رواية زينة الصياد الفصل الثالث عشر13بقلم نون لاشين
همس وأنفاسه تتلاحق وهو يقبل وجنتها ثم رقبتها بقبلات متتالية حارقة
إيه اللي عملتيه جوه ده يا زينتي؟
فى اليوم التالى فى مجموعة الصياد
لم تكن "زينة" تلك الفتاة التي دخلت هذا الصرح قبل أسابيع بخطوات مرتجفة بل كانت اليوم تخطو بجانب "نادر الصياد".
بينما كفّها كان أسيراً داخل قبضة نادر التي لا تتركها
«نادر... خفف إيدك شوية
مال عليها نادر بجسده و أنفاسه الدافئة بجوار أذنها دون أدنى اكتراث بمئات العيون التي تراقبهم
«الناس دي كلها شغالة عندي، وإنتي دلوقتي اللي مشغلهم... واللي مش عاجبه نظرتي ليكي يقدم استقالته قبل ما يوصل لمكتبه. وبعدين... الدكتورة قالت الحركة بالراحة، وإنتي ماشية كأنك رايحة سباق.»
ضحكت زينة وضربات قلبها تتراقص على غيرته وجنونه المعتاد
«أنا ماشية عادي جداً يا صياد! إنت اللي موهوم .»
«لو الهوا فكر يضايقك... هحبسه يا زينة.» قالها بجمودٍ، وهو يدفع باب قاعة الاجتماعات الكبرى.
لم يكن الاجتماع عادياً؛ فقد كان أول لقاء رسمي لمجلس الإدارة بعد سجن "شيرين" وسقوط "وحيد المنسي"، والأهم... بعد انتقال نصف أسهم المجموعة رسمياً باسم "زينة الصياد".
جلس كبار رجال العائلة والشركاء القدامى حول الطاولة المستديرة، وعلى رأسهم رجل ستيني، ملامحه قاسية، تشبه ملامح نادر في الجمود
لكنها خالية من أي رحمة... إنه "عثمان الصياد"كبير العائلة، ووالد "شيرين".
ساد الصمت بمجرد دخول نادر وزينة.
سحب نادر المقعد على يمينه بنفسه، وأجلس زينة ثم جلس على رأس الطاولة واضعاً ساقاً فوق الأخرى يرمق الجميع بنظرات لا تبشر بالخير.
تحدث عثمان الصياد بصوت يقطر سماً مدفوناً
«أهلاً بابن أخويا... وأهلاً بـ... "المحاسبة" اللي بقت فجأة بتتحكم في ميراث عيلة الصياد.»
تصلبت ملامح زينة
أشعل نادر سيجارته ببرودٍ استفزازي، ونفث دخانها في الهواء قبل أن يقول بصوت مرعب
«المحاسبة دي... اسمها "السيدة زينة الصياد"، الشريك التنفيذي وصاحبة القرار الأول والأخير في كل مليم بيطلع ويدخل
المجموعة دي
والاسم ده... لو نطقته من غير ألقاب تاني يا عمي، هنسى صلة القرابة اللي بينا، ومجلس الإدارة ده هيصفي على واحد بس... اللي هو أنا.»
احتقن وجه عثمان بالغضب وضرب بكفه على الطاولة
«إنت اتجننت يا نادر؟! رميت بنتي في السجن وقطعت لحمك وجاي تقعد حتة عيلة مالهاش أصل مكانها؟ إحنا عيلة الصياد أصولنا وفلوسنا ميركبهاش الغرباء...
ومجلس الإدارة ده مش هيوافق على نقل الأسهم ليها حتى لو رفعت السلاح في وشنا كلنا»
تهامس بعض الأعضاء المؤيدين لعثمان وبدأت الأجواء تشتعل
لكن المفاجأة التي ألجمت الجميع ولم يتوقعها حتى نادر نفسه... كانت من "زينة".
اعتدلت زينة في جلستها و فتحت ملفاً أمامها وسحبت منه أوراقاً مالية مطبوعة بجداول رقمية دقيقة. نظرت لعثمان بثبات سحق غطرسته:
«أستاذ عثمان... بصفتي المسؤولة المالية والشريك التنفيذي، أنا راجعت ميزانيات قطاع المقاولات التابع لشركتك الفرعية على مدار آخر تلات سنين.
ولقيت إن في تحويلات وهمية بقيمة 85 مليون جنيه بتخرج تحت بند "مصاريف صيانة ومعدات" والفلوس دي كلها كانت بتتحول لحسابات بنكية خاصة بـ "شيرين" وباسم حضرتك شخصياً في سويسرا.»
تسمر عثمان في مكانه وشحب وجهه
أكملت زينة
«الأوراق دي... بتثبت تهمة اختلاس وغسل أموال واضحة وعقوبتها في القانون مش بس طرد من مجلس الإدارة
دي كفيلة تخلي حضرتك تشرب الشاي مع بنتك في نفس السجن. أنا مكنتش ناوية أفتح الملف ده احتراماً لاسم عيلة جوزي... بس بما إن حضرتك اتكلمت عن "الأصول والأحقية"، فالأصول بتقول إن الحرامي ملوش مكان على طاولة الشرفاء.»
انعقدت ألسنة الحضور جميعاً ونظر الجميع لزينة بنظرة ذهول فلم تكن مجرد زوجة جميلة بل كانت عقلية اقتصادية شرسة، تملك مخالب حادة وتعرف أين ومتى تضرب.
أما "نادر"... فكان ينظر إليها بعينين تلمعان..... ابتسم ومال إلى الأمام وهو ينظر لعمه المنهار
«سمعت يا عثمان بيه؟... المدام شرحتلك الموقف بالقانون والأرقام. ودلوقتي... دور الصياد.»
أشار نادر لكرم الذي كان يقف عند الباب
«أوراق التنازل عن كل حصص عثمان في المجموعة تتوقع دلوقتي فوراً... ويخرج من هنا وميورينيش وشه في القاهرة كلها.
ولو لمحت خيالك بيقرب أو حتى فكرت تنطق اسم زينة على لسانك... قسماً بعزة جلال الله هخليك تتمنى الموت ومش هتطوله. برررررره!»
خرج عثمان يجر أذيال الذل والهزيمة، ومعه كل من تجرأ على التشكيك في مكانة زينة لتنتهي المعركة
بمجرد أن أُغلقت أبواب المكتب الخاص استدارت زينة لتجد نفسها محاصرة بين ذراعي نادر
رفعها عن الأرض فجأة وأجلسها على حافة مكتبه وأحاط وجهها بكفيه، يتأملها بنظرات مشتعلة كالجمر.
«نادر.... إنت بتعمل إيه؟ الباب ممكن يتفتح...» شهقت بخجل وهي تضع يديها على صدره
«يتحرق الباب باللي وراه...» همس وأنفاسه تتلاحق وهو يقبل وجنتها ثم رقبتها، بقبلات متتالية حارقة
«إيه اللي عملتيه جوه ده يا زينتية؟ إنتي مين بالظبط؟ ساحرة ولا جية تخليني تحت رجلك من العشق؟»
ابتسمت زينة بدلال ولفت ذراعيها حول عنقه
«كنت فاكر إني هفضل القطة المغمضة اللي بتخاف من خيالها؟ أنا مرات نادر الصياد... ولازم العالم كله يعرف إن اللي اختارها الصياد مش ضعيفة.....»
«إنتي مش بس قوية... إنتي أخدتي عقلي وروحي يا زينة.
أنا فداكي يا زينة... فداكي عمري كله.»
أمسك كفها الصغير ووضعه على قلبه الذي كان يدق بسرعة جنونية
«القلب ده... كان حجر. مكنش بيعرف غير القسوة والحسابات. دخلتيه وسكنتيه وخليتيه ينبض ليكي ولابني... أنا بحبك لدرجة بتخوفني من نفسي.....»
دمعت عينا زينة
«وأنا مبقتش أخاف منك يا نادر... أنا بقيت أخاف عليك من الدنيا كلها.
قبل شفتيها في قبلة طويلة قبلة حملت كل عهود العشق الأبدي، ثم ابتعد عنها وابتسم ابتسامة ساحرة
«الطيارة الخاصة جاهزة... وساعتين وهنكون في الساحل. الفستان اللي طلبتيه مستنيكي هناك... والليلة دي، هتكون ليلة زينة ونادر وبس.»
بالساحل الشمالي
ممر مضاء بآلاف الشموع يمتدد على طول الشاطئ، وصوت أمواج البحر الهادئة يختلط بعزف كمان يملأ الأرجاء رومانسية وسحراً.
"زينة"
كانت ترتدي فستاناً أبيض بسيطاً بدت كحوريةٍ تمشي حافية القدمين على الرمال
وعلى طرف الشاطئ، كان "نادر" يقف بانتظارها.
ينظر إليها بعيونٍ لا ترى في هذا الوجود غيرها. تجمدت أنفاسه وكأن الكون كله قد توقف
اقتربت منه، فمد يده وسحب كفها لشفتيه
«مفيش كلام في قواميس الدنيا يقدر يوصفك يا زينة... أنتي مش بشر، أنتي حلم وأنا خايف أصحى منه.»
«أنا حقيقة يا نادر... حقيقتك اللي هتفضل معاك لآخر العمر.»
أحاط خصرها بذراعه القوي وسحبها إليه لتلتصق بجسده، وبدأ يتمايل معها على نغمات الكمان والشموع المشتعلة.
وضعت زينة رأسها على صدره مغمضة عينيها، تستمع لنبضات قلبه التي أصبحت موطنها
«شايف البحر يا نادر؟...كبير بس حبي ليك اكبر منه بكتير.»
وفجأة...
توقفت زينة عن الحركة وشهقت شهقة خافتة واضعة يدها بسرعة على بطنها وعيناها تتسعان بذهول
تصلب نادر في مكانه وتحولت ملامحه للذعر
«زينة؟..... في إيه؟ الجرح وجعك؟ بطنك بتوجعك؟ انطقــ...»
قاطعته وهي تمسك بيده الكبيرة وترتجف ووضعتها فوق بطنها
«نادر... اهدى... واسكت خالص. حط إيدك هنا... واستنى.»
سكت نادر تماماً وعيناه مثبتتان على وجهها.
وبعد ثانيتين...
شعر بها
حركة خفيفة جداً... كرفرفة فراشة صغيرة دقة رقيقة نابضة من الداخل اصطدمت براحة يده
تسمر الصياد في مكانه.
انفتحت عيناه على وسعهما وارتجفت شفته السفلية كطفل يرى معجزة لأول مرة في حياته
«ده... ده هو؟... آدم اتحرك؟ بيخبط إيدي؟»
بكت زينة من الفرح
«أيوة يا نادر...
لم يتمالك نادر نفسه؛ جثا على ركبتيه.... يطبع قبلات لا حصر لها على بطنها
«أهلاً بيك... أهلاً بيك يا روح الصياد. أوعدك... أوعدك هخليك أسعد ولد في الكون
زينة احتضنت رأسه بين ذراعيها
بينما كان العروسان غارقين في جنة عشقهما على الشاطئ
في مكانٍ آخر داخل جناح فخم في أحد الفنادق ببيروت...
كان هناك رجل يجلس خلف شاشات مراقبة تعرض صوراً التقطت لنادر وزينة وهما يتعانقان على الشاطئ.
أطفأ الرجل سيجاره ورفع هاتفه ليتحدث بصوت مخيف
«الصور وصلت يا باشا... نادر الصياد سلم قلبه على طبق من دهب للبت دي، هى والولد اللي في بطنها نقطة ضعفه .»
جاء الصوت من الطرف الآخر
«ممتاز... نادر افتكر إنه لما حبس وحيد وفاروق المنسي اللعبة خلصت...
ميعرفش إن "المنظمة" مبترميش كروتها بالساهل. جهزوا ملف "موت أبوه"... وجهزوا الطعم.
الصياد هيدخل القفص المرة دي برجليه... وهندفنه هو وهى سوا.»
أُغلق الخط... بينما كانت الكاميرا تعود لتسليط الضوء على "زينة ونادر" على الشاطئ، وهما يضحكان
دون علم بأن ده الوقت الحقيقي لحماية هذا الحب...
