رواية خيوط لاتري الفصل الثامن8بقلم فاطمة مالكي
عودة الروح
بعد أقل من ساعة، انزلقت سيارة ياسين بهدوء لتقطع سكون المساء أمام بوابة منزل عائلة الحكيم. وقبل أن يلفظ المحرك أنفاسه الأخيرة وتستقر الإطارات تماماً على الأرض، كان باب السيارة قد انفتح بحدة. اندفعت حنين خارجها كعصفور كُسر قفصه فجأة، تدفعها رياح لهفة عاتية واشتياق جارف حبسته بين ضلوعها لأسابيع طوال حتى كاد يخنقها.
— "حنين!" صاح مازن وهو يترجل خلفها محاولاً اللحاق بظلها، لكن نداءه تبدد في هواء لا تعيره انتباهاً. لم تسمعه، أو ربما تلاشت كل الأصوات من حولها لتترك فقط دقات قلبها المتسارعة كطبول حرب. كانت خطواتها تلتهم الأرض التهاماً، تتعثر في لهفتها، وعيناها معلقتان بباب المنزل كمن يركض نحو طوق النجاة الأخير.
انفرج الباب الخشبي، لتطل منه السيدة أمينة بابتسامتها التي تشبه شمس الشتاء الدافئة، إلا أن حنين تجاوزتها كطيف عابر. كانت حدقتاها تدوران بجنون، تفتشان زوايا المكان عن ملامح مألوفة، عن روح طالما سكنت إليها. ومن عمق الرواق، متجاوزةً عتبة الصالون، ظهرت حنان. كانت تحمل كوباً زجاجياً، وضحكة صافية ترتسم على ثغرها إثر حديث عابر مع رانيا. وما إن تقاطعت النظرات، حتى ذابت الضحكة وتلاشت كأن لم تكن، وتسمرت حنان في بقعتها باتساع عينين لا تصدقان ما تريان. لثانية، ثانية واحدة لكنها تمددت كدَهر كامل، توقفت فيها عقارب الساعة، وانعدمت الجاذبية، ولم يعد في الكون سوى التقاء هاتين النظرتين.
— "حنين..." انزلقت الكلمة من بين شفتي حنان كهمسة واهنة، كدعاء خفي. لم تكد تنهي حروفها حتى كانت حنين قد طوت المسافة بينهما في ومضة، لترتمي في أحضان شقيقتها باصطدام عنيف، اصطدام روحين أنهكهما الفراق. من فرط الارتجافة، أفلت الكوب من يد حنان، هوى ليرتطم بالسجاد الفاخر، وتناثر العصير كدموع حمراء صامتة لم تأبه لها أي منهما في غمرة هذا العناق المجنون.
— "توحشتك بزاف..." خرجت الكلمات ممزقة، غارقة في فيضان من الدموع الحارة، وهي تتشبث بظهر أختها كغريق وجد لوح خشب في بحر هائج. أغمضت حنان عينيها باعتصار، ودفنت وجهها في عنق حنين، مبادلة إياها العناق بشراسة مماثلة، وهمست: — "وأنا كثر.. والله غير كثر يا عمري."
انهارت سدود الكبرياء، وسقطت أقنعة القوة المفتعلة لتفسح المجال لسيل من الدموع المريحة. لأول مرة منذ أن وطئت قدماها أرض القاهرة، شعرت حنين بتلك الكتلة الشوكية القابعة في حنجرتها—غصة الغربة الباردة—تذوب وتتلاشى تحت حرارة هذا العناق. أدركت أخيراً أنها استعادت جذورها المبتورة. على مقربة منهما، وقفت أمينة تتأمل اللوحة الإنسانية بابتسامة تفيض أمومة، في حين سارعت رانيا بطرف أنملتها لسرقة دمعة متمردة فرّت من زاوية عينها، خجلاً من أن يفضحها التأثر.
أما مازن، فقد راقب المشهد لبرهة بعينين تلمعان بتعاطف خفي، قبل أن يقرر، كعادته، تمزيق هذه الغلالة العاطفية الثقيلة بمشرط دعابته المعهودة. تنحنح بمسرحية، وكسر الصمت قائلاً بنبرته الكوميدية: — "أنا بس حابب أفهم.. مفيش حد هنا هيشكر البطل اللي راح المطار وتبهدل مع الشنط؟"
التفتت إليه حنان فوراً، وبوجه ما زال مبللاً بالدموع، أشرقت بابتسامة واسعة ممزوجة بلكنتها الجزائرية: — "شكراً يا سيدي.. يعطيك الصحة."
ابتسم مازن بانتصار واعتدل في وقفته نافخاً صدره بخيلاء مضحك: — "أهو.. شفتوا؟ في ناس مقدرة تعبي برضه." ثم أضاف وهو يشير بيده إلى جبل الحقائب الضخمة التي كدسها الحراس عند المدخل: "رغم إني لحد دلوقتي مش فاهم إزاي إنسان طبيعي يسافر بمستودع تموين كامل للبلد التانية!"
انفرجت أسارير حنين عن ضحكة صافية، ضحكة حقيقية رنت في أرجاء المكان لأول مرة منذ أيام، التفتت إلى أختها وقالت مداعبة بروح خفيفة: — "قُلتي له على الرشتة والكسكسي؟"
اتسعت عينا مازن برعب مصطنع، متراجعاً خطوة للوراء: — "هو فيه أكتر من اللي شيلته؟"
اهتز المكان بضحكاتهم المتداخلة، بينما وضع مازن يده فوق قلبه في حركة درامية وقال: — "لا.. أنا كده لازم آخد علاوة ومكافأة مخاطر من ياسين."
في عمق الرواق، حيث يتكسر الضوء الخافت، وقف ياسين كالطود الأشم، يراقب الصخب بعينين هادئتين. هز رأسه في صمت، لكن لسبب غامض، لم يخدش هذا الضجيج درع عزلته المعتاد؛ بل تسلل كشعاع شمس دافئ ليزيح صقيع المكان، واهباً هذا القصر الموحش نبضاً حقيقياً للحياة لأول مرة.
انقضت نصف ساعة لتبدو أرضية الصالون الواسع وكأنها ساحة لعرض الغنائم. استقرت الحقائب وقد فُغرت أفواهها لتلفظ ما بداخلها. جلست رانيا على الأرض تتأمل الأشياء بعينين تلمعان بالحماس الطفولي، وبجوارها السيدة أمينة، بينما تراجع مازن ليقف على مسافة آمنة، عاقداً ذراعيه أمام صدره وهو يقول: — "أنا لحد دلوقتي مقتنع إن في واحدة من الشنط دي فيها بني آدم مستخبي وعايش جوه.. الوزن ده مش طبيعي يا جماعة!"
رفعت حنان رأسها نحوه، وتراقصت الضحكات في عينيها : — "علاش؟ هذا قليل أصلاً! حنين توحشت ماكلة الدار، والناس كامل في الدزاير بعتوا معايا صوالح."
تولت حنان مهمة التنقيب بحماس، تخرج الصناديق والأكياس وتصفّها ككنوز ثمينة أمامهم: — "هذا طعام (كسكسي).. وهذي رشتة.. وهذو توابل.. وهذا زيت زيتون تاع الدار."
رمشت رانيا بذهول شديد، وكأنها أمام عرض سحري: — "واو! كل ده؟"
شهق مازن بانبهار مسرحي: — "قليل؟ أختك جاية تزورك ولا جاية تفتح فرع وزارة التموين هنا؟"
تأملت أمينة تلك الأغراض بنظرة تفيض بالكرم والترحاب، وقالت وهي تضحك من قلبها: — "والله يا حنان خطوة عزيزة، ونورتي مصر.. والنهارده مفيش أكل مصري، النهارده لازم ندوق الأكل الجزائري من إيدين حنين وحنان."
هتفت رانيا بحماس وقد تملكتها عدوى البهجة: — "وأنا موافقة جداً!"
وتقدم مازن خطوة، تسبقه معدته وفضوله: — "وأنا كمان.. بعد التعب ده كله أقل حاجة إني أدوق الغنائم دي."
رمقته حنان بنظرة جانبية ساخرة، كأنها تزن كلماته، ثم أطلقت سهمها ببراعة: — "أنت ما عاونتنيش بزاف.. كنت تهدر كثر ملي تخدم!"
سقط صمت مفاجئ لثانية واحدة، ثانية استوعب فيها الجميع الرد، قبل أن ينفجروا في موجة ضحك هستيرية. وضع مازن يده على صدره وتمايل للخلف وكأن خنجراً غير مرئي قد استقر في قلبه: — "يا جماعة البنت دي بتهينني من أول ما نزلت من الطيارة! بصراحة يا حنين.. بدأت أصدق إنها أختك فعلاً، الاتنين عندكم نفس الكفاءة في إحراج الناس!"
مع انقضاء ساعة أخرى، تحولت مائدة الطعام إلى لوحة فنية نابضة بالألوان، تفوح منها عبق التوابل الحارة وسحر الشرق، حيث تعاونت حنين وأختها مع الطاهية "فاطمة". تراصت الأطباق لتروي قصة حنين للأرض المفقودة؛ طبق "الرشتة" الأبيض المتوج بقطع الدجاج وعبير القرفة، إلى جانب "الكسكسي" المرصع بالخضار الملونة، وطبق "الشكشوكة" الحار الذي تتصاعد أبخرته اللافحة.
تأملت رانيا الأطباق بفضول جائع، وقالت بصدق: — "تسلم إيدكم يا بنات، الأكل شكله يفتح النفس.. بس بصراحة في كلمات مش فاهماها خالص.. يعني إيه 'توحشتك'؟"
وضعت حنين آخر طبق برفق، وعلت شفتيها ابتسامة دافئة وهي تجيبها بلغة عربية مبسطة: — "'توحشتك' يعني اشتقت لكِ."
غاصت ملعقة رانيا في الطبق بنهم، وسألت وعيناها تبرقان باكتشاف لغوي جديد: — "وأنا سمعتكم بتقولوا كلمة 'بزاف'.. دي معناها إيه؟"
ردت حنان وهي تأخذ مقعدها بأناقة هادئة: — "'بزاف' تعني كثيراً."
هنا، وفي حركة غير متوقعة، تدخل ياسين بهدوء ساحق. رفع عينيه عن طبق الرشتة أمامه، وبصوته الرخيم العميق الذي يجذب الانتباه بلا عناء، قال: — "وأظن 'تهدر' معناها تتكلم.. صح؟"
التفتت إليه حنين، وقد تجمعت في عينيها دهشة لذيذة وإعجاب باغت حصونها، وقالت بعفوية بلهجتها: — "صحيت! ما شاء الله عليك يا أستاذ ياسين.. بديت تفهم هدرتنا بالخف."
أشعل مازن الأجواء ثقة وهو يلوّح بشوكته كقائد أوركسترا: — "يا بنتي ده أنا بقيت خبير خلاص.. 'علاه' يعني 'ليه'، و'الدار' يعني 'البيت'.. مش كده برضه يا جماعة؟"
ضحكت حنان بمرح قائلة: — "يعطيك الصحة يا مازن.. طلعت 'فحل' وتلميذ شاطر!"
تجمدت الشوكة في الهواء، وتوقفت ملامح مازن في مزيج من الحيرة والترقب: — "'فحل'? دي مدحة ولا شتيمة؟ عشان أبقى عارف بس؟"
ضحكت حنين حتى توردت وجنتاها، وطمأنته: — "مدح طبعاً.. عندنا معناها راجل شهم وشجاع."
تنفس مازن الصعداء بصوت مسموع، ممسداً صدره بمزاح: — "الحمد لله.. كده أنا اطمنت."
انسابت الأحاديث كجدول ماء دافئ، إلى أن قطعت رانيا هذا الانسياب بنظرة فاحصة وجهتها نحو حنين: — "على فكرة يا حنين.. أنا اكتشفت حاجة، إنتِ في الشغل غير هنا خالص. هناك هادية وجادة جداً، أما هنا فإنتِ مبهجة وبتضحكي من قلبك."
أومأ مازن مؤيداً بشدة: — "فعلاً.. أول يوم شفتها في الشركة افتكرتها بتتكلم عشر كلمات بس في الأسبوع!"
أخفضت حنين رأسها في خجل ناعم، وابتسمت متمتمة: — "بصراحة؟ إيه.. في الخدمة لازم نكون مركزة وجادة."
هنا، التمعت عينا رانيا بخبث طفولي، التفتت نحو أخيها ياسين ثم صوبت نظراتها إلى حنين، وببراءة مصطنعة كانت كفيلة بهز أركان الطاولة قالت: — " غريبة يعني.. أستاذ ياسين طول عمره جاد، بس ليه حضرتك مهتم بموظفة جديدة أكتر من باقي الموظفين وبتراقب كل تفصيلة تخصها؟"
وكأنما نُثر مسحوق الجليد فوق الطاولة، ساد صمت مقبض ابتلع كل ضحكة. تسمرت حنين في مقعدها كتمثال رخامي، واندفع الدم ليحرق وجنتيها في توهج قرمزي فضح ارتباكها الكامل. أما ياسين، فقد أغمض عينيه ببطء مميت—بطء من يكبح بركاناً يغلي—ثم فتح مجرتيه ليرمق أخته بنظرة حادة، جامدة وباردة كشفرة سيف، جعلت رانيا تبتلع ريقها بصعوبة بالغة. وبنبرة خالية من أي انفعال، قال ببرود يجمّد الدماء: — "رانيا... كلي وأنتِ ساكتة."
سارع مازن لتدارك الموقف وإلقاء طوق النجاة، فبدأ يثرثر بصوت عالٍ عن براعة الطهي، بينما انزلقت نظرة جانبية حادة من عيني حنان ؛ راقبت ارتباك حنين وبرود ياسين، لتبدأ خيوط قصة غير مروية تتشكل وتنسج داخل عقلها اليقظ.
بعد العشاء، انتقل الجميع إلى الصالون الواسع لتناول الشاي المنعنع. التف السكون المريح حولهم، قبل أن تلتفت السيدة أمينة نحو حنان بعينين يملؤهما الفضول الأمومي الدافئ: — "قولي لنا يا حنان.. حنين وهي صغيرة كانت عاملة إزاي؟ أكيد كانت هادية برضه؟"
انتفضت حنين في جلستها وكأن تياراً كهربائياً أصابها، وسارعت بالدفاع المذعور: — "لا لا.. ما كان والو يستاهل تحكيه يا طنط."
لكن ابتسامة شيطانية ماكرة تسللت إلى شفتي حنان، وقالت بتلذذ: — "بالعكس.. كاين بزاف!"
— "حنان.. اسكتي!" حذرتها حنين بحدة منخفضة، لكن رانيا صفقت بحماس زاد الطين بلة: — "لا أرجوكي ابدأي فوراً!"
استدارت حنان نحو رانيا، متجاهلة نظرات التوسل من شقيقتها، وقالت بالجزائرية بسرد مسرحي: — "لما كان عمرها تسع سنين.. هربت من المدرسة رجعت لدار تبكي."
— "كنت صغيرة وتخلطت عليا الأمور!" صرخت حنين مدافعة عن نفسها ويداها ترفرفان في الهواء.
أكملت حنان برباطة جأش مضحكة: — "هربت لأنها كانت مقتنعة تماماً إن المدرسة تحرقت.. وكي سقسيناها كيفاش عرفتِ؟ قالت إنها شافت دخان أسود من التاقه( النافذة).. وفي الأخير عرفنا بلي الدخان كان مجرد دخان من مدخنة تاع'مخبزة' قريبه من المدرسة!"
انفجر المكان بالضحك الهستيري، حتى أن السيدة أمينة لم تقوَ على حبس دموع الضحك. وقفت رانيا وهي تترنح وتكاد تسقط: — "مش قادرة أتخيل حنين الهادية بتهرب من المدرسة عشان مخبز! أكيد في مصايب تانية؟"
وجهت حنان سبابتها كبندقية نحو أختها، وسددت ضربتها الثانية: — "مرة قررت تصبغ شعرها وحدها في الدار بلا ما تقول لأمي.."
غطت حنين وجهها بكلتا يديها في انهيار استسلامي: — "حنان.. ممنوع هذا الموضوع بالذات!"
تشبث مازن بالمقعد وهو يتوسل وسط ضحكاته: — "لا وحياتك كملي.. الصبغة جرى لها إيه؟"
ببرود درامي متقن، أجابت حنان: — "شعرها رجع أخضر كيما الحشيش.. وبقات سيمانتين كاملين تلبس الحجاب داخل الدار باش بابا ما يشوفهاش!"
انطلق مازن في نوبة ضحك صاخبة هزت الأرجاء، ورانيا كادت تختنق من فرط القهقهة. وسط هذا الإعصار من الضحكات المجلجلة، اتخذ ياسين لنفسه ركناً قصياً على الأريكة المخملية. كان جسده حاضراً، لكن روحه كانت تحلق في مدار آخر، تراقب تفاصيل حنين.. أصابعها التي تغطي وجهها المشتعل كحبتي كرز، وارتباكها الطفولي. وبدون إرادة منه، تسللت إلى زوايا شفتيه القاسيتين ابتسامة صافية كقطرة ندى، كادت أن تمحو قسوة سنوات طوال من ملامحه.
فجأة، استدارت حنان نحوه، وبجرأة لا تمتلكها سوى امرأة تعي جيداً ما تفعل، رمته بكلمات مباشرة باللغة الجزائرية القحة: — "أستاذ ياسين.. أنت ما تهدرش كامل.. هادي و تخوف !"
تجمد الهواء في الرئتين، وساد صمت مشحون لثانية، قبل أن ينفجر مازن صارخاً: — "أخيرًا! في حد قالها له في وشه من غير ما يخاف!"
تلقى ياسين الضربة اللفظية بهدوء صخري لا يهتز. ثبّت نظراته الثاقبة على وجه حنان، محتفظاً برباطة جأشه الأسطورية، وبصوت يحمل في طياته هيبة طاغية وتحدياً مبطناً، قال: — "أنتِ وصلتي مصر من ساعات قليلة بس.. وبدأتي بالفعل تحللي شخصيتي وتنتقديني؟"
ابتسمت حنان بثقة لا تلين، وكأنها تقرأ كتاباً مفتوحاً: — "إيه.. لأنها حقيقة باينة، السكات تاعك وراه بزاف صوالح. "
في رحم الليل، حيث غلف السكون أرجاء القصر، داخل الغرفة المخصصة للشقيقتين... كانت حنان تعيد ترتيب بعض أغراضها في هدوء، بينما غاصت حنين في الفراش بجانبها، يسكنها تعب جسدي ثقيل، تتخلله راحة نفسية عميقة، طمأنينة لم تتذوق حلاوتها منذ زمن.
— "والله غير جبتي نص الدزاير معاك يا حنان." رفعت حنان رأسها من بين الأغراض، ورمقتها بنظرة خبيثة ذات مغزى: — " جبت نص برك ما شفتيش النص الزاوج.. الناس كامل في الحومة بعثولك صوالح ."
انسحب الهدوء للحظات، قبل أن تعتدل حنان وتتربع على السرير، مسلطة نظرات فاحصة وجادة على أختها: — "بصح.. قوليلي عفسة يا حنين. هذا المدير تاعك.. ياسين.. ما يهدرش بزاف، بصح باين عليه راجل ونص.. وهايل بزاف معاك. الشوفات تاعو ليك ماشي عادية، ويحترمك بزاف."
سرى الدفء في عروق حنين حتى لوّن وجنتيها من جديد، وتلعثمت وهي تحاول التملص من حصار النظرات بلهجتها: — "إيه.. هو يحترم الناس كامل، سيريو (جاد) في خدمتو برك."
ابتسمت حنان بانتصار، وغمزت لها بطرف عينها: — "إيه.. باين سيريو بزاف! يعني لوكان نخليك هنا في مصر وحدك شهرين وحدوخرين.. نظن ما نقلقش عليك بزاف، كاين اللي راهو عاسك وعينو عليك."
التقطت حنين وسادة صغيرة ورمتها بوجه شقيقتها بقوة، غارقة في ضحكة خجولة: — "حنان.. ارقدي واسكتي!"
على النقيض تماماً، في الطابق العلوي... كان عرين ياسين غارقاً في صمت ثقيل، لزج ومخيف، يختلف جذرياً عن سكون الليل بالخارج. لم يكن يمزق تلك العتمة سوى الشحوب الأزرق البارد المنبعث من شاشة حاسوبه المحمول، يسقط على وجهه القاسي. انفتح الباب ليدخل مازن بخطوات مرهقة، يحمل بين يديه الملف الورقي السميك الذي تحفظ عليه ياسين وحمله بنفسه منذ خروجهم من المقهى. أسقط مازن الملف على سطح المكتب بضجر، وتنهد تنهيدة أفرغت هواء رئتيه وقال: — "أنا مش فاهم هي نادين والمحامي مدحت كانوا عاوزين يلبسوها تهمة وخلاص؟ عشان يضايقوها؟"
امتدت أصابع ياسين الطويلة لتفتح بطن الملف، وبدأت تقلب الأوراق بروية وتركيز جراحي صامت. لكن، ومع تقدمه في القراءة، ومسح عينيه لتلك الأرقام والبنود المدفونة كألغام بين الأسطر الخلفية للملاحق القانونية، بدأت ملامحه تتصلب تدريجياً. فجأة، ضاقت عيناه بحدة افتراس، واعتدل في مقعده كفهد يتأهب للوثب، بينما برزت عروق جبهته لتنبض بغضب مباغت، أطاح بهدوئه المعتاد أدراج الرياح.
لاحظ مازن هذا التغير الميكانيكي والخطير في لغة جسد صديقه، فتصلبت يده وتوقف عن ارتشاف قهوته. ترك الكوب جانباً واقترب بخطوات حذرة وقلقة: — "في إيه يا ياسين؟ وشك ما يبشرش بالخير خالص.. لقيت إيه في الورق؟"
لم ينطق ياسين بحرف. تحركت أصابعه بسرعة البرق على لوحة المفاتيح، فاتحاً بوابات الحسابات المالية المغلقة والسرية لشركة "الحكيم" على الشاشة أمامه. طفقت عيناه تنتقلان بحدة بين الأرقام السوداء المطبوعة على عقد حنين المزيف، وتلك المضاربة على الشاشة.
— "اللعبة مش تهمة عادية يا مازن..." انبعث صوته منخفضاً، خشناً، وحاداً كشفرة موس.
— "أومال إيه؟ إنطق قلقتني!" سأل مازن وقد بلغ صبره منتهاه.
غرس ياسين إصبع السبابة بقوة في قلب ورقة في أواخر الملف، كمن يطعن حشراً ساماً مختبئاً، مشيراً إلى بند مطبوع بحبر باهت وسط التفويضات: — "الأوراق دي بتأسس فرع وهمي لشركة توريدات باسم (مؤسسة الأفق).. نادين ومدحت استغلوا إن حنين لسه مستلمة الشغل جديد في قسم العقود الدولية، ومعندهاش خلفية كاملة عن تاريخ حساباتنا القديمة، وكانوا عايزينها توقّع على الأوراق دي بصفة 'مدير قسم العقود الدولية المفوض'."
تجعّدت جبهة مازن، وعقد حاجبيه بعدم فهم واضح: — "طيب وإيه المشكلة؟ ما هي فعلاً مسكت القسم ده وده من حقها توقّع على عقود خارجية؟"
رفع ياسين رأسه ببطء، والتقت عيناه بعيني مازن. كانت عينا ياسين في تلك اللحظة تشتعلان بلهيب شيطاني، غضب مرعب يكاد يحرق الغرفة: — "المشكلة إن شركة (الأفق) دي.. هي نفس الشركة الوهمية اللي اختلست مننا 10 مليون جنيه من سبع سنين، وقفلنا ملفها وطردنا مدحت بسببها! الحساب البنكي المكتوب هنا في ورق حنين، هو نفس الحساب اللي الفلوس المتهربة من حساباتنا بتتحول عليه النهارده.. في الوقت الحالي اللي بكلمك فيه!"
نزل الخبر كالصاعقة على مازن، جحظت عيناه، وتراجع خطوة لا إرادية للخلف لاطماً جبهته بكفه: — "نهار إسود! انا ازاي ما انتبهتش لإسم الشركه .. كده معناها ان حتى مدحت مش هو الراس الكبيره "
أومأ ياسين برأسه ببطء شديد، وعيناه مسمرتان على اسم الشركة الوهمية، كمن يحدق في وجه الجحيم: — "أيوة.. نادين ومدحت مش هما اللي بيديروا اللعبة دي كلها، هما أجبن من كده بكتير، هما مجرد أدوات تنفيذية صغيرة. في حد 'حوت كبير' قاعد معانا جوه مجلس الإدارة، بيسرق الشركة بقاله سنين ولما حس إن عيون الرقابة بتاعتي بدأت تضيق عليه، قرر يلبس القضية والسرقات القديمة والجديدة كلها لموظفة جديدة.. أجنبية، معندهاش ظهر ولا علاقات في البلد يدافعوا عنها، عشان لما الحسابات تتكشف وتنفجر القضية، تلبس هي الجريمة وتكون كبش الفداء، وهو يخرج منها زي الشعرة من العجين!"
هوى ياسين بكفه على الملف ليغلقه بصفعة مدوية شقت صمت المكتب كطلقة نارية، وقال بنبرة تزلزل الكيان: — "حنين كانت مجرد ضحية بالصدفة لأن ظروفها مناسبة جداً لخطتهم.. بس هما بغبائهم، وبسبب ذكاء حنين وحرصها إنها تاخد الملف وتمشي، سلمونا بإيديهم الخيط اللي هيوصلنا لراس الأفعى اللي بياكل معانا على نفس الترابيزة."
نهض ياسين ببطء شديد كعملاق يستيقظ، وخطا نحو النافذة الزجاجية المطلة على حديقة القصر الغارقة في الظلام. أسند يديه على الحافة، وعيناه تخترقان العتمة وكأنه يستشرف ساحة معركة دامية. ومن بين أسنانه المطبقة، صدر صوته يقطر منه وعيداً صامتاً وخطراً لا يُرحم: — "اللعبة كبرت يا مازن.. إحنا دلوقتي بنحمي موظفة.. وبنحمي شركتنا من تدمير كامل. جهز نفسك.. من بكره الصبح اللعب هيبقى على المكشوف."
