رواية خلف أسوار الحماية الفصل الثامن8 بقلم ملك أحمد

رواية خلف أسوار الحماية بقلم ملك أحمد
رواية خلف أسوار الحماية الفصل الثامن8 بقلم ملك أحمد
أما قلبها...

فكان له رأيٌ آخر تمامًا.

رغم أن عقلها كان يحاول إقناعها بأن الأمر لا يعنيها، وأن وجود فتاة أخرى في حياة تميم أمر طبيعي، إلا أن قلبها لم يستطع تقبّل الأمر بهذه السهولة.

شعرت بقبضةٍ قوية في  قلبها دون أن تعرف السبب.

لم تكن غاضبة...

ولم تكن حزينة...

أو ربما كانت كل تلك المشاعر مجتمعة، لكنها لم تكن مستعدة للاعتراف بذلك حتى لنفسها.

ظلت يارا جالسة أمامها تنتظر، بينما كانت ليان تنظر إليها بصمت.

ـ يارا: ممكن حضرتك تناديه ليا؟

لم تجبها ليان.

اكتفت بالنظر إليها للحظات، وكأنها تحاول أن تستوعب حقيقة ما يحدث أمامها.

ـ يارا: آنسة ليان؟

انتبهت ليان إلى صوتها، فرفعت عينيها إليها سريعًا.

ـ ليان: نعم؟

ثم تداركت نفسها وقالت:

ـ ليان: آه، حاضر... دقيقة.

وقفت من مكانها، وحاولت أن تحافظ على هدوئها قدر الإمكان.

لكن ما إن خطت بضع خطوات حتى رأت تميم قادمًا من الجهة الأخرى.

توقفت للحظة.

وتسارعت نبضات قلبها بشكلٍ أربكها.

أما هو، فما إن رفع عينيه حتى التقت عيناه بعينيها.

توقفت خطواته.

وتوقفت هي الأخرى.

ثوانٍ قليلة فقط...

لكنها بدت وكأنها ساعات طويلة.

كانت عينا تميم تحملان الكثير من الأسئلة، بينما حاولت ليان إخفاء كل ما يدور داخلها خلف ملامح جامدة.

ثم ابتعدت عيناها عنه سريعًا.

ـ ليان: اتفضل يا تميم... خطيبتك أهي.

نظر إليها تميم بصدمة واضحة.

ثم انتقلت عيناه إلى يارا التي كانت تجلس في انتظار وصوله.

عاد ينظر إلى ليان، وكأنه يريد أن يقول شيئًا...

لكنها لم تمنحه الفرصة.

ـ ليان: روحلها، مينفعش البنت تفضل مستنياك كل ده.

قالتها بنبرة هادئة، لكنها كانت تخفي خلفها الكثير.

ثم استدارت وتركت المكان.

وقف تميم مكانه للحظات وهو يتابع ابتعادها بعينيه.

كان يعلم أن شيئًا ما تغير.

لكن ما الذي تغير؟

ولماذا شعر بانقباضٍ غريب في صدره عندما رأى الحزن في عينيها؟

قطع يارا أفكاره.

ـ يارا: تميم...

التفت إليها.

ـ يارا: تميم، أنت ليه مش بترد عليا؟

اقترب منها قليلًا، ثم قال ببرود:

ـ تميم: إنتِ إزاي تيجي هنا؟

ـ يارا: بكلمك ومش بترد عليا.

نظر إليها تميم لثوانٍ قبل أن يقول:

ـ تميم: كل حاجة بينا خلصت يا يارا.

اتسعت عيناها، وكأنها كانت تتمنى ألا تسمع تلك الجملة.

ـ يارا: أنت عارف إن اللي حصل كان من غير ما أقصد... كانت غلطة.

ابتسم تميم بسخرية .

ـ تميم: غلطة؟

صمت للحظة، ثم تابع:

ـ تميم: غلطة إنك تكذبي عليا وتقولي إن والدك متوفي وهو محبوس؟

خفضت يارا عينيها.

ـ يارا: كنت خايفة تسيبني.

ـ تميم: لو كنتِ خايفة أسيبك، مكنتيش كذبتي من الأول.

ـ يارا: أنا آسفة.

ـ تميم: امشي من هنا يا يارا، ده مش وقت كلام.

اقتربت منه خطوة.

ـ يارا: بتعمل كده عشـان غلطة؟

نظر إليها بثبات.

ـ تميم: يااه... غلطات، مش غلطة واحدة.

ارتبكت يارا.

ـ تميم: قولتي قبل كده إن أخوكي مسافر، وهو هنا... بس برضو محبوس.

رفعت عينيها إليه بسرعة.

ـ يارا: أنت عرفت إزاي؟

ظهرت ابتسامة ساخرة على وجه تميم.

ـ تميم: مفيش حاجة معرفهاش يا يارا.

صمت للحظة، ثم قال:

ـ تميم: بس كنت مخليكي تكملي اللعبة للآخر.

ابتلعت يارا ريقها بصعوبة، ثم مسحت دموعها.

وبدلًا من أن تخاف...

ابتسمت.

كانت ابتسامة جعلت تميم يضيق عينيه بحذر.

ـ يارا: بس حلوة ليان.

لم يجبها.

فقط نظر إليها بنظرات ثابتة وباردة.

ـ يارا: تفتكر لو اتقتلت... ممكن تكون جثتها حلوة برضو؟

في لحظة، تغيرت ملامح تميم تمامًا.

رفع مسدسه في اتجاهها.

لم يتراجع خطوة واحدة.

ـ تميم: اطلعي بره يا يارا.

نظرت إلى السلاح، ثم رفعت عينيها إليه من جديد.

ـ يارا: هخرج يا تميم...

ابتسمت ابتسامة غامضة.

ـ يارا: بس صدقني... مش هسيبك.

أنزل تميم سلاحه ببطء، ثم لفه حول إصبعه قبل أن يعيده إلى جيبه.

كانت عيناه لا تزالان ثابتتين عليها.

ـ تميم: ماشي...

ثم ابتسم ابتسامة خالية من أي دفء.

ـ تميم: مستني ردة فعلك.

ـ يارا: استنى... وهتشوف.

ثم استدارت وخرجت.

ظل تميم واقفًا في مكانه للحظات.

لكنه لم يكن يفكر في يارا فقط...

كان يفكر في ليان.

في الطريقة التي نظرت بها إليه.

في نبرة صوتها.

وفي تلك الجملة البسيطة التي قالتها قبل أن ترحل:

"خطيبتك أهي."

ولأول مرة...

لم يشعر بالراحة تجاهها ...

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

في الأعلى...

في غرفة ليان...

كانت تجلس على طرف السرير، ثم ما لبثت أن استلقت واحتضنت وسادتها بقوة، بينما تساقطت دموعها بصمت.

حاولت أن تقنع نفسها بأن الأمر لا يعنيها.

لكن قلبها كان يرفض الاستماع إليها.

ـ ليان: أنا الغلطانة...

شهقت وهي تمسح دموعها.

ـ ليان: أنا اللي اتعلقت من الأول بحاجة مش بتاعتي.

أغمضت عينيها بقوة.

كانت تكره شعورها هذا.

تكره أنها أصبحت تهتم بنظراته وكلامه وتصرفاته.

تكره أنها شعرت بالغيرة من فتاة لا تعرف عنها شيئًا.

والأسوأ...
أنها لم تكن تملك أي حق في ذلك.

ـ ليان: هو حر...

قالتها بصوتٍ ضعيف، وكأنها تحاول إقناع نفسها.

ـ ليان: دي حياته... وأنا مالي؟

لكن دموعها كانت الإجابة الوحيدة.

وفجأة...

دق الباب.

اعتدلت ليان في جلستها بسرعة، ومسحت دموعها قبل أن تسمح لأي شخص بالدخول.

ـ المساعدة: ليان هانم؟

حاولت ليان جعل صوتها طبيعيًا.

ـ ليان: أيوه يا نانا؟

ـ المساعدة: يلا عشان الأكل جاهز.

نظرت ليان إلى الباب للحظات.

ـ ليان: حاضر... شوية وجاية.

ـ المساعدة: حاضر يا هانم.

ابتعدت المساعدة عن الباب.

جلست ليان للحظات وهي تحدق في الفراغ.

ثم أخذت نفسًا عميقًا، ومسحت آثار دموعها، وقررت النزول.

لم تكن تريد أن يلاحظ أحد ضعفها.

وبالأخص...

هو.

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

في الأسفل...

كان تميم يقف أمام الباب، يتفقد ساعته بين الحين والآخر.

كان ينتظر ليان حتى تنزل ليذهبا إلى الشركة.

وبعد دقائق...

ظهرت ليان على الدرج.

رفع تميم عينيه إليها.

ولاحظ فورًا أن ملامحها ليست كما اعتاد أن يراها.

كانت عيناها متعبتين، ووجهها شاحبًا قليلًا.

لكنه لم يسأل.

فقط ظل يتابعها بعينيه حتى وصلت إلى الأسفل.

ذهبت ليان إلى المساعدة.

ـ ليان: أنا رايحة الشركة يا نانا.

نظرت إليها المساعدة باستغراب.

ـ المساعدة: بس إنتِ مكلتيش حاجة.

ـ ليان: مش جعانة.

ـ المساعدة: يا بنتي كلي لقمتين حتى.

ابتسمت ليان ابتسامة صغيرة.

ـ ليان: لما أرجع.

لم تقتنع المساعدة، لكنها أومأت لها.

خرجت ليان من المنزل، وسار خلفها تميم.

صعدت إلى السيارة دون أن تقول كلمة.

ولحق بها تميم، ثم جلس خلف المقود.

انطلقت السيارة.

كان الصمت يملأ المكان.

ليان تنظر من النافذة، بينما كان تميم يختلس النظر إليها من حينٍ لآخر.

كان يريد أن يسألها:

"مالك؟"

لكنه لم يعرف لماذا شعر أنها لن تجيبه.

وبعد عدة دقائق...

توقفت السيارة فجأة.

نظرت ليان إلى تميم باستغراب.

فقد كانت هذه أول مرة يتوقف فيها أثناء الطريق دون أن يخبرها بشيء.

ـ ليان: في حاجة؟

ـ تميم: لا... هجيب حاجة.

ثم نظر إليها.

ـ تميم: عايزة حاجة أجيبهالك معايا؟

ـ ليان: لا، شكرًا.

أومأ لها، ثم نزل من السيارة.

راقبته ليان من خلال الزجاج وهو يتجه نحو مول كبير.

ظلت جالسة تنتظره.

مرت دقيقة...

ثم دقيقتان...

وثلاث...
وبعد 15 دقيقه...

وفجأة فُتح باب السيارة.

دخل تميم وهو يحمل علبة طعام، ومعها عصير.

مد يده بها إليها.

نظرت ليان إلى الأشياء بين يديه، ثم رفعت عينيها إليه باستغراب.

ـ ليان: إيه ده؟

ـ تميم: خرجتي من غير ما تأكلي.

نظرت إلى الطعام، ثم إليه.

ـ ليان: بس أنا قلتلك مش جعانة.

ـ تميم: وأنا مصدقتش.

سكتت للحظة.

ثم أخذت العلبة منه.

ـ ليان: شكرًا.

ـ تميم: لا شكر على واجب.

ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهها رغمًا عنها.

فتح تميم كوب القهوة الخاص به وبدأ يشرب.

بينما بدأت ليان في تناول الطعام.

وبعد لحظات، رفعت عينيها إليه.

ـ ليان: إنت كلت؟

ـ تميم: أيوه.

ـ ليان: إمتى؟

ـ تميم: الساعة ستة الصبح.

اتسعت عيناها.

ـ ليان: بدري أوي.

ابتسم.

ـ تميم: متعود على كده.

أومأت ليان، ثم عادت إلى طعامها.

لكن عقلها كان منشغلًا بسؤال آخر.

ظلت للحظات مترددة...

هل تسأله؟

أم تصمت؟

لكن فضولها انتصر في النهاية.

ـ ليان: خطيبتك عسولة... ما شاء الله.

توقف تميم عن الشرب للحظة.

ثم نظر إليها.

كانت ليان تتحدث بنبرة حاولت جعلها طبيعية.

لكنه شعر بشيء آخر خلف كلماتها.

لم يرد أن يخبرها بما حدث.

لم يكن يريد أن يشوه صورة يارا أمامها، ولا أن يفتح معها حديثًا قد يجعلها تسأل عن علاقته بها.

فاكتفى بابتسامة بسيطة.

ـ ليان: فرحك إمتى؟

نظر إليها تميم لثوانٍ.

ـ تميم: لسه متحددش.

أومأت ليان.

ثم أغلقت علبة الطعام فجأة.

لاحظ تميم ذلك.

ـ تميم: خلصتي؟

ـ ليان: أيوه.

ثم قالت وهي تنظر أمامها:

ـ ليان: نقدر نمشي؟

أومأ تميم.

ـ تميم: طبعًا.

شغل السيارة وانطلق بها.

لكن هذه المرة...

لم يكن الصمت بينهما عاديًا.

كان كل واحد منهما يخفي شيئًا.

ليان تخفي غيرتها...

وتميم يخفي حقيقة يارا.

ولم يكن أيٌّ منهما يعلم أن الأيام القادمة ستجبرهما على مواجهة كل ما يحاولان الهروب منه.

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

في الشركة...

وصلت السيارة أمام المبنى.

نزل تميم أولًا، ثم فتح لها الباب.

نزلت ليان دون أن تنظر إليه طويلًا، واتجهت إلى الداخل.

صعدت إلى مكتبها، بينما سار تميم خلفها.

كان كل شيء يبدو طبيعيًا...

حتى فتحت ليان باب مكتبها.

توقفت فجأة.

اتسعت عيناها بصدمة.

أما تميم، فما إن نظر إلى داخل المكتب حتى تغيرت ملامحه هو الآخر.

كان هناك شيء لم يكن من المفترض أن يكون موجودًا هنا.

شيء جعل ليان تشعر بأن قلبها سقط من مكانه...

                   الفصل التاسع من هنا
لقراءة باقي الفصول من هنا

تعليقات



<>