رواية صدفه علي مقاس قلبي
الفصل الثامن8
بقلم احلام كاتب
لم تكن تلك الليلة عادية…
كان في الجو شيء ثقيل، شيء يشبه النهاية… أو ربما البداية التي لا تشبه أي شيء سابق.
وقفت سلمى أمام نافذتها، تحدق في الشارع الفارغ، بينما عقلها يعيد نفس المشهد مرارًا وتكرارًا…
صوته، نظراته، وبروده المفاجئ.
همست لنفسها بصوت مكسور:
"هو إزاي قدر يتغير كده؟… ولا أنا اللي مكنتش فاهمة؟"
رن هاتفها فجأة، فانتفض قلبها قبل يدها.
نظرت إلى الشاشة…
رقم غريب.
ترددت لثوانٍ، ثم ضغطت على زر الإجابة.
"ألو؟"
جاءها صوت فتاة، هادئ… لكنه يحمل نبرة غريبة:
"أنتِ سلمى؟"
تجمدت ملامحها:
"أيوه… مين معايا؟"
سكتت الفتاة لحظة، ثم قالت جملة واحدة قلبت كل شيء:
"أنا اللي خطيبها."
سقط الهاتف من يد سلمى…
لكن الكلمات لم تسقط من رأسها.
"أنا اللي خطيبها."
رجعت خطوتين للخلف وكأن الأرض لم تعد ثابتة تحت قدميها.
"خطيبها؟!… مين؟!…"
التقطت الهاتف بسرعة، ويدها ترتعش:
"أنتِ تقصدي مين؟!"
جاء الرد ببرود:
"يوسف."
صمت…
صمت طويل لدرجة أنها سمعت صوت دقات قلبها بوضوح.
"أنتِ بتكذبي… صح؟!"
ضحكة خفيفة خرجت من الطرف الآخر:
"كنت أتمنى ده… بس الحقيقة عمرها ما بتتخبى."
أغلقت سلمى الهاتف فجأة، كأنها تهرب من الصوت… من الحقيقة… من كل شيء.
جلست على الأرض، ودموعها تنزل بصمت…
لكن عقلها كان يصرخ.
"يوسف؟! خطيب؟!… إزاي؟!… وإمتى؟!… وليه أنا معرفتش؟!"
وفي نفس اللحظة…
كان يوسف يقف أمام باب بيتها.
يده مرفوعة ليطرق…
لكن قلبه كان أثقل من أنه يتحرك.
"أنا لازم أقولها الحقيقة… كفاية كده."
قبل أن يطرق الباب، انفتح فجأة.
ظهرت سلمى أمامه…
عيونها حمراء، لكن نظرتها كانت مختلفة…
باردة.
اتصدم يوسف:
"سلمى…"
قاطعته بسرعة:
"هي مين؟"
ارتبك:
"مين؟"
قربت منه خطوة، وصوتها كان حاد:
"البنت اللي قالتلي إنها خطيبتك."
صمت يوسف…
صمت كان كفيل يجاوب على كل الأسئلة.
ضحكت سلمى بسخرية، ودموعها بتنزل:
"حلو… بجد حلو."
مد إيده ناحيتها:
"اسمعيني بس—"
بعدت عنه فورًا:
"لا!… أنا سمعت كفاية."
سكتت لحظة، ثم قالت بصوت منخفض لكنه مليان وجع:
"كنت فاكرة إنك مختلف… بس واضح إني كنت غبية."
"سلمى، الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة—"
صرخت فيه:
"أمال زي إيه؟! تقولّي!"
سكت يوسف… ثم قال بصعوبة:
"أنا… مكنتش عايزك تعرفي بالطريقة دي."
اتجمدت ملامحها:
"يعني هو حقيقي؟!"
نزل بعينيه للأرض…
وده كان الرد.
رجعت سلمى خطوة، وكأنها بتبعد عن واقع مش قادرة تستوعبه:
"كنت ناوي تقولّي إمتى؟ بعد الجواز؟ ولا لما تزهق مني؟!"
رفع عينه لها بسرعة:
"أنا عمري ما كنت بلعب بيكي!"
"أمال ده اسمه إيه؟!"
قبل ما يرد…
جاء صوت من خلفه:
"يوسف… أنت هنا؟"
التفتوا الاتنين…
كانت نفس الفتاة.
واقفة على بعد خطوات…
بتبص لسلمى بنظرة فيها تحدي واضح.
قربت منهم بهدوء، ووقفت جنب يوسف:
"واضح إنك عرفتِ."
بصتلها سلمى بجمود:
"للأسف."
مدت الفتاة إيدها بثقة:
"أنا ليلى."
لم تنظر سلمى ليدها… فقط قالت:
"مش مهتمة."
ابتسمت ليلى ابتسامة خفيفة، وكأنها متوقعة الرد:
"عادي… بس كنت حابة نتقابل في ظروف أحسن من كده."
ردت سلمى بسرعة:
"وأنا كنت حابة ما نتقابلش خالص."
التوتر كان في أعلى مستوياته…
والهواء بينهم كان تقيل لدرجة الاختناق.
يوسف حاول يتدخل:
"بس كفاية—"
لكن سلمى رفعت إيدها تمنعه:
"لا، خلينا نخلص."
نظرت ليوسف نظرة أخيرة…
نظرة كانت مليانة ألف كلمة… وألف وجع.
وقالت بهدوء مخيف:
"إنت بالنسبة لي… خلصت."
ثم دخلت وأغلقت الباب بقوة.
صوت الباب كان كأنه نهاية فصل كامل…
لكن الحقيقة؟
كان مجرد بداية لعاصفة جاية.
يوسف وقف مكانه، مش قادر يتحرك…
كأن كل حاجة انهارت في لحظة.
أما ليلى… فكانت تراقب الموقف بصمت، ثم قالت:
"شكلها كانت مهمة عندك."
لم يرد.
نظرت له بعمق:
"بس للأسف… بعض القصص ملهاش نهاية سعيدة."
رفع يوسف عينه لها…
وقال بجملة واحدة، لكنها كانت مليانة ندم:
"النهاية لسه ما جاتش."
وفي الداخل…
كانت سلمى تسند ظهرها على الباب، ودموعها تنزل بلا توقف…
لكن وسط الألم…
كان في إحساس غريب بدأ يكبر بداخلها.
إحساس إن الحقيقة لسه ناقصة…
وإن اللي حصل… مش كل الحكاية.
مسحت دموعها ببطء…
وهمست لنفسها:
"أنا مش هسكت… وهعرف كل حاجة."
لكنها لم تكن تعلم
