
"إنت؟! بتعمل إيه هنا؟ وفين مدير المزرعة اللي المفروض أستلم منه شغلي؟"
رحمة كانت واقفة مذهولة في مكتب مدير "مزارع الجبالية". هي جاية أول يوم تدريب ليها ومستنية تقابل دكتور بيطري عجوز، بس اتفاجأت إنها وش لوش مع الكابوس بتاع إمبارح!
رحيم الجبالي كان قاعد على كرسيه بغرور، حاطط رجل على رجل، وبينفخ دخان سيجاره بهدوء مستفز وهو بيبصلها بنظرة كلها سيطرة.
رحمة بصدمة: "إنت؟! بتعمل إيه هنا؟ وفين مدير المزرعة اللي المفروض أستلم منه شغلي؟"
رحيم طفى سيجاره بالراحة، وقام وقف بطوله الفارع وعرض كتافه، وقرب منها بخطوات واثقة وضحك بصوت خشن: "مدير المزرعة؟ لساتك مفهمتيش يا دكتورة؟ أنا رحيم عزيز الجبالي.. المزرعة دي، والخيل، والمركز ديه كله بتاعي. أنا اللي بقرر مين يتدرب إهنه، ومين يعاود البندر مكسور الجناح."
رحمة استوعبت الفخ، بس كرامتها مسمحتلهاش تضعف. ابتسمت بسخرية وقالت بتحدي: "آه.. يعني بتستغل نفوذك عشان تنتقم مني بسبب موقف إمبارح؟ لو فاكر إنك بكده هتلوي دراعي وتهينني تبقى غلطان. أنا ممكن أسحب ورقي وأرجع القاهرة بكرامتي، بدل ما أشتغل تحت إيد واحد كل مؤهلاته إنه وارث فلوس أبوه!"
الكلمة دي خبطت في كبرياء رحيم. عينيه اسودت من الغضب، وفي حركة سريعة شدها من إيدها وخبطها في صدره العريض وحاوطها عشان يشل حركتها.
همس رحيم بصوت فحيح يخوف: "إياكي.. إياكي تجولي الكلمة دي تاني يا بت البندر. أنا بنيت المزرعة دي بعرجي مش بفلوس أبوي. لسانك ديه يتقص. عايزة تمشي؟ الباب يفوت جمل، بس هتبجي هربتي عشان مجدرتيش ع التحدي، وهتبجي دكتورة فاشلة."
رحمة قاومت الكهربا اللي سَرَت في جسمها من قربه، وبصت في عينيه بقوة: "أنا مش جبانة ومابخافش. سيب إيدي وقولي ايه المطلوب، وهثبتلك إني أشجع منك."
ابتسم رحيم بخبث وساب إيدها بالراحة: "زين قوي.. عندي حصان في العزل اسمه 'غضب'، حافره فيه خراج ومابياخدش أوامر من حد. الدكاترة إهنه بيخافوا منيه ليموتهم. لو جدرتي تعالجيه من غير مساعدة رجالتِي، التدريب ديه بتاعك. جدرتي؟ ولا تلمي خلجاتك وترجعي مطرح ما جيتي؟"
رحمة بعناد: "وديني الإسطبل."
راحوا لآخر المزرعة عند الإسطبل المعزول اللي كان مليان خبط وصهيل عالي.
رحيم شاور ع الباب: "اتفضلي. بس نصيحة، غضب بيشم ريحة الخوف، لو خوفتي منيه، هيجتلك."
رحمة تجاهلته، دخلت الإسطبل لقت حصان أسود ضخم ومرعوب. رحيم برة كان مستنيها تصرخ وتستسلم، بس اللي حصل صدمه.
رحمة غمضت عينيها ثانية، ولما فتحتها الخوف اختفى تماماً. سابت شنطتها، وقربت بالراحة جداً وهي بتتكلم بصوت حنين: "اهدى يا بطل.. أنا عارفة إنك موجوع ومش هأذيك.. اهدى."
صوتها الهادي سحر الحصان، فضل يراقبها لحد ما سمحلها تلمس راسه وتمسد عليه بحنية. رحيم برة كان مذهول؛ إزاي بنت البندر دي روضت الحصان بمجرد لمسة؟ فكرته بأمه "درة" وهي بتروض جبروت أبوه زمان، وحس إن حصون قلبه بدأت تنهار.
رحمة نزلت على ركبتها وبدأت تنضف الجرح، بس فجأة نقطة مطهر حرقت الحصان. غضب انتفض بألم ورفع نفسه على رجليه الخلفية وكان هينزل بحوافره على راس رحمة اللي وقعت على ضهرها ومقدرتش تتحرك!
"رحمممممة!" رحيم صرخ واندفع زي السهم جوه الإسطبل، رمى نفسه فوقها وشدها من تحت حوافر الحصان، واتدحرجوا سوا لحد ما ضهره خبط بقوة في الحيطة الخشب وهو مخبيها جوه حضنه.
الحصان هدي ورجع لورا. وفي اللحظة دي، رحمة كانت مستخبية في صدر رحيم، سامعة دقات قلبه السريعة وحاسة بأنفاسه قريبة جداً منها.
رحيم بص في عينيها بخوف حقيقي وهمس: "إنتي زينة؟ الحصان لمسك؟ فيكي حاجة بتوجعك؟"
رحمة بصوت بيرتجف من قربه: "أنا.. أنا كويسة. إنت أنقذتني.. ضهرك اتخبط جامد صح؟"
مسح رحيم شوية قش من على خدها بحنية وقال: "ضهري مابينكسرش، بس جلبي هو اللي كان هيوجف لو حافر غضب ديه نزل عليكي."
وشها احمر وحاولت تقوم بكسوف: "أنا لازم أكمل الجرح."
رحيم شدها من وسطها لثانية إضافية وقال بابتسامة سحرتها: "التحدي خلص يا دكتورة. إنتي أثبتي إنك الوحيدة اللي جدرت تروض الخيل.. وصاحب الخيل."
بليل، رحمة رفضت رحيم يوصلها وركبت تاكسي مخصوص عشان ترجع سكن المغتربات. بعد نص ساعة، لاحظت إن التاكسي دخل في طريق زراعي ضلمة ومقطوع!
رحمة برعب: "يا أسطى! إنت رايح فين؟ ده مش طريق السكن!"
السواق ماردش وزود السرعة. رحمة صرخت وبدأت تخبط على الإزاز: "وقف العربية نزلني!"
فجأة العربية وقفت، والباب اتفتح وظهر 3 رجالة ضخام بجلالييب.
واحد منهم شدها بعنف لبرة: "شرفتي يا عروسة."
رحمة صرخت بانهيار: "سيبوني يا كلاب! عايزين مني إيه؟"
الراجل ضربها بالقلم وقعها في التراب وقال بغل: "اسكتي يا حُرمة! الجبالي حط عينه عليكي، واحنا بينا وبينهم تار، وهنكسر عينه بيكي لجل ما يركع."
جه يشيلها عشان يخطفوها، بس قبل ما يلمسها، كشافات عربية جيب شقت الضلمة وفرملت بعنف وسط التراب، ونزل منها "رحيم الجبالي"! كان مراقبها وماشي وراها عشان يطمن عليها.
"رحيـــم!" صرخت رحمة باسمه وهي بتعيط.
رحيم زأر بصوت مرعب ومسحبش سلاحه، كان عاوز يخلص عليهم بإيده. ضرب الأول بالراس كسر مناخيره، وادى التاني لكمات متتالية لحد ما أغمى عليه. التالت حاول يضربه بمطواة، بس رحيم كسر دراعه ورماه بعيد. السواق وباقي العصابة هربوا لما شافوا الموت في عينيه.
رحيم كان بينهج وجبهته بتجيب دم. جرى على رحمة وخدها في حضنه بعنف وحنية. رحمة دفنت وشها في صدره وانهارت في العياط كأنها طفلة تايهة.
باس راسها وهمس: "أششن.. اهدي.. أنا معاكي. محدش هيجدر يلمس شعرة منيكي طول ما فيا نفس."
شالها وحطها في عربيته. رحمة مدت إيدها المرتعشة تمسح الدم من على جبهته: "إنت بتنزف يا رحيم."
مسك إيدها وباسها وقال بصرامة: "الجرح ديه فداكي. بس من الليلة دي، مفيش سكن مغتربات. إنتي مش هتبعدي عن عيني خطوة."
رحمة بخوف: "هتروحني فين؟"
رد رحيم: "مطرح ما تنتمي.. سراية الجبالي."
في سرايا الجبالية، "عزيز الجبالي" كان قاعد مع مراته "درة" بيشربوا شاي في هدوء. فجأة، الباب اتفتح بقوة ودخل رحيم بهدومه المتقطعة والدم على وشه، ووراه رحمة ساحبها من إيدها وهي مذهولة من فخامة المكان.
عزيز قام مخضوض: "رحيم؟! في إيه يا ولدي؟ إيه الدم ديه، ومين البت اللي معاك دي؟"
درة ركزت مع رحمة، شافت في عينيها شجاعة فكرتها بنفسها زمان، وشافت في مسكة إيد رحيم ليها تملك وعشق واضح ومبيستخباش.
رحيم وقف بشموخ، شد رحمة جنبه، وبص لأبوه وأمه وقال بصوت هز السرايا:
"الدم ديه دم كلاب حاولوا يقربوا من اللي تخصني يا أبوي. والبت اللي معايا دي... دي دكتورة رحمة... البت اللي اختارها جلبي، والست اللي هتكون مرتي، وست السرايا دي من بعد أمي!"
رحمة شهقت بصدمة: "إنت اتجننت؟! مراتك مين؟ أنا موافقتش على حاجة!"
عزيز ودرة بصوا لبعض؛ عزيز ابتسم في سره ودرة عرفت إن العاصفة بدأت.
عزيز اصطنع الحدة عشان يختبر ابنه: "إنت بتجول إيه يا رحيم؟ تتجوز بت بندرية لا نعرف أصلها ولا فصلها؟ والبت بترد عليك كمان جُدامي؟"
رحيم ضم رحمة لصدره أكتر وقال بتحدي وعينيه بتطق شرار عشق:
"أصلها وفصلها هي جلبها اللي أسرني. وأنا جولت كلمتي يا أبوي... رحمة ليا، وأنا ليها.. واللي هيجف في طريجي، هحاربه.. الجبالي مابيتنازلش عن عشجه!"
رحمة وقفت مذهولة؛ قدام راجل مابيعرفش الاستسلام، بيعلن عشقه ليها بجرأة قدام أهله.. فهل هتقدر الطبيبة المتمردة تصد طوفان صقر الصعيد، ولا قلوبهم هتعلن الاستسلام؟