الفصل الثاني2
بقلم احلام كاتب
لم تكن الصدفة تلك المرة عابرة كما ظننت…
كانت أقرب إلى اختبارٍ صامت، كأن الحياة قررت أن تضعني في طريقه مرة أخرى دون إنذار.
خرجت من المكان وأنا أحاول أن أقنع نفسي أن ما حدث مجرد لحظة عادية، شيء عابر لا يستحق كل هذا الاضطراب بداخلي… لكن قلبي كان له رأي آخر.
كل خطوة كنت أبعد فيها، كان هو يقترب أكثر داخل رأسي، كأنه لم يغادر من الأساس.
وفجأة…
سمعت صوته من الخلف.
"استني…"
تجمدت مكاني.
لم ألتفت في البداية، كأن الالتفات نفسه اعتراف بشيء لا أريد الاعتراف به.
لكن الصوت تكرر، هذه المرة أقرب.
التفت ببطء…
وكان هو.
واقفًا أمامي، نفس الملامح، نفس الهدوء… لكن هناك شيء مختلف.
شيء لا أستطيع تفسيره بسهولة.
سكتنا للحظات طويلة، وكأن الكلمات تقف بيننا ولا تجد طريقها.
قال أخيرًا بصوت منخفض:
"مش متوقعتش أشوفك هنا…"
ابتسمت ابتسامة خفيفة، لا أعرف هل كانت حزن أم محاولة تماسك:
"وأنا كمان…"
لكن الحقيقة أنني كنت أراه في كل مكان، حتى قبل هذه اللحظة.
سألني بعدها:
"أخبارك إيه؟"
سؤال بسيط… لكنه حمل في داخله كل السنوات اللي فاتت.
ترددت قبل ما أقول:
"كويسة…"
كلمة واحدة فقط، لكنها كانت أكذب إجابة قلتها في حياتي.
نظر لي طويلاً، وكأنه يحاول يقرأ ما وراء كلماتي، ثم قال فجأة:
"لسه زي ما أنتي… مش بتعرفي تكذبي كويس."
سكت.
لأن الرد كان سيكشف أكثر مما أحتمل.
مرّ صمت ثقيل بيننا، لكنه لم يكن صمت غريب… كان صمت يعرفنا.
وفجأة قال:
"أنا كنت فاكر إنك نسيتي."
رفعت عيني له بسرعة:
"ونت؟"
تردد للحظة، ثم قال:
"أنا؟ لا…"
كلمة واحدة كانت كافية لتفتح باب كنت أظنه اتقفل من زمان.
لكن قبل ما أسمح لنفسي أضعف، جاء صوت من بعيد يناديه…
فالتفت بسرعة، كأن الحياة قررت تقطع اللحظة قبل ما تكمل.
نظر لي نظرة أخيرة، كانت أطول من أي كلام ممكن يتقال، ثم قال:
"هنكمل كلامنا بعدين…"
ورحل.
لكن المشكلة الحقيقية لم تكن أنه رحل…
المشكلة أن شيئًا بداخلي تحرك لأول مرة من زمان، وكأن الصدفة لم تكن صدفة، بل بداية طريق كنت أهرب منه.
وقفت مكاني، وأنا بسأل نفسي سؤال واحد:
هل هو رجع…
ولا أنا اللي عمري ما عرفت أودعه؟
