رواية اولاد الباشا الفصل التاسع9بقلم شيماء منير


رواية اولاد الباشا الفصل التاسع9بقلم شيماء منير


 كان راكب عربيته وبيجري بيها في الشوارع وهو على آخره.. الغضب عمى عينه بعد ما امضى على ورق استلام الشغل مكانه ومكان أخوه، وسحب مفاتيحه ونزل زي الإعصار عشان يروح ورا "العنيدة" دي.

وصل الحفلة بعد وقت مش كبير.. مكان واسع وزحمة، بنات وشباب في كل حته.

أول ما دخل، قابله "مالك" اللي وقف مستغرب من وجوده:

مالك بذهول: "فارس؟ أنت إيه اللي جابك هنا؟"

فارس مردش عليه ولا حتى بصله، كان بيفرز المكان بعيونه زي الصقر، لحد ما لمحها.. واقفة في ركن من الأركان.

أول ما "بنان" شافته جاي عليها، وشها جاب ألوان، والدهشة والترقب اتقلبوا لخوف حقيقي.

فارس قرب منها وعينه على رعشة إيدها وجسمها اللي بيترجف.. من غير ولا كلمة، قلع البليزر بتاعه ولبسهولها بعنف حنين، ومسك إيدها بقوة وسحبها وراه وسط همسات ونظرات الاستغراب من الكل، وذهول أخوه اللي واقف مش فاهم حاجة.

أول ما وصل العربية، فتح الباب وزقها جوه ورزع الباب وراه برزعة هزت العربية كلها.. "بنان" غمضت عيونها برعب.

ركب وساق بأقصى سرعة وهو بيبص قدامه، وعروق إيده بارزة على الدريكسيون كأن شياطين الدنيا كلها بتتنطط قدام عينه. "بنان" كانت بتسرق نظرات ليه وهي بتموت من الخوف ومش عارفة هيعمل فيها إيه.

العربية اللي قدامه أخرته ثانية، فضل ضاغط على الكلاكس بغل لحد ما اتفتحت السكة، وطار بالعربية لدرجة إنها حست إنهم مبيمشوش على الأرض.. غمضت عيونها ودموعها نزلت من الرعب.

وصلوا تحت العمارة.. نزل ورزع بابه، ولف فتح بابها وشده من إيدها ودخلوا الأسانسير.

"بنان" كانت بتبص عليه في مراية الأسانسير وهو باصص للفراغ بجمود، كأنه رافض تمامًا يبصلها عشان ما يتهورش.

الأسانسير وقف في دورهم.. سحبها وراه وضغط على الجرس بعنف ورا بعضه.

فتحت "سمية" الباب وهي مخضوضة من الرن، واتفاجأت بـ "فارس" الواقف وشعله غضب، وبنتها اللي بتعيط وراه وساندة عليه.

فارس بصوت حاد ومكتوم من الغضب: "بنتك اهي.. اللي وديتيها الحفلة من ورايا ومن غير ما أعرف!"

سمية بتلعثم وفزع: "يا فارس يا بني اسمعني بس..."

فارس شاورلها بإيده بحدة وقاطعها: "أنا ممكن أكسر عضمها.. بس عمري ما هكون الراجل اللي يمد إيده على ست! بنتك اهي جمبك.. يارب بس تعرفي بعد كده تحافظي عليها وتحميها بس

سابهم ولف ضهره، وطلب الأسانسير ونزل علطول، ومردش على "سمية" اللي كانت بتنادي عليه وصوتها بيرن في الممر.

ركب عربيته وفضل يلف بيها في الشوارع ساعتين كاملين.. بيحاول يفرغ الطاقة السلبية والنار اللي جواه قبل ما يرجع الفيلا.

ــــــــــــــ

في غرفة مالك

كان واقف جنب الشباك، ماسك تليفونه وبيكلم "يمنى" اللي صوتها كان طالع منه الضيق والغيرة الواضحة.

مالك (بيحاول يهدي صوته ويبان طبيعي): "يا بنتي افهمي.. أنا مكنتش أعرف إن فيه حاجة بينهم أصلاً!"

يمنى (بنبرة مخنوقة وحادة): "وأديك عرفت يا مالك.. ياريت بقى تمسح الصورة والفيديو دول فورًا ومن غير نقاش."

مالك (نفخ بضيق وهو بيعدل شعره): "يمنى، اتكلمي معايا براحة شوية.. ملوش لزوم الأسلوب ده."

يمنى (صوتها اترعش بضيق حقيقي): "إذا كان أنا نفسي اضايقت واتخضيت من اللي حصل! عايزني أتكلم إزاي يعني؟"

مالك (ابتسم نص ابتسامة يحاول يلطف بيها الجو): "تؤ تؤ.. دي غيرة واضحة وصريحة بقى!"

يمنى (باعتراف صريح ونبرة حاسمة): "آه غيرة يا مالك! بنان صاحبتي وعيني وعلى راسي، بس في الآخر هي بنت.. وبنت حلوة كمان، ومن حقي أغير عليك!"

مالك (ملامحه هديت واتكلم بحنان): "خلاص يا ستي متزعليش نفسك.. أديني مسحتهم في ثواني أهو."

يمنى (باهتمام وقلق): "ماشي.. قولي بقى، هتسافر إمتى؟"

لسه مالك هيفتح بقه عشان يرد عليها.. وفجأة الباب اترزع بقوة رهيبة خبطت في الحيطة وارتدت تاني.

مالك (اتخض وعينه وسعت): "يمنى.. اقفلي دلوقتي هكلمك بعدين!"

رمى الموبايل جنبه على السرير بسرعة وهو بيبص ناحية الباب.

دخل "فارس" زي الإعصار، عيونه كانت حمرا من كتر الغضب، وشرار عينه كان كفيل يحرق الأوضة كلها. قرب من مالك بخطوات بطيئة ومرعبة، ووقف قدامه مباشرة.. لدرجة إن مالك حس بأنفاس فارس السخنة الغاضبة في وشه.

فارس (بصوت فحيح مرعب من بين سنانه، وعينه مثبتة في عين مالك بقسوة): "هو صعب عليك أوي كده.. إنك تبقى راجل وتسترجل ولو لمرة واحدة في حياتك؟!"

مالك حس بالإهانة، ملامحه اتصلبت وعروق رقبته ظهرت، بس حاول يتماسك عشان الموقف ميتطورش لخناقة بالإيد.

مالك (وهو باصص في عين أخوه بتحدي مكتوم): "أنا هعديلك الكلمة دي يا فارس.. بس عشان مقدر إنك مش في طبيعتك ومش واعي للي بتقوله."

فارس (بص له بنظرة حادة زي الموس، وسأله بنبرة خالية من أي رحمة): "تقبلها.. تقبل الحركة دي تحصل مع يمنى؟!"

السؤال نزل على مالك زي الصاعقة. ملامحه اتغيرت وغمض عينه لثانية من الصدمة، كأن الكلمة لمست نقطة ضعفه.

مالك (بسرعة ودفاع عن النفس، وهو بيحلف بصدق): "قسمًا بالله.. أنا قابلتها هناك صدفة ومكنتش أعرف أي حاجة عن الحوارات دي، ولا كنت أعرف أصلاً إنها تخصك!"

فارس بصله بنظرة فحص طويلة.. نظرة مليانة خيبة أمل واستهزاء. ارتسمت على شفايفه ابتسامة سخرية باردة وجافة هزت ثقة مالك في نفسه، ومن غير ما ينطق بحرف واحد، لف ضهره وسابه وخرج من الأوضة بكل كبرياء وغضب.

مالك وقف مكانه مشلول، رفع إيده ومسح على شعره بعنف وزفر بضيق وحرقة وهو مش ملاحق على دقات قلبه السريعة.

في غرفة فارس

دخل فارس أوضته ورزع الباب وراه. الأوضة كانت ضلمة، وصوت تليفونه اللي في جيبه مكنش مبطل رن ورا بعضه.. رنات كانت بتزود الصداع والنار اللي في دماغه.

طلع التليفون من جيبه وعينه عليه بملامح متشنجة، وبصوابع بتترعش من كتر العصبية، ضغط على زرار الباور وقفل الموبايل تمامًا.

رمى الموبايل بإهمال على الكومودينو، وسند ضهره على الباب وغمض عيونه بتعب شديد.. وأخيرًا، ساد الهدوء في الأوضة، بس عاصفة الأفكار اللي جوه عقله كانت لسه بتبدأ.

ــــــــــــــــــــــ

في بيت سمية

الهدوء في الشقة كان مرعب، مفيش فيه غير صوت أنفاس "سمية" الغاضبة وصوت شهقات "بنان" المكتومة.

"سمية" كانت بتتحرك في الصالة رايحة جاية زي المجنونة، ملامحها متوترة وعيونها بتطق شرار وهي بتبص لبنتها بقلة حيلة وغضب.

سمية (بزعيق مكتوم ونبرة كلها لوم): "عجبك كده؟! شوفتي عمايلك السودة وودتنا لفين؟! عجبك شكلنا قدام ابن خالك وهو بيرميكي في وشي كأنك عاملة مصيبة؟!

بنان كانت واقفة في مكانها، من نطقتش بولا كلمة. عيونها كانت مليانة دموع بتنزل على خدودها بغزارة، وشفايفها بتترعش من القهر والخوف. في وسط كل ده، كانت صوابعها بتضغط بقوة وعنف على "البليزر" بتاع فارس اللي لسه لابساه.. كانت بتعصر القماش في إيدها بوجع حقيقي، كأنها بتستمد منه الأمان وفي نفس الوقت حاسة بناره اللي سابهالها في خطوط القماش.

سمية نفخت بضيق، وجابت التليفون من على ودنها وبصت لشاشته بيأس قبل ما ترميه على الكنبة بزهق.

سمية (بحرقة وضيق): "أهو قفل تليفونه.. وعنده ألف حق
الكلمات نزلت على قلب بنان زي السكاكين. مكنتش قادرة تستحمل لوم والدتها فوق الوجع والرعب اللي عاشته مع فارس في العربية.
من غير ما تبص لأمها، لفت ضهرها وبخطوات سريعة ومهزوزة دخلت أوضتها وقرصت على مقبض الباب وقفلته وراها. أول ما الباب اتقفل، سندت ضهرها عليه وانهارت.. نزلت على الأرض وهي ضامة البليزر لصدرها، ودفنت وشها فيه وهي بتعيط بشهقات عالية وصوت يقطع القلب، وريحة عطر فارس القوية اللي مالية البليزر كانت بتفكرها في كل ثانية بنظرة عينه المرعبة وهي بتخترقها

ـــــــــــــــــ

بعد اسبوع
بين ممرات الجامعة الزحمة، كانت بنان واقفة في ركن هادي، ملامحها باهتة وعيونها خالية من أي لمعة فرحة. كانت ماسكة تليفونها بإيد بتترعش، وبتبص لشاشته المطفية بحسرة ورجا خايب

 يمنى واقفة قدامها، باصة لملامح صاحبتها المكسورة بصعبانية، واخدت نفس عميق وهي بتهز راسها بأسف:

يمنى (بنبرة هادية بس فيها لوم حنين، وعينها في عين بنان): بصراحة.. من حقه يضايق يا بنان.

بنان (الدموع اتجمعت في عيونها فجأة وبقت تلمع، وصوتها طلع مخنوق ومرعوب): هو أنا كنت أعرف؟! والله ما كنت أعرف إن الزفت مالك هيحط الصورة ستوري!

يمنى (حاولت تلطف الجو وتخفف عنها، فابتسمت نص ابتسامة وضغطت على كتفها بهزار خفيف): يا بنتي ده مالك وهو داخل الحمام بيكتبها على الفيس

بنان (ضحكت رغماً عنها، ضحكة مكسورة وسط دموعها اللي نزلت على خدها، ومسحتها بسرعة بصوابع بتترعش):

يمنى (ملامحها رجعت جادة تاني، وبصت لبنان بنظرة كلها تفهم وعتاب صادق): بصراحة يا بنان.. أنا نفسي اضايقت لما شفتها. على الرغم من إني واثقة فيكي وعارفة كل اللي جواكي من ناحيته، بس اضايقت من شكل الصورة والكومنتات.. تخيلي بقا هو إحساسه كان إيه لما شافها؟ فارس راجل يا بنان، وصعبة عليه أوي.

بنان (مسكت إيد يمنى بلهفة وخوف حقيقي، وعيونها الحمرا بتترجاها تصدقها): والله يا يمنى.. والله مالك ده مش في دماغي أصلاً  أنا بحب فارس، مش بشوف ولا هشوف راجل غيره في الدنيا دي كلها.

يمنى (طبطبت على إيدها بحنان ونظرة دافية): أنا عارفة ومصدقاكي طبعاً..

بنان (شفتها اترعشت ودموعها رجعت تنزل بغزارة، وصوتها بقا متقطع من كتمة العياط): وبعدين.. أنا معايا المشكلة مش كدة وبس.. المصيبة الكبيرة إني مسمعتش كلامه.. وخرجت من غير ما أقوله يا يمنى.. حسيت إني كسرته بجد لما شاف الصورة وإكتشف إني خرجت من وراه.

يمنى (اتنهدت بضيق على حال صاحبتها، وبصت لها بنظرة عملية): يعني.. المفروض بقا تصالحيه 

بنان (بصت لشاشة تليفونها بيأس وكسرة، وبصت ليمنى وعيونها غرقانة دموع): ودا إزاي بس؟! بقولك مش بيرد عليا.. تليفونه بيرن ومبيفتحش الخط، وأوقات بيقفل التليفون خالص.. حاسة إني بضيع من بين إيديه ومش قادرة أعمل حاجة.

يمنى (سكتت ثواني وهي بتبصلها بتفكير، وملامحها بدأت تسترخي كأنها بتدور على حل، وقالت بيقين وهي بتطمنها بنظرة قوية): اكيد هنفكر في فكرة.. مش هنسيب فارس يضيع مننا بالسهولة دي، اهدى بس وخليني أرتبها في دماغي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في مكتب صلاح الشاسع بالشركة، كان الجو مشحونًا بتوتر مكتوم، والهدوء اللي بيسبق العاصفة مغيم على المكان. صلاح كان واقف ورا مكتبه الفخم، عروق إيده بارزة وملامحه متبدلة تماماً من الغضب.

صلاح (بصوت جهوري هز جدران المكتب، وعينه بتطق شرار): مين اللي استلم الشغل؟!

الموظف (واقف وجسمه بيترعش، باصص في الأرض ومنزل راسه بخوف ورعب من نبرة صلاح): فـ.. فارس باشا يا فندم.

صلاح (بصدمة وعدم تصديق، ملامحه اتشنجت وهو بيقرب من الموظف): مستحيل! فارس؟! وريني ورق الاستلام ده حالاً!

الموظف وبإيد مرعشة حط الملف والورق قدامه على المكتب ورجع خطوتين لورا. صلاح سحب الورق بلهفة وغضب، وعينه فضلت تتحرك على السطور لغاية ما عينيه ثبتت على الإمضاء.. إمضاء فارس الواضحة والقوية، والمفاجأة إنه كمان مضى مكان مالك!

صلاح (ضغط على الورق في إيده لغاية ما اتكرمش، ورفع سماعة التليفون الأرضي وبيرزع صوابعه على الزراير وبصوت حاد وعاصف): تعالالي حالا!

(وقفل السكة علطول من غير ما يستنى يسمع الرد)

صلاح (بص للموظف بنظرة حادة وطاردة): روح على شغلك أنت.

الموظف خرج وهو بياخد نفسه بصعوبة، وفي نفس اللحظة الباب انفتح ودخل فارس بخطواته الثابتة والرزينة، ملامحه كانت هادية بس عيونه فيها حذر.

فارس (بهدوء ووقار): حضرتك طلبتني يا باشا؟

صلاح (بصله بنظرة نارية خالية من أي رحمة، ورفع الورق في وشه): أنت اللي استلمت الطلبيات دي بنفسك؟

فارس (بثبات): أيوه.

صلاح (بصوت يملأه السخرية والغضب): وإزاي بقا جردتها قبل ما تستلمها كويس؟ ها؟

فارس (بمحاولة للحفاظ على هدوئه): يعني دي أول مرة نتعامل معاهم يا فندم؟ إحنا شغالين معاهم من زمان والـ...

صلاح (قاطعه بغضب أعمى وصوت عالي): ماليش فيه! أنا بسألك سؤال محدد ترد عليا.. فرزت الشغل كله؟

فارس (بلع ريقه وصوته نبرته اتغيرت سنة): أنا جردتها.. بس مش كلها.

صلاح (بشك وضيق): وليه؟!

فارس (بيحاول يداري توتره): هو الشغل ناقصه حاجة؟

صلاح (بصوت فحيح من بين سنانه، وعيونه بتخترق فارس): ليه مفرزتش الشغل كويس قبل ما نمضي ونستلم يا فارس باشا؟!

في اللحظة دي، شريط الأحداث رجع لورا في دماغ فارس.. افتكر لما كان واقف في المخزن وعينه على تليفونه، كان مستعجل، عقله وقلبه وتفكيره كله كانوا مع بنان.. افتكر إزاي مسك القلم ومضى بسرعة البرق من غير ما يكمل فرز، بس عشان يلحق يخلص ويجري يوصل لها..

فارس (بلع ريقه بصعوبة، وبص لصلاح اللي كان مستني الإجابة بعيون صقر، وقال بنبرة هادية بس مهزوزة من جوا): كان ورايا مشوار.. واستلمت على طول.

صلاح بصله لثواني، وفجأة ارتسمت على وشه ابتسامة سخرية باردة، ربع إيده لورا وسند على مكتبه، وبصله بنظرة استهزاء وتهكم.

صلاح (بنبرة تقطر تريقة): وايه بقى المشوار اللي أهم من شغلنا ومصالحنا يا فارس باشا؟ المشوار اللي يخليك تضحي بفرز بضاعة بملايين؟

فارس فضل واقف مكانه، ملامحه اتصلبت وبصله بصمت تام.. عينيه كانت بتهرب من نظرات صلاح الموجهة ليه زي السهام، ومكنش عارف ينطق ولا يقول إيه. هيقوله إيه؟ كنت بجري ورا بنان؟!

صلاح (انفجر بغضب عارم وصوته رج المكتب تاني): زيارة لسمية وبنتها! خروجة مع بنتها واحتفال بأعياد ميلاد؟! ده اللي بقا أهم من شغلنا ومصالحنا وخسارتنا؟!

فارس ملامحه متهزتش ولا اتفاجأ.. هو عارف كويس إن حركات خط السير بتاعه متراقبة من رجال صلاح، وعارف إن مفيش خطوة بيخطيها برا الشركة إلا وصلاح عنده علم بيها.

صلاح (كمل وهو بيشاور بالورق بغضب وهستيرية): البضاعة اللي سيادتك استلمتها ومضيت عليها دي ناقصة! ومش مظبوطة بالمرة.. وفيها حاجات موظفين الجرد لما نزلو يفرزوها وراك اكتشفوا إن مدة صلاحيتها منتهية! إكسباير يا باشا! يلا بقى.. وريني شطارتك وحل المصيبة دي، ووريني هتعمل إيه!

فارس من غير ما ينطق ولا حرف، وبملامح وش خالية تماماً من أي تعبير بس جواه بركان بيغلي، لف وضهره ومشي بخطوات سريعة وخرج من المكتب.

دخل مكتبه وقفل الباب وراه.. ولأول مرة في حياته يحس بالإحساس ده.. إحساس العجز والتقصير. فارس اللي طول عمره شغله رقم واحد، اللي بيعشق إتقان كل تفصيلة، وعارف إن الغلطة في مجاله مش خسارة أرقام بسيطة، دي خسارة اسم وسمعة وملايين.. حط إيده في جيبه بضيق ملوش آخر، وطلع علبة السجاير، سحب منها سيجارة وولعها.

وقف قدام الشباك الكبير، وبدأ يشد منها أنفاس طويلة ومكتومة، ويخرج الدخان ببطء وضيق وهو بيفتكر نظرات صلاح وكلامه اللي نزل عليه زي السكاكين. مسح بإيده على شعره بتعب وإحباط.. حاسس بشتات وتوهان، ومش عارف يبدأ يصلح المصيبة دي منين.

ثواني واخد قرار حاسم.. رمى السيجارة وطفاها، ووقف بكل حزم، لم مفاتيحه وموبايله من على المكتب، وقرر ينزل بنفسه المخازن ويجرد البضاعة قطعة قطعة من البداية.

في المخازن الهابطة والجو المكتوم بريحة الكرتون والبضائع، فضل فارس واقف على رجله.. عمال يراجع الورق، يطابق الأرقام، ويشرف على العمال والموظفين اللي كانوا شغالين تحت توجيهاته الصارمة. الوقت كان بيمر وهو مش حاسس بيه، مجهود بدني وذهني رهيب بذله عشان يعوض الغلطة اللي عملها بسبب تشتيت قلبه.

بعد ساعات طويلة، حس بجسمه كله بيترعش من التعب وعضلاته مش قادرة تشيله، رفع إيده وبص في ساعته اليدوية.. كانت الصدمة ملامسة لوشه وهو بيشوف العقارب بتشير لـ 11 مساءً!

فارس (بهمس وصدمة وخفوت): هو أنا هنا من ١ الظهر؟!

وقف مكانه واخد نفس طويل وطلعه بتعب، وبص للموظفين والعمال اللي ملامح الإرهاق كانت مغطية وشوشهم هما كمان.

فارس (بصوت هادي ومرهق): كفاية كدا النهاردة.. هنكمل بكره إن شاء الله.

سابهم وخرج بخطوات تقيلة وجسم منهك تماماً، ركب عربيته وساق وهو شبه مش واعي للطريق، تليفونه اللي على الكرسي جنبه مكنش بيهدا.. شاشته عمالة تنور وتطفي، مكالمات ورسايل بتجري ورا بعضها من غير فاصل.. بس هو مكنش عنده ذرة طاقة حتى يمد إيده ويبص مين بيتصل. كان واصل لمرحلة من الإرهاق الفكري والجسدي تخليه يفصل عن العالم كله.

وصل الفيلا، دخل أوضته بخطوات شبه غايبة، رمى تليفونه ومفاتيحه على الكومودينو، وبكل تعبه رمى جسمه على السرير بهدومه زي ما هي.. وبمجرد ما راسه لمست المخدة، غاب عن الوعي ومحسش بأي حاجة تانية حواليه.

---------_

في غرفتها شبه المظلمة، كانت بتتحرك زي الطيف الحزين.. قعدت على السرير وعيونها متثبتة على شاشة التليفون اللي نايم في حضن كفها ببرود، مبيفصلهاش عن العالم غير شاشة سودة مطفية.. كانت بتتمنى من كل قلبي، وبتدعي بدموع تلمع في ضلمة الأوضة، إن الشاشة دي تنور فجأة، ويظهر عليها اسمه.. الاسم اللي بيخلي دقات قلبها تنتظم وتتنفس من تاني.

لما عجزت تلم شتات نفسها، وقفت بخطوات مهزوزة وراحت ناحية لوحة الرسم البيضا.. مسكت الفرشة بإيد بتترعش، وبدأت تضرب الألوان بعشوائية وعنف على اللوحة، كأنها بتصرخ بالفرشة بدل صوتها المبحوح.. كانت كل ضربة لون هي تنهيدة حارقة طالعة من جوة قلبها، ودموعها بتنزل من عيونها وتختلط بالألوان السايلة على اللوحة لتبكي هي الأخرى معاها.

في اللحظة دي، انفتح الباب ببطء، ودخلت والدتها "سمية".. بصت لبنتها بنظرة كلها حزن وكسرة على حالها، قربت منها بخطوات هادية وصوت حنين مليان قلق:

سمية (وهي بتبص لعصبيتها في الرسم وعيونها الحمرا المتورمة من العياط): أنا جهزت العشا.. قومي يلا يا حبيبتي عشان تأكلي

بنان (من غير ما تلتفت ليها، وعيونها لسه متعلقة باللوحة والفرشة بتتحرك بعشوائية): مش هاكل يا ماما.. ماليش نفس لأي حاجة.

سمية (قربت أكتر وحطت إيدها على كتف بنان اللي بيترعش، وبصت لوشها الباهت بنظرة أمومة دافية): أنتِ مأكلتيش لقمة من الصبح يا بنان.. مش هينفع اللي بتعمليه في نفسك ده، صحتك هتروح.

بنان (صوتها طلع مخنوق بالبكاء، ودموعها نزلت بغزارة وهي بتسيب الفرشة من إيدها وبتبص لأمها بعيون مكسورة وغرقانة رجاء): ماما.. أرجوكي مش هاكل.. بالله عليكي سيبيني دلوقتي لوحدي، مش قادرة اتكلم.

سمية (اتنهدت بحسرة، وبصت في عيون بنان مباشرة بنظرة فهم وتطمين): هو.. أول ما يحس إنه قادر يكلمك ويهدى.. هيرن عليكي يا حبيبتي.

بنان (انهارت تماماً، وحطت إيدها على وشها وبكت بشهقات عالية تقطع القلب): لحد إمتى بقى يا ماما؟ لحد إمتى؟! أنا مش متحملة بعده ثانية واحدة.. حاسة بوجع في صدري مش قادرة أتنفس منه.. بعده بيموتني بالبطيء.

سمية مقدرتش تستحمل منظر بنتها وهي بالضعف ده، قربت منها بسرعة وخدتها في حضنها، ضمتها بقوة وطبطبت على ضهرها، وبنبرة دافية وهمس مريح:

سمية: طيب اهدي.. اهدي يا بنان يا حبيبتي، فارس بيعشقك، والي بيحب مبيعرفش يقسى للأبد.

بنان (دفنت راسها في حضن أمها، وكلماتها طالعة متقطعة وصعبة من وسط عياطها): بس بعده واجعني أوي.. واجعني فوق ما أي حد يتخيل.. أنا مش قد العقاب ده يا ماما.. يا ريته كان جه صرخ في وشي، يا ريته كان ضربني أو كسرني حتى.. بس ميبعدش البعد ده! ميتجاهلنيش كأني هوا.. الإحساس ده بيموتني!

سمية (غمضت عيونها بحزن ومسحت على شعر بنان بحنو بالغ، ورفعت راسها وبصت في عيونها مباشرة بنظرة فيها نصيحة وعتاب حنين): طيب اهدي يا حبيبتي واعرفي إن ده درس ليكي.. درس عشان بعد كدا تعرفي قيمة كلمته وتحترميها.. فارس راجل وبيخاف عليكي وبيحبك، وزعله الكبير ده على قد غلاوتك الكبيرة في قلبه.. ادعي ربنا يلين قلبه من ناحيتك، وإن شاء الله الغمة دي هتزول.

ـــــــــــــــــــــ
في مخازن الباشا

كان قاعد على مكتب خشب متهالك في زاوية من زوايا المخازن، حواليه كام موظف وعامل واقِفين بنظرات مرعوبة وتعبانة. مكنش قدامه غير ملفات، فواتير، وأطنان من البضاعة المبعثرة.

تقريباً جرد كل الطلبيات.. بإيده، قطعة قطعة، لحد ما عزل كل البضاعة البايظة والمنتهية الصلاحية. عينيه كانت حمرا من التعب بس ملامحه صلبة كأنها منحوتة من صخر؛ دي غلطته هو، هو اللي عمى قلبه وعقله ومضى من غير ما يفرز، وعشان هو راجل وبيموت ولا يتهز اسمه.. قرر يتحمل نتيجة غلطته كاملة.

بدون تردد، وبنظرة حادة وصارمة، جهز قائمة طلبيات جديدة، وطلبها من مصنع تاني محترم بعد ما ألغى التعاقد فوراً مع المصنع النصاب اللي فات. وبكل كبرياء، طلع تليفونه وسحب المبلغ بالكامل من حسابه البنكي الخاص ودفع تمن البضاعة الجديدة.. الفلوس مكنتش فارقة معاه في داهية، بس اللي واجعه ومقسم ضهره بجد هو نظرات عمه صلاح، غضبه المكتوم، ونبرة صوته اللي بتلومه ليل نهار.. فارس عارف عمه كويس، مبيسامحش في غلطة الشغل، والكسرة دي جرحت كبرياء فارس لأول مرة في حياته.

رجع الفيلا مهدود، جسمه حتت.. مش فاكر آخر مرة الأكل دخل بقه كانت إمتى، دايخ وحاسس بصداع هيفجر دماغه.

فرد جسمه على السرير بتنهيدة وجع طويلة، مغمض عينيه بقوة بيحاول يهرب من التفكير.. بس الهدوء ده مداش كتير.

سمع خبطات هادية وحنينة على الباب.. كانت والدته "نجوى". دخلت وملامحها كلها قلق وأمومة.

نجوى (بقلق وهي بتقرب من السرير وبتبص لوشه المخطوف): إيه يا حبيبي.. عامل إيه النهاردة؟

فارس (بيحاول يضغط على نفسه ويقعد، صوته طالع مبحوح ومرهق): كويس يا ماما.. الحمد لله.

نجوى (حطت إيدها على كتفه بحنان): خليك مرتاح يا حبيبي متقومش.. أنا طلبت من الشغالين يحضروا لك العشا ويطلعوهولك هنا في الأوضة.

فارس (سند راسه لورا وتنهد بتعب): لا يا ماما.. مليش نفس خالص، أنا تعبان ومحتاج أنام وبس.

نجوى (بنبرة لوم حنينة وعيون مليانة خوف عليه): لا يا حبيبي، لازم تاكل أي لقمة تسندك. أنا جيتلك امبارح بليل لقيتك نايم بهدومك وجزمتك من كتر التعب، مصعبتش عليا أصحيك.. والصبح مشيت قبل ما حد يصحى ومن غير فطار، وأكيد طول اليوم مأكلتش حاجة.. أنا عارفاك و حافظاك يا فارس.

فارس (بصوت هادي ويدوب طالع): بجد يا أمي.. مش جعان خالص.

نجوى (قربت أكتر ومسكت إيده تطمنه): مفيش حاجة اسمها مش جعان.. تعالى يلا، قوم خد لك شاور دافي كدا يفوقك ويريح جسمك، وأنا هساعدك وأرتبلك هدومك.. يلا يا بطل.

فارس بص لأمه بنظرة ممتنة.. كان فعلاً محتاج الشاور ده عشان يغسل هموم اليوم الصعب ده عن جسمه.

فارس (بابتسامة باهتة): مش للدرجة دي يا ست الكل، أنا هقوم أخد الشاور لوحدي.

نجوى (بابتسامة دافية): ماشي يا حبيبي، هخرجلك لبس مريح عقبال ما تخلص.. ويلا متتأخرش.

قام بتعب شديد، أخد الشاور، ونجوى فضلت قاعدة جنبه بحنان الأمهات.. مسبتهوش غير لما أكل بالعافية كام لقمة عشان خاطرها، وبمجرد ما ساب المعلقة، غرق في النوم كأنه كان بيهرب من الدنيا كلها.. طفت النور وخرجت وهي بتدعي له بقلب محروق.

الصبح.. صحي على صوت اهتزاز الموبيل على الكومودينو.

بص فيه بكسل وعيون نص مفتوحة.. كانت عمته "سمية" بترن. هو كان عامل الموبايل سايلنت من كتر ما كان مش طايق يسمع صوته، وسابه جنبه ورجع رمى راسه على المخدة وهو بيحس إنه فاق شوية.

فجأة، تليفونه نور برسالة جديدة. سحب التليفون وفتحها.. كان ريكورد صوتي من عمته. داس تشغيل وسمع صوتها المليان عتاب حاد:

صوت سمية: "على فكرة عيب أوي لما أرن عليك وأبعت رسايل وإنت مش معبرني ولا بترد عليا.. أنا عمتك يا فارس مش عيلة صغيرة!"

فارس اتنهد بضيق، قعد على السرير وضغط على زرار الاتصال ورن عليها علطول.

سمية (ردت بلهفة وخوف واضح في صوتها): كدا يا فارس؟ كدا تهون عليك عمتك؟

فارس (بنبرة هادية بس جافة سنة): صباح الخير يا عمتو.

سمية: صباح النور يا حبيبي.. لسه صاحي؟ أنا قلت زمانك نزلت الشغل من بدري.

فارس (وهو بيمسح على وشه بتعب): لا.. اتأخرت شوية النهاردة.

سمية (بعتاب حزين): هونت عليك يا فارس؟ هانت عليك عمتك تسيبها تاكل في نفسها ومتردش عليها؟

فارس (نبرة صوته اتغيرت وبقت مليانة عتاب ووجع مكتوم): زي ما أنا هونت عليكي بالظبط يا عمتو.. وسيبتيني أقع لوحدي.

سمية (بندم): والله يا حبيبي أنا اتصلت بيك عشان أقولك وأحذرك بس إنت اللي كنت مشغول 

فارس (ضحك ضحكة سخرية ووجع): اتصلتي بيا بعد المصيبة ما حصلت يا عمتو.. مش قبلها!

سمية (بنبرة مكسورة): حقك عليا.. متزعلش مني يا فارس

فارس (اتنهد بقوة ونبرة صوته رجعت هادية): لا يا عمتو.. حقك على دماغي من فوق.. بس بنتك والله بسببها وبسبب غبائها أنا شايف الويل في الشغل!

سمية (بشهقة وقلق): ليه؟! إيه اللي حصل يا حبيبي؟

فارس حكى لها باختصار ومرارة عن بضاعة الإكسباير وعن استعجاله وعن تهزيق صلاح ليه قدام الموظف.

سمية (بصدمة): وإنت عملت إيه في المصيبة دي؟!

فارس (بشموخ وكبرياء رافض ينكسر): حليت المشكلة طبعاً.. وجبت بضاعة جديدة من فلوسي الخاصة ودبرت أموري.. إنتِ عارفة أخوكي كويس، مش بيحب الخسارة ولا بيرحم اللي بيغلط.

سمية (بدموع حائرة): حقك عليا تاني يا حبيبي.. أنا السبب في كل ده.

فارس (وصوته بقا فيه نبرة وجع حقيقي): أنا مش زعلان على الفلوس يا عمتو، تغور الفلوس.. أنا زعلان من معاملته ليا.. إنتِ عارفة صلاح كويس، مش بينسى الغلطة بسهولة وهيفضل ماسكها ليا ذلة.

سمية (بأسف): عارفة.. عارفة يا حبيبي إنت هتقولي على صلاح!

فارس (طلع تنهيدة دافية ووجيعة من قلبه، وعيونه لمعت بمرارة الإحساس بالظلم): أنا بس اللي عندي الغلط ومقصر في نظره.. مش واخد باله خالص من ابنه "مالك" اللي بقاله أسبوع مقضيها في الساحل وسايب الشغل يضرب يقلب.. وصلاح مش واخد باله من ده، عشان في (حـمـار) شغال ليل نهار، بيجري من هنا لهنا عشان يشيل الشغل على كتافه!

سمية (بضيق وحزن على نبرة القهر اللي في صوته): متقولش على نفسك كدا يا حبيبي.. ربنا يخليك ويبعد عنك القهر، بكرة ربنا يكرمك على قد تعبك وإخلاصك ده، وبكرة تشوف صلاح نفسه هيعرف قيمتك إزاي.

فارس سحب علبة السجاير من جنبه، طلع سيجارة وولعها ببطء، أخد منها نفس عميق ونفخ الدخان وهو بيبص للفراغ بنظرة تايهة كأن الدخان بياخد معاه همومه.

فارس (وهو بينفخ الدخان وبنبرة مفيهاش أي شغف): ماشي.. تمام.. أنا هقفل بقا يا عمتو عشان ألحق ألبس وأنزل الشغل.

سمية (بلهفة ورجاء): ماشي يا حبيبي.. ما تيجي تتغدى معايا النهاردة؟ وحشتني بجد.

فارس: لا.. مش جاي.

سمية: يبقا لسه زعلان مني ومن بنان..

فارس (بنبرة باردة ولامبالية، وعينيه على الدخان المتطاير): مش فارقة يا عمتو.. مش فارقة.

سمية (بقلة حيلة): طيب يا حبيبي.. هسيبك براحتك، ووقت ما تروق وتحب تيجي، بيتي مفتوحلك في أي وقت.

فارس سكت للحظة.. الصمت غيم على المكالمة. عينيه لمعت بضعف ثواني وهو نفسه يسألها عن "بنان".. يسألها عاملة إيه؟ بتعيط زي ما هو بيتوجع؟ بس كرامته وكبريائه اللي اتجرحوا وصورة الاستوري قفلت بقه ومنعته ينطق اسمها.

فارس (بصوت جامد وناشف جرح قلبه هو الأول): سلام يا عمتو.

سمية (بابتسامة حزينة): سلام يا قلب عمتك.. في رعاية الله.

قفل السكة، ورمى التليفون جنبه، ووقف قدام الشباك يكمل سيجارته وعيونه مليانة غضب وشوق مكتومين في نفس الوقت.

ــــــــــــــــ

سمية اتنهدت بحزن وهي بتحط الموبايل جنبها على الكومودينو، وبمجرد ما لفت وشها، لقت بنان واقفة وراها مباشرة.. ملامحها مخطوفة، وعيونها مبرقة برعب ولهفة وشغف ملوش أول من آخر. كانت ماسكة إيديها في بعض بضم أمل، وصوتها طلع مرتعش وضايع:

بنان (بلهفة ونبرة شبه مكسورة): سمعتك.. سمعتك بتقولي فارس! كلمتيه صح؟ كلمتيه يا ماما؟

سمية (بصت لبنتها بنظرة شفقة وحنان وأسف): أيوه يا بنتي.. كنت بكلمه.

بنان (قربت خطوة سريعة وعينيها بتلمع بالدموع والرجاء): طيب.. طيب قالك إيه؟ سأل عليا؟ نبرة صوته كانت عاملة إزاي؟ بالله عليكي قوليلي قال إيه!

سمية (هزت راسها بأسى وبصوت هادي): مقالش حاجة تخصك يا بنان.. هو لسه زعلان من الموقف، ومجروح وجع مش سهل.. بس الوجع الأكبر إنه فعلاً مطحون في الشغل، وبسبب حوارك وخروجتك من وراه دي عملتيله مشكلة كبيرة أوي في الشغل مع عمه.

بنان (ملامحها اتغيرت للضيق والقلق، وعقدت حواجبها بخوف): مشكلة؟ مشكلة إيه اللي حصلت؟ هو ماله ومال الشغل باللي حصل بينا؟

سمية (اتنهدت تنهيدة طويلة وحكت لها باختصار ومرارة كل اللي حصل مع فارس وصلاح، وإزاي دفع تمن البضاعة من جيبه الخاص عشان يصلح الغلطة اللي عملها وهو مستعجل عشان يلحقها):

بنان كانت بتسمع وكل كلمة بتنزل على قلبها زي الكرباج.. عيونها وسعت من الصدمة، وحست بذنب رهيب بياكل في ضلوعها. حطت إيدها على بوقها وهي مش مصدقة إن غباء تصرفها وتسرعها خلاه يدفع التمن غالي كدا في كرامته وشغله وفلوسه.

بنان (بضيق ونبرة مليانة قهر وغيظ من جوة قلبها): خالو صلاح ده أصلاً قاسي.. أنا طول عمري بحس إنه قاسي ومفتري على فارس بالذات! يعني هو مش شايف ابنه مالك اللي سايب الشغل ومقضيها في الساحل بالطول والعرض ومحدش بيقوله تلت التلاتة كام؟ وجاي يتشطر على فارس اللي شايل الشغل كله على كتافه لمجرد غلطة واحدة؟!

سمية (بتحذير حاد وصارم، وبصت في عيون بنان بقوة): بس! ملناش دعوة، واياكي.. إياكي يا بنان تتكلمي بالطريقة دي قدام فارس أو تفتحي السيرة دي معاه لو كلمك انا عارفه انه مهما قال بيحب عمه

بنان سكتت ونزلت عيونها الأرض بإنكسار، بس فجأة افتكرت المكالمة، فرفعت راسها بسرعة والبريق رجع لعيونها تاني وصوتها رجع فيه النبض:

بنان (بأمل طفولي وفرحة بدأت ترسم وشها): يعني.. يعني هو كلمك وعاتبك.. تفتكري زمانه هدى شوية؟ قالك إنه جاي النهاردة يتغدى معانا؟

سمية (بصت لملامح بنتها الملهوفة بصعبانية ووجع قلب، وقالت بنبرة خافتة): لا يا حبيبتي.. مش جاي.

بنان (الفرحة انطفت في عيونها فجأة، وحست كأن حد رمى عليها مية تلج، وقالت بنبرة مكسورة وضيق شديد): ليه؟ ليه مش جاي يا ماما؟ هو لسه مش طايق يجي عشان مش عايز يشوفني؟

سمية (بطبطبة حنينة على كتفها): معرفش بقا يا بنتي.. هو قال إنه وراه شغل وتعبان

بنان لفت ضهرها ببطء، ودموعها نزلت بصمت وهي بتبص للأرض.. حاسة إن الدنيا كلها بتضيق حواليها، وإن المسافة بينها وبين فارس بقت أبعد بكتير من مجرد زعل عادي.

ـــــــ
تاني يوم في الجامعه

في ممر جانبي هادي بالجامعة، كانت بنان واقفة وضهرها ساند على الحيطة، ملامحها الباهتة وتعبها باينين بوضوح في عيونها اللي لسه فيها أثر دموع امبارح. يمنى كانت واقفة قدامها، باصة لها بنظرة فيها إصرار وحافز حقيقي لإنقاذ الموقف.

يمنى (بقوة ونبرة حاسمة وهي بتبص لـ بنان): يبقى إنتِ اللي لازم تروحيله يا بنان.

بنان (ملامحها اتشنجت بالخوف، وبصت لـ يمنى بذهول ونبرة مهزوزة): أروحله؟! أروحله إزاي يعني يا يمنى؟!

(ثم كملت باعتراض صريح وهي بتهز راسها برفض قاطع وعيونها بتوسع): مستحيل طبعاً.. مستحيل أروحله الفيلا!

يمنى (نفخت بضيق خفيف وضحكت على تفكير صاحبتها): يا بنتي ومين قالك تروحيله الفيلا بس؟ ما تروحيله الشركة!

بنان (التوتر ظهر عليها أكتر، بدأت تفرك صوابعها ببعضها وجسمها اترعش خفيف): لا.. لا يا يمنى أخاف.. بجد أخاف أروح هناك.. وبعدين أنا مروحتش قبل كدا خالص، ولا أعرف حد هناك، هدخل إزاي وأقولهم إيه؟

يمنى (قربت خطوة زيادة، مسكت إيد بنان الباردة وضغطت عليها بحنان عشان تديها أمان وشجاعة): عادي يعني يا بنان، هو العنوان ميتوهش.. الشركة معروفة ومكانها واضح. بجد يا بنان.. الموضوع يستحق إنك تروحيله 

بنان سكتت.. كلام يمنى نزل على قلبها زي المنبه اللي فوقها. بصت لها بتفكير عميق، وعيونها بدأت تتحرك بحيرة ما بين كرامتها وخوفها من المواجهة، وما بين لهفتها وشوقها لفارس اللي واجع قلبها.. حست بصراع رهيب جواها، بس فكرة إنها ممكن تخسره بجد كانت بتوجعها أكتر من أي خوف.

ــــــــــــــــــــــ

في اليوم التالي، داخل مكتب فارس الفخم والهادي بالشركة..

كان قاعد ورا مكتبه، لابس قميصه الكلاسيكي الأنيق، عينه مش مفارقة شاشة اللاب توب وصوابعه بتتحرك على الكيبورد بجدية وتركيز بيحاول يهرب بيهم من ضغط الأيام اللي فاتت.

الباب انخبط بخفة، ودخلت "هند" السكرتيرة بخطوات هادية.

فارس (من غير ما يرفع عينه عن اللاب توب، وصوته نبرته عملية جافة): في حاجة يا هند؟

هند: في واحدة اسمها "بنان" بره يا فندم، طالبة تقابل حضرتك.

فارس كأن كهربا مشيت في جسمه.. الكلمة هزت كيانه. وقف فجأة من على كرسي المكتب، ملامحه اتغيرت بذهول تام وعيونه وسعت:

فارس (بدهشة وهمس): بنان؟!

وقبل ما يستوعب، جاله صوتها الرقيق والمتردد من عند الباب الموارب وهي بتسأله بنبرة مرعشة وخايفة:

بنان: أدخل.. ولا لا؟

فارس لف راسه وبص ناحية الباب.. عينه اتعلقت بيها بنظرة طويلة مليانة اشتياق وعتاب دافي. كانت واقفة زي الملاك، لامة شعرها ديل حصان لفوق، ولابسة بلوزة باللون الأحمر الناري بكم وبنطلون أسود محدد.. شكلها كان بيخطف القلب ويهد أي زعل جوا جدران صدره.

حاول يرجع لثباته الانفعالي بسرعة، وتنحنح بوقار وجدية مصطنعة وهو بيبص لهند:

فارس: روحي أنتِ يا هند.

هند خرجت بخطوات سريعة وقفلت الباب وراها بهدوء، وسابتهم في صمت ملوش آخر.. مفيش فيه غير دقات قلوبهم وصوت أنفاسهم.

بنان قربت منه بخطوات بطيئة ووجلة، حاطة إيديها الاتنين ورا ضهرها ومخبية حاجة، ملامحها المكسورة وعيونها اللي لسه باين فيها التعب كانت بتبص في الأرض. وقفت قدامه مباشرة، ومدت إيديها اللي بتترعش وحطت بوكس أحمر شيك على المكتب.

بنان (بصوت واطي ونبرة مترددة وعيونها بتترجى نظرة منه): عامل إيه؟

فارس (رجع قعد على الكرسي تاني، وبص في شاشة اللاب توب بجمود مصطنع عشان يداري ضعفه قدامها): كويس.

بنان قعدت على الكرسي اللي قدام المكتب علطول، وسندت إيديها على ركبها، وبصت للبوكس الأحمر بنظرة خجل.. فارس لمح البوكس بطرف عينه، رفع راسه بصله لثواني في صمت، ورجع تاني يبص في اللاب توب ببرود جرح قلبها.

بنان (نبرة صوتها اتهزت بالدموع وهي بتبص لملامحه القاسية لأول مرة عليها): وحشتني على فكرة..

فارس ملامح وشه متهزتش.. فضل باصص في اللاب توب كأنه مش سامعها، مفيش أي مشاعر على وشه الخالي من التعبير.

بنان فضلت بصلة لوشه لثواني وهي مستنية منه أي رد فعل، أي نظرة عتاب حتى.. لكن ثباته البارد طعنها في مقتل. حست إنها تقيلة عليه وإنها غلطت لما جت.

وقفت فجأة بكسرة وخيبة أمل، ودموعها المحبوسة بدأت تملى عيونها وتغطي الرؤية، وقالت بصوت مخنوق ومكسور كلياً:

بنان: سوري.. لو كنت أزعجتك.

لفت ضهرها بسرعة، والدموع نزلت على خدها وهي بتجري بخطوات واسعة في اتجاه الباب عشان تهرب بكرامتها ووجعها..

في اللحظة دي، كبرياء فارس كله اتهد.. مقدرش يستحمل يشوف ضهرها وهو ماشي عنها وهي بتعيط بسببه. في ثانية واحدة، قام من مكانه بخطوات سريعة زي البرق، وقبل ما إيدها تلمس أكرة الباب، كانت إيد فارس القوية والدافية بتمسك دراعها بلطف بس بحسم وتشدها عليه.

لفت بنان وبصتله، ودموعها كانت نازلة شلالات على خدودها الحمرا. وقفها قدامه مباشرة، وبقى وشه في وشها.. المسافة بينهم انعدمت تقريباً.

بنان غمضت عيونها بقوة وهي مش قادرة تبص في عينه، وشهقات عياطها بدأت تزيد وتوجع قلبه أكتر..

فارس (بصوت دافي ومنخفض مليان حنان فاق كل زعل، ومسك وشها بين كفيه): خلاص.. متعيطيش بقا.

بنان عياطها زاد وصدرها بيعلو ويهبط من كتمة الوجع..

فارس ابتسم بحب حقيقي وهو باصص لملامحها الطفولية، وقرب وشه منها وبدأ يداعب أنفه بأنفها الصغير اللي بقا لونه أحمر دم من كثرة العياط.. حركة دافية منه خلت قلبها يرقص جوة ضلوعها.

فارس (بهمس حنين وعينيه بتلمع بالحب): خلاص بقا.. مش عايز أشوف الدموع دي في عيونك تاني.. قلبي بيوجعني.

بنان (فتحت عيونها ببطء، وبصت في عمق عينيه بنبرة طفلة خايفة من العقاب): يعني.. يعني أنت مش زعلان مني؟

فارس (تنهد بعمق وهو بيمسح دموعها بصوابعه): لا.. هو أنا كنت زعلان.. وزعلان أوي كمان.. بس أول ما شفتك كدا، نسيت أي زعل في الدنيا.

بنان (بابتسامة دافية وسط دموعها): أوعدك.. أوعدك يا فارس مش هعمل كدا تاني خالص، وهسمع كلامك في كل حاجة.

فارس (برفع حاجب وبنبرة تهديد مغلفة بابتسامة خبيثة): عشان أموتك بجد لو كررتيها!

بنان مسمعتش باقي الكلمة، اترمت في حضنه فجأة وبكل قوتها، ضمت رقبتها بإيديها ودفنت راسها في صدره بقوة كأنها بتستخبى من العالم كله جواه..

بنان (ببكاء وشوق): موتني.. موتني يا فارس بس متبعدش عني تاني.. البعد ده بيموتني أنا!

فارس اتفاجأ للحظة من جرأتها وتصرفها العفوي وسط الشركة، قلبه دق بعنف وضمها ليه لثواني بحب جارف، بس افتكر إنه في المكتب وممكن حد يدخل في أي لحظة.

خرجها من حضنه بهدوء ولطف، ووشه فيه حمرة خجل خفيفة، وتنحنح بابتسامة:

فارس: احم.. حبيبتي بعد الشر عنك.. اهدي كدا.

بنان (ابتسمت بخفة ورقة وهي بتبص لعيونه الشغوفة): بحبك أوي يا فارس..

فارس (وعيونه بتنطق عشق): وأنا بموت فيكي.. يا بنوبوناية قلبي.

بنان ابتسمت بكسوف وفرحة هزت كيانها لما سمعت الدلع المفضل ليها منه. رجعت خطوتين وقربت من المكتب ومسكت البوكس الأحمر بإيديها وقدمته له بعيون بتلمع أمل:

بنان: ممكن تقبل مني الهدية دي؟ كنت جيباها في الفلانتين بس ملحقتش أدهالك بسبب الظروف.

فارس (قرب منها وبص للبوكس بفضول وابتسامة): ممكن أفتحها طيب؟

بنان: ياريت.. عشان أعرف رأيك فيها بجد.

فارس فتح البوكس ببطء، وخرج منه علبة قطيفة سودا شيك جداً، فتحها ولقى جواها ساعة رجالي كلاسيكية سوداء ذوقها رقيق وفخم جداً تليق بمركزه وشياكته.

بنان (بتوتر وقلق وهي بتبص لرد فعله): إيه رأيك؟ عجبتك؟

فارس (بص للساعة وبصلها بابتسامة واسعة ونظرة فخر): دي أرق وأجمل ساعة جاتلي في حياتي كلها يا بنان.

بنان (عقدت حواجبها بضيق طفولي ودلال): قصدك إيه؟ مش نافعة يعني؟ مش لايقة عليك قصدك؟

فارس (ضحك من قلبه): لا خالص بالعكس.. استني كدا.

فارس خلع الساعة الفخمة اللي كان لابسها وحطها على المكتب، وأخد ساعة بنان ولبسها مكانها فوراً وبص لها بغرور محبب:

فارس: إيه رأيك بقا؟

بنان (بفرحة وعيون بتلمع): جميلة أوي عليك.. بجد تجنن!

فارس: خلاص.. مش هخلعها من إيدي نهائي.

بنان (ابتسمت برقة وبصت في ساعتها): اوكي.. أنا لازم أمشي بقا بسرعة عشان مامي متعرفش إني هنا.

فارس (باستغراب وضيق خفيف): طيب ليه؟ إنتِ جيتي مع مين؟

بنان: أنا جيت من الجامعة على هنا علطول من وراها.. كانت مش هتوافق أصلاً إني أجي الشغل عندك.

فارس (وهو بيسحب مفاتيحه من على المكتب): طيب يلا بينا عشان أوصلك بنفسي.. مش هتمشي لوحدك.

بنان: اوكي.. طيب والبوكس الأحمر ده؟ شيله معاك.

فارس (بص للبوكس بضيق مضحك): لا سيبيه بقا هنا في المكتب وهبقى آخده وأنا مروح بليل.. يابنتي أنا مدير هنا، وحوارات وموظفين وداخل وخارج.. مش هينفع أمشي في وسط الشركة ببوكس أحمر فاقع كدا!

بنان (بضيق وغيره مفاجأة ظهرت في عيونها): مدير؟ ولا عشان البنات اللي مالية الشركة يتفرجوا عليك وإنت خارج بإيدك فاضية؟

فارس (بص لها بابتسامة دهشة مذهولة من غيرتها): لا خالص والله.. عادي يعني يا مجنونة!

بنان (بتصميم ودلال وهي بتمسك البوكس وبتديهوله في إيده): اوكي خلاص.. هاته ونخرج بيه سوا.. يلا.

فارس: يا بنتي اهدى بقا.. هبقى أروحه في وقت تاني، بلاش فضايح 

بنان (بتصميم طفولي وعيون بتلمع شقاوة): لا.. هناخده معانا دلوقتي وإنت اللي هتشيله عادي جداً قدام الكل.

فارس (بيأس مضحك وهو بيهز راسه): وبعدين في الجنان ده بقا؟

بنان (بدلع): معلش يا حبيبي.. أنا مجنونة بيك، يلا هاته معاك بقا عشان خاطري.

فارس (بقلة حيلة ونظرة حب): تمام.. بس على فكرة مش اللي في دماغك خالص والله، مفيش بنات ولا غيره.

بنان: اوكي.. برضه هاته وشيله!

فارس مسك البوكس من على المكتب، وقفل غطاه بضيق مصطنع وشاله في إيده، وبص للبنات برة وبصلها بابتسامة حب مكتومة وعينيه بتقولها "ماشي يا مجنونة".

بنان ابتسمت بنصر وفرحة دمرت كل هموم الأيام اللي فاتت، وخرجوا مع بعض من المكتب والكل بيبصلهم بابتسامات وإعجاب.

                  الفصل العاشر من هنا
تعليقات



<>