
"اللي هيرفع سلا*حه، هيتحول لمصفة چبل ما يرمش!" صوته زلزل المصنع ورجالة همام رموا سلاحهم من الرعب.
"عزيييز!" لسه درة هتجري عليه، همام سحب طبنجته بسرعة البرق وحطها في راس درة.
"لو اتحركت هفرغ المسد*س في نفوخها يا عزيز! اتنازل عن العمدية والأملاك، وإلا مرتك هتموت إهنه!"
درة وقفت مكانها، والمسدس على راسها. عزيز قلبه وقف، بس درة بصتله بنظرة تحدي.. نظرة "درة الجبالي" اللي وقفت قدام الخيل زمان. هزت راسها لعزيز حركة خفيفة أوي، وفي لمح البصر، وطت بمرونة على الأرض وسحبت الخنجر من هدومها، وفي نفس اللحظة.. عزيز انطلق وضرب رصاصة مميتة..
صوت رصاصة شق السكوت في المصنع المهجور كأنها صاعقة نزلت من السما. دي مكنتش أي رصاصة، دي كانت رصاصة "عزيز الجبالي" اللي مابتخيبش أبداً. الرصاصة مجاتش في قلب "همام"، لكنها اخترقت إيده اللي كانت ماسكة المسدس ومصوباه على راس "درة". الدم طار، والسلاح وقع على الأرض الحديد بصوت رن في المكان، وبعدها صرخة وجع طلعت من همام اللي وقع على ركبه وهو ماسك إيده المضروبة.
في ثانية، وقبل ما رجالة همام يستوعبوا إيه اللي بيحصل، غفر عزيز نزلوا عليهم زي السيل، جردوهم من سلاحهم ونيموهم على الأرض تحت فوهات البنادق.
عزيز مابصش حتى لعمه ولا اهتم بانتصاره، رمى بندقيته وجري زي المجنون على درة اللي كانت لسة واقعة على الأرض، بتنهج وعينيها مبرقة من الصدمة. نزل على ركبه قدامها، وشدها لحضنه بلهفة وعنف كأنه عايز يخبيها جوه ضلوعه، دفن وشه في رقبتها وأنفاسه طالعة سخنة وسريعة من رعب حقيقي كان هيوقف قلبه.
"درة! يا نبض جلبي! إنتي زينة؟ لمسك؟ جوليلي إنه ملمسكيش!" صوته كان بيترعش، وإيديه بتتحسس وشها وكتفها بجنون عشان يتأكد إنها سليمة.
درة انهارت في العياط ومسكت في جلابيته بقوة، ودفنت وشها في صدره العريض اللي طول عمره أمانها وحمايتها.
"أنا زينة يا عزيز.. أنا زينة! إلحج أبوي، أبوس يدك نزلوه!"
عزيز لف لرضوان وشاورله بزعيق: "نزلوا الحاج محمود وفكوه جِوام، وهاتوله مَية!"
رجع يبص لدرة، مسك وشها بين إيديه ومسح دموعها بصباعه، وعينيه مليانة عشق جارف وغضب أعمى.
"كيف تطلعي من السرايا من غير علمي؟ كيف ترمي روحك في المهلكة يا درة؟ لو الرصاصة دي كانت طالتك، كنت حرجت الصعيد كِليته ودفنت روحي وراكي!"
درة ردت وهي بتعيط وحاسة بخوفه عليها: "بعتولي خاتم أبوي وفيه د*م.. مكنش عندي وجت يا عزيز، وجع جلبي عمايا!"
شدها عزيز لحضنه تاني، وباس راسها بحنية ووجع: "سلامت جلبك يا غالية.. سلامت جلبك من الوجع. حجك عليا أنا، أنا اللي عدوي جدر يوصل لنقطة ضعفي، بس جُسماً بالله العظيم، اللي يفكر يبصلك بس، لأمحيه من على وش الأرض."
عزيز قام ووقف درة، خباها في ضهره ومشي بخطوات بطيئة ومرعبة ناحية "همام" اللي كان بيتوجع على الأرض وإيده بتنزف. وقف فوق عمه بيبصله باحتقار، زي الصقر لما يبص لفريسته.
"العمودية والأملاك اللي كنت رايدها يا همام، مكانها دلوك تحت مداسي." قالها عزيز بصوت تلج بيخوف. "إنت فكرت إن درة نقطة ضعفي؟ درة دي جلعَتي اللي بكسر بيها الموت. أبوي طردك زمان عشان غدرك، بس أنا مش هطردك... أنا هسلمك لحبل المشنجة. ترويع، وخطف، ومحاولة جتل. هتقضي باجي عمرك في زنزانة ضلمة تاكل في لحمك لحد ما تعفن."
شاور لرجاله: "كتفوه هو والكلاب بتوعه، وسلموهم للبنادر في المركز، وبلغوا المأمور إن عزيز الجبالي بيجوله دي هدية العمدة."
لف للحاج محمود اللي نزلوه وفكوه، قرب منه وباس إيده وراسه باحترام كبير: "حجك عليا يا عمي، الرعبة دي بسببي، بس جُسماً بالله حجك رجع جبل ما تعتب بره إهنه."
رجعوا السرايا في موكب مهيب. أول ما درة دخلت أوضتها وشافت ابنها "رحيم" نايم في أمان، وقعت على الأرض تعيط من الفرحة وسجدت تشكر ربنا على نجاتهم. عزيز شالها ونيمها على السرير. الليلة دي مكانش فيها كلام، كان حضن ساكت بين روحين اتأكدوا إن حبهم أقوى من أي مؤامرة وأصلب من أي سلاح. نامت درة في حضنه، وهو فضل صاحي يحرسها ويحلف بينه وبين نفسه إنه هيحمي العيلة دي لآخر نقطة دم فيه.
بعد مرور عشرين سنة...
عدت السنين كأنها يومين. الأيام لفت على سرايا الجبالية وشهدت على أعظم قصة حب في الصعيد. "عزيز الجبالي" كبر وهيبته ووقاره زادوا. الكام تجعيدة اللي اترسموا حوالين عيونه وشعره اللي غزاه الشيب زادوه وسامة وجاذبية تخطف. أما "درة"، فبقت أحلى وأحلى زي الياقوتة، بتدير السرايا بحنية بس بشخصية من حديد، ومتربعة على عرش قلب جوزها.
لكن الأيام ماسابتش بس أثر على العاشقين، دي طرحت شجرة قوية فروعها طالت سماء الصعيد.
"رحيم عزيز الجبالي"...
مبقاش العيل الصغير، بقى شاب عنده 22 سنة، نسخة أشرس من أبوه. طويل، عريض، عيونه الكحيلة الحادة واخدها من أمه، بس نظرته المرعبة واخدها من أبوه. درس هندسة زراعية في القاهرة، بس قلبه فضل مربوط بتراب قنا. رجع عشان يسند أبوه، والناس سموه "صقر الصعيد". جمع بين جبروت عزيز في شبابه وحكمة درة، وده خلاه محبوب ومهاب في نفس الوقت.
في يوم خريفي، كان رحيم سايق عربيته الجيب السودا الضخمة، بيلف على أراضي الجبالية اللي جنب جامعة قنا. كان لابس قميص أسود مبين عضلاته، ونضارة شمس مدارية عيونه الحادة، وبيشرب سيجارته بهدوء وهو بيسمع تقرير رئيس العمال.
في نفس الوقت، كان في عاصفة صغيرة جاية من القاهرة للصعيد.
"رحمة"... بنت عندها 20 سنة، بتدرس طب بيطري. ملامحها تسحر؛ بيضا، عيونها عسلي فاتح زي لون الغروب، وشعرها كستنائي طويل ومتمرد زي طبعها. جات قنا في منحة تدريب، هربانة من تحكمات عيلتها الغنية في القاهرة وعاوزة تعتمد على نفسها. بنت قوية، عنيدة، لسانها بينطق بالحق ومابتخافش من حد.
كانت واقفة قدام أرض زراعية قريبة من الطريق، لابسة بنطلون جينز عملي وقميص أبيض، وماسكة شنطتها ونوتة، وبتتخانق بصوت عالي مع سواق ربع نقل كان هيدوس كلب صغير رجله مكسورة.
"إنت أعمى يا أستاذ؟! مش شايف الكائن الضعيف ده قدامك؟ كنت هتموته عشان مستعجل!" زعقت رحمة، وهي شايلة الكلب بحنية عكس صوتها العالي.
السواق نزل من عربيته وهو بيبرطم بغضب: "يا ستي جرو إيه وبتاع إيه! وسعي من السكة العمدة زماناته معدي من إهنه، ولو لمحني جافل الطريج هيطين عيشتي!"
"عمدة مين وبتاع مين! هو الشارع مكتوب باسم العمدة بتاعكم؟ أنا مش هتحرك من هنا غير لما تعتذر وتتأكد إن الطريق أمان للحيوانات دي!" وقفت رحمة سادة الطريق الترابي، ورافعة راسها بتحدي.
في اللحظة دي، وصل موكب "رحيم الجبالي". الجيب قدام ووراها عربيتين حرس. الموكب وقف فجأة بسبب الزحمة اللي عملاها رحمة وعربية السواق. السواق زمر جامد، بس رحمة ماتحركتش سنتي.
رحيم كشر من ورا النضارة. محدش في البلد دي بيسترجي يوقف موكب الصقر. رمى السيجارة، ونزل من عربيته بخطوات تقيلة وبطيئة بتنذر بكارثة.
السواق كان بيترعش أول ما شافه بيقرب: "يا بيه.. يا بيه حجك عليا، البت البندرية دي هي اللي واجفة جافلة السكة وبتتخانج معايا عشان كلب!"
رحيم مابصلوش أصلاً، ووقف قدام رحمة. فرق الطول كان مخليه باصللها من فوق، زي ما أبوه بص لأمه زمان. قلع النضارة بالراحة، وظهرت عيونه الكحيلة اللي بتجمد الدم.
"إنتي بتعملي إيه في نص الطريج يا بت الناس؟" قالها بصوت خشن وآمر مفيش فيه نقاش. "وسعي من السكة دلوك، الطريج ديه مش للعب العيال."
رحمة رفعت راسها وبصتله. حست بكهربا غريبة من هيبته وجاذبيته، بس عنادها كان أسرع من خضوعها. حضنت الكلب أكتر وردت عليه بقوة ونبرة قاهرية حادة:
"أولاً، اسمي دكتورة رحمة، مش بت الناس. ثانياً، الشارع ده ملكية عامة، مش عزبة أبوك عشان تأمرني أوسع. السواق بتاعك المتخلف ده كان هيدهس الحيوان ده، ولما اعترضت بيهددني بيك!"
رحيم برّق شوية من الصدمة. محدش قبل كدة علّى صوته عليه، فما بالك ببنت غريبة! دي بتقف تتحداه في أرضه. ابتسم ببرود مستفز ومال عليها شوية، لحد ما ريحة برفانه الرجولي خلتها ترتبك غصب عنها.
"عزبة أبوي؟" همس بصوت خشن كله غرور. "شكلهم مفهموكيش في البندر إنتي واجفة على أرض مين. الطين اللي تحت رجليكي ديه، والزرع، والشارع، كِليته ملك الجبالية. وأنا 'رحيم عزيز الجبالي'، كلمتي إهنه بتمشي على الرجاب، مش على طريج ترابي."
بس رحمة مارجعتش لورا. قربت خطوة كمان لحد ما المسافة بينهم بقت شبه معدومة، وعينيها بتطلع نار.
"أعلى ما في خيلك اركبه يا أستاذ رحيم!" قالتها بسخرية. "أنا مابخافش من الأسامي التخينة ولا من الفلوس. الاحترام بالأخلاق مش بالعافية. لو إنت فعلاً 'كبير' زي ما بتقول، كنت نزلت تشوف المشكلة بدل ما تتعالى على الناس. عن إذنك، الجرو ده محتاج علاج، ومش هضيع وقتي مع واحد مغرور زيك."
لفت رحمة بكل شموخ وسابت الحرس والسواق مذهولين، ومشيت بخطوات واثقة ركبت تاكسي كان واقف الناحية التانية، وسابت "صقر الصعيد" بيغلي مكانه.
رحيم فضل واقف باصص عليها وهي بتبعد. حس كأن حتة قلم نزل على وشه فوق حاجة مدفونة جواه. دمه كان بيفور وغروره انجرح، بس في حاجة تانية أخطر بدأت تدق في قلبه اللي عمره ما دق لواحدة قبل كده. شجاعتها، قوة عينيها، وتحديها ليه... فكرته بالقصة اللي أبوه حكاهاله ييجي ألف مرة عن "جمرة النار" اللي وقفت قدام الخيل زمان!
واحد من الحرس اتكلم بغضب: "يا بيه.. أأمرنا نوجفها ونعلمها الأدب!"
رحيم رفع إيده بسرعة وسكته، وعيونه لسة متشعبطة في العربية اللي أخدت رحمة. ابتسامة صغيرة، ماكرة ومليانة شغف اترسمت على وشه، وهمس بصوت محدش سمعه غيره، بنفس الكلمة اللي أبوه قالها من عشرين سنة:
"محدش يجربلها... البت دي وراها حكاية، وغرورها ديه محتاج يتكسر على يدي"
وفي نهار اليوم التالي
رحمة كانت واقفة مذهولة في مكتب مدير "مزارع الجبالية". هي جاية أول يوم تدريب ليها ومستنية تقابل دكتور بيطري عجوز، بس اتفاجأت إنها وش لوش مع الكابوس بتاع إمبارح!
رحيم الجبالي كان قاعد على كرسيه بغرور، حاطط رجل على رجل، وبينفخ دخان سيجاره بهدوء مستفز وهو بيبصلها بنظرة كلها سيطرة.
رحمة بصدمة: "إنت؟! بتعمل إيه هنا؟ وفين مدير المزرعة اللي المفروض أستلم منه شغلي؟"
رحيم طفى سيجاره بالراحة، وقام وقف بطوله الفارع وعرض كتافه، وقرب منها بخطوات واثقة وضحك بصوت خشن: "مدير المزرعة؟ لساتك مفهمتيش يا دكتورة؟ أنا رحيم عزيز الجبالي.. المزرعة دي، والخيل، والمركز ديه كله بتاعي. أنا اللي بقرر مين يتدرب إهنه، ومين يعاود البندر مكسور الجناح."
رحمة استوعبت الفخ، بس كرامتها مسمحتلهاش تضعف. ابتسمت بسخرية وقالت بتحدي: "آه.. يعني بتستغل نفوذك عشان تنتقم مني بسبب موقف إمبارح؟ لو فاكر إنك بكده هتلوي دراعي وتهينني تبقى غلطان. أنا ممكن أسحب ورقي وأرجع القاهرة بكرامتي، بدل ما أشتغل تحت إيد واحد كل مؤهلاته إنه وارث فلوس أبوه!"
الكلمة دي خبطت في كبرياء رحيم. عينيه اسودت من الغضب، وفي حركة سريعة شدها من إيدها وخبطها في صدره العريض وحاوطها عشان يشل حركتها.
همس رحيم بصوت فحيح يخوف: "إياكي.. إياكي تجولي الكلمة دي تاني يا بت البندر. أنا بنيت المزرعة دي بعرجي مش بفلوس أبوي. لسانك ديه يتقص. عايزة تمشي؟ الباب يفوت جمل، بس هتبجي هربتي عشان مجدرتيش ع التحدي، وهتبجي دكتورة فاشلة."
رحمة قاومت الكهربا اللي سَرَت في جسمها من قربه، وبصت في عينيه بقوة: "أنا مش جبانة ومابخافش. سيب إيدي وقولي ايه المطلوب، وهثبتلك إني أشجع منك."
ابتسم رحيم بخبث وساب إيدها بالراحة: "زين قوي.. عندي حصان في العزل اسمه 'غضب'، حافره فيه خراج ومابياخدش أوامر من حد. الدكاترة إهنه بيخافوا منيه ليموتهم. لو جدرتي تعالجيه من غير مساعدة رجالتِي، التدريب ديه بتاعك. جدرتي؟ ولا تلمي خلجاتك وترجعي مطرح ما جيتي؟"
رحمة بعناد: "وديني الإسطبل."
راحوا لآخر المزرعة عند الإسطبل المعزول اللي كان مليان خبط وصهيل عالي.
رحيم شاور ع الباب: "اتفضلي. بس نصيحة، غضب بيشم ريحة الخوف، لو خوفتي منه، هيجتلك."
رحمة تجاهلته، دخلت الإسطبل لقت حصان أسود ضخم ومرعب. رحيم برة كان مستنيها تصرخ وتستسلم، بس اللي حصل صدمه.