رواية براعم الحب الفصل السابع والثلاثون37 بقلم رشا عبد العزيز

رواية براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز
رواية براعم الحب الفصل السابع والثلاثون37 بقلم رشا عبد العزيز


❣️ براعم الحب ❣️ 37
في هذه الحياة هناك اختبارات نتعثر عندها فإما نقف من جديد أو نسقط حتى النهاية وإما نجد يدًا تمسكنا أو ربما أخرى تدفعنا لغز هذه الحياة كطلسم أحجية لا يفقه حلها إلا من فطن خباياها أما من عاش على فطرته فسيترك تلك الأحجية للزمن لكي يفك شفراتها كيف شاء فكل شيء تحت سلطة القدر ويبقى إيماننا أن أقدارنا مكفولة بيد الله يمنحنا راحة أبدية أن رب الخير لا يأتي سوى بالخير وإن بكينا اليوم حتمًا سنضحك غدًا.

أمسكت القلم تحاول أن تخط أي كلمة لكن القلم كان يسقط في كل مرة لا من رعشة يدها لكن تلك الأفكار التي تغرقها فتجد نفسها لا تستطيع السيطرة على يديها هواجس تصرخ داخلها تضيق الخناق عليها منذ أن اعترف لها بحبه وقلبها لم يعد ملكها أصبح عاصيًا يأبى الرضوخ لأوامرها يأخذها نحوه بين الحين والآخر تسكنه تحت سيطرة عقلها ثوانٍ معدودة لتجده هاربًا يبحث عن صورته في خانة ذكرياتها معه.

اشتاقت إليه لا تنكر ذلك أسبوع مر دون رؤيته كان ثقيلًا كحجر جثم على صدرها تعوذت من الشيطان واستغفرت الله لتوبخ نفسها وهي تنظر إلى تلك المحاضرات المتراكمة.

_ يلا يا "نور" انسي أنت هنا لهدف أنت لازم تذاكري وتنجحي بلاش تخيبي.

عادت تمسك القلم وتهم بالقراءة نظرت إلى الورقة لتتطاير الحروف أمامها واختلطت تمتزج في عقلها مشاهد بين الماضي والحاضر لتتسلل حياتها مع "حسام" إلى ذكرياتها وتعود أوجاع ضربته وصدى كلماته الجارحة يطرق مسامعها أمسكت جانبي رأسها بقوة علها توقف تلك الذكريات.

زفرت أنفاسها متأففة فقد ضجرت من تلك الهلاوس التي أتعبتها قلب عاشق وعقل رافض روح مشتاقة وكرامة ملتاعة.

يدها أخذتها بتلقائية نحو بعض آثار جروح ذلك المجنون وكأن ألمها لا تزال تشعر به بعد كل تلك المدة.

تنهدت بألم لترحل يدها بلا وعي نحو مكان قبلاته تتلمس عينها ووجنتها حيث استقرت قبلاته التي رفضتها لكنها اليوم تبتسم عند تذكرها غص صدرها بحسرة كم تمنت لو تزوجته هو أولًا لكانت اليوم أسعد امرأة في الدنيا لكن نصيبها أن تذوق حلاوة عشقه بعد علقم ذلك الظالم.

أجفلتها طرقات على باب شقتها لتنتفض وضعت حجابها على رأسها بإهمال واتجهت نحو الباب بتعجب من سيطرق بابها ظنت أنها "شمس" أو "فارس" أو ربما "قمر" فتحت الباب ببطء لتتسع ابتسامتها وهي تجده يقف أمامها لتلفظ اسمه بلهفة.

_ "سيف".

قابل لهفتها بجمود يمد لها يده ببعض الأكياس ويقول ببرود.

_ دي حاجات بتاعة كل أسبوع...

تجنبت عيناه لقاء عينها خوفًا من أن يضعف قلبه من جديد.

_ محتاجة حاجة تانية؟

ابتلعت غصة مرة وبروده كان كجليد جرح قلبها العاشق لتسأله بحرج.

_ أنت مش معاك مفتاح؟

_ أيوه.

رغم أنها خمنت الإجابة لكنها تمنت أن يكون ضياعه هو السبب لتسأله بحزن.

_ أمال ما فتحتش الباب بالمفتاح ليه؟

حافظ على جموده وأجابها.

_ كده أحسن... لو محتاجة حاجة تانية ابعتيلي رسالة على الواتس آب.

اعتصرها قلبها بألم وقالت بصوت خافت.

_ متشكرة.

صوتها الخافت ونبرة الحزن التي حملها جعل قلبه يتمرد فيجبره ليرفع عينيه يختطف نظرة اطمئنان عليها قبل أن يهرب من أمامها.

_ عن إذنك.

_ مع السلامة.

أغلقت الباب تستند بظهرها عليه لتلمع الدموع في عينها بعد أن أوصل لها رسالته فهي ليست غبية لتفهم أنه يرسم حدود علاقتهم الجديدة ويستخدم معها أسلوبًا رسميًا.

اضطربت أنفاسها بقهر وعادت إلى كتبها تجر خطوات اللوم والندم.
**************************
خرج من حمام غرفته يجفف شعره المبتل وضع المنشفة على حافة الكرسي ووقف يمشط شعره قبل أن يتجه نحو السرير يتمدد بإعياء كان يومًا منهكًا استنزف قوته تأوه بتعب أراح رأسه على وسادته وأغمض عينيه لكن أجفانه أبت الانصياع له ونهره قلبه كيف يغفو قبل أن يسمع صوتها مد يده والتقط هاتفه ليتصل بها.

كانت هي الأخرى تهم للنوم عندما سمعت رنين هاتفها ابتسمت عندما وجدت اسمه يضيء شاشة هاتفها ليخفق قلبها وتسرع لإجابته ليأتيها صوته معاتبًا.

_ حبيبتي اللي نسياني ومش بتسأل عليا.

أجابته بعفوية.

_ افتكرتك مشغول.

استمر في عتابه اللطيف.

_ يعني مشغول طول اليوم يا "ورد" طب رسالة بلي بيها ريقي لازم أنا اللي أبدأ نفسي في يوم أفتح الموبايل وألاقي رسالة منك مش ألاقي جواب على رسالتي أنا طب أنا مش طماع رسالة غرامية واحدة في اليوم أهو تديني طاقة إيجابية ده أنت مؤلفة يعني الغزل والكلام الحلو لعبتك.

شعرت بالحرج فقد صدق عتابه تعلم أنه عتاب محب لكنها لم تمنحه تلك الفرصة وتجعله يستمر في عتابه لتقطع عليه الطريق وتقول بمرح تراوغه.

_ يا متر حضرتك أنا مخطوبة جديد وأستاذي مش شاطر وأنا تلميذة خايبة أعمل إيه؟

قهقه ضاحكًا وقال يجاريها.

_ خلاص نكثف الدروس الخصوصية ولا يهمك وأنا بموت في الدروس الخصوصية.

غيرت مجرى الحديث خجلًا من أن يتخذ طريقًا آخر فنبرة صوته الماكرة باتت تعرفها.

_ بتعمل إيه ويومك كان عامل إزاي؟

_ أبدًا روتين كل يوم في المحاكم والمكتب بس النهارده كان يوم مجهد وكان فيه فضاية ودوشة وكنت لسه هنام بس مقدرتش ما أسمعش صوتك قبل ما أنام.

خفق قلبها بجنون وهو يخبرها بأهميتها بالنسبة له لتدعو له بلسان صادق.

_ ربنا يعينك ويقويك.

دعاؤها أنعش قلبه كان كمرهم أزاح تعبه وأنساه أوجاعه ليخبرها بهيام.

_ أهو أنا دلوقت نسيت كل التعب ربنا يحفظك ليا يا وردتي.

انفلتت ضحكاتها فتعجب فعلتها ليسألها بتعجب.

_ بتضحكي ليه؟

_ أصل وردتي ده اسم الدلع اللي بابا بيناديني بيه وتقريبًا بيعتبره احتكار ليه.

تنهد قائلًا بمزاح.

_ إيه ده يعني أنا عندي منافس قوي في قلبك؟

صمتت ثواني وأجابت بحب صادق.

_ نصيحة يا "مهاب" بلاش تحط نفسك في منافسة مع بابا عشان هو اللي هيكسب أكيد أنا بحبه أوي.

توقعت أن يعترض أو يثور عليها لكنه فاجأها.

_ ربنا يحفظكم لبعض... علاقتك بيه بتفكرني بعلاقتي بوالدتي بس العكس أنا اللي محتكر ماما وإخواتي مستسلمين لفكرة أنها بتفضلني عليهم عشان إحنا صحاب ومن يوم وفاة بابا وإحنا شلنا الحمل سوا عشان كده علاقتي بيها تعدت كوني ابنها وهي أمي إحنا صحاب... تعرفي هي أول حد حكيتلو عنك.

_ عارفة.

قطب حاجبيه وسألها باستغراب.

_ وعرفتي منين؟

_ هي حكتلي بالأمارة حكتلي أنك أصريت أنها تحضر معاك فرح "أحلام" عشان تشوفني.

كانت لا تزال في لحظة اندهاشه ليسألها متعجبًا.

_ لحظة أنتو بتكلمو بعض من ورايا؟

ضحكت على كلماته وقالت ما زاد دهشته.

_ أنا بتصل بيها من فترة والتانية وهي كمان بتتصل تطمن عليا ده أنا لسه مكلماها النهارده.

غمرته السعادة وسألها بلهفة.

_ بجد يا حبيبتي؟

أجابته مؤكدة.

_ أيوه بجد أنت مالك مستغرب كده ده إحنا بنفكر نعمل حزب عليك.

ابتهج بسرور وهو يتأكد من حسن اختياره يومًا بعد يوم.

_ متشكر يا "ورد" متعرفيش فرحت قد إيه أن علاقتك طيبة مع ماما دي أكتر حاجة كانت بتخليني متردد في حكاية الجواز أن يكون فيه مشاكل بين مراتي وأمي لكن أنت طمنتيني يا قلب "مهاب" هو أنا بحبك من شوية.

لمست قلبها سعادته وشعرت بصدق تعلقه بوالدته ولم تجرؤ أن تخبره أنها أيضًا كانت تخاف من ذات الفكرة لكن والدته ولشدة حبها له جعلتها تحبها هي أيضًا وهذا شيء أراحها.

_ "ورد" هو أنا لو طلبت منك طلب ممكن تنفذيه؟

_ حسب الطلب هنفذه أكيد لو أقدر عليه.

استدار يستند على شقه الأيمن ويضع هاتفه أمام وجهه.

_ ممكن تفتحي كاميرا نفسي أشوفك وأغمض عيني على صورتك.

لم يمهلها لتجيبه بل أكمل في محاولة لاستفزازها ودفعها للموافقة.

_ ومتخافيش حتى لو شعرك منكوش مش هتنمر عليك.

نجح في إغاظتها واستفزازها لتسحب ذلك الوشاح السميك تحيط به جسدها ورفعت يدها تعيد ترتيب خصلات شعرها قبل أن تستند على شقها الأيمن هي الأخرى تفتح له كاميرا هاتفها ليبتسم هاتفًا.

_ ما شاء الله تبارك الرحمن... يا سعدك يا هناك يا "مهاب" يعني أنا إن شاء الله هغمض عيني كل يوم على الوش القمر ده وأفتح عيني عليه.

ابتسمت خجلًا على إطرائه وكلمات غزله تروي عطش قلبها البريء لتلك المشاعر.

_ شفتي بقيت مراهق إزاي؟

ضحكت على كلامه لتمازحه.

_ مليش دعوة أنا براءة أنت اللي طلبت أفتح الكاميرا.

هز رأسه بقلة حيلة يخبرها بعشق.

_ أنت بريئة ده أنت السبب في اللي جرالي حبك خلاني مراهق ومتهور وعاشق ومجنون.

_ حيلك حيلك كل ده؟

قالتها مستنكرة ليؤكد لها.

_ وأكتر كمان... بحبك يا "ورد".

ها هو يحاصرها من جديد باعترافه وكلماته.

بدأ يتثاءب ليقول لها برجاء.

_ متقفليش المكالمة غير لما أنام.

_ حاضر.

لحظات ووجدته يقاوم النعاس وثقل أجفانه ليستسلم في النهاية ويغرق في النوم.

كادت أن تغلق المكالمة لكنها وجدت نفسها تتأمله وتبتسم كم هو وسيم أصبحت ملامحه تعجبها وكلماته تطربها تنتظر اتصاله وتشتاق له إذا تأخر صمتت في لحظة إدراك تسأل نفسها.

_ هو أنا حبيتك؟

****************************

كان يمسك الهاتف ويضحك على تلك الرسالة التي بعثتها له يهز رأسه بقلة حيلة وهو يعيد قراءة كلماتها.

_ بعد التحية إلى السيد رئيس مجلس إدارة منزلنا الجميل إلى صاحب القرار ملك قلبي ورئيس وزرائه أتقدم لك بطلب منحي الإذن بالذهاب مع شقيقتي الكبيرة إلى السوق على وعد أني سأعود في الوقت المحدد نرجو موافقتكم وإذا تمت الموافقة أرسل كلمة... بحبك.

أنهى الرسالة التي جمعت بين الفكاهة والغزل يردد.

_ مجنونة بس بعشقها.

ضغط على شاشة هاتفه يجيبها مبتسمًا.

_ بحبك... يا روح الروح خلي بالك من نفسك ومتتأخريش.

لينفجر ضاحكًا عندما بعثت له.

_ أمرك سيادة الرئيس.

انتبه "فارس" لصوت ضحكاته ليشاكسه.

_ يا سيدي ما تسمعنا النكتة عشان نضحك معاك إحنا كمان.

التفت إليه بحرج وقال متلعثمًا.

_ لا يا بابا ده واحد صاحبي بعتلي نكتة غلسة.

رفع "فارس" رأسه قبل أن يقوس شفتيه مدعيًا تفهمه.

_ آه... واحد صاحبك... أبقى سلملي عليه.

هز رأسه بالموافقة متهربًا من اضطرابه أمام والده.

_ حاضر يا بابا.

_ قلها عمك بيسلم عليك يا "أحلام" وبيقولك سيبي الواد عنده شغل.

قهقه "شريف" ضاحكًا على طريقته حديثه الفكاهية ليقترب منه وينحني مقبلًا رأسه.

_ طب لما أنت عارف أنها "أحلام" ما تستر علينا يا باشا لازمتها إيه الفضايح؟

حدجه بنظرة جانبية وقال مستنكرًا.

_ وهو مين اللي بيعمل فضايح مش صوت ضحكك اللي جايب آخر الشارع ده الزباين هيقولو مشغل واحد مجنون بيكلم نفسه.

حرك رأسه يمينًا ويسارًا وانحنى نحوه هامسًا بمزاح.

_ تصدق مخدتش بالي الحمد لله محدش خد باله يعني براءة مش مجنون.

ليمازحه "فارس" هو الآخر.

_ مش مجنون بس مخصوم من يوميتك عشان تبطل تضحك بصوت عالي.

انحنى يقبل يده ويتوسله بدعابة.

_ لا وحياتك يا حاج أنا صاحب عيلة وورايا مصاريف بلاش قطع الأرزاق.

ضحك "فارس" وربت على يده يدعو له.

_ ربنا يسعدكم يا حبيبي.

_ ويحفظك لينا يا كبير.

_ يلا روح شوف شغلك.

ابتسم متجهًا نحو عمله لكن رنين هاتف والده جعله يتوقف وهو يسمعه يجيب عليه بلهفة.

_ أيوه يا روحي لا مش هتأخر إن شاء الله تسلم إيدك مقدمًا يا حبيبتي مع السلامة يا مشمش خلي بالك من نفسك.

أغلق "فارس" الهاتف ليجده يقف أمامه يحدق به بنظرات مستهجنة.

_ إيه مالك بتبصلي كده ليه؟

ضيق عينيه وقال مستنكرًا.

_ يعني أنت من شوية كنت عاوز تخصم مني عشان بكلم مراتي وحضرتك دلوقت بتكلم حبيبة القلب.

زجره بعنف مصطنع.

_ اخرس دي "شمس" عارف يعني إيه "شمس" تكلمني يعني وقتها طز في الشغل وطز فيك وطز في كل حاجة ده حبيبة روحي وأهم عندي من نفسي.

ظل "شريف" يتأمله بسرور وسأله متعجبًا.

_ للدرجة دي أنت بتحب ماما؟

تنهد بحب وقال مبتسمًا وهو ينظر إلى المجهول كأنه يرى طيفها أمامه.

_ وأكتر كمان "شمس" بالنسبالي حياتي  و النفس اللي أنا عايش بيه.

ثم قال له موبخًا بعد أن رآه يطالعه بطريقة غريبة.

_ يلا وكفاية كلام عاوز أرجع البيت بدري أمك عاملالي أكلك بنفسها وأكل أمك تحفة هو عيبه الملح القليل بس تحفة نعمل إيه مش راضية تتصالح مع الملح.

ضحك "شريف" وقال له مازحًا.

_ اتحمل يا باشا وادفع ضريبة الحب.

_ أدفع وأنا مغمض يا لمض يلا وريني عرض كتافك.

رحل "شريف" نحو عمله لتستوقفه تلك الفتاة التي جذب انتباهه وقوفها وتحديقها بوالده بشكل غريب ليغمغم ساخرًا.

_ آه لو ماما تشوفك وأنت بتبصي لبابا كده كانت مسحت بكرامتك الأرض.
*****************************
دخل إلى شقته متأخرًا وبخطوات مرهقة فقد كان يوم عمل مجهد اتجه نحو الغرفة ليجدها تحمل المصحف تقرأ وردها ألقى عليها السلام ولم تجبه كما اعتاد منذ خصامها له لكنه هذه المرة لم يهتم فتعبه الجسدي كان أقوى من أن يلتفت لجفائها أو يحاول أن يتودد لها كما يفعل دومًا فتح الخزانة وأخذ ملابسه واتجه نحو الحمام.

أغلقت المصحف ووضعته جانبًا مستغربة من تجاهله هل مل من محاولاته أم أنه يستخدم معها ذات السلاح.

خرج من الحمام دون أن يتحدث أو ينظر إليها اتجه نحو المطبخ وما هي إلا لحظات ووصلت إليها رائحة قلي البيض التي أثارت غثيانها تعجبت من تلك الرائحة حاولت الاقتراب من المطبخ لرؤية ما يفعله هل يعقل أنه يعد الطعام لنفسه لكنه أخبرها أنه سيتناول الطعام في الخارج يبدو أن يومه كان مزدحمًا اندهشت عندما وجدت باب المطبخ مغلقًا لكنها لا زالت تشم تلك الرائحة التي نفرت منها أنفاسها بدأت تشعر بحاجتها للتقيؤ لكنها قاومت ذلك وعادت إلى الغرفة تغلق الباب خلفها.

أما هو فجلس يتناول الطعام الذي لا يجيد إعداد غيره هو يحاول فقط أن يسد جوعه قبل أن ينام نظر إلى باب المطبخ الذي يغلقه يعلم أن رائحة الطعام بدأت تؤذيها نظر إلى كوب الشاي الساخن وأبخرته المتصاعدة حمله يرتشف منه القليل بحذر خشية أن يلسع لسانه وابتسم يتذكر كيف كانوا مختلفين هي تعشق القهوة وهو يحب الشاي كجده كما تخبره دائمًا والدته وفي غفلة منه لسع الشاي لسانه ليتهكم مستطردًا بكسرة.

_ الشاي حرق لساني وشوقي ليك حرق قلبي يا "سندس".

حمل الأطباق وغسلها حتى لا يتعبها في التنظيف بعده وضحك على حاله كان يستهزئ من كل رجل يساعد زوجته رغم أنه عاش في منزل حمل روح التعاون لكنه كان يستنكر ذلك ويعتبره ينتقص من قيمة الرجل ابتسم ساخرًا يبدو أن حبه لها غير حتى مفاهيمه فخوفه عليها اليوم يجعله مستعدًا لعمل أي شيء كي لا يتعبها وينال رضاها نظر إلى الماء الذي ينساب من بين يديه تمنى لو يستطيع أن يغسل جرحها منه ويعود قلبها أبيض ناصع البياض كما كان قبل أن تلوثه أفكاره وتصرفاته معها أغلق صنبور الماء واتجه إلى غرفته ليجدها تخرج من الحمام تستند على الجدار وتسعل بشدة يبدو أنها قد انتهت توًا من نوبة القيء التي تداهمها في الآونة الأخيرة.

ركض نحوها يسندها ويسألها بقلق ويده تمسح على وجهها تزيح حبات العرق المتكونة على جبهتها.

_ مالك يا حبيبتي أنت كويسة؟ 

دفعته عنها بوهن رافضة اقترابه منها عاد خطوة نحو الوراء يطالعها بحسرة لكن يده بقيت قريبة منها يسير بموازاتها يرافقها في خطواتها البطيئة حتى وصلت إلى السرير وجلست عليه بتعب لكن أنفاسها لا زالت متسارعة ولا زالت تسعل يبدو أن جوفها قد تخدش رحل وعاد بعد قليل يحمل  الدواء الذي وصفته لها طبيبتها ليهدئ  من نوبات القيئ ويمد يده إليها نظرت مطولًا نحو الدواءالذي يحمله.

_ اشربي يا روحي هترتاحي.

صوته المتوسل وإصراره جعلها تلتقط الدواء وترتشف منه القليل ظل واقفًا ينظر إليها بخوف.

_ أحسن دلوقت؟

حافظت على صمتها قبل أن تنهض وتغادر الغرفة وسط نظراته المتألمة لحالهم معًا تمدد على السرير وغطى عينيه بساعده لكن عينيه المنهكة جافاها النوم وهرب النعاس منها ظل يتقلب يمينًا ويسارًا يستجدي غفوة تنسيه وجعه فيسرقه النوم من أحزانه لكنه ابتسم فجأة عندما سمع صوت ضحكاتها مع تلك القطة واتسعت ابتسامته حينما سمع صوتها تحدثها.

_ "سكر" يا شقي حاسب بتخربشني... آه... آه.

انتفض فزعًا وهرول نحوها بسرعة ليجدها تمسك يدها التي تحمل آثار جروح ذلك القط تنفخ عليها جثا على الأرض أمامها جذب يدها ينظر إلى ذلك الجرح ورغم أنه سطحي لكن هناك دماء تخرج منه سحبت يدها من بين يديه بعنف لكنه تغاضى عن ذلك ونهض يحضر مطهرًا وقطعة قطن ويعود إليها ليجذب يدها من جديد رغم رفضها ويضع المطهر فوق الجرح اختطف النظرات نحوها ليجدها تغمض عينيها متألمة.

_ معلش هتوجع عشان المطهر.

وتفاجأت به ينحني يقبل جرحها عدة مرات قبل أن يخبرها.

_ ابقي خلي بالك المرة الجاية أنا هقصله ضوافره عشان ميخربشكيش تاني.

تركها واتجه نحو القط يقص له أظافره رغم موائه العالي ومحاولته التملص منه بل وخربشته هو أيضًا ليعاتبه.

_ اهدى يا "سكر" خلي أقص ضوافرك... كده يا "سكر" تعور حبيبتي مش عارف أنها غالية عليا وبعشقها.

رسالة قالها للقط لكنه تعلم أنها موجهة لها خفق قلبها بحزن وارتعشت يدها المتشابكة على حجرها وهي جالسة تراقبه على أحد الكراسي كم كان حنونًا وطيبًا ليته يظل هكذا ولا يعود لسابق عهده تبًا لقلبها الخائن الذي يشتاق إليه لكنها لا تزال خائفة أن تمنحه فرصة أخرى فيخذلها من جديد.

حمل القط ووضعه بين أحضانها.

_ أهو كده مش هيعورك. ومتخافيش مطعم 

قبل رأسها يستنشق عبيرها بشوق قبل أن يمسح عليه برفق.

_ تصبحي على خير لو احتجتي حاجة صحيني...

رحل وظلت هي في دوامة أفكارها وقلبها يتوسلها العفو وكرامتها تستحلفها ألا تتعجل.
*****************************

عاد إلى المنزل ليجدها تنتظره عند الباب وما أن رأته حتى قفزت تتعلق برقبته تقول بمرح.

_ الحمد لله على السلامة يا حبيبي.

بادلها العناق متعجبًا حماسها وقال متهكمًا.

_ الله يسلمك يا روحي بس الاستقبال ده قلقني فيه حاجة؟

أفلتت رقبته وتمسكت بيده تجره خلفها مرددة.

_ لا مفيش حاجة اطمن... هو أنا أبقى غلطانة لو اتدلعت عليك شوية.

هكذا استهجنت جوابه مع استمرارها لسحبه خلفها.

_ لا يا قلبي اتدلعي بس أنا برضو خايف.

أجلسته على أحد الكراسي وعلامات التوتر بدت عليه مستغربًا تصرفاتها تضاعف تعجبه عندما ناولته سماعة.

_ البسهم عاوزة ألعب معاك لعبة.

استنكر طلبها يلوح بتلك السماعات ساخطًا.

_ لعبة إيه يا "أحلام" أنا عاوز أتعشى جعان.

أخذت السماعات من يده وألبستها له عنوة.

_ البس بس وهعشيك أحلى عشوة.

تنهد بسأم وقال يائسًا.

_ أمري لله.

جلست أمامه وقالت له.

_ أنا هشغل السماعات وأقولك حاجة أنت لازم تعرفها.

_ من غير كلام يعني؟

_ أيوه.

هز رأسه متفهمًا وقال بضجر.

_ ماشي يا ستي.

شغلت تلك السماعات لتحجب صوتها من الوصول إليه وبدأت تحرك شفاهها ويحاول هو قراءتها بتركيز حاول في المرة الأولى وأخفق ليحاول التركيز أكثر.

_ ثواني أنت بتقولي... أنا.

_ أنا.

عيناه بدأت تقرأ حركة شفاهها بانتباه أكثر.

_ أنا هبقى.

_ هبقى بابا.

كرر الجملة مجددًا بعدم استيعاب.

_ أنا هبقى بابا.

توقف لحظات قبل أن تتسع ابتسامته في لحظة إدراك مرددًا الجملة من جديد.

_ أنا هبقى بابا.

خلع السماعات بسرعة وسألها بلهفة.

_ الكلام ده بجد يا "أحلام"؟

هزت رأسها بعين دامعة تؤكد له ما فهمه ليصرخ بصوت عالٍ وهو يجذبها نحوه ويحتضنها قبل أن يدور بها وهتافه يعلو مكررًا.

_ أنا هبقى بابا... هبقى أب... بحبك يا "أحلام"... بحبك.

أنزلها على الأرض برفق وضحكاته تملأ المكان أحاط وجهها بيديه يمسح على وجنتيها ثم قبل جبهتها قبلة طويلة حملت معاني الامتنان.

_ ألف مبروك يا روح "شريف".

_ الله يبارك فيك يا حبيبي.

أدمعت عيناها وهي تراه يخر ساجدًا ولسانه يردد.

_ الحمد لله.

_ تعالى أوريك المفاجأة اللي أنا عملاها ليك.

أمسكت يده تقوده نحو غرفتهما ليجدها قد زينتها بالزهور وعلى مائدة جانبية وضعت الشموع وقالب حلوى وصندوق حمل اختبار الحمل.

دارت عيناه في المكان بانبهار وسألها بسعادة.

_ أنت عملتي كل ده إمتى؟

أمالت رأسها مبتسمة تخبره بفخر.

_ لما رحت مع "ورد" السوق أصل كنت عاملة الاختبار الصبح وكنت عاوزة أتأكد عملت تحليل واتأكدت عشان أفاجئك يا شيفو.

احتضنها بقوة وأخذ نفسًا عميقًا يخبرها بهيام.

_ بحبك يا "أحلام" بحبك يا عشق عمري.

ضمت جسدها لجسده بقوة تخبره باكية.

_ ربنا يحفظك ليا يا روحي أنت.

أخرجها من أحضانه يمسح دموعها ويعاتبها.

_ بتعيطي ليه دلوقت؟

لكي يهدئها قال يمازحها وهو يداعب وجنتيها.

_ لو بنت هختار أنا اسمها ولو ولد أنا هختار اسمه إن شاء الله.

قطبت حاجبيها تخبره بضيق.

_ يعني أنت هتختار الاتنين طب وأنا؟

قهقه ضاحكًا على تحول ملامحها بسرعة.

_ أنت هتقولي الله يا روحي إيه الاختيار الجميل ده.

هتفت بغيظ وهي تربع يدها على صدرها باعتراض.

_ "شريف" بلاش هزارك في الوقت ده وبعدين لسه بدري.

هز رأسه يؤيدها ويضمها إليه بحب.
********************************

كانت مائدة الطعام عامرة رغم بساطتها فما يقطف من الأرض يطهى ويؤكل يملأ العيون قبل البطون وتآلفه القلوب فتشتاقه الأرواح نظر أحدهما للآخر بكسر وعاد "جابر" ينظر للطعام.

_ هو مش هياكل معانا كنت ندهتيله يا "فرحة" بدل ما هو حابس نفسه بين الأربع حيطان.

تنهدت بحزن حتى لمعت دموعها في عينيها.

_ ندهتله يا أبو "محمد" بيجول ماليش نفس.

غص صدره بمرارة حتى تحشرجت كلماته في حلقه لكنه لم يخفِ عليها حرقته.

_ والله يا "فرحة" أنا مستغرب "راجح" بيه طول عمره راجل عاجل وحكيم صح هو شديد بس مع اللي يغلط بس مستغرب كيف حكم عليه كده من غير ما يستبين وليه اتهمه التهمة الباطلة دي.

لوت شفتها بسخط وقالت بقهر.

_ استجوى بفلوسه على الغلبان.

هز "جابر" رأسه مستنكرًا وقال يلومها.

_ لا يا "فرحة" "راجح" عمره ما كان مستجوي بفلوسه ولا ظالم.

لكنها أصرت على حكمها قائلة بحرقة.

_ أهو ظلم ولدي.

وخلف ذلك الباب الذي حدق به "جابر" بكسر كان يقبع هو جالسًا على سريره بين جدران غرفته تحرقه نيران الظلم وتقهره طعنة بالباطل عينه احمرت لا من بكاء لكن من إحساسه بالعجز لم يكن يومًا ضعيفًا لكنه دافع عن نفسه بحدود الأدب الذي تربى عليه لكن يبدو أن هناك من اعتبر أدبه ضعفًا.

عاد يراجع في ذهنه ما فعله هو ليس معصومًا من الخطأ لكنه متأكد أنه لم يخطئ اتبع الخطوات ذاتها إذا لماذا تضررت خلايا النحل لينعت بالنصاب والمهمل وتلك الكلمات الجارحة التي نعته بها "راجح" "راجح" ذلك الشخص الذي لطالما اعتبره قدوته هو ذاته كان دائمًا يشجعه ويثني عليه دومًا ويخبره أنه سيكون له شأن يومًا ما يأتي الآن ليتهمه بالنصب والاحتيال حاول أن يريح جسده ليتمدد وضع رأسه على الوسادة أغمض عينيه التي لم تنم منذ يومين لكن دون فائدة.

طرقات مفاجئة على الباب جعلته يفتح عينيه ويهتف.

_ مش عاوز آكل يا أما مش جعان.

لكن عينيه اتسعتا بصدمة وهو يسمعها تقول بصوت مندهش.

_ "راجح" بيه هنا وعاوز يشوفك.

ردد اسمه بتعجب.

_ "راجح" بيه.

نهض يفكر في جميع الاحتمالات عقله يرتب الكلمات التي سيقولها له وخطواته تتجه بتردد نحو غرفة الضيوف دخل ليجد والده يجلس أمامه بعين منكسرة نظرة والده منحته القوة هو ليس بضعيف ولا مخطئ ليطأطئ رأسه أمامه ولن تجعله نفوذه وسلطته يخشاه ويخشى الوقوف بوجهه.

_ أهلًا يا "راجح" بيه.

تفاجأ به ينهض ويمد يده له.

_ أهلًا يا باشمهندس.

صافحه "محمد" وجلس أمامه يقول باقتضاب.

_ خير يا بيه.

رمقه "راجح" بنظرات ثابتة وقال.

_ أنا جاي عشان الحكاية اللي حصلت من يومين.

تحركت شفتاه بابتسامة ساخرة وقال بصوت قوي ونبرة هادئة متزنة.

_ أنا جولتلك يا بيه إني متحمل الأضرار والفلوس هتوصلك على داير مليم احسب المبلغ وأنا مستعد ولو عاوز رأس مال المشروع أنا جاهز.

ثم ختم حديثه بانزعاج متهكم.

_ ولا حضرتك لسه فيه كلمة جارحة نسيت تقولها أحب أجولك أنك في بيتي وأشيلك على راسي وليك حج الضيافة لكن مش هتحمل أي إهانة تانية إذا كنت سكت في الأول فعشان أخلاجي متسمحش أن أجف وأردها لو كان اللي قدامي راجل كبير مجامه زي حضرتك.

_ "محمد".

صاح بها "جابر" كنوع من التوبيخ ليرفع "راجح" يده يمنعه وهو يطالع "محمد" بإعجاب.

_ سيبه يا "جابر" والدك ما قالش غير الحج والحج ما يتزعلش منه وأنا جاي النهارده بذات نفسي أعتذر منه ولو حابب أعتذرله جدام البلد كلياتها.

نظر "محمد" نحو والده باستغراب قبل أن يعود بنظراته نحو "راجح" الذي ابتسم بحرج يفسر له ما حدث.

_ أيوه يا ولدي ما تستعجبش أنا مدين ليك باعتذار أنا طول عمري وأنا شايفك راجل صح وشاب طموح لما حصل اللي حصل أنا باعترف أني تسرعت وسمعت وسوسة ناس حاسدة وحاجدة ومريداش الخير لا ليا ولا ليك لما شافوا شغلك والنجاح اللي حصل وشافوا قربك مني الشيء ده ضايقهم قاموا حطوا مبيد ريحته مش نفاذة وسط خلايا النحل عشان تنضر وتبان أنت مهمل وأخسر أنا وأنت.

فغر فاهه بتعجب وسأله بسرعة وغضب.

_ مين الناس دي يا "راجح" بيه؟

_ "بشر" و"خليل" ولاد "معاطي" الغفير.

تعجب يردد أساميهم بدهشة وقهر.

_ بس "خليل" ده صاحبي إزاي يعمل كده؟

_ صاحبك ومهندس زراعي كمان يا "محمد" فهمت ليه عمل كده.

ظل يحدق به ليستوعب مقصده الذي كان قاسيًا لقد غدر به صديقه ليأخذ مكانه أو ربما غيره من نجاحه.

نهض "راجح" متجهًا نحو "محمد" الذي لا يزال مشتتًا مما سمع وقف أمامه ليقول له.

_ سامحني يا ولدي أنا ظلمتك  ومستعد لأي حاجة تطلبها عشان أرد اعتبارك.

نهض ليقف أمامه ويقول مبتسمًا.

_ مجيتك وكلامك كبيرة جوي عندي يا "راجح" بيه وكافية أنها ترد اعتباري.

_ يبجى ترجع معايا ونفتح المشروع من تاني.

صمت قليلًا وقال معتذرًا.

_ اعفيني يا بيه من الحكاية دي أنا هكتفي بالمنحل اللي في أرض أبويا.

ربت "راجح" على كتفه بإعجاب.

_ عزة نفسك دي يا "محمد" تخليني أتمسك بيك أكتر.

ثم التفت نحو "جابر" وقال مادحًا.

_ يا زين ما ربيت يا "جابر" ربنا يحفظهولك.

عاود نظره نحو "محمد" وقال بحسم.

_ بكره الصبح ألاجيك عند باب بيتي عشان نتفج ومش هجبل أي عذر يا باشمهندس.

أومأ برأسه مبتسمًا بعد أن استرد كرامته ويقرر العودة للعمل فهذا سيعزز موقفه أمام أهل البلد.
****************************

أوقفت سيارتها والتفتت تنظر إلى قالب الحلوى وباقة الزهور الموضوعة على المقعد بجانبها حملتها تقربها من أنفها وتستنشق عطرها لتتنهد مبتسمة تتخيل رد فعله من تلك المفاجأة التي تعدها له فقد قررت اليوم أن تحتفل معه بعيد مولده في بيتهم القديم ذلك البيت الذي شهد على ولادة عشقهم حتى أصبحت قصتهم مضربًا للأمثال لشدة ترابطهم.

رحلت بذكرياتها نحو الماضي وضحكت ساخرة من كان يصدق أنها ستحبه إلى هذه الدرجة بل وأنه سيجعلها تعيش قصة الحب الأسطورية التي لطالما حلمت بها؟ سنين زادت من حبهم ومنحته قوة حتى إنها أحيانًا تشعر أنهما روح واحدة في جسدين.

أغمضت عينيها قبل أن تزفر أنفاسها بهيام وتحتضن تلك الباقة مرددة.

_ ربنا يحفظك ليا يا حبيبي.

صعدت سلالم تلك البناية ومع كل درجة داعبتها ذكرياتهم معًا خطواتها السعيدة أوصلتها بلحظات إلى ذلك المنزل الدافئ أراحت باقة الزهور على ساعدها وأخرجت المفتاح فتحت الباب ودخلت لتتسمر بصدمة وهي تجد امرأة في صالة المنزل لتصرخ بفزع.

_ أنتِ مين؟ وإيه اللي دخلك هنا؟

اقتربت تلك المرأة منها بخطوات متبخترة كانت امرأة قاربت الخمسين من عمرها تضع طبقات سميكة من المكياج الفاقع تخفي تحتها آثار الزمن وتجاعيد وجهها وتمضغ العلكة بطريقة مقززة وقفت أمامها متحيرة وقالت بوقاحة.

_ أنا "بوسي" إنتِ مين؟ وإيه اللي جابك هنا؟

غلت الدماء في عروقها وأغاظتها وقاحتها لتصرخ بها.

_ إنتِ مجنونة؟ ده بيتي! إنتِ دخلتي هنا إزاي؟

شملتها المرأة بنظرة مستهزئة وعيناها تتأملانها من رأسها حتى أخمص قدمها قبل أن تبتسم ساخرة.

_ آه إنتِ بقى الدكتورة.

تعجبت "شمس" من معرفتها لكن تعجبها تحول لصدمة عندما حدقت بها بنظرة ثاقبة حملت انتصار صاحبتها وهي تقول بجرأة وثقة.

_ أنا مراته... مرات "فارس الجهوري".

وتحركت شفاهها بابتسامة ساخرة قبل أن تكمل بنبرة شامتة.

_ يا دكتورة.

هوى قلبها بين قدميها لا تستوعب ما تخبرها به ارتعش قلبها وجسدها وعقلها ينكر ما تراه وتسمعه لتسألها بشفاه مرتجفة وصوت مهزوز خرجت كلماتها متلعثمة.

_ أنتِ بتقولي إيه؟

كانت تترقب إجابتها كغريق ينتظر طوق نجاته تتشبث بحركة شفاهها علها تلتقط كذبتها لكن تلك المرأة ازدادت نظراتها إصرارًا وتحديًا وكررت عليها الإجابة لكنها تعمدت أن تكون إجابتها هادئة وحروفها بطيئة تثير من استفزازها.

_ أنا مرات "فارس"...

ظلت تحدق بها لبرهة كان ما قالته انتزع روحها من جسدها حتى أصبحت جثة بقلب نابض رغم احتراقه.

اختل توازنها وصوت واحد يصرخ داخلها هل عاشت كل تلك السنين داخل كذبة؟ عصفت بها الأفكار حتى اجتثت ثباتها فترنح جسدها وأصبحت الرؤية ضبابية فسواد ما تقوله هذه المرأة محا ألوان حياتها وأعتمت روحها قلبها يكاد يخرج من بين أضلعها صارخًا بحزن أمسكت جبهتها تحاول التماسك وقبل أن تهزمها قوتها وجدت فتاة بعمر ولدها "سيف" تهرول نحو السيدة وتسألها.

_ ماما مين دي؟ قريبة بابا "فارس"؟

كانت تلك الكلمات كضربة حطمت ثباتها ومزقت قلبها العاشق بخنجر الخيانة فلم تستطع المقاومة أكثر لتستسلم لتلك الغمامة السوداء التي سحبتها نحو المجهول فتهاوى جسدها حتى ارتطم بالأرض.

وتناثرت زهور الحب من حولها كما تناثر قلبها تحت وطأة الخذلان.
♥️

بنات حبيباتي الغاليات عاوزه اوضح حاجة موضوع فارس وشمس محتاج مشاهد كتير وهتترتب عليه  احداث تانيه فمقدرش اكمل
دلوقت
 
تعليقات



<>