رواية وكفي بها فتنة الفصل السابع والثلاثون37 بقلم ايه نصار

رواية وكفي بها فتنة 

الفصل السابع والثلاثون37

بقلم ايه نصار

مرّت ثلاث ساعات...


ولا يزال جلال الشرقاوي جالسًا في الممر المقابل لغرفة العمليات، محدقًا في الباب المغلق، كأن الزمن توقف عند اللحظة التي أُعلن فيها الخبر.


لم يتحرك...


لم يتحدث...


حتى إن دموعه جفّت من كثرة ما سقط منها.


✦ ───────────────────────── ✦


اقترب منه أحد الأطباء، وانحنى قليلًا وهو يقول بهدوء:


"حضرتك... لازم يتم تحرير محضر. الإصابة بطلق ناري، ودي جريمة قتل، ولازم تثبت في الأوراق الرسمية. وكمان محتاجين ننقل الجثمان من غرفة العمليات علشان تبدأ إجراءات التعقيم."


✦ ───────────────────────── ✦


كانت الكلمات تمر على سمع جلال...


لكنه لم يفهمها.


ظل ينظر إلى الطبيب طويلًا...


كأن الرجل يتحدث عن شخصٍ آخر...


عن ابن رجلٍ آخر...


وليس عن فلذة كبده.


✦ ───────────────────────── ✦


حرّك شفتيه بصعوبة، وهمس بصوتٍ يكاد لا يُسمع:


"مين...؟"


ثم أعاد السؤال مرة أخرى، وعيناه تائهتان:


"بتتكلم عن مين؟"


✦ ───────────────────────── ✦


ساد صمتٌ ثقيل.


وفي تلك اللحظة...


أدرك جلال أن الطبيب لا يتحدث عن أحدٍ سواه...


بل عن ابنه...


عن حازم.


✦ ───────────────────────── ✦


راح يُحدق في الفراغ أمامه...


يتمنى لو أن كل ما يحدث ليس إلا كابوسًا طويلًا...


وأنه بعد لحظاتٍ سيفتح عينيه...


ليجد حازم واقفًا أمامه، يبتسم كعادته، ويقول:


"مالك يا بابا... سرحت في إيه؟"


لكن...


لم يستيقظ أحد.

✦ ───────────────────────── ✦


ظل جلال جالسًا في مكانه، لا يشعر بمرور الوقت...


حتى شعر بيدٍ تهز كتفه برفق.


رفع رأسه ببطء...


فوجد ياسين واقفًا أمامه.


✦ ───────────────────────── ✦


ياسين، بصوتٍ أنهكه الحزن:


"يلا يا عمي... لازم نبدأ نجهز لدفن حازم."


✦ ───────────────────────── ✦


وقبل أن يجيبه...


عاد الطبيب مرة أخرى وقال بهدوء:


"يا فندم... لازم يتم تحرير محضر رسمي. دي إصابة بطلق ناري، ودي جريمة قتل، ولازم تثبت في التحقيقات."


✦ ───────────────────────── ✦


نظر إليه ياسين، ثم قال بثباتٍ يخفي خلفه بركانًا من الغضب:


"تمام يا دكتور... أنا ظابط، وهتولى كل الإجراءات."


هز الطبيب رأسه في تفهم...


ثم غادر المكان.


✦ ───────────────────────── ✦


حاول جلال أن ينهض، وقال بصوتٍ متهالك:


"أنا هروح البيت... أشوف ترتيبات الدفن..."


✦ ───────────────────────── ✦


لكن ياسين أوقفه قبل أن يُكمل.


ونظر إليه بعينين لم يبق فيهما أثر للدموع...


بل امتلأتا بعهدٍ لا رجعة فيه.


وقال في هدوءٍ أخطر من الصراخ:


"الدفن هيتم... لأن دي سنة الحياة."


ثم سكت لحظة...


وأكمل:


"حازم هيتدفن النهارده... لكن عزاه الحقيقي هيكون يوم ما حقه يرجع."


✦ ───────────────────────── ✦


ساد الصمت...


ولأول مرة...


أدرك جلال أن ياسين لم يعد ذلك الشاب الذي دخل المستشفى مع حازم...


بل خرج منها رجلًا يحمل على كتفيه ثأر عمرٍ كامل.

✦ ───────────────────────── ✦


نظر إليه جلال طويلًا...


ثم قال بصوتٍ أنهكه الحزن:


"حازم مات يا بني..."


وسكت لحظة، كأنه يجد صعوبة في نطق اسم ابنه.


ثم أكمل:


"صدقني... اللي راح مش هيرجع."


"أنا خسرت ابني... ومش مستعد أستحمل فكرة إني أخسرك إنت كمان."


✦ ───────────────────────── ✦


ظل ياسين ينظر إليه في صمت...


لم يجادله...


ولم يحاول إقناعه.


كان يعلم أن الكلمات لن تُداوي قلب أبٍ فقد فلذة كبده.


✦ ───────────────────────── ✦


فاكتفى بأن هز رأسه في هدوء...


وتركه يفعل ما يراه صوابًا.


أما هو...


فقد كان قد حسم أمره منذ اللحظة التي فارق فيها حازم الحياة.


✦ ───────────────────────── ✦


وأقسم بينه وبين نفسه...


أنه لن يهدأ له بال...


ولن يغمض له جفن...


حتى يرى كل من امتدت يده إلى حازم ينال جزاءه.


ولو كان ذلك...


آخر يومٍ في عمره.


✦ ───────────────────────── ✦


فتحت تيا عينيها ببطء...


كانت الرؤية ضبابية، ورأسها يكاد ينفجر من الألم.


أخذت تنظر حولها في صمت...


إلى أمها...


إلى هنا...


إلى تقى...


لكن شيئًا واحدًا لفت انتباهها...


تلك النظرة.


نظرة الخوف...


والشفقة...


والحزن الذي لم تستطع أي واحدةٍ منهن إخفاءه.


✦ ───────────────────────── ✦


عقدت حاجبيها في حيرة...


ثم بدأت ذاكرتها تستعيد ما حدث...


المستشفى...


غرفة العمليات...


انتظارٌ طويل...


بابٌ يُفتح...


وطبيب...


وكلمة...


كانت كفيلة بأن تهدم عالمًا بأكمله.


✦ ───────────────────────── ✦


اتسعت عيناها فجأة...


وتجمدت ملامحها.


راحت تنظر إليهن واحدةً تلو الأخرى...


وكأنها تنتظر من إحداهن أن تنفي ما تذكرته.


لكن...


لم ينبس أحدٌ بحرف.


كان الصمت...


أصدق من أي إجابة.


✦ ───────────────────────── ✦


نهضت من فوق السرير دون أن تقول شيئًا...


تجاوزتهن جميعًا...


وخرجت من الغرفة بخطواتٍ متعثرة.


✦ ───────────────────────── ✦


وما إن اقتربت من نهاية الممر...


حتى وصل إلى سمعها صوت جلال...


ثم صوت ياسين...


يتحدثان عن الدفن...


والعزاء.


✦ ───────────────────────── ✦


توقفت مكانها...


وكأن الأرض سُحبت من تحت قدميها.


أغمضت عينيها لثانية...


ثم فتحتهما ببطء.


لا...


إذًا لم يكن كابوسًا...


لم يكن وهمًا...


لقد حدث حقًا.


حازم...


قد رحل.


✦ ───────────────────────── ✦


انهمرت دموعها في صمت...


دون شهقات...


دون صراخ...


وكأن الدموع وحدها هي التي بقيت قادرة على الكلام.


ثم بدأت تتحرك...


بخطواتٍ ثقيلة...


تتقدم خطوة...


وتتراجع أخرى...


حتى وقفت أمام ياسين...


ورفعت عينيها إليه...


ولم تستطع أن تنطق بحرفٍ واحد.

✦ ───────────────────────── ✦


نظرت إليه تيا...


كانت عيناها ممتلئتين بالدموع، لكن لسانها ظل عاجزًا عن تصديق الحقيقة.


ظلت صامتة للحظات...


ثم خرج صوتها مرتجفًا:


"قولي إن اللي بيحصل ده مش حقيقي يا ياسين..."


"قولي إن ده كدب... قولي إنهم طلعوا بيكدبوا علينا وإنه عايش."


✦ ───────────────────────── ✦


لكن صمته كان أقسى من أي إجابة.


فانهارت دموعها أكثر...


ورفعت قبضتها تضرب صدره وهي تبكي:


"ساكت ليه؟!"


"مش بتقولي حاجة ليه؟!"


"يعني خلاص... مات؟"


"حازم مات؟!"


✦ ───────────────────────── ✦


ارتجف صوتها وهي تردد كأنها تحاول استيعاب الكلمات:


"مش هشوفه تاني؟"


"مش هيقف قدامي تاني؟"


"مش هسمع صوته تاني؟"


ثم شهقت وهي تقول:


"خلاص..."


"طيب ووعده ليا؟"


"كلامه إنه هيرجعلي..."


"وإنه مش هيسبني..."


✦ ───────────────────────── ✦


وضعت يدها على صدرها وكأن الألم أصبح أكبر من قدرتها على الاحتمال:


"طلع مش حقيقي؟"


"كان بيكدب عليا ليه يا حازم؟"


"ليه قولتلي هرجعلك... ومرجعتش؟"


✦ ───────────────────────── ✦


ارتفع صوتها حتى امتلأ به الممر...


ثم خارت قوتها فجأة.


سقطت على الأرض...


وضمت نفسها وهي تبكي:


"لا..."


"مستحيل..."


"ده مش عدل..."


ثم رفعت عينيها للسماء، وكأنها تبحث عن إجابة:


"أكيد ربنا مش هيظلمني كده..."


✦ ───────────────────────── ✦


ظل ياسين ينظر إليها...


كان يرى الانهيار أمامه، يرى إنسانة فقدت آخر شيء كانت تتمسك به.


بدأت الدموع تتجمع في عينيه...


لكنها توقفت هناك.


تحجّرت...


وكأن حتى الدموع عجزت عن الخروج أمام هذا الألم.


✦ ───────────────────────── ✦


لم يكن يعلم ماذا يقول...


فما الذي يمكن أن يُقال في لحظة كهذه؟


أي كلماتٍ ستعيد لها من فقدته؟


وأي مواساةٍ تستطيع أن تُرمم قلبًا تحطم منذ لحظات؟


✦ ───────────────────────── ✦


وكانوا جميعًا يتابعون المشهد بصمت...


والدتها التي كانت ترى ابنتها تغرق في حزنٍ لم تستطع انتشالها منه.


وهنا التي لم تتوقف دموعها عن السقوط، وهي ترى أختها للمرة الأولى بهذا الانهيار.


وتقى...


التي وقفت عاجزة أمام ألم صديقتها، لا تملك سوى أن تبكي معها.


✦ ───────────────────────── ✦


كانوا جميعًا واقفين...


يشعرون بالعجز.


يريدون أن يفعلوا شيئًا...


أي شيء.


لكن بعض الآلام لا تحتاج إلى يدٍ تمتد إليها...


بل تحتاج فقط إلى وقتٍ يعلّم القلب كيف يحملها

           الفصل الثامن والثلاثون من هنا

لقراءة باقي الفصول اضغط هنا

تعليقات



<>