رواية عيون الاسد الفصل الثامن8 بقلم اميرة خالد

رواية عيون الاسد الفصل الثامن8 بقلم اميرة خالد

سعيد قرب منه بنبرة يغلفها التملق والطمع:
"نورت يا يعقوب بيه، اتفضل."
فادي بحزم وتحفظ: "وحضرتك العريس يا دكتور يعقوب؟"
يعقوب بص له ببرود ثقة: "ايوه يا فادي، فيها مشكلة؟"
فادي كان لسه هيتكلم والغيرة والحزن مالين قلبه، لكن سعد مسك ايديه بسرعة ليمنعه: "لا يا دكتور ما فيهاش مشكله، بس في اصول لازم نتكلم فيها."
يعقوب بنبرة قاطعة: "وانا عملت بالاصول وكلمت ابوها واتفقت معه على كل حاجه، فين المشكله؟"
سعيد رد بسرعة وطمع واضح: "ايوه يا حاج، احنا اتفقنا على كل حاجه وبيتهيالي إن عين هتوافق ومش هتمانع خالص، صح يا بنتي؟"
عين كانت مصدومة، عقلها متوقف عن التفكير، واقفة مكانها مش قادره ترد من هول الصدمة والحزن اللي بياكل قلبها.
سعيد قرب منها بغضب وامسكها من ذراعها جامد، لتصرخ عين بألم: "آه!"
سعيد بصوت حاد يخفي وراءه التهديد: "طيب يا حبيبتي كويس إنك رديتي، خشي يلا عند ماما وما تطلعيش دلوقتي غير لما أنده عليكِ."
عين لسه واقفة مكانها زي الصنم، عينيها مبللة بالدموع ومعلقة على يعقوب كأنها بتستنجد به وهو واقف يتفرج ببرود.
سعيد بص لعفاف بحدة: "خديها لجوه."
عفاف مسكت ايديها بقلب مفطور ودموع خفيفة على خدها، ودخلت بيها الأوضة.
سعيد وهو بيشاور للرجالة: "اتفضلوا جوه خلونا نتكلم."
الكل دخل مع سعيد ما عدا فادي، اللي دخل ورا عين والألم والخوف بيمزقوا قلبه.
فادي بقلق شديد: "عين، انتي موافقة على اللي بيحصل ده؟"
عين ساكتة تماماً، الدموع محبوسة في عينيها.
انجي تدخلت بتهكم يغطي على قلقها على اختها: "وايه المشكله يا فادي؟ خليه يخرجها من القرف ده وتكمل تعليمها وتعيش مرتاحة! عاجبك اللي بيحصل فيها كل يوم ولا مرمطتها في الشغل؟"
فادي بوجع: "انتِ فاهمة غلط يا انجي، يعقوب ده سيرته مش حلوة وبتاع نسوان، أنا خايف على عين!"
عفاف دخلت وفي عينيها استسلام حزين: "يا ابني، أي راجل مقتدر ومعاه فلوس وكمان وسيم، كل البنات بترموا تحت رجليه، والطبيعي يكون ليه علاقات، بس لما بيتجوز بيتجوز واحده كويسة ونضيفة وتبقى أم لأولاده وتحافظ على بيته."
فادي بصدمة: "يعني انتِ يا مرات عمي موافقة؟"
عفاف بحزن ومحاولة لإقناع نفسها قبل غيرها: "ايوة يا ابني موافقة، مادام هترتاح، وانا ما يهمنيش غير راحة بناتي."
فادي كان لسه هيتكلم ويعترض، بس عين قاطعتهم بصوت هادئ ومكسور: "خلاص يا فادي، انا موافقة."
فادي قرب منها بحنان أخوي وحضنها بقوة وباس راسها، وعيناه تلمعان بالدموع: "بصي يا حبيبتي، أنا جنبك في أي حاجة، وقت ما تحتاجيني هكون جنبك، وخليكي فاهمة كده كويس."
عين ابتسمت وسط دموعها بامتنان وشدت لحضنه أكتر، تحاول تستمد منه القوة: "وانا عارفة يا حبيبي، انت ونعم الأخ والسند في الدنيا ديّت."
انجي حاولت تكسر حدة الحزن بخفة دمها المعتادة عشان تهدي الأجواء: "يا عيني على العشق الممنوع! يلا يا اخويا اطلع عشان الناس، وتعالي قول لي صحيح.. هو الراجل المز صاحبه ده معاه ايه؟"
ضحك فادي وسط جو الكآبة: "ايوة يا اختي معاه، ولمي نفسك شوية!"
انجي بمشاكسة: "والنبي انتم ما فاهمين حاجة، الواحد كده نفسه حد ينجده من الثانوية العامه ويحطّه في قصر ويكون طلباته كلها مجابة، بدل ما الثانوية العامة هتجيب أجلي!"
ضحك الكل على كلامها، وعفاف قالت بابتسامة مصطنعة وهي بتخبط هوا: "عارفة أنا نفسي أضربك بالشبشب، بس مراعية إن انتي لسه تعبانة!"
ضحكت انجي بدلال: "يا ريت تفضلي تعبانة على طول عشان ما أشوفش السلاح بتاعك ده! يلا يا اختي اطلعي اعملي لهم القهوة، زمان عم سعيد دلوقتي هيزعق يقول: القهوة فين يا عفاف؟"
وفعلاً، ما عداش ثواني وسعيد ندى بقوه: "القهوة يا عفاف!"
ضحك الكل وخرج فادي وعفاف، وبقيت عين قاعدة على السرير لوحدها، قلبها بيترعش من الخوف والقلق المجهول.
أما في قعدة الرجاله جوه، دخل فادي قاعد جنب أبوه وقال له كلمتين في ودنه. سعد ابتسم بارتياح، ويعقوب ابتسم بخبث واثق لما عرف إن عين موافقت أخيراً. كملوا كلامهم، ويعقوب قال بصرامة وبحبوحة:
"زي ما اتفقنا يا عم سعيد، مهر بنتك مليون جنيه، والمؤخر بتاعها اتنين مليون، وده هيتحط لها في البنك، اما المليون في الشنطة دي."
سعيد فتح عينيه بطمع ظاهر: "يا ابن اللعيبه!"
سعد حاول يداري طمعه: "الفلوس مش كل حاجه، المهم راحة بنتنا."
سعيد اتضايق من كلام سعد: "خلاص يا حاج، ده حق بنتنا برضه ولازم نتاكده."
يعقوب باهتمام: "الماذون تحت، اتصل بيه يا جاسر خليه يطلع."
جاسر: "حاضر."
وفعلا، طلع الماذون وكتبوا الكتاب وسط مشاعر متضاربة من الرهبة والفرحة المصطنعة. انجي خرجت على كرسي بعجل ومعاها عين اللي كانت عينيها تايهة، وعفاف دموعها بتغسل خدها بصمت. وأول ما جملة الماذون اتقالت وأصبحوا زوجة ليعقوب، انجي زغرطت بقوة فرحةً لاختها، وجاسر بص لها وهي غمزت له بخفة وهو ضحك عليها رغم الموقف.
الكل بارك، وعفاف حضنت عين بقوة والمشاعر غالبة عليها: "هتوحشيني يا بنتي!"
عين بدموع ساخنة بتنزل على خدها وهي متمسكة بيها: "بلاش عياط يا ماما، انا هاجي كل يوم مش هسيبكم أبدا."
عفاف بوجع قلب: "طيب يا حبيبتي."
يعقوب بصوت رجولي واثق: "طب يا جماعة، احنا لازم نمشي دلوقتي.. يلا يا عروسة."
سعيد باستغراب: "هو انتم مش هتعملوا فرح؟"
يعقوب بتهرب مقصود: "مش هينفع، انا مسافر كمان يومين وقلت أهي فرصة أعمل شهر عسل بالمره."
سعيد بقلة اهتمام: "مش لازم فرح! مش احنا فرحنا لها؟ ده أهم حاجة.. يلا يا بنتي هاتي شنطة هدومك وحاجتك من جوه."
انجي تدخلت بسرعة وهي بتحاول تخفي حزن فراق أختها بمشاكسة: "استنوا بس أسلم على العروسة، مستعجلين على ايه؟"
يعقوب بابتسامة خفيفة وضيقة وقت: "يا ستي مش مستعجلين ولا حاجة، سلمي براحتك، واعملي حسابك إن انتي تيجي تقعدي معانا بعد ما نرجع من شهر العسل."
انجي برفض ساخر ومزاح: "أسفة يا جوز اختي! ما أسيبش بيت بابا أبدا، حتى لو أغرتني إن ليّا جناح وكمان لاب توب وحمام سباحة وحاجات كتيرة كده.. مستحيل أسيب بيت بابا!"
ضحك الكل على طريقتها، ويعقوب ابتسم وقال: "حاضر يا ستي، مش هغريكي."
انجي بطفولة مرحة: "ده انت شكلك صدقت! خلاص يا عم هاجي وأمري لله.. بس بعد ما الثانوية العامة تخلص عليّا!"
ضحكوا كلهم، وانجي حضنت عين بقوة ودموعها في عينيها: "خلي بالك من نفسك يا حبيبتي."
عين بصوت مخنوق: "حاضر."
فادي قرب من عين وباس راسه وقلبه بينفطر: "هتوحشيني يا نصي التاني."
عين بابتسامة شجاعة واهتزاز في صوتها: "وانت أكتر يا فادي."
يعقوب كان متضايق من كتر الكلام وتأخيرهم، قرب منها بحزم وماسك ايديها بقوة تملك: "يلا عشان اتأخرنا."
نزلت معاهم وعينيها متمسكة بأهلها كأنها بتودعهم الوداع الأخير. ركبت العربية جنب يعقوب، وهو عينيه كانت مسلطة عليها، بيراقب ملامحها، وقد ايه كانت جميلة وبريئة في لبسها، حتى الفستان الأبيض البسيط اللي لابساه كانت زي القمر فيه، مالي عينه وقلبه برغبة غريبة.
بعد وقت قصير، توفقت السيارة الفارهة أمام بوابة فيلا ضخمة وفخمة، محاطة بحديقة واسعة تضيئها أنوار خافتة وراقية تعكس هدوء المكان.
فتح السائق الباب، ونزل يعقوب بثقة، ثم دار ومد يده الكبيرة لعين ليساعدها على النزول. رفعت فستانها الأبيض بحذر، وارتباكها ظاهر في كل حركة، ووضعت يدها الصغيرة الباردة في يده الكبيرة الدافئة، لتشعر برعشة خفيفة تسري في جسدها كله من نظراته المركزة عليها.
دخلا إلى الداخل، فانبهرت عين باتساع القصر وفخامته؛ الديكورات العصرية، الإضاءة الهادئة، والهدوء المسيطر على المكان، والذي كان تناقضاً صارخاً مقارنة بصخب بيتها وأهلها وحياة العشوائية والبساطة التي اعتادت عليها، مما زاد من شعورها بالرهبة والغربة.
يعقوب (بهدوء وبصوت رجولي عميق ودافئ يحاول يحتوي خوفها): "نورتي بيتك يا عين.. اعتبري المكان كله ملكك، وماتخافيش من أي حاجة، أنا جنبك."
كلماته ونبرته الهادئة أراحت جزءاً بسيطاً من توترها وحيرتها، فأومأت برأسها بصوت خافت مهتز: "شكراً.. شكراً يا يعقوب بيه."
يعقوب ابتسم بابتسامة ساحرة فيها ومضة خبث، واقترب منها خطوة أخرى جعلتها تتراجع بلا تدبير: "بيه؟! بعد كل اللي حصل ده لسه بتقولي يعقوب بيه؟ قوليلي يا يعقوب.. وبلاش رسميات، احنا بقينا زوج وزوجة!"
شعرَت بارتباك شديد وقشعريرة من قربه، فرائحة عطر الفاخرة تغمر المكان وتكاد تفقدها توازنها. وقبل أن ترد، تابع هو بصوت هامس ومغرٍ وهو يقترب أكثر حتى عجزت عن التراجع والتنفس بشكل طبيعي:
يعقوب: "تعرفي يا عين.. أول ما شفتك، حسيت إنك مش مجرد عروسة اتجوزتها وخلاص.. عيونك البريئة دي، وكسوفك، ملبّخين دماغي من أول لحظة. إنتي مش متخيلة إنتي حلوة قد إية بالفستان ده."
رفعت عين عينيها نحوه بذهول وخوف مكتوم، فوجدت عينيه تلمعان بنظرات جريئة وساحرة تفتقر لأي براءة، لكنها تفيض بسحر غريب يشدها إليه رغماً عنها وعن عقلها. لم تكن عادت أبداً على هذا النوع من الدلال أو الإطراء المباشر، خصوصاً من رجل بوسامة وكاريزما يعقوب الطاغية.
أقترب أكثر، ببطء مقصود ومثير، حتى أصبح ظهرها يكاد يلامس الحائط الناعم. رفع يده بحنان ظاهر، وبأصابع دافئة ومتمكنة، بدأ يلامس خصلات شعرها المنسدلة على كتفها بحركة خفيفة جعلت جسدها يرتجف بعنفوان.
يعقوب (بصوت أشبه بالهمس القريب من أذنها، وبأنفاسه الدافئة التي تداعب وجهها): "مالك؟ بتجمعي كلام ليه؟ خايفة مني؟.. متخافيش.. أنا كل اللي عايز أعمله دلوقتي، إني أثبت لك إنك ملكتي الدنيا دي كلها بضحكتك بس."
عين (بصوت متقطع وأنفاس متسارعة تكاد تختفي، محاولة التماسك بقليل من الشجاعة المتبقية): "يعقوب.. لو سمحت.. انا.. انا تعبانة وعايزة ارتاح.. والدراسة وكلية الصيدلة والامتحانات.. أنا مش متعودة على كل ده فجأة، حاسة إن الدنيا بتلخبط."
يعقوب (ابتسم بخبث جذاب، وانحنى قليلاً ليقترب من وجهها أكثر، واضعاً يده الأخرى برفق على خصرها النحيل ليقربها منه تماماً حتى كادت تلتصق به): "شفتي بقى؟ إنتي شايلة هم كلية الصيدلة والدراسة ليه، وأنا موجود؟ اعتبري كل كتبك ومحاضراتك خلصت، وأنا اللي ههتم بيكي وبكل تفصيلة تخصك.. مش عايزك تفكري في أي حاجة تانية غير فينا وبس.. اتفقنا؟"
تلاشت كل مقاومتها المزعومة أمام نبرته المغرية، وقربه الساحر الذي كان يبعث في نفسها شعوراً مزدوجاً بالخوف المفرط واللهفة المجهولة. عيناها تحركتا بدون إرادة بين شفتيه وعينيه الساحرتين، ووجها احمر خجلاً وارتباكاً شديداً. لم تعد قادرة على التفكير لا في أهلها وقلقهم، ولا في تحذيرات فادي، ولا حتى في مستقبلها ودراستها التي كانت كل حياتها منذ لحظات.
باستسلام تام لجاذبيته وسطوة مشاعرها الجديدة، وبصوت شبه مسموع وقلب ينبض بجنون يعلن استسلامه:
عين: "اتفقنا.. يا يعقوب."
لم يضيع وقتاً؛ انحنى بابتسامة انتصار هادئة ومحبة، وغمرها بقبلة رقيقة وعميقة على شفتيها، محواً بها كل مسافات الخوف والتردد، لتبدأ معها رحلة جديدة بالكامل داخل أسوار هذا القصر المجهول.
استدار يعقوب بهدوء وبحركة سريعة ومفاجئة، انحنى واجتذبها إلى أحضانه لتفاجأ وتحتضنه عيناها المذهولتان برعشة خفيفة من هول المفاجأة. رفعت يديها بلا وعي لتستقر على كتفيه العريضتين، بينما حملها بكل سهولة وكأنها لا توزن شيئاً، متوجهاً بها بخطوات ثابتة وواثقة نحو السلالم الفخمة المؤدية إلى جناحه الخاص في الأعلى.
كانت تتابع خطواته بقلب ينبض بجنون ورعب خفي، وتفاصيل القصر الفاخر تمر من أمامها كحلم غريب لا تصدقه. وحين وصل إلى الجناح، فتح الباب بقدمه ودخل بها، ليقترب من السرير الواسع والوثير، ويضعها عليه برفق شديد، كأنها قطعة من الماس الغالي والهش الذي يخشى عليه من أثر اللمس.
انحنى فوقها بجسده، محاصراً إياها بين ذراعيه ومهيمناً على كل مساحتها، بينما ظلت عيناه تذوبان في عينيها المرتبكتين التائحتين. وبنبرة هامسة تكاد تكون غير مسموعة، لكنها مليئة بالدفء الطاغي والإغراء:
ـ "ارتاحي يا عيون يعقوب.. ممنوع أي تعب يدخل هنا، طول ما أنا جنبك."
لم تترك له فرصة للرد، ولا هي وجدت في نفسها ذرة رغبة واحدة في المقاومة؛ فقد كانت تايهة تماماً في طوفان من المشاعر الجديدة والجرأة الساحرة التي تحيط بها من كل جانب، مابين خوفها من المجهول وحبها الفطري المتولد لدفء بين يديه، ناسية العالم وما فيه، ومستسلمة لعالمها الجديد.

                 الفصل التاسع من هنا
تعليقات



<>