رواية خادمتي الصامته الفصل التاسع9بقلم اسماعيل موسي


رواية خادمتي الصامته الفصل التاسع9بقلم اسماعيل موسي

انطلقت الكاريته  في الطريق المؤدي إلى دائرة المركز، وكان الطريق الترابي ممتدًا بين الغيطان كخيط بني شقته عجلات العربات منذ سنين، تتناثر على جانبيه الحفر الصغيرة وتعلو منه سحابة خفيفة من التراب كلما ضربت حوافر الحصانين الأرض. 

جلست تقى إلى جوار أمها، وأسندت رأس سعاد إلى كتفها، وكلما اهتزت العربة من حفرة مدت ذراعها خلف ظهرها حتى لا ترتطم بالخشب
كانت سعاد مغمضة العينين، وأنفاسها متقطعة، وبين الحين والآخر تفتح عينيها قليلًا ثم تعود إلى إغماضهما، كأنها لم تعد تملك من القوة ما يكفي حتى للنظر
ظل نوح في الجهة الأخرى صامتًا، يراقب الطريق ثم يعود بعينيه إلى سعاد، ولم يسأل تقى شيئًا، فقد رأى الخوف في وجهها وعرف أن أي سؤال لن يخفف عنها شيئًا.

مروا على بيوت متفرقة، ثم أخذت البيوت تزداد كلما اقتربوا من المركز، وظهرت الدكاكين الصغيرة على جانبي الطريق، وباعة يجلسون أمام بضائعهم، ورجال يعبرون الطريق على الدواب، ونساء يحملن الجرار أو يسرن في جماعات صغيرة
كانت تقى تنظر إلى كل شيء دون أن تراه
كل ما كان يشغلها هو يد أمها الباردة بين يديها،بعد وقت طويل توقفت الكبرته أمام بيت قديم ذي باب خشبي عريض، وفوق الباب لوحة صغيرة كتب عليها اسم الطبيب
نزل نوح أولًا، ثم ساعد تقى على النزول، وأمر الرجال بحمل سعاد إلى الداخل
دخلوا إلى غرفة ضيقة ذات جدران عالية، تتوسطها منضدة خشبية فوقها قوارير زجاجية صغيرة، وبجانبها ميزان قديم وبعض الأدوات المعدنية التي لم تعرف تقى أسماءها
كانت رائحة المكان نفاذة، مزيجًا من الأعشاب المجففة والدواء والكحول، وفي ناحية الغرفة رفوف ممتلئة بعبوات زجاجية وأكياس صغيرة مربوطة بخيوط
خرج الطبيب من غرفة جانبية عندما سمع الحركة
كان رجلًا تجاوز الخمسين، نحيلًا طويل الوجه، غزا الشيب أطراف شعره وشاربه، ويرتدي جلبابًا أبيض فوقه صديري داكن، وعلى عينيه نظرة هادئة اعتادها من رأى المرض كثيرًا ولم يعد يفزعه منظره،اقترب من سعاد وأشار إلى الرجال أن يضعوها على السرير الخشبي،جلست تقى بجوار رأس أمها ولم تترك يدها،قال الطبيب،من إمتى وهي تعبانة بالشكل ده؟
نظرت تقى إلى نوح، ثم أشارت بأصابعها إلى نفسها وإلى أمها، وكأنها تحاول أن تخبره أنها لا تعرف بالضبط
فقال نوح،من مدة طويلة، بس حالتها ساءت الأيام دي
اقترب الطبيب من سعاد، ووضع يده على جبينها، ثم أمسك معصمها وظل يتحسس نبضها قليلًا
سألها عن الألم، فأجابته بصوت بالكاد يسمع
المعدة،ضغط الطبيب برفق على بطنها، فشهقت سعاد وتشبثت بيد تقى،توقفت يد الطبيب
ثم أعاد الفحص في مواضع مختلفة، وكان كلما ضغط عليها ظهر الألم في وجهها قبل أن يصدر منها أي صوت
رفع الطبيب رأسه ونظر إلى نوح
قال
هي ضعيفة جدًا،رد نوح،يعني محتاجة إيه؟
ظل الطبيب صامتًا لحظة، ثم قال
المرض مش جديد، جسمها مستنزف من زمان، والألم اللي في بطنها مش ألم عادي، اقترب نوح منه،يعني إيه يا دكتور؟
قال الطبيب، ممكن يكون قرحة شديدة في المعدة، وممكن يكون شيء آخر، سكت قليلًا،ثم أضاف،أنا محتاج أشوفها أكتر من كده
سأله نوح، تقدر تعرف مالها؟
هز الطبيب رأسه ببطء
لو كانت عندي كل الإمكانيات اللي موجودة عند أطباء المدن الكبيرة كان ممكن أقول لك أكتر، لكن هنا بنعتمد على الفحص وعلى اللي بنشوفه بعينينا، وبعض الأمراض بتتشابه أعراضها، ومش سهل نفرق بينها
قال نوح
وماذا تفعل إذن؟
تنهد الطبيب وقال
أعالج الألم وأحاول أقوي جسمها، لكن السبب نفسه محتاج معرفة أدق
سكت نوح
فنظر الطبيب إلى سعاد مرة أخرى، ثم قال بصوت أخفض
وفيه احتمال مش عاجبني،رفع نوح عينيه إليه
إيه هو؟، تردد الطبيب قليلًا قبل أن يقول
ورم في المعدة، لم تتحرك تقى
كانت تسمع الكلمات ولا تفهم معناها، لكن الطريقة التي خرجت بها من فم الطبيب جعلتها تعرف أن وراءها شيئًا مخيفًا
قال نوح
ورم؟
هز الطبيب رأسه
احتمال، مش أكتر، وأنا مش هظلم الست وأقول إن ده هو المرض من غير ما أتأكد
ثم اقترب من سعاد مرة أخرى، ورفع جفنها قليلًا، وتأمل وجهها
قال
الهزال شديد، والحرارة، والألم المستمر، كل ده محتاج متابعة، ولو قدرتوا تودوها لطبيب في مدينة أكبر يكون أفضل
سأل نوح
وتقدر تسافر؟
نظر الطبيب إلى سعاد طويلًا
السفر مش سهل عليها وهي بالحالة دي، لكن تركها من غير علاج أصعب
كانت تقى تنظر بين الرجلين، ثم إلى أمها، وعندما رأت الطبيب يبتعد عنها أمسكت يد سعاد بكلتا يديها
فتحت سعاد عينيها،نظرت إلى ابنتها،وحاولت أن تبتسم
لكن ابتسامتها لم تكتمل،انحنت تقى وقبلت يدها، ثم رفعتها إلى وجهها وأخفت دموعها فيها،ظل نوح واقفًا في مكانه لحظات، ثم قال للطبيب
اعمل اللي تقدر عليه يا دكتور
نظر الطبيب إليه
وقال
هعمل اللي في استطاعتي يا باشا، لكن لازم تبقى عارف إن حالتها مش سهلة،أخرج نوح محفظته ووضع المال أمامه
وقال،مش عايزها ترجع للعزبة من غير علاج
نظر الطبيب إلى النقود، ثم إلى سعاد، وقال
ربنا يجعل فيه الخير
وفي تلك اللحظة لم تكن تقى تعرف ما هو الورم، ولا لماذا تغير وجه أمها عندما سمعته، لكنها عرفت شيئًا واحدًا
أن أمها التي تركتها في القبو قبل ساعات وهي تتلوى من الألم لم تعد مجرد امرأة مريضة تحتاج إلى دواء، وإنما أصبحت واقفة على حافة شيء لا تعرف اسمه، ولا تعرف كيف تمنعه من أخذها منها

كتب الطبيب أسماء عدة أدوية على ورقة صغيرة، ثم طواها بعناية ووضعها في يد نوح،قال وهو يشير إلى الورقة
دي تتجاب من الصيدلية، والدواء ده تاخده مرتين في اليوم بعد الأكل، ولو قدرت تاكل ولو لقيمات بسيطة يبقى أحسن لها
ثم نظر إلى تقى وقال، وخليها ترتاح، وممنوع عليها الشغل والتعب،رفعت تقى عينيها إليه، ثم نظرت إلى أمها
تابع الطبيب
عايز أشوفها بعد كام يوم، ولو الألم زاد أو حصل لها نزيف أو إغماء، ما تستنوش للموعد، هاتوها فورًا
هز نوح رأسه
حاضر يا دكتور
خرجت تقى وهي تسند أمها، بينما حمل الرجال ما يلزمها من العربة، ثم ساعدوها على الصعود إلى الكبرته
جلس نوح في مواجهتهن، وأعطى السائق إشارة الانطلاق
عادت العربة في الطريق نفسه الذي جاءت منه، لكن الطريق بدا لتقى أطول هذه المرة
كانت تضم أمها إلى صدرها، وتراقب وجهها كلما أغمضت عينيها، ثم تتحسس جبينها بقلق، وكأنها تخشى أن تفقدها خلال لحظة غفلة،أما نوح فظل صامتًا،كان قد فعل ما يستطيع، لا أكثر
لم تكن تقى بالنسبة إليه ابنة أو قريبة، ولم يكن هو من أهلها حتى يحمل همها، هي مجرد فتاة جاءت إلى قصره خادمة، وأشفقت نفسه عليها عندما رأى حال بيتها وفقر أهلها
وما فعله اليوم لم يكن وعدًا بحياة جديدة لها، ولا تدخلًا في شؤون أسرتها، وإنما كان مساعدة لرجل وجد امرأة مريضة أمامه ولم يستطع أن يدير وجهه عنها،كانت تقى تعرف ذلك جيدًا،ولهذا لم تتجرأ طوال الطريق على طلب شيء آخر
كانت تعرف حدود مكانها،هي خادمته، وهو سيد القصر
وما بينهما لم يكن أكثر من رحمة من رجل قادر تجاه فتاة لا تملك شيئًا
ومع اقتراب العزبة بدأت البيوت تظهر من جديد، ثم ظهرت الغيطان، وبدت أشجار النخيل من بعيد، حتى ظهرت أخيرًا البيوت الطينية التي تعرفها تقى
عندما توقفت الكبرته أمام بيت أبيها، أسرعت البنات إلى باب الدار، وخرجن من صحن البيت عندما رأين أمهن
كانت أعينهن معلقة بالعربة
نزلت تقى أولًا، ثم ساعدت أمها على النزول، ودخلت بها إلى البيت، ظل نوح واقفًا عند الباب، ثم نظر إلى تقى وقال
خليكي جنب أمك النهارده،هزت تقى رأسها
وأضاف،متروحيش القصر دلوقتي، خليها ترتاح وخلي بالك من الدوا
نظرت إليه تقى طويلًا، ثم وضعت يدها على صدرها وانحنت له في صمت
فهم نوح شكرها
قال لها،ولو احتجتي حاجة، ابعتي حد يناديني
ثم استدار وعاد إلى الكبرته
وقفت تقى عند باب البيت تراقبه وهو يبتعد
لم تفكر في نفسها ولا في عملها ولا في القصر
فقط عادت إلى أمها، وجلست بجوارها، وأمسكت يدها كما فعلت طوال الطريق
وفي الخارج أخذ صوت حوافر الحصانين يبتعد شيئًا فشيئًا، حتى غاب خلف البيوت
وبقيت تقى في البيت الطيني، بين أم مريضة وأخوات جائعات، وهي لا تعرف ماذا يحمل لها اليوم التالي

في صباح اليوم التالي لم يكد عويس يفرغ من طعامه حتى وضعت زوجته الجديدة يدها على بطنها، وانكمش وجهها قليلًا وهي تتأوه،قالت بصوت متعب
بطني وجعاني من امبارح، وحاسة بدوخة كمان
رفع عويس رأسه إليها، فتغير وجهه في لحظة
إيه اللي حصل لك؟
هزت رأسها وقالت
مش عارفة، يمكن يكون حمل
ظل عويس ينظر إليها كأنها أخبرته بأغلى خبر سمعه في حياته
حمل؟
قالها مرة أخرى، ثم اقترب منها
متأكدة؟
وضعت يدها على بطنها وقالت
مش متأكدة، بس معدتي وجعاني والدنيا بتلف بيا
لم ينتظر عويس أكثر من ذلك
خرج من البيت مسرعًا، وأخذ طريقه إلى دوار العمدة، وكان يعرف أن جيبه لا يحتوي على ما يكفي، لكنه لم يهتم
ظل يجري حتى وصل إلى الدوار، ثم دخل على العمدة وطلب منه أن يسلفه نقودًا ليأخذ زوجته إلى الأجزخانة، فهو لا يريد أن يغامر بالجنين إن كانت حاملًا
لم يمض وقت طويل حتى عاد عويس ومعه المال، ثم أخذ زوجته وخرج بها،كانت تقى تتابع كل شيء من مكانها
رأت أباها كيف تغير وجهه عندما سمع كلمة حمل، وكيف أسرع إلى الدوار، وكيف عاد بالنقود دون أن يفكر لحظة في الدين الذي سيحمله فوق ظهره
كانت تنظر إلى أمها الراقدة في الداخل، ثم إلى عويس وهو يسند زوجته الجديدة بحرص
لم تقل شيئًا
لم تستطع
كان في صدرها شيء ثقيل، شيء يشبه الغصة، لكنها ابتلعته كما ابتلعت أشياء كثيرة قبل ذلك
كانت أمها مريضة، ولا أحد ركض بها إلى الأجزخانة
ولا أحد خاف أن يضيع منها يوم آخر
أما الآن، فإن مجرد احتمال حمل امرأة أخرى جعل البيت كله يتحرك من أجلها
عادت تقى إلى جوار أمها، وجلست صامتة
وبعد ساعات عاد عويس وزوجته الجديدة من الأجزخانة
كان وجهه مختلفًا، ممتلئًا بالفرح والقلق في الوقت نفسه، بينما كانت زوجته تمشي ببطء وتضع يدها على بطنها كل بضع خطوات،دخل عويس صحن الدار ونادى
يا سعاد
رفعت سعاد رأسها من مكانها، وكانت لا تزال شاحبة، ولم تستطع حتى أن تجلس دون أن تسند ظهرها إلى الحائط
قال عويس،مراتي تعبانة، والدكتور قال لازم ترتاح
نظرت سعاد إليه دون أن تفهم ما يريد،فأشار إلى زوجته الجديدة وقال،من النهارده انتي اللي تخدميها
حدقت سعاد فيه
أنا؟
أيوه انتي
قالها وكأن الأمر لا يحتاج إلى تفسير
دي ممكن تكون حامل، والدكتور قال لازم ترتاح ومتشيلش حاجة
حاولت سعاد أن ترفع نفسها، لكنها وضعت يدها على بطنها من شدة الألم، قالت بصوت ضعيف، أنا كمان تعبانة يا عويس
التفت إليها بضيق
تعبانة من إيه؟
ثم أشار إلى زوجته الجديدة
دي ممكن تشيل لى ولد، انتي عايزة تمنعي عني الولد كمان؟
سكتت سعاد، وانحنت من الألم
لكن عويس لم يلتفت إليها
قال
من النهارده مش عايز أشوفها بتعمل حاجة، لا تشيل جردل ولا تكنس ولا تطبخ، وانتي تخدميها
ثم أضاف ببرود
دي مش هتشيل قشة من على الأرض
خرجت من سعاد صرخة ألم حين اشتد عليها الوجع، ومدت يدها إلى بطنها وهي تتلوى فوق الحصيرة
نظر عويس إليها بضيق
وبينما كان يستدير، اقتربت الجدة منه وهمست وهي تراقب سعاد من طرف عينها
شوف المرة بتمثل إزاي
ثم هزت رأسها وقالت
دي من يوم ما خلفت البنات وهي عايشة على الدلع، أول ما شافتك مهتم بمرتك الجديدة عملت نفسها بتموت
سمعت تقى كلام الجدة
وظلت واقفة مكانها
تنظر إلى أمها وهي تتلوى من الألم، ثم إلى المرأة التي دخلت بيتهم منذ أيام فقط، فأصبح لها في ذلك البيت حق الراحة، وحق الطعام، وحق أن يخاف عليها الجميع
أما أمها فلم يكن لها سوى الحصيرة التي تتألم فوقها دون أن يسألها أحد إن كانت تحتمل المزيد

قالت تقى لوالدتها انا الى هخدم مرآة ابويا، انتى ارتاحى لازم ننفذ كلام الطبيب
طيب والقصر يا بنتى ؟ سألتها امها بحزن

هزت تقى رأسها ،القصر مش ممكن يكون أغلى منك يا امى
تعليقات



<>