رواية خيوط لاتري الفصل التاسع9بقلم فاطمة مالكي


رواية خيوط لاتري الفصل التاسع9بقلم فاطمة مالكي

فخ من حرير
في الصباح الباكر، وقبل أن تدب الحياة في أروقة مجموعة "الحكيم" الاستثمارية، كان مكتب ياسين في الطابق العلوي أشبه بغرفة عمليات صامتة ومعزولة عن العالم الخارجي. النوافذ الزجاجية البانورامية كانت تطل على مدينة القاهرة الصاخبة التي بدأت تستيقظ للتو، لكن في الداخل، لم يكن هناك سوى صوت أنفاس ياسين المنتظمة الحادة، وصوت نقر خفيف على لوحة المفاتيح.
كان يجلس خلف مكتبه الخشبي الضخم، وعيناه مسمرتان على شاشة حاسوبه المحمول المشفرة. الشاشة كانت مقسمة إلى أربع مربعات، تعرض بثاً حياً بجودة عالية (HD) تنقل الصوت والصورة بدقة متناهية من كاميرات مراقبة سرية ومرصودة بعناية، زرعها رجاله الموثوقون في المكاتب الحيوية للشركة ليلاً.
عبر سماعات الأذن اللاسلكية الدقيقة، التقط ياسين صوت ضحكة خفيضة، مريبة، ومستفزة. كان كريم يجلس في مكتبه، يلتفت حوله بحذر كالجرذ قبل أن يجري مكالمة هاتفية عبر تطبيق مشفر. انخفض صوته ليتحول إلى نبرة لزجة مليئة بالغدر والنشوة:
"اطمن يا باشا.. كل حاجة ماشية حسب الخطة بالملي. أنا خلاص جهزت نفسي، ومظبط الكلام اللي هقوله. كمان ساعة بالظبط هدخل لياسين بيه في مكتبه أطلب إيد أخته رانيا رسمي. خطوة زي دي هتدخلنا البيت من أوسع أبوابه، وهتثبت حسن النية عشان ياسين ما يشكش فيا ولا في أي حاجة تخص الحسابات. لو وافقوا وعملنا الخطوبة.. رتبوا لي الرجالة بتوعكم بره، عاوزهم يهجموا علينا في أول خروجة أخرجها معاها بعد ما نلبس الدبل.. يضربونا ضرب خفيف، ويخطفوا رانيا. رانيا دي الورقة الرابحة الوحيدة اللي هنلوي بيها دراع ياسين الحكيم.. هنخليه يقفل التحقيق القديم ويدفن السرقات كلها، ويطرد البنت الجزائرية (حنين) ويلبسها الليلة لوحدها، أو نخليه يوقع على ورق التنازل عن حصص الأغلبية في الشركة."
تصلب جسد ياسين بالكامل وكأنه تلقى صعقة كهربائية. انقبضت قبضته فوق سطح المكتب الخشبي بقوة مرعبة جعلت مفاصل أصابعه تبيضّ، وعروق يده تبرز بشكل مخيف. الغضب الأعمى، الذي يندر أن يسيطر على رجل في مثل بروده، كاد يدفعه لينهض الآن، يقتحم مكتب كريم، ويكسر عنقه بيديه العاريتين. اللعبة القذرة لم تعد مجرد سرقة أموال أو تلاعب بحسابات الشركة.. اللعبة تخطت الخطوط الحمراء وأصبحت تهديداً مباشراً ومميتاً لعائلته.. ولحنين التي وثقت به ورمت نفسها في ساحة المعركة دون أن تدري.
أغمض ياسين عينيه، وأخذ نفساً عميقاً وبطيئاً، يستحضر كل ذرة من تدريبه القديم على ضبط النفس. الجانب القيادي والبارد فيه سرعان ما فرض سيطرته على غضبه. أرجع ظهره للخلف، وابتسم ابتسامة ذئبية مخيفة، مظلمة كليل بلا قمر، منتظراً خطوة كريم التالية.
بعد عدة ساعات، وفي تمام الثانية عشرة ظهراً، تحققت شكوك ياسين تماماً. طُرق باب المكتب بخفة، ودخل كريم بكامل أناقته، مرتدياً بدلة رمادية غالية الثمن، وواضعاً على وجهه قناع الشاب المهذب، الخجول، والمحب.
جلس كريم على المقعد الجلدي الوثير بعد إذن ياسين، وفرك يديه معاً بتلعثم مصطنع، قبل أن يتنحنح ويدخل في الموضوع. بدأ يطلب يد رانيا بشكل رسمي، مستفيضاً في شرح إعجابه بأخلاقها، جمالها، واحترامه الشديد والعميق لعائلة الحكيم، وكيف أنه يحلم بأن يكون جزءاً من هذا الكيان العظيم.
طوال الحديث، حافظ ياسين على جموده التام. لم يرف له جفن، ولم تظهر على ملامحه أو في لغة جسده أي قراءة لما يدور في عقله الذي كان يغلي. بل هز رأسه برزانة وهدوء عملي قاتل، وقام بترتيب بعض الأوراق أمامه ببطء شديد، ثم رفع عينيه الصقريتين ونظر مباشرة في عيني كريم، قائلاً بنبرة مستقرة لا تحمل أي انفعال:
— دي خطوة رئيسية ومهمة يا كريم.. طبعاً إنت عارف إن رانيا مش مجرد أختي الصغيرة، دي بنتي اللي ربيتها. ورأيي الأول والأخير في موضوع زي ده هيكون ليها ولرغبتها المطلقة. أنا هقعد معاها في البيت النهارده بالليل، أشوف رأيها إيه في طلبك، وأدرس الموضوع مع والدتي، وأرد عليك.
انصرف كريم وهو يكاد يطير من الفرح، ظناً منه أن قناع الطيبة قد انطلى أخيراً على ثعلب السوق ياسين الحكيم، وأن الأمور تسير لصالحه ولصالح "الحوت الكبير" تماماً كما خُطط لها.
في مساء نفس اليوم، في فيلا عائلة الحكيم المترامية الأطراف...
استدعى ياسين أخته رانيا إلى مكتبه الخاص الملحق بجناحه. كان المكتب دافئاً، تفوح منه رائحة القهوة والتبغ الفاخر. أغلق الباب بهدوء، وأشار إليها لتجلس على الأريكة المقابلة له. نظر إليها بنظرة حانية، أبوية، خففت كثيراً من جديته المعتادة التي يهابها الجميع، وقال بصوت دافئ:
— رانيا.. كريم جالي المكتب النهارده الصبح، واتقدم بطلب إيدك رسمي للزواج. أنا طبعاً ما اديتوش أي كلمة، لأنني كنت حابب أسمع رأيك إنتِ الأول، ومن غير أي ضغط مني أو من أمي.. قوليلي بمنتهى الصراحة، حاسة بإيه؟
تغيرت ملامح رانيا البريئة في ثانية واحدة. انكمش حاجباها، وظهرت على وجهها علامات النفور، الاشمئزاز، والضيق الشديد. اعتدلت في جلستها وقالت بحسم وصوت خالٍ من أي قطرة تردد:
— أنا رافضة طبعاً يا ياسين.. أنا مش بطيقه، ولا برتاح لنظراته، ولا لطريقته خالص! إنت متعرفش ده بيعمل إيه! ده كان بيجري ورايا في كل مكان في الشركة بشكل مريب وخانق. أطلع الأسانسير ألاقيه، أنزل الكافيتريا ألاقيه بيبصلي بوقاحة، ويدخل مكتبي بحجج فارغة.. وبصراحة أنا كنت هجيلك بكره الشغل عشان أشتكيهولك وتنقله من القسم كله. أنا مستحيل أوافق على بني آدم بالإلحاح والطريقة اللزجة دي.
نظر إليها ياسين بعينين حادتين، وشعر براحة داخلية عميقة لرفضها ولفطرتها السليمة التي ميزت الخطر، لكنه قرر أن يضعها في الصورة كاملة، لأن الجهل في هذه المرحلة هو نقطة ضعف قاتلة:
— رفضك ده، ونفورك منه، أنقذنا من كارثة حقيقية يا رانيا.. كريم مش جاي يخطبك عشان بيحبك أو عشان معجب بيكِ زي ما بيمثل.
وبصوت هادئ ولكنه حازم، سرد لها ياسين كل تفاصيل المكالمة التي سجلتها كاميرات المراقبة. كشف لها عن وجه كريم الحقيقي، ومؤامرته الدنيئة لخطفها كرهينة لابتزاز العائلة وتدمير الشركة وإلصاق التهمة بحنين.
شهقت رانيا بصدمة شلت أطرافها. شحب وجهها تماماً، ووضعت يدها المرتجفة على فمها بينما تجمعت الدموع في عينيها من الرعب المطلق:
— يخطفني أنا؟! كريم يطلع منه كل الغدر والسواد ده؟ طيب إحنا هنعمل إيه يا ياسين؟ أنا خايفة.. دول عصابة، وممكن يعملوا أي حاجة في أي وقت!
جلس ياسين بجوارها، وأمسك يديها الباردتين بثبات وقوة هزت خوفها وبثت فيها الأمان:
— طول ما أنا بتنفس وعايش على وش الدنيا، ما تخافيش من حاجة أبدًا، ولا مخلوق يقدر يمس شعرة منك. بس إحنا في حرب، ولازم نلعب معاهم بنفس ذكائهم وهدوءهم عشان نكسب. رفضك ليه دلوقتي بشكل قاطع هيخليهم ييأسوا ويدوروا على خطة بديلة تانية ممكن تكون أعنف وإحنا مش عاوزين ده. إنتِ مش هترفضيه.
نظرت له رانيا بذهول:
— إنت عاوزني أوافق؟
ابتسم ياسين بمهارة المخطط الاستراتيجي:
— إحنا هنمثل إنك وافقتي. هتبلغيه عن طريقي إنك موافقة مبدئياً، وهنخليه يمشي في إجراءات الخطوبة عشان نكسب وقت، ونخليه يحس بالأمان والانتصار. وفي الوقت ده، أنا هكون لميت باقي خيوط الشبكة، وهقفل الفخ على "الحوت الكبير" اللي بيحركه من ورا الستار.
يومان من الترقب والبحث المضني...
مرّ يومان ثقيلان كالجبال. لم ينم فيهما ياسين أو مازن إلا ساعات قليلة متقطعة. كانا معتكفين في مكتب ياسين السري داخل الفيلا، محاطين بأكواب القهوة الفارغة وعلب البيتزا، يغوصان في بحر معقد من الأكواد، الحسابات البنكية الدولية، وملفات شركة "الأفق" الوهمية.
في منتصف الليلة الثانية، وفي تمام الثالثة فجراً، صرخ مازن فجأة كمن وجد كنزاً، وهو يفرك عينيه المحمرتين من الإرهاق:
— ياسين! سونو! لقيتها.. تعالَ بسرعة!
انتفض ياسين من مكانه واقترب من شاشة حاسوب مازن العملاقة. أشار مازن بقلمه إلى خريطة رقمية وسلسلة من التحويلات المالية المشفرة التي تظهر على الشاشة السوداء:
— شوف هنا.. شركة (الأفق) الوهمية اللي نادين وكريم والمحامي مدحت كانوا عاوزين يلبسوها لحنين، بتحول أرباحها المسروقة كل شهر لحساب "أوفشور" سري في جزر الكايمان. أنا فضلت ورا مسار الفلوس خطوة خطوة، وقدرت أعمل اختراق عكسي وأتتبع الـ (IP Address) بتاع الجهاز اللي بيفتح الحساب ده وبيسحب منه الفلوس!
ضاق بؤبؤ عين ياسين، واقترب بوجهه من الشاشة:
— الـ (IP) ده بيقرا منين يا مازن؟ حدد الموقع الجغرافي.
رد مازن بنبرة تحمل صدمة حقيقية، وهو ينظر لياسين بذهول:
— بيقرا من جوا شركتنا! وتحديداً من راوتر الإنترنت الخاص بقاعة اجتماعات مجلس الإدارة بتاعتنا إحنا! يعني إيه؟ يعني الشخص اللي بيدير شبكة الاختلاس دي، مش بس قاعد معانا في الشركة، ده واحد من أعضاء مجلس الإدارة الأساسيين! بيفتح حسابه السري، وبيحول ملايين، وهو قاعد بيبتسم في وشنا على نفس الترابيزة وبنشرب معاه قهوة!
ضرب ياسين سطح المكتب بقبضته ببطء شديد وإيقاع مخيف، وابتسامة خطيرة ترتسم على شفتيه:
— تمام.. كده الرؤية وضحت تماماً. إحنا مش هنقدر نحدد هو مين بالظبط من خلال الـ (IP) بس، لأنهم كلهم بيستخدموا نفس الشبكة ونفس الأجهزة في القاعة. لازم أشوف رد فعلهم بعيني. الخاين دايماً بيفضح نفسه في لحظة التوتر. لازم أجمعهم كلهم في مكان واحد، وأرمي لهم طُعم مسموم يخلي "الحوت" ده يفقد أعصابه ويكشف نفسه.
نظر مازن إليه بفضول وحيرة:
— وهتجمع مجلس الإدارة كله إزاي بره الشركة في وقت واحد من غير ما يشكوا إن في تحقيق شغال؟
اتسعت ابتسامة ياسين وقال ببرود قاتل:
— مش كريم مستعجل وعاوز يخطب رانيا؟ إحنا هنعمله حفلة خطوبة أسطورية تليق باسم عيلة الحكيم. هعزم فيها كل أعضاء مجلس الإدارة، وكبار المستثمرين، وطبعاً نادين. الحفلة دي هتكون المسرح اللي هكشف بيه الخاين وهعلق له المشنقة قدام الكل.
في صباح اليوم التالي، نفذ ياسين خطته الأمنية الأولى لحماية نساء بيته. جمع النساء الأربعة في الصالون الكبير: والدته السيدة أمينة، أخته رانيا، حنين، وأختها حنان.
أخرج ياسين أربع علب قطيفة سوداء فاخرة، ووضعها على الطاولة. فتحها لتظهر بداخلها سلاسل ذهبية ناعمة وأنيقة للغاية، لكنها تخفي في حلقاتها الخلفية أجهزة تتبع (GPS) بالغة الصغر وميكروفونات طوارئ، متصلة بالأقمار الصناعية ومبرمجة على هاتفيه هو ومازن.
قال ياسين بنبرة جادة وصارمة مغلفة باهتمام غير مباشر:
— بمناسبة الأجواء العائلية ووصول الآنسة حنان لمصر.. وبسبب التحديثات الأمنية الجديدة اللي بنطبقه لتأمين المديرين والضيوف في مجموعة الحكيم، دي هدايا تأمينية وتقنية مخصصة ليكم. السلاسل دي مش مجرد مجوهرات، دي فيها شريحة أمان ذكية مرتبطة بنظام الطوارئ في الشركة لحماية كل اللي يخص عائلة الحكيم أو ضيوفهم. أتمنى تلبسوها وماتقلعوهاش تماماً تحت أي ظرف.
نظرت حنان للسلسلة بفضول كبير ورفعتها بيدها، ثم نظرت لياسين بذكائها الفطري المعتاد وغمزت بعينها قائلة بلكنتها الجزائرية المميزة:
— والله السلسلة شابة بزاف (جميلة جداً) يا أستاذ ياسين.. بصح (لكن) النظام الأمني تاعكم متطور لدرجة نلبسوا ذهب؟ هادي عفسة جديدة (حركة جديدة) أول مرة نسمع بيها في الشركات! يعطيك الصحة على كل حال.
ابتسمت السيدة أمينة وقالت:
— تسلم يا حبيبي، ربنا يخليك لينا دايماً حامينا.
أما حنين، فكانت تتأمل السلسلة بهدوء. لم تكن ساذجة لدرجة تصديق أن شركة توزع ذهباً كإجراء أمني روتيني. رفعت عينيها السوداوين لتلتقي بعيني ياسين مباشرة. لثوانٍ معدودة، دار حوار صامت بينهما. أحست حنين بذكائها الأنثوي أن وراء هذا التحكم والأوامر الصارمة خوفاً حقيقياً دافقاً ورغبة عارمة في حمايتها، فقالت بصوت ناعم وخفيض:
— يعطيك الصحة يا أستاذ ياسين.. شكراً بزاف على هاد الاهتمام الكبير.
في ظهر نفس اليوم، اتصل ياسين بكريم، الذي كان يغلي من الانتظار على أحر من الجمر.
— أهلاً يا كريم. رانيا فكرت.. ومبروك، هي موافقة.
كاد كريم أن يصرخ من الفرحة، وقال بطمع مكشوف ولهفة:
— بجد يا ياسين بيه؟ أنا مش مصدق نفسي! أنا أسعد إنسان في الدنيا.. طيب إيه رأيك أعدي عليكم بكره ونخرج أنا ورانيا نتعشى بره على النيل لوحدنا ونقرا الفاتحة عشان نتعرف أكتر؟
رد ياسين بنبرة قاطعة كالمنشار، لا تقبل النقاش:
— خروجة إيه يا كريم؟ عائلة الحكيم مابتخرجش بناتها بالسرعة دي ولا بالأسلوب ده. إحنا هنعمل حفلة خطوبة رسمية وكبيرة في قاعة فندق (الفور سيزونز) بعد بكره. هتجيب أهلك، وأنا هعزم كل أعضاء مجلس الإدارة وكبار الموظفين. لازم الكل يشهد على النسب ده. والخروج وتلبيس الدبل وكل ده هيبقى بعد الخطوبة الرسمية.
تجمد كريم للحظة. الخطة كانت تتطلب خروجة هادئة يسهل فيها تنفيذ الكمين والخطف، لكن حفلة ضخمة محاطة برجال الأعمال والأمن؟ هذا سيؤجل خطته، لكنه لم يستطع الرفض أمام إصرار ياسين.
— ط.. طبعاً يا ياسين بيه.. اللي تشوفه حضرتك هو اللي هيمشي.
أغلق ياسين الخط، والتفت إلى مازن الذي كان يراقب المشهد:
— الطعم بلعه يا مازن.. جهز رجالة الحراسات الخاصة، وعرّفهم إن حفلة بعد بكره مش هتكون مجرد خطوبة، دي هتكون ساحة حرب باردة.
يوم حفل الخطوبة...
تحولت فيلا الحكيم منذ الصباح الباكر إلى خلية نحل. كانت السيدة أمينة تشرف على الترتيبات الأخيرة، بينما كانت رانيا في غرفتها تتجهز وقلبها ينقبض من فكرة ارتداء خاتم شخص تمقته، لولا تطمينات ياسين المستمرة لها بأن كل شيء تحت السيطرة وأن الحفل مجرد مسرحية.
في الغرفة المجاورة، كانت حنان تساعد حنين في ارتداء فستانها وتصفيف شعرها. اختارت حنين فستاناً بلون أزرق ليلي عميق، محتشماً وراقياً، ينسدل بنعومة ليبرز جمالها الهادئ والغامض، بينما ارتدت حنان فستاناً باللون العنابي الزاهي الذي يعكس شخصيتها المرحة.
وقفت حنان خلف أختها أمام المرآة وهي تعدل لها طيات حجابها المتناسق مع الفستان، وقالت بابتسامة خبيثة وفخر:
— واش هاد الزين يا حنين؟ تبارك الله عليك.. اليوم راح تبهري كامل الناس في الحفلة.. ونظن كاين واحد مخصوص راح ينسى الخطوبة وينسى أخته ويركز معاك إنتِ برك.
توردت وجنتا حنين بشدة، وحاولت التهرب من نظرات أختها في المرآة:
— حنان! اسكتي يرحم باباكِ.. واش من واحد؟ أنا جاية كضيفة وموظفة في الشركة برك، احترمي نفسك.
ضحكت حنان بصوت عالٍ وهي تضع لمسات العطر الأخيرة لأختها:
— ضيفة وموظفة؟ صح صح.. كذبي على روحك يا ختي، بصح أنا شفت كيفاش يخزر فيك (ينظر إليك).. الراجل راهو غارق لشوشتو! النظرة تاعه ليكِ فيها ألف حكاية.
تنهدت حنين وهي تلمس السلسلة الذهبية حول عنقها. كانت تشعر بانقباض غريب في صدرها. نظرات ياسين المليئة بالتحذير في الأيام الماضية، السلاسل الأمنية، والسرعة الغريبة في إتمام هذه الخطوبة المزعومة.. كل شيء كان يوحي بأنهم يقفون على حافة بركان يوشك أن ينفجر.
في قاعة فندق (الفور سيزونز) الفخمة، كانت الأضواء ساطعة، الثريات الكريستالية تتلألأ، والموسيقى الكلاسيكية الهادئة تملأ المكان.
وقف ياسين بكامل هيبته عند مدخل القاعة، مرتدياً حلة سوداء رسمية من تصميم إيطالي تزيد من ملامحه الصارمة جاذبية وغموضاً. كان يستقبل الضيوف بابتسامة دبلوماسية باردة ومدروسة، بينما كانت عيناه تمسحان القاعة كصقر جائع يحدد فريسته.
وصل أعضاء مجلس الإدارة تباعاً. "رأفت"؛ الثعلب العجوز الماكر الذي يملك 20% من أسهم الشركة، دخل مبتسماً بخبث. تلاه "شريف"؛ المحاسب القانوني الداهية الذي لا تفارقه حقيبته. ثم دخلت "نادين" بفستانها الأحمر الصارخ ونظراتها المتفحصة التي تبحث عن أي ثغرة.
وقف مازن بجوار ياسين، مرتدياً سماعة أذن صغيرة، وهمس له دون أن يحرك شفتيه:
— كلهم وصلوا يا سونو.. المسرح جاهز، والرجالة متوزعين على كل المخارج.
في تلك اللحظة، دخلت عائلة الحكيم. توقفت أنفاس ياسين لثانية واحدة، وتجمدت عضلات وجهه حين وقعت عيناه على حنين. كانت تبدو كأميرة من زمن آخر، هدوءها يطغى على صخب القاعة. الفستان الأزرق الليلي أضاف لبشرتها إشراقة ساحرة. التقت عيناه بعينيها وسط الزحام، ولأول مرة منذ بداية الكارثة، ارتخت ملامحه قليلاً ونبض قلبه بإيقاع مختلف، قبل أن يستعيد بروده ويتقدم لاستقبالهم.
بدأت مراسم الخطوبة المزيفة. كان كريم يجلس بجوار رانيا المتوترة جداً، يبتسم للكاميرات بتصنع، ويظن بغباء أنه حقق انتصاره الأكبر وأنه أصبح قريباً من هدفه.
حان وقت تنفيذ الضربة. اقترب ياسين من الطاولة الرئيسية المستديرة التي يجلس عليها أعضاء مجلس الإدارة ونادين. أمسك بكأس من العصير البارد، وابتسم لهم ابتسامة جعلت الهواء يثقل من حولهم.
— منورين يا جماعة.. الحفلة دي مش بس عشان رانيا وكريم، دي كمان عشان نحتفل بنجاحات الشركة، واللي جايبالنا مفاجآت كبيرة ومهمة جداً الأيام الجاية.
نظر رأفت إليه بفضول ممزوج بالحذر، وعدل نظارته:
— مفاجآت إيه يا ياسين بيه؟ خير إن شاء الله؟
شرب ياسين رشفة صغيرة من كأسه، وركز نظره الثاقب على عيون جميع الجالسين فرداً فرداً، ثم ألقى بقنبلته بهدوء تام ونبرة واثقة:
— خير طبعاً. أنا قررت أفتح ملفات الحسابات القديمة من سبع سنين للمراجعة، وخصوصاً ملف شركة (مؤسسة الأفق). اكتشفت إن ليهم حسابات "أوفشور" في جزر الكايمان لسه شغالة لحد النهارده وبتسحب أرباح. وقررت أعمل تجميد دولي للحسابات دي بكره الصبح بالتنسيق مع مباحث الأموال العامة والإنتربول، عشان أسترد كل قرش اتسرق من مجموعة الحكيم وأحاسب اللي وراهم.
ساد صمت مميت وثقيل على الطاولة.
لم يرمش ياسين. كان يراقب كل عضلة، كل قطرة عرق، كل نظرة.
نادين ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة واهتزت يدها حتى كاد الكأس يسقط منها لتلطخ الطاولة. شريف المحاسب شحب وجهه تماماً وتوقفت أنفاسه، ونظر بسرعة نحو رأفت.
أما رأفت.. الثعلب العجوز.. فقد تشنج فكه، وظهرت لمحة من الرعب الخالص في عينيه لثانية واحدة فقط، قبل أن يحاول تدارك الموقف ورسم ابتسامة مصطنعة مهتزة وهو يقول:
— ق.. قرار حكيم يا ياسين بيه.. حق الشركة لازم يرجع.
ابتسم ياسين في داخله. لقد كشفهم. الحوت الكبير لم يكن شخصاً واحداً.. كانوا شبكة يقودها رأفت!
وقبل أن ينطق أحدهم بكلمة أخرى، انطلقت صرخة مكتومة من الجانب الآخر للقاعة. التفت ياسين بسرعة البرق، ليرى أحد النُدُل يقترب من الطاولة التي تجلس عليها حنين وحنان، وقبل أن يصل، تعثر بطريقة درامية، لينسكب صينية كاملة من أكواب العصير على فستان حنين!
وقفت حنين بسرعة وهي تشهق وتحاول مسح فستانها بالمناديل، بينما تقدم النادل يعتذر بشدة وبصوت مرتبك:
— أنا آسف جداً يا فندم.. غصب عني والله! الحمامات من الممر اليمين ده، أقدر أبعت مع حضرتك عاملة تنضيف تساعدك فوراً.
أومأت حنين بهدوء، ورغم انزعاجها، استأذنت من حنان لتتجه وحدها نحو الممر الخافت الإضاءة الذي أشار إليه النادل لتنظيف فستانها.
في تلك اللحظة الحرجة، انتبه ياسين لشيء مرعب.. النادل الذي سكب العصير لم يكن يحمل بطاقة تعريف الفندق (Name Tag) على صدره كبقية الطاقم! والتفتت عيناه ليرى نادين توجه نظراتها بدقة وشماتة نحو ذلك الممر بابتسامة خبيثة.
تجمّد الدم في عروق ياسين. اللعبة لم تكن على رانيا فقط.. لقد أدركوا أن حنين هي العقبة الوحيدة التي تملك الدليل في ملف المشتريات لتلفيق التهمة، وقرروا التخلص منها الليلة وفي وسط هذا الزحام!
اتسعت عينا ياسين بالرعب الحقيقي، ترك كأسه على الطاولة بعنف أحدث صوتاً عالياً، واندفع كالإعصار يخترق الحشود نحو الممر المظلم، صارخاً في جهاز الاتصال اللاسلكي المخفي في بدلته بصوت زلزل طبلة أذن مازن:
— مازن! اقفل كل أبواب الفندق فوراً وماتخليش نملة تخرج.. حنين في خطر!

                   الفصل العاشر من هنا
تعليقات



<>