رواية خادمتي الصامته الفصل الثامن8بقلم اسماعيل موسي
خرجت تقى من القصر مسرعة بعدما أخبرتها أختها أن أمها مريضة، ولم تنتظر حتى تستأذن، فقط رفعت طرف جلبابها قليلًا وركضت في الطريق الترابي المؤدي إلى البيت، كانت أنفاسها تتلاحق وصدرها يعلو ويهبط، وكلما حاولت أن تفكر فيما ستفعله شعرت أن قدميها تسرعان وحدهما
حين وصلت إلى البيت الطيني دفعت الباب ودخلت صحن الدار، كان المكان خاليًا، لا صوت فيه سوى حفيف الريح وهي تمر بين الجدران، ومن أسفل الدرج جاءها أنين خافت، فتوقفت لحظة ثم أسرعت إلى القبو
كان أخواتها جالسات على حصيرة قديمة، متلاصقات في ذلك الركن الضيق الذي لا تدخله الشمس، وكانت الغرفة لا تتسع إلا لأجسادهن الصغيرة، أربع حيطان طينية عارية وسقف منخفض وفتحة باب لا تكفي ليخرج منها الهواء الراكد
كانت الصغيرة واضعة يديها على بطنها، وأخرى تسند رأسها إلى كتف أختها وقد غلبها الصمت، أما الكبرى فكانت تمسك قطعة من الطين وتشكل منها دمية صغيرة، ثم تعطيها للصغيرة لتسكتها، وكأنها تحاول أن تخدع الجوع بلعبة لا تشبه الطعام
رفعن جميعًا عيونهن إلى تقى
لم تسألها واحدة منهن ماذا حدث، ولم تقل أخرى إنها جائعة، كن يعرفن أن أختهم الكبرى لا تملك ما يكفيهن، ومع ذلك ظللن ينظرن إليها بتلك الطريقة التي تجعل القلب أثقل من أي كلمة
التفتت تقى إلى أمها
كانت سعاد راقدة في طرف القبو فوق حصيرة بالية، جسدها نحيل ووجهها شاحب، وشعرها ملتصق بجبهتها من العرق، وكانت إحدى يديها فوق بطنها والأخرى ممدودة إلى جانبها
كلما اشتد الألم قبضت أصابعها وانكمش جسدها، ثم تتركها موجة الألم فجأة فتعود ساكنة لا تكاد تتحرك
جلست تقى بجوارها ومدت يدها إلى جبينها
كان ساخنًا
فتحت سعاد عينيها بصعوبة، وحاولت أن ترفع رأسها، لكنها لم تستطع، واكتفت بأن همست باسم ابنتها
تقى
اقتربت تقى أكثر وأمسكت يدها
كانت يد أمها باردة رغم حرارة جسدها، ضعيفة إلى درجة جعلت تقى تخشى أن تفلت من بين أصابعها
نظرت إلى وجهها طويلًا
لم تكن سعاد هكذا من قبل
حتى عندما كان المرض ينهكها كانت تستطيع أن تجلس وتتكلم وتغضب وتتشاجر، أما الآن فقد بدا جسدها كأنه استسلم ولم يعد ينتظر منه أحد شيئًا
أغمضت سعاد عينيها، ثم عاد الألم إليها، فالتوى وجهها وأصدرت أنينًا مكتومًا
وضعت تقى يدها على فمها حتى لا تصرخ
جلست إلى جوارها لا تعرف ماذا تفعل
نظرت إلى أخواتها، ثم إلى أمها، ثم إلى يديها الفارغتين
لأول مرة شعرت أن وجودها نفسه لا يكفي
هي التي كانت دائمًا تجد طريقة لإطعام إخوتها، والتي كانت تخبئ لهم اللقمة تحت جلبابها، لم تجد الآن شيئًا تستطيع أن تفعله لأمها
جلست صامتة، والدموع تنزل على وجهها واحدة وراء الأخرى
لم تبك بصوت، فقط انحنت على نفسها وأخذت تمسح دموعها بطرف جلبابها كلما نزلت، ثم تعود لتنظر إلى أمها
بقيت هكذا دقائق،حتى تذكرت والدها
نهضت فجأة ومسحت وجهها، ثم خرجت من القبو واندفعت إلى الغيطان،كانت تعرف أين تجده
أرض العمدة كانت بعيدة قليلًا عن البيت، وكان الرجال يعملون فيها منذ الصباح
وصلت تقى وهي تلهث، وظلت تبحث بين العمال حتى رأته
كان عويس ممسكًا بالفأس ويعزق الأرض مع الرجال
اقتربت منه وشدت جلبابه،التفت إليها بضيق
عايزة ايه يا وش الفقر ؟
بدأت تقى تشير بيديها إلى البيت، ثم وضعت يدها على بطنها وأشارت إلى رأسها، ثم رفعت كفيها أمامه في توسّل
فهم عويس أنها تتحدث عن أمها
مريضة يعني؟
هزت تقى رأسها بسرعة،عايزة طبيب؟، هزت رأسها مرة أخرى
وعندما ذكرت له بيديها الدواء تغير وجهه
صاح فيها أمام الرجال
طبيب إيه ودواء إيه يا بت، هو أنا ناقص دلع وشغل غيره ؟
ارتبكت تقى وحاولت أن تشرح له أن أمها لا تستطيع حتى الجلوس،لكنه قاطعها
أمك فاضية وبتحب تعمل نفسها مريضة، وأنا مش حمل مصاريف ولا نفقات، يعنى يدوبك مرضت وهتموت بعد ما العروسه الجديده وصلت من أسبوع؟
وقفت أمامه لا تعرف ماذا تقول
أشارت مرة أخرى إلى البيت ثم وضعت يدها على صدرها وأخذت تهز رأسها بعنف،لكن عويس أدار وجهه عنها وقال
روحي شوفي شغلك، وأنا لو رجعت البيت ولقيت أمك بتتدلع و، والله لأضربها بالعصا لحد ما أكسر عضمها
ثبتت تقى في مكانها، نظرت إليه لحظة طويلة
كان هذا أبوها، الرجل الذي يفترض أن يكون أول من يخاف على أمها
تراجعت خطوة، ثم استدارت،لم تعد تريد أن تسمع شيئًا
ركضت عائدة من حيث أتت، لكن الطريق هذه المرة لم يكن يقودها إلى البيت،كان يقودها إلى قصر نوح
لم تفكر طويلًا،لم يكن أمامها غيره
وصلت إلى القصر وهي تلهث، ودخلت تبحث عنه حتى وجدته، كان نوح واقفًا في الرواق،ما إن رآها حتى عقد حاجبيه
فيه إيه يا تقى ؟
وقفت أمامه عاجزة
أشارت إلى البيت، ثم إلى بطنها، ثم وضعت يدها على صدرها، وبعدها أمسكت يده بكلتا يديها،كانت الدموع تنزل من عينيها بغزارة،فهم نوح أن شيئًا خطيرًا حدث،لكن تقى لم تنتظر حتى يسألها،جلست أمامه على ركبتيها
وضمت يديها إليه في رجاء، ثم أشارت إلى نفسها وإلى البيت، وبعدها أشارت إلى أنها ستعمل عنده،كانت تريد أن تقول له إنها لا تريد شيئًا لنفسها،فقط أن ينقذ أمها،نظر إليها نوح للحظات،ثم قال بهدوء، اهدي يا تقى، أنا هروح معاكي
هزت تقى رأسها بسرعة، ثم أشارت إليه أنها ستعمل بلا أجر حتى يسدد كل ما يدفعه،نظر إليها نوح وقال
متفكريش في الفلوس دلوقتي، أمك أهم
ثم استدار ورفع صوته،يا محروس،جاء محروس مسرعًا
قال له نوح
جهز الكبرته ، وخليها قدام الباب حالًا،أسرع محروس لتنفيذ الأمر،بقيت تقى واقفة في مكانها تمسح دموعها بطرف جلبابها، ولم تكن تصدق أن هناك من وافق أخيرًا أن يذهب معها،بعد قليل كانت العربة أمام القصر
ركب نوح، وصعدت تقى إلى جواره، وانطلقت العربة ناحية البيت،ظلت تقى طوال الطريق تنظر إلى الأمام، وكانت أصابعها متشابكة فوق حجرها، لا تعرف إن كانت ستجد أمها على حالها عندما تصل، أم أن الوقت يكون قد سبقها
وعندما توقفت العربة أمام البيت قفزت تقى منها وركضت إلى القبو،دخل نوح خلفها
كانت سعاد ما تزال راقدة على الحصيرة، وحولها البنات
اقترب منها نوح وانحنى قليلًا يتأمل وجهها
ثم قال للرجال أن يحملوها بحذر
وضعت تقى يدها تحت رأس أمها، بينما حمل الرجال جسدها الضعيف وأخرجوه من القبو
وقفت البنات عند باب البيت يتابعن المشهد في صمت
كانت أعينهن معلقة بأمهن، وكل واحدة منهن تراقبها كأنها تخشى أن تفقدها بمجرد أن تبتعد عن عينيها
ساعدت تقى أمها على الصعود إلى العربة، ثم جلست بجوارها
جلس نوح في الجهة الأخرى، وانطلقت الكبرته في طريقها إلى دائرة المركز
