! ده لو عرف بس، مجرد معرفة، إني بكلمك وواقفة معاك.. مش هيحصل خير أبدًا في البيت ده! إنت مش متخيل آسر ممكن يعمل إيه!

— مالك بنبرة رجولية فيها عناد وتحدي: أنا مبخافش من حد يا يمنى، ومفيش حد في الدنيا يقدر يمنعني عنك أو يخليني مبقاش معاكي.

— يمنى بدموع بدأت تلمع في عينيها وبنبرة مكسورة وخايفة بجد: بس أنا بقى بخاف.. وبترعب كمان! إنت مش حاسس بالنار اللي أنا قايدة فيها، ولا بالرعب اللي بعيشه كل ما تليفوني يرن 

ــــــــــــ
 فارس مشي
 بنان رجعت تاني تبص للبوكس الأحمر الشيك اللي سابهولها. رغم إنها كانت لسه متضايقة ومقموصة منه بسبب رفضه للحفلة، بس فضولها وسحر الهدية غلبوها.

قعدت على السرير وبدأت تفتح البوكس بلهفة.. أول ما فتحته، لقت كارت صغير رقيق مكتوب فيه بخط يده الجريء:

(بعشقك يا بت)

ابتسمت رغماً عنها ودقات قلبها رجعت تزيد. بدأت تدور بإيدها وسط الورد المجفف وكرات "الفل" الملونة اللي مالية البوكس، لحد ما صوابعها لمست علبة قطيفة صغيرة تانية مخبية نفسها في النص.

طلعتها بسرعة وفتحتها.. وعينيها وسعت من المفاجأة وصرخت بفرحة وسعادة حقيقية:

— واووووو! إيه التحفة دي!

كانت أسورة رقيقة جداً وبتلمع بشكل يخطف العين. لبستها في إيدها فوراً وفضلت تلف إيدها يمين وشمال وهي بتبصلها بإعجاب وانبهار مش قادرة تخبيه.

وفي وسط فرحتها دي، موبايلها نور واهتز في إيدها معلنًا عن وصول رسالة على الواتساب.. وكان فارس:

💬 فارس: اتمنى تكون الهديه البسيطه دي عجبتك..

💬 بنان (وهي بتكتب بسرعة وفرحة نسيتها الزعل): تحفة أوي يا فارس.. بحبك أوي ♥️♥️

💬 فارس (رد في ثواني بقلب أحمر): وأنا بموت فيكي ♥️

قفلت بنان الموبايل وحضنته وهي بتترمي على السرير وبتبص للأسورة في إيدها، والابتسامة مش مفارقة وشها.. نسيت الدنيا ونسيت الحفلة، وتاهت بس في فرحتها بالهدية وبحبيبها اللي بيعرف إزاي يراضيها في ثانية.

-----------------

تاني يوم

في شركة الباشا
الدنيا كانت لسه هادية في مكتب فارس بالشركة، والوقت بيجري وهو غرقان وسط الأوراق والملفات، وعقله كله شغال بيفكر في الشغل المهم والطلبية اللي هيستلمها الليلة.
رغم كل السحلة دي، ملقاش نفسه غير وهو بيمسك موبايله يتصل بيها عشان يطمن عليها.. نبرة صوته كانت دافية ومليانة حنية وراحة أول ما سمع صوتها:
فارس (بابتسامة هادية): "ألو.. بنان؟ بطمن عليكي بس يا حبيبتي.. لسه قدامي شغل كتير في الشركة ومش هعرف أ
بنان (بصوت ناعم، وفي نبرتها سِر مخبياه): "ماشي يا فارس.. ربنا يوفقك، متقلقش أنا كويسة.

قفل معاها والابتسامة لسه على وشه، ورجع يكمل شغله بهمة
بعد شويه
في شقة سميه

 سمية واقفة حاطة إيدها في وسطها، وعينيها مبرقة برفض تام وهي بتسمع كلام بنتها.
سمية (بخوف وقلق حقيقي): لا مش هينفع يا بنان.. إنتي اتجننتي؟!
بنان (برجاء وهي بتبص لمامتها بمسكنة): "يا مامي والله مش هتأخر.. هحضر الحفلة وأجي على طول."
سمية (بتضرب كف على كف وصوتها واطي وخايف): ولو جه فجأة أقوله إيه؟ ده فارس! ده ممكن يرتكب جناية فيا وفيكي لو عرف!
بنان (بثقة وهي بتحاول تطمنها): "مش جاي.. منتظر شغل هيستلمه والشغل ده هييجي الساعة 6:30، لسه مكلمني وقايلي بنفسه.
سمية (ببرود حازم): "برضه لا.. حتى لو مش هييجي، هو مش حابب إنك تروحي الحفلة دي، لازم نحترم ده يا بنان.

بنان (بتقرب منها وتترجاها): يا مامي عشان خاطري.. دي آخر مرة هروح فيها، عشان خاطري وافقي.

سمية بصتلها بحيرة شديدة، قلب الأم غلبها بس الخوف من فارس كان مرعشها. تنهدت بقلة حيلة وقالتلها:
سمية: طيب.. بس متلبسيش ضيق.

بنان (بفرحة سريعة): أنا هلبس الدريس الأحمر الجلد.

سمية (بشهقة وخوف): الأحمر الجلد؟! ده لونه ملفت وشكله كله على بعضه مينفعش! ولو عرف إنك خرجتي بيه مش هيسكت.

بنان (بغمزة وابتسامة متمردة): هو إحنا يا ماما هنقوله أصلاً؟
سمية (بضربات قلب سريعة): ربنا يستر.. ربنا يستر.

وقفت بنان قدام المراية وهي بتبص لنفسها بإعجاب شديد وزهو. الفستان الأحمر الجلد كان مجسم عليها جداً وواكل منها حتة، مبرز تفاصيلها بجرأة هي نفسها مكانتش متعودة عليها. فردت شعرها الأسود الطويل وخلته يترمي على ضهرها ونزلت خصلات منه على كتفها.
وبدون ما تفكر، لبست العقد الرقيق اللي فارس جابهولها هدية في عيد ميلادها.. العقد اللي كان دايماً بيفكرها بحبه وخوفه عليها، بس الليلة كان مجرد إكسسوار بيزيد جمالها في حفلة متمردة فيها على كل شروطه.

الحفلة كانت زحمة جداً، أضواء ليزر بتتحرك بسرعة، ومزيكا صاخبة بتدغدغ المشاعر. بنان دخلت وعينيها بتلف في المكان بفرحة وانبهار، وفجأة لمحت مالك واقف وسط شلة. مالك أول ما شاف كتلة الجمال اللي داخلة دي، عينه طلعت عليها وبانت الصدمة على وشه.
مالك (بذهول وإعجاب واضح): إيه ده! بنان؟ مقولتيش إنك جاية يعني.. كنا جينا سوا!
بنان (بابتسامة خجولة): عادي.. مكنتش أعرف إنك جاي.

مالك (وهو بيطلع موبايله بسرعة وحماس): طيب يلا ناخد سيلفي بقى!
مالك قرب منها ورفع الموبايل، وبنان ابتسمت بضحكة منورة، واتصوروا سوا.. ومالك على طول نزل الصورة "ستوري" وبدأ يعمل لايف ينقل فيه أجواء الحفلة والمزيكا.

في مخازن شركة الباشا، الجو كان مختلف تماماً.. ريحة تراب، كراتين، صوت عمال ورافعات بتنقل بضاعة. فارس كان واقف في النص زي الأسد، عين هنا وعين هناك، بيستلم الشغل والورق في إيده.
موبايله رن في جيبه.. كانت سمية. فارس مسمعش الرنة الأولى عشان دوشة المخازن، بس لما رنت تاني، طلع الموبايل واستغرب وقلق..  انها تتصل في الوقت ده. خرج في مكان هادي ورد بسرعة:
فارس (بنبرة قلقانة): أيوه يا عمتو.. إنتو كويسين؟ في حاجة؟

سمية (بصوت مرعش ومتردد): أيوه يا فارس متقلقش كويسين.. أنا بس كنت عايزة أقولك على حاجة عشان مبقاش خبيت عليك حاجة...
فارس (عينه على العمال والورق): طيب يا عمتو أنا بستلم طلبيات مهمة دلوقتي، هخلص وأكلمك على طول.

سمية (بخوف وتراجع): "خلاص تمام ماشي يا حبيبي.. ربنا معاك."
قفل فارس معاها وحط الموبايل في جيبه ورجع يكمل استلام البضاعة بتركيز.

عدت شوية وقت، وفارس افتكر إنه محتاج إمضاء مالك على أوراق استلام ضرورية عشان الشغل يتقفل. طلع موبايله ورن على مالك كذا مرة.. بس مالك مكنش بيرد خالص.
فارس (بيشتمه في سره بضيق): وربنا ما هسيبك يا مالك.. مبتردش ليه في وقت الشغل!
فتح فارس تطبيق "الماسنجر" عشان يرن عليه منه أو يبعتله رسالة شديدة اللهجة، بس عينه وقعت تلقائياً على الستوري اللي لسه منزله مالك.
وقف مكان الصدمة.. عينه برقت والدم هرب من وشه.
في البداية حاول يكذب عينيه، قال يمكن صورة قديمة؟ لكن لما دقق في تفاصيل الصورة، لقاها لابسة العقد اللي لسه جايبهولها في عيد ميلادها! والصورة اتحركت وبقى فيديو لايف.. شباب وبنات بيرقصوا، وهي في النص.. بالفستان الأحمر الجلد الضيق، وشعرها مفرود، وبتضحك وترقص مع اللي حواليها ومالك جنبها بيصور.

عيون فارس: وسعوا على الآخر، واللمعة الدافية اللي كانت فيهم انطفت تماماً وحل مكانها سواد مرعب ونظرة حادة زي الموس. عينيه كانت بتتحرك على تفاصيل جسمها في الفستان وعلى العقد اللي في رقبتها بنظرات بتنطق بالوجع والكسرة، اللي اتحولوا في ثانية لغل وغضب رهيب.
ملامح وشه: فكه اتقفل بقوة رهيبة لدرجة إن عضلات وشه برزت بشكل يخوف. 
جسمه: اتصلب في مكانه كأنه صخرة، وإيده اللي ماسكة الموبايل اتشنجت لدرجة إن صوابعه ابيضت من كتر الضغط على التليفون، كأنه هيموته في إيده.
شغل الفيديو مرة واتنين وتلاتة وهو بيحاول يستوعب الكذبة.. البنت الرقيقة اللي بتخاف من الهوا، واقفة بترقص بجرأة وبتكسر كلامه وبتستغفله.
سكت خالص.. سكون مرعب.. السكون اللي بيسبق الإعصار.
أخد نفس طويل وصدره بيترفع وينزل بعنف، ووشه بقى خالي من أي تعبير غير البرود القاتل. حط الموبايل في جيبه ببطء شديد، وبص للمشرف بنظرة خلت المشرف يترعب ويرجع خطوة لورا.
فارس (بصوت واطي جداً، جهوري، ومرعب من كتر الهدوء): جمال.. كمل استلام الشغل ده وعينك على الدفاتر. أنا ماشي.
جمال (بيبلع ريقه بخوف): "تمام يا فندم، تحت أمرك.. بس في ورق محتاج إمضاك لـ..."
فارس ومضي بسرعه ومضي كمان مكان اخوه

لف فارس ضهره ومشي بخطوات سريعة، واسعة، وثابتة بتهز الأرض وراه. ركب عربيته وقفل الباب بعنف، ودور العربيه  وطار بأقصى سرعة وهو باصص قدامه وعينيه بتطلع شرار.. الليلة دي مش هتعدي على خير أبداً.

تعليقات



<>