
الفصل العاشر
قرارات فاصلة
ما أن خرجت مي من باب الفيلا حتى نزل من سيارته وتحرك لها وهي لا تراه حتى وقف بينها وبين سيارتها الزرقاء وقال "لماذا لا تجيبين على اتصالاتي مي؟"
تراجعت من المفاجأة ورفعت عيونها التي لم يختفي تعب السهر منها تحت المساحيق وتحرك الغضب داخلها وهي تبعد صدمتها بوجوده جانبا وقالت "لأني لا أريد أي اتصالات بيننا ظافر"
انحنى عليها وقال "ولكني بحاجة لأن تسمعيني، أنا لم أرتكب أي جريمة بحقك كي ترفضي حتى الحديث معي"
تراجعت وقالت "أنا أرفض أي حديث مع أي رجل يخدعني"
هتف محاولا مراعاة الشارع "أنا لم أفعل مي، أنتِ حتى لا تريدين معرفة الحقيقة"
قالت محاولة منع أي ضعف "وما الذي يجعلني أصدق أنها الحقيقة؟ لماذا لا تكون رغبتك بي مثل شاكر وترغب بخداعي و.."
قاطعها بحزم "أنا أريد الزواج بكِ مي"
توقفت وفمها مفتوح والصدمة الجديدة تضربها مرة أخرى ولكنها صدمة قوية وخيالية، ظافر الحلواني ليس رجل زواج لذا أن ينطق بكلماته هذه يجعلها لا تصدق جديته
أدرك صدمتها من كلماته ولف وجهه لمن حوله ثم عاد لها وقال "فقط دعينا نجلس بمكان ونتحدث بهدوء وكل ما تريدين إلقائه بوجهي القيه وسأسمعك"
كانت تريد الرفض، لا يمكنها أن تثق به وتصدقه وحتى لو هي لا ترغب بأي ارتباط بالوقت الحالي لذا قالت "أنا لا أريد أي ارتباط ظافر، لا أريد أي رجال"
نفخ ورفع يده لشعره وهو يحدق بوجهها ثم قال "لنجلس ونتحدث فقط وبعدها سأحترم قرارك"
لم تجادله أكثر وهي تهز رأسها فقال "هناك مكان جيد اسمه..، نلتقي به"
وانتظر حتى دخلت السيارة فتحرك لسيارته وتبعها
****
دق باب مكتب راكان فرفع وجهه عن الجهاز وأذن ليرى سارة تدخل بملابسها التقليدية من الجينز القديم والبلوزة الباهتة وقالت "لن أرتدي ما أرسلته لي فادخر أموالك لمشاريعك الخاصة"
تراجع بالمقعد وهو يتابعها تتحرك تجاه مكتبه وقال "وتلك الملابس هي ما تروق لك؟ هيا سارة اعترفي أنها لا تليق بالمدينة"
جلست أمامه وقالت "لن أذهب مع أحد لأي مكان أظن أني بحاجة للعودة للمزرعة"
نهض وتحرك ليجلس أمامها وقال "هل مللت بسرعة هكذا أم أن الرحلات لم تكن جيدة؟ ما زال لدي الكثير لك"
نفخت وقالت "لا راكان لست بحاجة للمزيد أنا لا أشعر بالراحة هنا، أريد مزرعتي وحيواناتي والأحصنة، أريد حياتي التي اعتدت عليها"
أسند رأسه على أصابعه وقال "تعلمين أني لن أمانع بعودتك ولكني ظننت أنكِ سعيدة مع حاتم وجولاتك معه، الرجل تقريبا تفرغ لك"
تورد وجهها وهي تدرك ذلك، منذ ذلك الحفل وهو لا يتركها لا بالخارج ولا بالاتصالات التي لا تنتهي، حتى أنها زارت معه مواقع التصوير ونشرت الميديا بعض الصور لهما سويا وأسئلة دارت حولهما بلا إجابة، ومع ذلك هي ترى أن حياتها معه لن تظل هكذا بلا معنى، سيمل منها ويرحل وقلبها الذي بدأ يتعلق به سيتألم من الجرح لذا عليها أن تأخذ هي الخطوة قبل الألم
قالت بعد تفكير "حاتم رائع حقا ولكن بالنهاية سيعود لعمله ومعجباته وسأجد نفسي بلا شيء"
تفهم وانتظر أن تكمل ولكنها لم تفعل فقال "أتمنى ألا يكون قلبك قد سقط؟"
رفعت عيونها له لحظة قبل أن تقول "سقط قلبي؟"
هز رأسه وقال "بالحب؟ حاتم يعرف جيدا كيف يوقع الفتيات حاولت تحذيرك من غروره ونزواته ولكن عنادك منعك من الاستماع لي"
نهضت وتحركت وهي تعصر أصابعها وقالت "لا، ولكني أخشى من أن أحبه وبعدها يتركني لذا أريد البعاد"
ظل ثابتا يتأملها فالتفتت له وقالت "حاتم حياته شائكة راك، كما وأنني لا أليق به أقصد أني فتاة ريفية لا أعرف كيف أكون مثل النساء التي يعرفهن، ربما هو منبهر بي مثلي ومع الوقت سيرحل الانبهار وتتضح الحقيقة ووقتها يندم كلانا"
نهض وتحرك واقفا أمامها وقال "لا أنكر انبهاري بعقلك وتفكيرك مما يجعلني لا أخاف عليكِ، لكن ليست العودة هي الحل، ماذا لو تبعك لهناك؟ ماذا لو وجدتِ الألم بالبعاد؟ عليكِ بمواجهة الأمر حبيبتي لا الهرب منها، انهي العلاقة وابحثي عن حياة جديدة، يمكنك البحث عن عمل، إكمال دراستك، ممارسة أي هواية وأنا معك وإن فشلتِ عودي، فقط احذري من حاتم هو لا يدوم بعلاقة أكثر من شهور قليلة"
كانت تنظر بعيونه وكلماته الهادئة تدق أبواب عقلها وهي تقول "أعلم ومع ذلك هو يجيد إقناعي وبعد رحيله أجد نفسي غير راضية عن قراري"
لم يشعر بالراحة من كلماتها ولا علاقتها بحاتم، تلك العلاقة هو لا يريدها وحذرها منها مرارا ومع ذلك لن يجبرها على الابتعاد لذا قال "إذن لا تتخذي أي قرار بوجوده واطلبي وقت للتفكير"
كان على حق فقالت "هل تعرف أنه سألني عن سر تمسكي بتلك الملابس؟"
ضحك وقال "كان أفضل مني"
أشاحت بيدها وقالت "أنت لا مثيل لك، هي جزء مني"
ابتعد وقال "أنتِ فقط تخشين لو تنازلِت عنها فهذا يعني تنازلك عن ماضيكِ ولكن الأمر أبسط من ذلك، التغيير شيء رائع والتجربة خلقت لذلك"
عاد لمكتبه وقالت "والتجربة لم تمر عليك"
جلس ورفع وجهه لها بلا فهم وقال "أي تجربة؟"
اقتربت من المكتب وقالت "النساء، ألم تستسلم مرة لامرأة؟"
ابتسم وقال "أنتظر من تملك سلاح قوي لتجعلني أستسلم"
هزت رأسها وقالت "إذن لن تفعل أبدا يا أخي إلا إذا"
وصمتت فحثها على أن تكمل "إلا إذا ماذا؟"
قالت "أسقطك الحب مهزوما"
لم تذهب ابتسامته وهو يقول بصدق "ومن التي ستحب رجل الجميع يشهد بأنه قاتل ومجرم ولا قلب له؟"
تحركت حتى وصلت لمقعده وهو يواجها ونظرت لعيونه الجميلة وقالت "لقد عرفت أنك أنت من تمنح الجميع تلك الفكرة عنك ولا ترغب بتغييرها"
ابتسم وقال "لا يهمني رأي الآخرين سارة ولا يهني وجود امرأة بحياتي فأنا هكذا أفضل صدقيني، ليس لدي وقت للمرأة ورغباتها برجل يمنحها ما تريد من مشاعر واهتمام، لم أعرف سوى العمل"
ظلت نظراتها بعيونه وقالت "لكن عندما ستقع تلك المرأة بطريقك ستجد أنك تعرف تلك المشاعر وستجد وقت لها وستحب وجودها معك والحياة التي ستمنحها لك"
لم يفكر ولم يسمح لحلمها أن يراوده وهو يقول "وقتها سنجد حل سويا أعدك والآن نعود لك، ما زلتِ تريدين الرحيل؟"
ابتسمت وقالت "لماذا تترك لي الأمر ولا تجبرني على البقاء، ألا ترغب بوجودي؟"
قال بهدوء "تعلمين ما الذي أرغب به فأنتِ ذكية يا ابنة زيدان، لكني أدرك أيضا أنكِ لن تقبلي بقراري بأمور تخصك لذا أمنحك حرية الاختيار"
ظلت تتابع نظراته حتى قالت "جد لي عمل إذن، ما رأيك بمزرعة للدواجن؟"
ضاقت عيونه لحظة وهو يفكر حتى قال "لدي واحدة بالفعل، يمكنك العمل بها لو شئتِ، لكن ليس مديرة بالطبع"
ضحكت وقالت "ربما أحمل روث الدجاج وأنا أخت العمدة"
ضحك وقال "سنجد مسمى لمنصبك، ما رأيك؟"
ضحكت وهي سعيدة بتفهمه ولم تعترض
****
رن هاتف سفيان وهو ينزل من الشركة وعندما جذبه رأى اسم تمارا، علاقتهم توطدت بعد الحفل ولم ترفضه وهو وجد جدية بعلاقته بها ولم يفكر بطلب شيء غير مشروع منها فهي كانت واضحة بتصرفاتها معه
أحاب الاتصال "أهلا تمارا كنت سأهاتفك"
تركت لوحة الرسم خاصتها وتحركت للنافذة ووقفت أمامها وقالت "أردت إخبارك بسفري"
توقفت يده على مفتاح السيارة قبل أن يديرها وقال "سفر؟ أي سفر؟ وإلى أين؟"
نبرته جعلتها تشعر باهتمامه مما جعلها سعيدة، منذ بدأت علاقتهم وهي تجد صعوبة بالوثوق به لكن سلوكه معها كان بلا شائبة، ولم تسمع أنه خرج مع امرأة أخرى مما جعلها تنجذب له وربما نست راكان وإعجابها به ومنحته لسفيان الذي أعادها له بأسئلته فقالت
"صاحب الشركة طلب لقاء كل مدراء الفروع بعد الغد بلوس انجلوس ولابد أن أفعل"
أدار السيارة وقال "دعينا نلتقي لنتحدث، سأنتظرك بالمطعم على الرابعة فلدي اجتماع الآن"
قالت بجدية "سفيان لا مجال لعدم السفر، هذا عملي"
الزحام جعله نافد الصبر وهو يقول "ولن ترحلي قبل أن نلتقي ونتحدث فهل اتفقنا؟"
صمتت قليلا ثم قالت "حسنا"
أغلق ونفخ بقوة حتى وصل للمقر الرئيسي لشركتهم ونزل، لم يكن أحد قد وصل وهو يدخل المكتب، تناول كأسا وهو يعيد التفكير بعلاقته عندما انفتح الباب ودخل راكان وهو يقول "أنت مبكر"
تناول مشروبه وقال "أنهيت عملي مبكرا"
تحرك له راكان وقال "ماذا بك؟ تبدو على غير طبيعتك"
التفت سفيان له وقال "تمارا"
هز رأسه وقال "بالتأكيد، هل تشاجرتم؟"
قال وهو يشير بكأسه بالفراغ "لا، لديها عمل بأمريكا وسترحل بعد الغد"
تحرك راكان لمكتبه وجلس خلفه وقال "أنت تعلم أنها شخصية هامة بعملها والسفر وارد"
التفت لراكان وقال "أعلم، أريد أن أتزوجها"
صمت حط على المكان رغم صوت قطعه "ماذا؟"
التفت الاثنان لوافي الذي كان يقف ممسكا بمقبض الباب والذهول على ملامحه، نفخ سفيان وابتعد ورد راكان "ادخل واغلق الباب"
فعل ما قاله وتحرك للداخل وقال "هل يشرح لي أحد ما سمعته؟ سفيان الحلواني يرغب بالسقوط بالهاوية؟"
التفت له سفيان بغضب وقال "ليس وقت المزاح وافي"
جلس وافي ومدد ساقيه أمامه كعادته وقال "أنا لا أفعل، أنا أعلن عن دهشتي سفيان، أنت كنت ترفض الزواج والاستقرار والقيود والخ الخ مما كنت تذكره"
تناول سفيان المشروب وقال "لكل مرحلة ظواهرها وافي وأنا اجتزت مرحلة الطيش والتهور وأعتقد أني وصلت لمرحلة الاستقرار التي لابد أن يصل لها الجميع بيوم ما"
رد وافي "وهل لديك استعداد لدفع الثمن؟"
ابتسم راكان بينما هتف سفيان "أي ثمن وافي؟ أنت تهذي أم ماذا؟"
رد وافي بهدوء "لا هذا ولا ذاك يا صديقي، أنا جاد جدا، ألا تعلم ثمن الزواج؟ الإخلاص سفيان، العطاء بلا حدود، نسيان الذات والتضحية من أجل الأسرة والعائلة فهل لديك تلك المقومات؟"
هتف سفيان بلا تفكير "وماذا تعرف أنت عن العائلة وأنت لم تحظى بها من قبل؟"
اعتدل راكان وكاد يرد لولا أن رد وافي بلا غضب "لأني لم أحظى بها سفيان أتحدث عنها وأحاول أن أجعلك تدرك معناها، فاقد الشيء يعطيه سفيان لأنه يدرك مدى افتقاده له ولأنك صديقي أخبرك ما لدي وأنت كبير بما يكفي لتأخذ بكلماتي أو تلقيها خلفك"
هدأ راكان بينما لف سفيان حول نفسه وقال "أنا لم أقصد وافي، فقط أشعر بارتباك وقلق من اتخاذ القرار وكذلك من عدم موافقتها"
رد راكان "الخطوبة صُنعت للتجربة والتعارف واتخاذ القرار بالمضي قدما بالزواج أو التراجع"
وافق وافي بهزة من رأسه بينما قال سفيان "معك حق سأفاتحها اليوم بأمر الخطوبة وأنتظر قرارها"
صوت ظافر فعل بالمثل "قرار من؟ وأي قرار؟"
تحرك للداخل ووافي يقول "ابن عمك يرغب بالزواج"
جلس ظافر ثم حدق بسفيان وقال "تمارا!؟"
جلس سفيان هو الآخر وقال "نعم"
صمت ظافر فقال وافي "وأنت ومي ألا جديد بينكم؟"
شرد ظافر بنظراته وهو يقول "لا، هي لا تريد فتح أي أبواب، كل دعواتي لها بالخروج مرفوضة، أظن أنني لابد وأن أتوقف عن ملاحقتها"
سفيان هو من تحدث "ألا تحبها؟"
أجاب "بلى أحبها ولكن كرامتي تؤلمني سفيان، هي ترفضني بشكل صريح"
تحدث راكان "خفف من ضغطك عليها ظافر، امنحها هواء لتتنفس وبعدها ستجيد هي التفكير"
هز ظافر رأسه باقتناع وقال "نعم، معك حق وهذا كان قراري راك"
نظر راك لوافي وقال "حاتم هو الآخر تحدث مع سارة بأمر الزواج"
رفع وافي رأسه لراكان وتبدلت نظراته ولكن راكان تجاوزها وسفيان يقول "نعم هو أخبرني برغبته بذلك وكنت أنوي التحدث معك بالأمر"
ظل راكان ينظر لسفيان وقال "إذن تحدث"
نظرات سفيان كانت غير واضحة وهو يقول "أنا لا أثق بنزوات حاتم راكان ولا أرغب بتلك العلاقة التي قد تجعلنا ندخل بصدام يعرضنا لخسارة بعضنا البعض، أنا أخبرته بذلك أيضا وبالطبع غضب وثار وأخبرني أنه سيمضي بالأمر حتى لو امتنعت أنا"
راكان هو الآخر لا يريد الدخول بجدال مع صديق عمره فنهض وتحرك لسفيان ووقف أمامه وقال "اعتدنا على الخلاف فيما بيننا كثيرا سفيان لكننا أبدا لم ولن نخسر بعضنا البعض، تعلم أن أرواحنا مترابطة ولا يمكنها الانفصال، سارة أيضا تدرك ذلك وأنا حذرتها من علاقتهم ولكنها لم تستمع لي وأنا لا أعرف ماذا سيكون موقفنا من بعض لو حدث بينهم ما لن يعجبنا؟"
ظل الجميع صامتا حتى نهض سفيان ليواجه راكان وقال "موقفنا كما قلت، لن يتغير أبدا أنا أضمن نفسي راكان لكن لا أعرف ماذا عنك خاصة وهي أختك؟"
اعتدل ظافر ووافي الذي نهض واقفا وقال "راكان يدرك ما بينكم سفيان والعلاقات واردة في كل مكان وبين كل الأشخاص ثم لماذا تفترضان السيء ربما نجحت علاقتهم ولا يحدث شيء؟"
لف راكان وجهه لوافي وظل ينظر له قبل أن يقول سفيان "ربما ولكن لابد أن تدرك راكان أنني لا أوافق على تلك العلاقة فقط من أجلك أنت"
عاد راكان لوجه سفيان ثم قال "لا دخل لك بالأمر سفيان، وقتها سيكون الحساب له هو وأتمنى ألا تتدخل"
ظل سفيان صامتا حتى نهض ظافر وقال "لن نفترض السيء راك كما قال وافي وهيا لنبدأ الاجتماع لدي عمل بالمساء ولابد من أن أستبدل ملابسي قبلها"
****
جلست سارة بالمطعم الذي أحضرها له حاتم، كان بمكان فاخر جدا ككل مكان يذهب به وتظل تنتظره حتى ينتهي من معجباته، سمعت لصوت أخيها مؤخرا وبدلت ملابسها واختلفت حتى أحبت مظهرها الجديد وساهم بذلك عملها بالمزرعة مما جعلها تتقبل وجودها بمصر
سمعته يقول وهو يجلس "والآن كلي لك حبيبتي"
ابتسمت ولمعت عيونها الزيتونية له وقالت "هل حقا أنا حبيبتك حاتم؟ أقصد وسط كل هؤلاء المعجبات هل أنا من اختارها قلبك؟"
لغتها تتحسن مع الوقت ولكن ما زالت تتعثر بها وهو يبتسم ويقول "لي سنوات كثيرة وسط كل هؤلاء المعجبات ولكن ولا واحدة خطفت قلبي مثلك سارة، جمالك وقوتك يجعلوني أراك مميزة، بسيطة، طموحة، لا تنبهري بالأضواء بل تفرين منها أنا حقا أعشقك حياتي"
ابتسمت بسعادة وقالت "أشعر أني بحلم"
أمسك يدها فشعرت بمشاعرها تتعالى داخلها والسعادة ترفرف كالفراشات حولها وهو يقول "بل واقع حبيبتي هل أخبرت راكان برغبتي بزيارتكم"
هزت رأسها وتغاضت عن تحذيرات راكان لها وقالت "نعم وهو ينتظر تحديد موعد معك، ماذا عن سفيان؟"
ترك يدها وأشار للرجل الذي وصل لهما فطلبوا الطعام ثم عاد لها وقال "سفيان يخشى على علاقته براكان، لا يثق أن علاقتنا وطيدة ولكني أخبرته أني لن أتراجع، سنتزوج سارة ونكون أسرة وأطفال، تلك الحياة التي لم أظن أني سأنالها"
كانت سعيدة وقالت "أنا أيضا أريدها، يوم تركت المزرعة وأتيت مع راكان ظننت أني لن أبقى وسأعود بعد اسبوع أو اثنين لكن وجودك بحياتي جعلني أعشق البلد وكل مكان لنا سويا"
وضع الرجل الأطباق وسمعوا صرخة انبهار وثلاث فتيات يهرعن له ويصرخن باسمه وهو ينتبه لهم ويمنحهم توقيعاته وصور سيلفي وهي انزوت تتابعه بصمت كما اعتادت وهي لا تعترض وإن كانت أحيانا تشعر بالغيرة من لمساتهم له ومزاحه معهم لكن ترجح أن ذلك من نتاج نجاحه فتصمت ولا تعترض
****
دخلت تمارا المطعم وعيونها تبحث عن سفيان الذي لم تراه ولكن قبل أن يصل لها المسؤول كان صوته يقول بجوارها "آسف على التأخير، تعالي"
انتبهت له وبدا على غير عادته وهو يشير لها بالتقدم حتى وصلا لمائدة فارغة وجلسا متقابلين وأشار للرجل الذي تحرك لهما بسرعة فقال "قهوة من فضلك، عزيزتي؟"
قالت "عصير"
انصرف الرجل فقالت "ماذا بك؟ لا تبدو بخير"
أبعد وجهه عنها وما زال موضوع حاتم وكلمات راكان يشغلان تفكيره، راكان لن يقف صامتا لو تسبب حاتم بأي أذى لأخته، جذبته تمارا من شروده بصوتها "سفيان ماذا بك؟"
قال بهدوء مزيف "لا شيء، ماذا عن سفرك؟"
كانت تنظر له وهي تحاول فهم أي شيء بعيونه قبل أن تقول "سأسافر بعد الغد لمدة يومين"
وضع الرجل الطلبات وابتعد فقال "هل تتزوجيني تمارا؟"
تجمدت ملامحها والمفاجأة توقف كل شيء من حولها وكأنها بعالم موازي وهي ليست به، سفيان يطلبها للزواج؟ رجل النساء يتنازل عن حريته هكذا؟ لا، من الصعب أن تصدق ذلك
عاد يقول "تمارا هل تسمعيني؟"
هزت رأسها وهي تستعيد نفسها وابتلعت ريقها فقال "وماذا؟ تعلمين أني معجب بكِ وتقريبا لا أتقبل فكرة بعدك عني، سفرك هذا يثير جنوني بالفعل لذا أدركت أننا لابد أن نتزوج لنكون معا للأبد"
تحدثت أخيرا "سفيان الزواج كان آخر اهتماماتك فهل فكرت جيدا قبل أن تخبرني بتلك الرغبة؟"
قال بنفس العصبية "بالتأكيد فعلت تمارا، الزواج مصير كل رجل وامرأة فقط لم أقابل المرأة المناسبة من قبل حتى عرفتك، فهل توافقين؟"
لم تهتم بكلماته وهي تقول "هناك أمور علينا مناقشتها قبل أن أوافق سفيان"
زواجها منه كان يقوم على العقل أكثر من القلب، الحب لم يعد طريقها بل لم تعد تصدق بوجوده والآن طالما عقلها يسيرها فلابد أن تفكر جيدا وتدقق بكل شيء، سفيان تناول القهوة وقال "لنفعل الآن إذن، تحدثي"
تناولت بعض العصير لتبلل شفتاها ثم عادت له وقالت "لن أتوقف عن العمل سفيان فهو جزء مني"
تراجع بالمقعد وقد توقع ذلك فقال "لم أقترح تركك للعمل، أعلم أن لكِ سنوات كثيرة به ولن أطالبك بترك نجاحك خلفك"
ابتسمت وهي تتنفس براحة ثم عادت له وهي تقول "شكرا لك، تبقى نقطة هامة سفيان"
أنهى القهوة وهو يرى حديثها العاقل فقال "التي هي؟"
قالت "الإخلاص، أنا لن أقبل بامرأة أخرى بأي يوم بحياتك، الزواج يعني التزام وإخلاص بين الزوجين، أنا لك وحدك كما هو أنت لي وحدي"
هز رأسه بتفهم وقال "أعلم، وأعتقد أني كنت كذلك منذ بدأت علاقتنا، رغم أن لا رسميات تربطنا"
ظلت تنظر له فرفع يداه باستفهام وقال "حسنا، ماذا الآن؟ أنتظر قرارك"
ترددت قليلا قبل أن تقول "لا شيء أكثر، متى ستقابل بابا؟"
لانت ملامحه وقال "غدا، سنقرأ الفاتحة قبل سفرك ونحدد موعد الخطوبة والزواج"
ابتسمت وهزت رأسها بسعادة وحاول هو الآخر التمتع باللحظة التي كان ينتظرها ولكن ما زال أمر راكان يغضبه، صداقتهم غالية جدا وحاتم أخيه وهو بين المقصلة فكيف ستسير الأمور؟؟
****
ما أن ترك سفيان تمارا أمام الشركة حتى هاتف راكان الذي أجاب رغم الرجال التي تجلس أمامه "سفيان"
رد سفيان "هل ستأتي معي لخطبة تمارا من والدها غدا؟"
ظلت الرجال أمامه تنتظره وهو يرد بلا تفكير "هل لديك أحد سواي؟"
تنفس سفيان براحة وقال "البدائل رخيصة بجوارك راكان"
ابتسم راكان وقال "كما هو أنت يا رجل"
أدار السيارة وقال "نتقابل عند منزلها بالسادسة"
رد "سأكون هناك"
أغلق راكان وعاد للمنفلوطي وشاكر اللذين كانوا أمامه وقال "طلباتك؟"
الأب كان شاحب الوجه وهو يقول "السماح يا عمدة، ها هو بنفسه أمامك ليعتذر"
نظرات راكان تحولت لشاكر الذي تجهمت ملامحه وهو لا ينظر لراكان الذي قال "لا أظنه يوافق على كلماتك منفلوطي"
لف شاكر وجهه لراكان وبدا غاضبا وراكان هادئ كعادته فقال شاكر "أنت أجبرتني على الحضور هنا، لم تتقبل فكرة أن يناطحك أحد كما فعلت معك وخربت لي مشروعي حتى أركع أمامك، ألم يكن هذا هدفك؟"
كاد سيف يتحرك تجاه شاكر ولكن راكان رفع يده ليوقف سيف وقال "وقاحتك هذه وغرورك، هم سبب فشلك وليس أنا، إذا لم تكن أتيت لتعتذر فلماذا تجلس هنا أمامي؟"
كاد الأب يتحدث لكن شاكر سبقه "كي تعيد لي أموالي وتعوضني عن خسارتي وإلا ستندم"
ضاقت عيون راكان من وقاحة شاكر فنهض وتحرك حتى وقف أمام شاكر الذي لم يتحرك لكن أكرم هو من نهض ووقف أمام راكان وهتف "أرجوك يا عمدة لا تأخذ بكلماته، هو صغير ولا يدرك ما يقول"
نهض شاكر وهتف "كفى بابا، لن نذل أنفسنا أمام زعيم عصابة مثله، أخبرتك أني لن أعتذر وهو من عليه أن يفعل فهو سبب كل شيء"
لم ينظر راكان لأكرم الواقف بينه وبين ابنه وإنما كانت نيران عيونه تتحرك تجاه شاكر وقال بنبرته الرعدية "أنا لم أنتظر اعتذارك عندما خطيت داخل مكتبي، لكن الآن أنت لن تخرج من هنا قبل أن تعتذر وتقبل يدي لأغفر لك ما قلت"
تراجع أكرم بفزع وشحب وجه شاكر وهو يرد بارتباك "أنت تهددني"
احمرت عيون راكان بالفعل وهتف بصوته المخيف وقت غضبه "العمدة لا يهدد"
رفع أكرم يداه أمامه وهتف برجاء "السماح يا عمدة أرجوك"
لم ينظر له راكان وهو يقول "ابتعد من أمامي أكرم الآن واتركه يواجهني رجل لرجل"
للحظة بدا التردد بعيون شاكر ولكنه قال "حسنا لنفعل، هل تظن أني أخاف منك؟"
رفع راكان ذراعه لكتف أكرم ودفعه جانبا وهو يقول "دع الأفعال تحكم"
وما أن ابتعد أكرم بذراع راكان حتى دفع شاكر بقبضته لوجه راكان الذي تحرك نصفه الأعلى للجانب متفادي قبضة شاكر الذي عاد يوجه قبضة أخرى لوجه راكان الذي انحنى للجانب الآخر أيضا وشاكر يتقدم تجاهه..
ارتد راكان خطوة للخلف وكل لكمات شاكر تذهب بالهواء حتى دفع راكان قبضته بوجه شاكر فجأة وانفجرت الدماء من أنفه وارتد للخلف ممسكا بفمه
صرخ أكرم باسم ابنه الذي دفع والده بعيدا بقسوة جعلت الرجل يسقط على المقعد وهو يصرخ بغضب ويتحرك بقوة تجاه راكان الذي لم ينتظر وهو يلكم شاكر مرة أخرى بوجهه لتطير أسنان من فمه ويتذوق الدم بلسانه ويرتد للخلف غير متوازن ..
لم يمنحه راكان فرصة ليستعيد توازنه وهو يلكمه بمعدته، لينحني من الألم ويعيده راكان للخلف مرة أخرى بلكمة بذقنه ثم بوجنته اليسرى وأخرى باليمنى، حتى دارت به الدنيا من اللكمات السريعة والقوية وسقط على الأرض بلا حركة وأكرم يهرع على جسد ابنه بفزع
فقط تلك التمارين القاسية للدفاع عن النفس التي أصر عليها جده، هي من صنعت منه ذلك المصارع الذي لا يخسر معركة ولا يتراجع أمام خصمه مهما كانت قوته
تحرك سيف لراكان ومنحه مناديل ليمسح دماء شاكر من على قبضته فمسحها وتحرك لمكتبه وما زال غاضبا وجلس.. بينما أكرم يهتف باسم ابنه حتى أفاق شاكر
ظل سيف يقف أمامهم وأكرم يساعد شاكر على الوقوف وهو يترنح وراكان ينظر له وأكرم يقول "اسمح لنا يا عمدة"
لكن راكان قال "ليس قبل أن يعتذر ويقبل يدي ويدفع ثمن تطاوله على العمدة ويتحمل نتيجة أفعاله، وإلا لن يخرج من هنا لنهاية عمره"
ترنح شاكر وأكرم يقول برجاء "اعتذر يا شاكر، لا أحد يتطاول على العمدة"
بدت عينه اليسرى متورمة وتقريبا انغلقت، الدماء علت كل وجهه وبقعة زرقاء بجوار فمه وهو يقول بصعوبة "أنا آسف راكا.."
ولم يكمل وراكان يهتف بقوة الرعد "أنا العمدة، أنت لست مؤهل لنطق اسمي دون ألقاب هل تفهم؟"
هز شاكر رأسه بفزع من بين دمائه ووالده يدفعه تجاه راكان وينحني ليقبل يده وقال "نعم، نعم يا عمدة، أنا آسف"
لم يتراجع غضب راكان وهو يقول "لست السبب بتخريب مشروعك كما تظن، لكن أقسم أني لن أترك مشروع لك ينجح بعد اليوم، ولا أريد رؤيتك بأي مكان أنا به، هل تسمعني؟"
هز رأسه وأكرم يهتف وهو يساند ابنه "نعم، نعم يا عمدة، أنا آسف، آسف، أرجوك اسمح لنا"
ظل يحدق بشاكر بنفس الغضب حتى أومأ برأسه لسيف الذي أشار للرجلان بالذهاب وجذب هو سيجار من الصندوق وأشعله والغضب يحترق مع السيجار وسيف يرتد له وقال "تساهلت معه حتى تطاول"
هتف بقوة "سيف"
احمر وجه سيف وقال "آسف يا عمدة، بماذا تأمر؟"
نفخ الدخان وقال بحزم "أنت سمعت أوامري، لا أريد أن تقوم له قائمة ولو سمعت اسمه أمامي مرة أخرى فلن أرحم من ساعده ولن أفوت تجاوزك وقتها"
هز سيف رأسه ودق الباب وانفتح وصوت سارة يقول "هل أدخل؟"
نفخ الدخان وحبس غضبه داخله وعاد لرداء الهدوء وهو يقول "بالتأكيد، سيف اتركنا"
تحركت سارة للداخل وقالت "تبدو غاضبا"
لم يتوقف عن التدخين وهو يقول "لن تحبي رؤيتي وأنا غاضب سارة، ماذا لديك؟"
جلست أمامه وقالت "حاتم ينتظر موعد معك، متى تريد رؤيته؟"
أطفأ السيجار وقال "هل قرارك نهائي؟"
هزت رأسها وقالت "نعم، لماذا أراك متردد؟"
لم ينهض وهو يقول "لا أريد أن أدخل بصراع مع سفيان بسبب أخيه، أخبرتك أن حاتم لا يستقر بعلاقة لذا لا أظن أن الزواج سيكون مصيره، لا معك ولا مع أي امرأة، سارة أنتِ ما زلتِ صغيرة، لم لا تؤجلين الأمر قليلا حتى تتأكدين من مشاعرك؟"
تجهم وجهها وهي تقول "لا راكان، لم يكن هذا اتفاقنا، أنا لست صغيرة كما تقول، ولست بحاجة لأي وقت للتفكير، حاتم متمسك بي ويريدني ويحبني، هو اختارني رغم كل المعجبات التي حوله"
ظل ينظر لها ثم قال "أنا لا أريد لقلبك أن يتألم سارة"
وقفت وقالت "لا تقلق راكان فقط حدد موعد لأخبره به"
كان يعلم العناد الذي يسيطر عليها لذا قال "سأحدد موعد مع سفيان وهو سيخبره"
هزت رأسها وتحركت غاضبة للخارج..
رفع يداه لوجهه وأغمض عيونه بين يداه ثم رفعهم لشعره وصداع يدق برأسه وقال "اللعنة حاتم ألم تجد سوى أختي؟ أنا السبب، أنا من أحضرها وعليّ تحمل نتيجة تصرفي"
****
نزل راكان من سيارته وسيف يقف أمامه وسفيان ينزل هو الآخر من سيارته أمام بيت تمارا بالمبنى المرتفع وسفيان يقول "أشعر بشعور غريب"
تحرك الرجلان لداخل المبنى وسيف ورجلان خلفهم، نهض رجل الأمن لرؤيتهم فتولى أحد رجال راكان أمره وراكان يقول "هي خطوة لم تفكر يوما بأنك ستخطها"
فتح سيف لهم باب المصعد وتحركا داخله وسيف يضغط الزر فقال سفيان الذي بدا أنيقا جدا "معك حق ولكنها تأخذ عقلي"
أنهت تمارا التزين أمام المرآة ودق باب غرفتها ورأت ياسر يفتح ويقول "لقد وصل"
التفتت وشعرت بالقلق يأخذها وهي تقول "وحده؟"
قال بجدية "لا مع العمدة، لا تتأخري وأحضري قهوة للجميع"
وخرج وهي تفرك يداها بقوة، سفيان تملك منها بالفعل، رجل جاد متملك جعلها بأسابيع قليلة توافق على الزواج منه، وافق على شروطها ولم يعترض، رجل بغناه ومركزه لم يهتم بأنها لا تضاهيه..
نعم أسرتها ذات شأن، أخيها رائد بالجيش ووالدها لواء متقاعد ولكن الحلواني عائلة معروفة
الخادمة تحركت خلفها بمائدة متحركة عليها القهوة والحلويات وهي تتقدم ببدلة أنيقة من تصميمها هي، تنورة فوق ركبتها تظهر ساقيها الجميلة بالكعب العالي، جاكيت محكم على جسدها قصير وشعرها ارتفع على رأسها بأناقة وقالت برقة
"مساء الخير"
نهض الرجلان لاستقبالها ثم جلست على المقعد المجاور لسفيان الذي كان ثابتا وأنيقا ووسامته تغطي على كل من عرفتهم، عدا راكان، الذي لم ينظر لها بالأساس وبدأ الحوار والدها وهو يقول
"سعيد بلقائك راكان، لم أرك منذ سنوات"
قال راكان "تعلم العمل سيادة اللواء ومع ذلك لو أمرت لكنت أمامك بالحال"
ابتسم الرجل وقال "تختلف كثيرا عن جدك، الجميع يعرف ذلك، وأنا حقا معجب بك"
ذكرى جده تضربه بحدة وتشعره برغبة بالتعري من انتمائه له ولكن للأسف لا يستطيع، قال بنفس الهدوء "شهادة أعتز بها، لو سمح سيادة اللواء بأن نتحدث بما أتينا من أجله"
ابتسم الرجل وتورد وجه تمارا وقال ياسر "انتظرنا جدك ووالدتك سفيان"
التفت له سفيان وقال "أنت تعلم أن جدي امتنع عن الخروج من المنزل منذ سنوات ياسر، ووالدتي ستكون موجودة بالخطوبة بالطبع اليوم حديث الرجال"
أجاب الأب "معك حق بني، ونحن لا نقف عند ما يقف عنده الآخرون، بيننا الكثير مما يغنينا من الرسميات الزائدة"
هز سفيان رأسه وقال "هذا حقيقي سيادة اللواء، وأنا أتشرف بطلب يد ابنتك تمارا للزواج"
ابتسم الأب وقال "بل الشرف لنا حبيبي، وطالما هي توافق فأنا لن أرفض بالطبع"
ولكن ياسر قال "وعلاقاتك سفيان؟ والنساء بحياتك؟"
ارتفعت العيون لتتواجه بينهما وسفيان يقول "بالتأكيد لن تكون هناك نساء ولا علاقات، أعلم جيدا ماذا يعني الزواج ياسر وإلا ما خطيت له خطوة واحدة"
تجهم وجه ياسر وكذلك هي وياسر موقفه كان واضح، لم يرغب بذلك الزواج، هو لا يفضل تلك الدائرة الخماسية من الأصدقاء منذ كانوا أطفال وحتى كبروا جميعا وتصاعدت أسمائهم وبجوارها سمعتهم مع النساء ولكنها تمسكت برأيها ولم تهتم برأيه
والدها حسم الأمر "وأنا أثق بكلمتك سفيان، وبأنك ستحافظ على ابنتي لنهاية العمر"
هز سفيان رأسه وقال "أكيد سأفعل"
قال راكان "هل نقرأ الفاتحة والخطوبة بعد اسبوعين؟"
عارض ياسر مرة أخرى "ليست كافية راكان لنجعلها بعد شهرين او"
قاطعته هي "اسبوعين كافيين، أليس كذلك بابا؟"
قال الأب بحزم "نعم"
صمت ياسر احتراما لوالده ورمق أخته بنظرة حادة وراكان يخرج علبة مخملية يمنحها لسفيان الذي فتحها وقال "هدية بسيطة للعروسة"
كان خاتم ماسي بفصوص ماسية صغيرة تجمعت معا على شكل مستطيل طويل، لمعت عيون تمارا بإعجاب وسفيان يطلب يدها ويضع الخاتم بها ثم كرر راكان "الفاتحة"
انتهوا من تلاوتها ونهضت لتقدم لهم الكعك والعصير والسعادة على وجهها ونظرات سفيان تتبعها وراكان يتحدث مع الأب الذي كان معجب حقا براكان وثقافته وطريقته المثيرة بالحوار، سفيان اندمج معها ورحل توتره للسعادة
****
تحركت ليان خارجة من المكتبة العمومية التي عرفت طريقها مؤخرا، أحبت الكتب الموجودة ووافي أقنعها بالتقدم للجامعة وقررت الالتحاق بكلية نظم وحاسبات فهي تهوى كل ما يخص الكمبيوتر والإلكترونيات حقا..
ما أن وصلت للسيارة التي وضعها وافي لها حتى رأت ياسر يتحرك تجاها فاندهشت وهو يقول "مساء الخير ليان كيف حالك؟"
ارتبكت لرؤيته ولم تفهم سبب وجوده وهي تقول "بخير سيادة الرائد"
عيونه البنية كلون البن تجولت داخل عيونها وهو يقول "ياسر، تمنيت رؤيتك ولكن لم أكن أعرف متى تخرجين من البيت؟"
اندهشت وهي تردد "أردت رؤيتي؟ لماذا؟"
نظر حوله ثم عاد لها وقال "ما رأيك بالجلوس بمكان ما، لن نتحدث هكذا؟"
تورد وجهها وقالت "مكان؟ لا، لا أستطيع، اسمح لي"
كادت تدخل السيارة لكن يده لمست ذراعها وهو يهتف "ليان من فضلك، حقا أحتاج إلى التحدث معك"
تراجعت ليبعد يده عنها وقالت "فلتفعل إذن"
اقترب وقال "ليس بالشارع هكذا ليان، ربما مكان عام وبين الجميع"
ظلت ثابتة ثم قال "ليس لدي وقت كثير ليان أحتاج للحديث معك قبل العودة سيناء غدا"
لم تجادل أكثر وهزت رأسها فقال "هل تأتين معي؟"
نفت برأسها وقالت "لا بسيارتي، أخبر السائق بالمكان"
لم يمانع وتحرك بسيارته والسائق خلفه وعندما وصلا قادها لداخل المطعم وجلسا وهو يطلب عصير وهي تنظر للجميع من حولها حتى قال "هل تهدئين؟ أنا لن أخطفك"
وقفت نظراتها عليه أخيرا وقالت "لم أخرج مع أحد من قبل فهل تخبرني ماذا تريد مني؟"
تراجع وقد أخذته براءتها وأعجبه جمالها الهادئ، منذ الحفلة وهو يرى أنها المرأة التي انتظرها، صغيرة، بريئة سيصنع منها المرأة التي يريد ويشكلها كيفما يشاء، خجلها يعني أن لا تجارب لها وهو سيكون الأول والأخير بحياتها لذا تابعها ليعرف كل شيء عنها وها هو اليوم هنا من أجلها
قال بصدق "أنا معجب بك ليان، منذ رأيتك بعيد الميلاد وأنا لم أستطع نزعك من رأسي"
تورد وجهها وجف حلقها بل ونهضت واقفة وهي تقول "أنا، أنا لابد أن أذهب"
أمسك يدها وقال بحزم "اهدئي ليان واجلسي، هل تخافين من ضابط؟"
تذكرت حقا من هو وظلت تحدق بعيونه وهي تبعد يدها من يده ثم جلست فاقترب من المائدة وقال "ما الذي يخيفك بكلماتي؟ أنا معجب بكِ وأرغب بالتقدم لخطبتك"
شحب وجهها، هي لا تفكر بالزواج، هي تريد قصة حب تنتهي بالزواج، لا رجل يريدها فتقبل به، عاد يقول "لماذا لا تجيبي؟"
قالت "على ماذا؟"
اندهش رافعا حاجبه الأسود وقال "أخبرتك أني أريد خطبتك فما هو رأيك؟"
قالت بهدوء كاذب "أنا لا أعرفك، ولا أنت تعرفني فكيف سنرتبط؟"
وضع الرجل العصير وانسحب وياسر يقول "الخطوبة فترة مناسبة للتعارف"
أجابت "وماذا إن لم نتفق؟"
الدهشة تضربه من كلماتها وهو يفكر بالرد "وربما نتفق"
قالت "أنا لم أفكر بالزواج بالوقت الحالي، لقد بدأت الجامعة لتوي وهذا سيتعارض مع أي أفكار للزواج"
الشحوب كان من نصيبه من جوابها الصريح وهو لم يتوقع رفضها، كل البنات بعمرها يعشقون البدلة الرسمية للضباط فما الخطأ معها؟
ظل صامتا حتى نهضت وقالت "آسفة لابد أن أذهب"
وتركته وذهبت وظل جامدا مكانه وهو مندهش من ردها الصريح وقد ظن أنها لن ترفضه، ليس وهو ضابط ومن أسرة معروفة، وضع أموال على المائدة ونهض بسرعة ولحق بها قبل أن تركب السيارة وقال "لماذا؟"
اندهشت لرؤيته وهي ترفع وجهها له وقالت "أخبرتك أني لا أفكر بالزواج الآن"
ولكنه لم يتراجع ولم يقتنع بالسبب وهو يقول "أو ربما هناك أحد بحياتك؟"
غضب اعتلى ملامحها لكنها قالت "حتى لو فالأمر ليس من شأنك، لقد طلبت شيء وأنا رفضت فلا حق لك بأكثر من ذلك"
ودخلت السيارة وأغلقت بابها والسيارة تتحرك مبتعدة وهو ما زال بمكانه يتبعها والذهول هو ما يسيطر عليه، هي بريئة ولكنها ليست ضعيفة ورغم رفضها إلا أنه لم يوقف إعجابه بها دون فائدة
****
دق باب مكتبها فأذنت مي ودخلت السكرتيرة وقالت "الأستاذ ظافر الحلواني بالخارج"
رفعت وجهها للفتاة بدهشة وقد ظنت أنه لن يرغب برؤيتها مرة أخرى، بعد الحفل التقيا وكلماتها كانت صريحة من أنها لا ترغب بأي علاقة خاصة الزواج، الرجال لم تعني لها سوى الألم لذا هي لا تريد ذلك الألم
هزت رأسها وقالت "ليدخل"
لحظات ورأته يدخل كما اعتادت عليه، وسيم، أنيق واثق جدا من نفسه لكن عيونه بدت متعبة ولا راحة على وجهه ربما مثلها فرغم ما قررته إلا كثيرا ما كانت تفكر به وتتساءل هل حقا أرادها زوجة أم مجرد تسلية كأي امرأة مرت بحياته؟
التقت النظرات وهو يقف أمامها ويقول "حاولت ألا ألتقي بكِ لكن فشلت"
كلماته أسعدتها رغما عنها ولكنها جمدت ملامحها وقالت "كيف حالك ظافر؟ تفضل اجلس"
جلس بالفعل وقال "فكرت بدعوتك للغداء ولكن توقعت أن ترفضي، لذا أتيت هنا"
لم تبدل مكانها وكأنها التصقت بالمقعد وهي تقول "هل أردتني بعمل؟"
اعتدل ليواجها وقال "تعلمين لماذا أردتك مي، ما زلت أريدك، دعينا نرتبط بخطوبة ونتعارف خلالها حتى تثقي بي وبعدها قرري الاستمرار معي من عدمه"
وأخيرا استجاب جسدها لها وهي تتراجع بالمقعد وعيونه تأسر عيونها والأفكار تضربها ليس الآن بل منذ طلبها أول مرة، لماذا ترفضه وهو لا يغويها كما كان شاكر يفعل؟
تحدثت "ظافر أنت لا تعي ما بداخلي"
لم يترك عيونها وقال "بل أدرك كل شيء وأعلم أنك تخشين ألا أكون مخلصا، أنت لا تريدين رؤية ظافر الحلواني، بل تجدين شاكر أمامك دائما، لذا أخبرتك مرارا أننا بحاجة لنتعارف ونتقارب وبعدها قرري، مي أنا حقا معجب بكِ ولا أكف عن التفكير بكِ"
تورد وجهها وأخفضت عيونها فأكمل "أعلم أن جزء منكِ أيضا يفكر بي ولا يرفضني، فقط الخوف هو ما يوقفك، ثقي بي وأعدك ألا تندمي"
رفعت رموشها الثقيلة ليرى عيونها وقد بدا الضعف فيهما، من الجميل أن يشعر الإنسان أن هناك من يرغب به ويريده بهذا الإصرار، هي تابعت أخباره مؤخرا فلم تجد أي شائبة تمسه وهي بالفعل معجبة به فقط لا تستطيع قمع مخاوفها لكن الآن عليها أن تفعل
ناداها "هيا مي من حقنا فرصة"
هزت رأسها أخيرا بالموافقة فابتسم ونهض متحركا لها وهي ترفع وجهها له وهو يقف بجوارها ومد يده لها فنظرت لها ثم لعيونه المبتسمة
مدت يدها ليده ومن أول لمسة أدركت تأثيره عليها، وكأن لمسته انطلقت فورا لقلبها لتمسك به وتجعله ينتفض بقوة معلنا رغبته بذلك الرجل
وقفت أمامه وهو يقول "لن تندمي، دعينا نتناول الغداء معا لنتفق على ما ترغبين به"
لم تستطيع الرفض وهي تدرك أنها بموافقتها شعرت بالراحة على عكس ما ظنت، هي سعيدة بأنه معها وأنهم سيرتبطون لكن هي كانت بحاجة لبعض الوقت قبل الارتباط بخطبة جديدة
****
ارتدت الفستان الذي أحضره لها راكان فشعرت بأنها كفراشة تتطاير بين الأغصان، أطلقت شعرها حرا على أكتافها فهي لا تحب التعقيد، حذاء مرتفع منحها قامة ممشوقة، الطلاء الموف تناسب مع لون الفستان كما هو ظلال العيون..
قلبها كان يدق بقوة هل حقا سيأتي ليضع خاتم الزواج بيدها؟ هل هي بالأساس ستتزوج؟
بالمزرعة لم تفكر أبدا بتلك الحياة وظنت أنها خلقت لرعاية الماشية والخيول والأرض الزراعية، لكن راكان منحها حياة جديدة هنا وحاتم يكمل المسيرة
أغمضت عيونها وهي تشعر بسعادة غريبة لأنها سترتبط بحاتم وتكمل معه حياتها، ستكون زوجة لفنان رائع وتخطو معه بكل مكان يرحل له وتناطح كل الفاتنات اللاتي كانوا يتصارعن عليه
دقات الباب أعادتها والخادمة تقول "العمدة يطلبك آنسة، لقد وصل المدعوين"
زاد قلبها من دقاته وشعرت بأنها فقدت الشعور بالحياة من حولها فقالت "قادمة"
نظمت أنفاسها وعادت للمرآة واطمأنت على مظهرها وأخذت نفس كبير وأطلقته ثم تحركت للخارج، الأصوات وصلت لها وهي تنزل وتتحرك لقاعة الضيوف..
قصر زيدان كالمتاهة ولكنه أثري بكل ما به، ارتجف جسدها كلما اقتربت من المكان حتى وصلت وقالت بصوت مرتجف لم تعرفه
"مساء الخير"
تحركت لها العيون، سفيان، وافي، راكان وحاتم، نهضوا لاستقبالها عدا راكان، لمعت عيون حاتم عليها وهو يضغط على يدها ويمنحها ابتسامة رائعة وأفسح لها سفيان لتجلس بجوار أخيه على الأريكة ووافي على مقعد بجوار راكان وسفيان بالمقعد المواجه وتحركت الخادمة بمائدة المشروبات والحلويات
تحدث سفيان بلا مقدمات "راكان أنت بالطبع تعرف كل شيء عن حاتم ولست بحاجة لأن أخبرك شيء عنه"
نظرات راكان كالعادة فارغة لا تحمل أي شيء وهو يقول "ومن الذي لا يعرفه سفيان؟"
هز سفيان رأسه وقال "وهو هنا ليطلب يد أختك للزواج"
ظل راكان صامتا وتحركت عيونه لوافي الذي منحه نظرة غير مفهومة فترك عيونه وعاد لحاتم الذي كان ينتظر الرد ثم عاد لسفيان وقال "فقط لدي ملحوظة واحدة سفيان"
كل العيون كانت تقف عنده وسفيان يقول "أعلم، النساء"
أجاب حاتم "بالطبع لن تكون هناك نساء بعد اليوم راكان، الارتباط يوقف كل المغامرات وبصراحة منذ عرفت سارة ولم أعد أرى سواها"
لم تشعر بألم أصابعها التي كانت تفركها ببعضها بقوة، ولكنها كانت تشعر بقلبها الذي كان يدق بقوة من السعادة، هي تحبه نعم تحبه، ذلك هو الحب الذي لم تظن أنها ستعرفه بيوم ما، الحب الذي كانت تراه بعيون والدها لوالدتها والعكس، الحب الذي تسمع وتقرأ عنه
صوت راكان كان حاسما وهو يقول "جيدا سأعتبر هذا وعد بأنك ستحافظ عليها لنهاية العمر"
هز حاتم رأسه وقال "بالطبع يا عمدة، هل نقرأ الفاتحة؟"
صمت راكان وحول عيونه لأخته التي رفعت عيونها له فأدرك مشاعرها التي فاضت من عيونها ورغم أنه يدرك أن تلك العلاقة لن تدوم إلا أنه لم يمكنه الرفض فقط من أجلها من أجل تلك الابتسامة التي تظهر على وجهها عند ذكر حاتم
ناداه سفيان فانتبه وقال "نعم، لنقرأ الفاتحة"
أخرج حاتم علبة صغيرة بها خاتم من ماسة مستديرة كبيرة فانبهرت بها وهو يضعها بإصبعها وقبل يدها وعيونه تسرق عيونها ثم تلو الفاتحة واتفقوا على أن الخطوبة ستكون مع خطوبة سفيان بليلة واحدة ولم يعترض أحد
****
انتهوا من الغداء ووضع الرجل العصير فنظر ظافر لها وقال "أنا لا أصدق أنكِ هنا معي، مي أنا حقا أشعر بسعادة لم أعرفها من قبل"
قلبها حاول مقاومته بلا فائدة، نظراته تأخذها لحلم جميل وتعدها بأشياء كثيرة تمنت لو كانت صادقة، قالت بصدق "ظافر أرجوك أنا لن أتحمل صدمة جديدة، شاكر لم يتوقف عن كلمات الحب وفجأة أدركت الكذب الذي أسقطني فيه"
أسند يداه على المائدة وانحنى للأمام وهو يقول "ولكني لست شاكر مي، ربما كانت لي سمعة سيئة مع النساء ولكن هذا بحياة العزوبية التي ودعتها يوم رأيتك، يوم العزاء كنا راحلين عندما سمعنا جدالكم فتحركت لأنقذ امرأة من رجل يضايقها ومن وقتها وسقط صريع عيونك"
تورد وجهها وابتسامة جديدة تتحرك على شفتيها فابتسم وقال "قاومت كثيرا البحث عنك ومحاولة التقرب لكِ، لكني تراجعت حتى تقابلنا بذلك اليوم مع فادي وكان أيضا صدفة، كانت الأقدار تضعك بطريقي بكل مرة، حتى يوم الحفل الموسيقي، لم أصدق أنكِ تجلسين بنفس المكان وبجواري، نحن مكتوبين لبعض مي"
قالت "الصدف كانت تجمعنا دائما ظافر، ولكن كلمات شاكر يوم عيد ميلاد جدك جعلتني أعود للشك والخوف، ولكن تصرفاتك كانت هادئة لم تحاول دفعي لك أو إجباري على العلاقة، بل منحتني حرية لاتخاذ القرار"
تسربت يده ليقبض على يدها ولكنها أبعدتها فقال "ثقي بي مي، لن أكون سببا بأي ألم لكِ، أنا أحبك"
دموع سكنت عيونها والكلمة تخترق كل الحواجز التي وضعتها حول قلبها وتسمرت عيونها عليه وهي لا تصدق تلك الكلمة ولكنه عاد وقال "أنا لم أنطق بتلك الكلمة من قبل، ولم أظن أني سأفعل مع أي امرأة، لكن معك اختلف الأمر وعرفت أن كل ما أشعر به تجاهك هو الحب"
دموع سكنت عيونها والكلمة تخترق كل الحواجز التي وضعتها حول قلبها فعاد يمسك يدها ولم تجذبها وهو يقول بحنان "أنا سأنتظرك حتى تثقي بي وتصدقي مشاعري تجاهك، لن أفرض أي شيء عليك وأعدك أن أكسب قلبك، وبعدها ستكونين لي، ووقتها نتزوج ونكون أسرة وأولاد، أولاد كثيرة مي فأنا أرغب بهم شرط أن تكوني أمهم"
الدموع تحولت لضحكة رقيقة تناغمت مع دقات قلبها وهو يدفع يدها لفمه ويقبلها والسعادة تحيطهم من كل جانب وربما الحب يذيب كل الصعوبات ويقف مانعا أمام الحواجز والأحزان