
رواية عيون الاسد الفصل التاسع9 بقلم اميرة خالد
الماضية بكل ما حملت من مشاعر دافئة.
بحركة عفوية ولا أرادية، امتدت يدها لتلامس وجهه برقة. فتح عينيه بابتسامة دافئة وقال بصوت هادئ يحمل كل معاني العشق: — «صباحية مباركة يا عروسه.»
توردت وجنتاها حياءً، وهمست بصوت خافت: — «ممكن توسع عشان عايزه أقيم؟»
قربها أكثر إليه وهو يهمس بمشاكسة: — «تروحي فين؟ مكانك هنا، جوه حضني.»
احمرت وجنتاها أكثر، فعلق بابتسامة ماكرة: — «أموت أنا في الفراولة دي!»
استغلت استغرابها ليفاجئها برفعه بين ذراعيه. صرخت بخفة حين أفلتت الملاية من عليها، فضج المكان بضحكاته العالية: — «بس يا مجنونه!»
غمضت عينها تغطي وجهها من شدة الخجل: — «خليني أنزل لو سمحت..» — «مستحيل،» قالها وهو يدخل بها إلى الحمام ويزيد من قربهم.
في منزل سعيد، الذي اختفى منذ الأمس بعد أن أخذ أموال الفلوس من يعقوب، كانت "عفاف" تقف مع ابنتها. — «قومي يا انجي عشان نفطر، ونروح لاختك نصبح عليها،» قالت عفاف بحماس. — «بلاش يا ماما دلوقتي، خلينا نكلم عين الأول نطمن عليها،» أجابت انجي بتردد، ثم أضافت بحيرة: «وثانيا، هتصبحي عليها بإيه؟ هو معاكي فلوس لعمل فطار الصباحيه؟» — «عمك الله يكرمه.. امبارح اداني الفلوس،» ردت عفاف بطمأنينة. — «أموت وأعرف أبويا أخد الفلوس وراح فين!» هتفت انجي بتساؤل وقلق. — «ما لهوش لزوم يا بنتي،» حسمت عفاف الحديث.
أما في الشركة، كانت "ليالي" تنتظر يعقوب بلهفة وقلق. عندما رأت "جاسر" يدخل مكتبه، توقفت بسرعة وسألته بلهفة: — «يعقوب.. مش جاي النهارده؟» أجابها جاسر ببرود تام: — «لا، أجازة. في حاجة يا آنسة ليالي؟» — «هو.. هو تعبان؟» سألت بقلق. لم يرد عليها ودخل مكتبه متجاهلاً إياها تماما
في الفيلا، كان يعقوب يجلس على مائدة الفطور وقد ألسنته السعادة، محتضناً عين على رجليه وهو يطعمها بيده بينما هي تكاد لا تصدق أنها تعيش هذا النعيم بين أحضان حبيبها. — «جهزي نفسك، هنسافر مع بعض،» قال يعقوب بحنان. — «بلاش نسافر، خلينا هنا أحسن،» أجابت عين برغبة في البقاء. — «اللي إنتِ عايزاه.. خلاص، هخلي جاسر يسافر مكاني يخلص الشغل.» هزت عين رأسها بالموافقة، وبدت كأنها ترد قول شيء لكن ترددها ظهر على محياها. — «ممكن بقى أعرف عايزة تقولي إيه وخايفة تقوليه لي؟» سأل بذكاء.
نظرت إليه بصدمة، فضحك بقوة: — «ده سر المهنة! ها، إيه هو؟» — «ينفع أنزل التدريب؟» سألت بخجل. — «موافق.. بس بشرط، تشتغلي معايا في المكتب.»
تذكرت زميلتها، فهزت رأسها رافضة: — «لا.. أنا عايزة أبقى مع فادي زي ما كنت.» قرصها من وسطها بغيرة لطيفة: — «أنا ما بحبش قربك من فادي.» — «بس هو أخويا، وبحس بالأمان وهو جنبي،» دافعت عن نفسها ببراءة.
اقترب منها أكثر، وبصوت هامس ذاب فيه كل غرام: — «أنا أمانك.. مش حد تاني.»
توترت من قربهم الشديد، فاستغل الفرصة ليغرق في شفتيها بقبلة عميقة، قبل أن يحملها ويطير بها نحو الجناح العلوي.
في الشركة، كان جاسر منغمسًا في العمل حتى دخلت "هدير": — «إنت مش طلبت مني أحدد لك ميعاد مع بابا؟ ما جيتش ليه؟» رفع جاسر رأسه ببرود: — «الكلام ده مش هنا.. الكلام ده لما نكون بره الشغل، فاهمة يا هدير؟»
استغربت طريقته الجافة لأول مرة، فبدأت بخطة ماكرة تدمع عيناها: — «أنا آسفة.. شكلي كده برمي نفسي عليك.»
شعر جاسر بتأنيب ضمير حاد، فوقف بسرعة واقترب منها: — «حقك عليا يا هدير.. بس ظروف الشغل اليومين دول صعبة، وكمان يعقوب سايب الشغل كله واخد أجازة.» — «وهو واخد أجازة ليه؟ دي أول مرة يعملها!» سألت بتعجب. — «ما أعرفش.. المهم، أول ما أففاضي هحدد ميعاد تاني مع أبوكي.» — «ماشي يا جاسر،» قالتها وخرجت بينما تركته حائراً، ليتذكر فجأة "انجي" وما فعلته يوم كتب الكتاب، وترتسم على شفتيه ابتسامة خفية.
وفي المعمل، كان فادي يقف حتى اقتربت منه "يارا": — «هو عين ما جتش النهارده؟» — «لا، لسه واخدة أجازة،» أجاب فادي. — «هي انجي مش كويسة؟» — «لا كويسة، بس عين كانت تعبانة اليومين دول، فالت ترتاح النهارده كمان.» — «طيب.. إنت عايز حاجة؟» سألت وهي تستعد للخروج.
مد يده وأمسك بمعصمها برقة، فتوترت يارا: — «أنا آسف جداً.. بس عايز أتكلم معاكي شوية في موضوع.» — «إيه هو؟» — «مش دلوقتي.. في البريك، نتقابل في المكان اللي كنا بنقعد فيه.» — «حاضر،» خرجت يارا وقلبها ينبض بشدة، بينما عاد فادي لعمله وعقله مشمشول بها.
في الفيلا، كان هاتف عين يررن باسم "ماما". كلما مدت يدها لتجيب، جذبها يعقوب بحضنه أكثر. — «ما ينفعش لازم أرد على ماما، هتقلق عليا،» قالت بقلق خفيف. — «وهتقلق عليك ليه وإنت مع جوزك؟ وإحنا لسه عرسان، طبيعي مش فاضيين،» أجاب بصوت هامس يداعب أذنها.
اتلفتت حياءً وضربت كتفه بخفة، فضحك بدفء: — «عارفة، لو حد تاني عمل الحركة دي كان زمانه مدفون في مكانه!» خافت لخظة، فشدد حضنه عليها: — «ما تخافيش يا قلبي.. مستحيل أعمل فيكِ كده.» وباس رأسها بحنان.
رن الهاتف مرة أخرى، فقال يعقوب: — «ردي.. بس افتحي السبيكر.» فتحت الخط بحذر: — «عاملة إنا ضنايا؟ كويسة؟» صوت عفاف الحنون. — «أنا الحمد لله كويسة يا ماما.. إنتوا عاملين إيه، وانجي عاملة إيه؟» — «إحنا كويسين يا حبيبتي.. هو إحنا ينفع نجي نطمن عليك أنا وأختك؟» — «هو بابا مش هجي معاكم؟» سألت بقلق. — «لا يا اختي، أبوك اختفى من امبارح من ساعه ما أخد الفلوس.. بقولك ايه، إحنا هنيجي نتغدى مع بعض، أمك عاملة لك شوية أكل حكاية!» قالت انجي مقاطعةً الحديث. ضربت عفاف انجي على كتفها بحنق: — «نفسي تكتمي شويه! إيه يا حبيبتي مالك؟» — «تنوري يا ماما، هستناكم،» قالت عين بفرحة غطت على قلقها. — «طيب يا ضنايا،» وأغلقت الخط.
شعر يعقوب بالحزن الذي تسلل لعين بسبب أبيها، فاقترب منها: — «هو في إنت من ساعة المكالمة مش على بعضك؟» — «بابا أخد الفلوس كلها واختفى.. المشكلة إنه وعدني هيعمل العملية لماما،» أجابته بغصة. — «ولا تزعل نفسك.. أنا هدخلها المستشفى عندنا اللي كانت فيها أختك وتعمل العملية هناك،» قال بثقة تامة. — «بجد يا يعقوب؟» قالتها وهي تطير من الفرح. — «طبعاً يا قلبي.»
لم تتردد؛ قامت وطبعت قبلة سريعة على خده: — «شكراً جداً على اللي عملته معايا!» ضحك يعقوب بمشاكسة: — «هو إنت بتبوسي ابن أختك؟» توردت وجنتاها من الخجل، وكان ليقترب أكثر لولا أن جرس الباب رن. وقف وهو يغمز لها: — «هروح أفتح.. بس الناس دي ما تمشي هوريك الشكر بيبقى عامل ازاي
فتح يعقوب الباب ليفاجأ بعفاف وانجي تطلان بالزغاريد وبيديهما صينيه الصباحية. — «من قدك يا عريس! حماتك عاملة لك أحلى صباحية،» قالت انجي بضحك. — «ماشي يا لمضة.. يعني أنا هاكلها لوحدي؟ ما إنتِ هتاكليها معايا إنتِ وأختك وماما كمان،» رد يعقوب بترحيب واسع. — «سيبك منه يا ابني وتعالى اقعد بدل ما إنت واقف،» قالت عفاف بمودة وهي تأخذ الصينية.
في تلك اللحظة رن هاتفه، فاعتذر ودخل ليرد بالداخل.
كانت انجي تتأمل الفيلا بانبهار بالغ: — «بيتك حلو قوي يا عين!» ركضت عين نحو أمها واحتضنتها بقوة: — «وحشتيني قوي يا ماما!» — «وإنتِ أكثر يا قلب أمك.. عاملة إيه، مرتاحة؟» — «بنتك وشها منور والضحكة باين. يعني أكيد مرتاحة طول ما هي بعيدة عن سعيد،» تدخلت انجي بمزاحها المعتاد. — «حشني كلامك يا لمضة،» ضحكت عين بسعادة.
في نفس الوقت، وخلال وقت البريك في المعمل، كان فادي جالسًا أمام يارا المكسوفة: — «بصراحه كده.. أنا عايز أجي أتقدم لك.» اتسعت عيناه صدمة: — «بس إنتِ.. وعين؟» ضحك فادي بصوت دافئ: — «إنتِ فاكرة إن أنا وعين بنحب بعض؟ هو أنا صحيح بحبها جداً وأعشقها، بس مش لدرجة الجواز!» دمعت عيون يارا بصدمة وحزن خفي: — «طالما بتحبها، عايز تخطبني ليه؟» رأى الحزن في عينيها فمد يده وأمسك يدها برفق: — «يا هبله.. أنا طبيعي أحب عين وأخاف عليها، عشان هي أختي في الرضاعة! عين لما اتولدت كانت مامتها توفت، وأنا كنت لسه مولود ما بقاليش كم شهر، وأمي أخدت عين رضعتها معايا لغاية ما عمي اتجوز طنط عفاف..» ابتسمت يارا بسعادة عارمة بددت كل شكوكها: — «بجد؟» — «طبعاً.. هتحجدي لي ميعاد مع باباك إمتى بقى؟» — «في أقرب وقت،» ردت بخجل وهدوء.
في الفيلا، كانت عين جالسة مع أمها وأختها، تملؤها السعادة رغم ظل أبيها، حتى دخل جاسر بخطواته الثابتة فجأة. تصنمت انجي مكانها، بينما تحولت نظرات عفاف للاعتذار حين كادت ترمي بالشبشب على انجي لتصطدم برأس جاسر بدلاً منها بعد أن انحنيت! — «أنا آسفة يا ابني والله ما كان قصدي.. كنت عايزة أضرب الحيوانة دي!» قالت عفاف بارتباك. — «حصل خير يا أمي،» أجاب جاسر بابتسامة خفيفة. — «انجي عشان تعرفي بس إن أنا منقذك.. كل مره بتنقذيني من حاجة شكل،» علقت انجي بمرح. ضحك جاسر بلطف: — «طيب يا ستي.. ممكن تبطلي لماضة وتهدي شوية؟»
خرج يعقوب من الداخل وهو يبتسم: — «إنتوا كلكم على انجي ولا إيه؟ ما حدش يجي جنب حبيبتي دي!» — «حبيبي يا ابو نسب.. يا اللي ساندني في وسط العالم ده!» هتفت انجي بسعادة.
شعر جاسر بغيرة خفية تحركت في داخله، بينما أقترب يعقوب من الجميع: — «حماتك بتحبك.. يلا بينا نتغدى.» — «ثواني والأكل هيكون جاهز على السفره،» قالت عفاف بحماس. سحبت عين أختها معها: — «خليكِ إنتِ يا ماما.. يلا يا انجي معايا.»
كانت انجي سرحانة في جاسر، فضربتها عين في كتفها بمشاكسة: — «أه بالراحة يا زفتة!» — «طب يلا يا شاطرة،» ضحكت عين وهي تشدها من أذنيها نحو المطبخ، بينما وقف يعقوب وجاسر يتابعان صخبهما الجميل بضحكات صادقة تملأ المكان دفئاً وأماناً.