رواية عشقت ابنة الصعيد الفصل الثالث عشر13بقلم فاطمة عبد الرازق
في المساء... داخل جناح آسر
كانت حور قد انتهت من الاستحمام، وخرجت من الحمام وهي ترتدي روبًا أبيض ناعمًا يصل إلى ما بعد ركبتيها بقليل، وقد تركت شعرها الأصفر الطويل ينساب بحرية على ظهرها، تتساقط منه قطرات الماء الصغيرة التي لم تجف بعد.
وفي اللحظة نفسها، انفتح باب الجناح ودخل آسر بخطوات سريعة، فقد كان مستعجلًا ولم ينتبه حتى ليطرق الباب.
وما إن رفع عينيه حتى توقفت خطواته تمامًا...
تعلقت عيناه بحور للحظات، وكأن عقله توقف عن العمل.
كانت أمامه مختلفة تمامًا عن الصورة التي اعتاد رؤيتها بها، بأنوثتها الهادئة وملامحها البريئة وشعرها المنسدل خلف ظهرها.
ظل ينظر إليها من أعلى إلى أسفل دون أن يشعر بنفسه، حتى استفاق على صوتها المرتفع:
حور بصدمة:
ـ آسر؟!
ثم صاحت بغيظ وهي تجري إلى الحمام:
ـ مش تخبط چبل متدخل؟ مش عيب أكده؟!
دخلت وأغلقت الباب خلفها بسرعة، بينما وقف آسر في مكانه للحظة قبل أن يضحك على نفسه.
آسر من خلف الباب:
ـ أنا آسف، مقصدتش... أنا كنت مستعجل فمخبطتش.
جاءه صوت حور من الداخل، مرتفعًا نسبيًا:
ـ متنساش إنك معاك واحدة في الأوضة! عيب أكده... إنت چليل الرباية، وهقول لماما ديچا على چلة أدبك دي!
ضحك آسر ضحكة رجولية وهو يستند بظهره إلى الباب:
ـ هتقوليلها إيه؟ جوزي دخل عليا من غير ميخبط وأنا خارجة بالبورنص؟
ما إن سمعت حور كلمة "جوزي" حتى شعرت بقلبها يخبط داخل صدرها بطريقة أربكتها، واحمر وجهها دون أن تعرف لماذا.
تلعثمت قائلة:
ـ ط... طب اخرج من الأوضة لو سمحت... لأني نسيت هدومي في الأوضة.
ابتسم آسر بمكر:
ـ أجيبهملك أنا؟
ازدادت حمرة وجهها، وتمتمت في سرها:
"چليل الرباية..."
ثم قالت بصوت أعلى وبحدة:
ـ چولتلك اخرج برا يا آسر!
انفجر آسر ضاحكًا:
ـ ماشي يا ستي... أنا خارج.
خرج من الجناح وأغلق الباب خلفه، فتنفست حور الصعداء، ثم خرجت من الحمام واتجهت نحو المرآة.
وقفت أمامها، ثم ارتدت بجامة بيضاء ناعمة مزينة بفيونكات صغيرة باللون البينك 🎀، وسرحت شعرها الطويل، قبل أن تنظر إلى انعكاسها في المرآة للحظات.
ابتسمت بسخرية وقالت:
ـ يعيني عَ الحلو لما تبهدله الأيام...
ثم ضحكت ضحكة قصيرة، قبل أن تتجه إلى السرير وتستلقي عليه.
وبعد دقائق قليلة، غلبها النوم، فدخلت في سبات عميق.
---
عند آسر...
نزل آسر إلى الحديقة، وجلس على أحد المقاعد، ثم رفع عينيه إلى السماء وهو يحاول أن يرتب أفكاره.
آسر في نفسه:
"لا... كده كتير أوي."
تنهد ومسح على وجهه.
"الموضوع بيقلب جد معايا... شكلي حبيت..."
سكت للحظة، ثم هز رأسه سريعًا:
"لا لا يا آسر! دي صغيرة... والفرق بينك وبينها تسع سنين. ومتنساش إنك متجوزها علشان تحميها... وبس."
حاول إقناع نفسه بكلامه، لكنه لم يستطع منع صورة حور من التسلل إلى عقله.
وفي النهاية، استلقى على ظهره في الحديقة، وبعد وقت طويل غلبه النوم.
---
في الصباح... ☀️
استيقظ آسر على أشعة الشمس التي تسللت إلى وجهه، ففتح عينيه ببطء ونظر حوله باستغراب.
ثم تذكر أنه نام في الحديقة طوال الليل.
نهض بسرعة، واتجه إلى الجناح الخاص به.
فتح الباب بهدوء، فوجد حور ما زالت نائمة.
اقترب منها دون صوت، وظل ينظر إلى ملامحها الهادئة وهي غارقة في النوم.
لكن بمجرد أن شعر بحركتها، ابتعد عنها بسرعة وكأنه ضُبط متلبسًا بشيء، واتجه مباشرة إلى الحمام.
أخذ حمامًا سريعًا، ثم خرج ليجد حور قد استيقظت، وكانت تجلس على السرير وهي تجمع شعرها بكسل.
نظرت إليه وابتسمت ابتسامة صغيرة:
ـ صباح الخير يا آسر.
آسر بهدوء:
ـ صباح النور يا حور. يلا ننزل علشان نفطر... والنهاردة أخدت إجازة.
نظرت إليه باستغراب:
ـ إجازة؟ ليه؟
ابتسم:
ـ علشان النهاردة عيد ميلاد ريان... كمل تلات سنين.
فتحت حور عينيها على آخرهما، ثم ضربت على جبينها:
ـ أعععع! أنا كيف نسيت عيد ميلاد ريان؟!
ثم التفتت إليه بسرعة:
ـ إنت عرفت كيف إن عيد ميلاد ريان النهاردة؟
آسر:
ـ ما إنتِ اللي اديتيني الملف اللي فيه بطاقتك وشهادتك وشهادة ريان علشان كتب الكتاب.
وضعت حور يدها على رأسها وهي تنهض من السرير:
ـ أنا تجريبًا چالي زهايمر... كيف نسيت كل دا؟!
ضحك آسر بخفة وقال بحنان:
ـ معلش يا حور... كلنا بننسى.
تنهدت حور:
ـ الله المستعان.
---
بعد قليل...
انتهت حور من تجهيز نفسها، وارتدت فستانًا بلون البيج الهادئ، واسعًا من الأسفل وينسدل بانسيابية حول جسدها، بأكمام طويلة وتفاصيل بسيطة عند الخصر، وارتدت حجابًا أوف وايت مرتبًا بطريقة ناعمة زادت ملامحها رقة.
أما آسر، فارتدى قميصًا أبيض أنيقًا بأكمام طويلة، وبنطالًا أسود كلاسيكيًا، وساعة فضية في معصمه، فبدا بهدوئه وهيبته المعتادة.
نزلا معًا إلى الطابق السفلي...
وما إن وصلا حتى وجدا ديجا منهمكة في تجهيز الحديقة.
كانت هناك بالونات بسيطة بألوان هادئة موزعة حول المكان، وطاولة صغيرة مزينة بمفرش أنيق، وفوقها كعكة عيد الميلاد، وبعض الحلوى والعصائر.
وفي أحد أركان الحديقة، وُضع ديكور بسيط باسم ريان، حتى يستطيعوا التقاط الصور له وتظل ذكرى جميلة له عندما يكبر.
كان ريان متعلقًا برقبة ديجا، وهي تحمله وتضحك معه.
اقتربت حور منهم، وما إن رأت ما فعلته ديجا حتى قالت بحب:
ـ ليه كده يا ماما؟ مستنتيش ليه نعمل سوا؟
ابتسمت ديجا بحنان:
ـ يا حبيبتي، ما المصممين بيعملوا أهم... بس دي حفلة لينا إحنا بس. وأنا صممت أعمل له ديكور علشان ريان يتصور، وتبقى صور ذكرى... لما يكبر يشوفها ويفتكر إننا كنا فرحانين بيه.
ثم قبلت ريان من خده، فضحك الطفل وتشبث برقبتها أكثر.
نظرت حور إليهما، وشعرت بعينيها تمتلئان بالدموع.
لم تكن تبكي من الحزن...
بل من شدة الامتنان.
لأول مرة منذ سنوات، شعرت أن لديها أمًا تخاف عليها، وتهتم بها، وتفكر في أخيها وكأنه ابنها.
اقتربت ديجا منها، وما إن رأت دموعها حتى احتضنتها:
ـ متعيطيش يا حبيبتي... علشان مزعلش منك، ولا عايزاني أزعل منك.
مسحت حور دموعها بسرعة وقالت:
ـ لا طبعًا أنا مش بعيط... حتى بصي!
ضحك آسر وديجا عليها، ولم تستطع حور منع نفسها من الضحك معهم.
حتى ريان بدأ يضحك، فازدادت ضحكاتهم دفئًا.
وبدأ الجميع في تجهيز الحفلة.
---
في المساء... 🎂🎈
كانت الحديقة قد أصبحت أكثر جمالًا تحت أضواء صغيرة معلقة بين الأشجار.
ارتدت حور فستانًا سماويًا ناعمًا لحفلة عيد الميلاد، بتصميم بسيط وأنيق، واسع قليلًا من الأسفل، مزين بتفاصيل صغيرة عند الأكمام والخصر، وارتدت حجابًا أبيض مائلًا للسماوي، فبدت رقيقة وهادئة بشكل لفت أنظار آسر دون أن تشعر.
أما آسر فارتدى بدلة كحلية أنيقة فوق قميص أبيض، دون ربطة عنق، مع ساعة فاخرة في يده، فكان مظهره يجمع بين الهيبة والبساطة.
بعد قليل وصل فهد، وهو يحمل هدية كبيرة لريان.
اقترب من الطفل ومد له الهدية:
ـ كل سنة وإنت طيب يا شچاع!
ضحك ريان وأخذ الهدية منه بسعادة.
بدأت الحفلة، وتعالت الضحكات، وغنوا لريان، بينما كان الطفل يقف وسطهم سعيدًا، يصفق ويرقص بطريقته البريئة.
كانت حور تراقبه وهي تضحك من قلبها.
لاحظ آسر ابتسامتها، فاقترب منها وقال بصوت منخفض:
ـ أنا عايزك ع طول مبسوطة... متزعليش خالص.
نظرت إليه حور للحظات، ثم ابتسمت:
ـ متشكرة أوي يا آسر.
رفع حاجبه بمشاكسه:
ـ في واحدة بتشكر جوزها؟ حتى عيب والله.
توقفت حور للحظة...
ودق قلبها بقوة عند سماع كلمة "جوزها" مرة أخرى.
ابتسمت بخجل، بينما كانت ديجا تراقبهما من بعيد.
وضعت يدها على صدرها، وتمنت من قلبها أن يحب آسر حور، وأن تحبه حور، وأن يجمع الله بين قلبيهما في الخير...
ثم نظرت إلى فهد الذي كان يضحك مع ريان، وتمنت له أيضًا أن يرزقه الله بمن تعوضه عن زوجته وابنته، وتملأ الفراغ الذي تركه رحيلهما في قلبه.
---
انتهت الحفلة، وغادر فهد بعد أن ودع الجميع.
وبعد وقت قصير، غلب النوم ريان، فأخذته الدادة الخاصة به إلى غرفته حتى ينام.
أما حور، فعادت إلى الجناح الخاص بها، وبدلت فستانها وارتدت بجامة كحلية غامقة مريحة، وتركت شعرها منسدلًا على ظهرها.
ثم قررت أن تذهب لتطمئن على ريان قبل أن تنام.
دخلت غرفته بهدوء...
لكنها ما إن خطت خطوة واحدة إلى الداخل حتى تجمدت في مكانها.
اتسعت عيناها فجأة، وخرجت منها صرخة مدوية هزت أرجاء الفيلا:
ـ رياااااان!
انتفض آسر من مكانه، وركضت ديجا من غرفتها، وتبعهم كل من كان في الفيلا نحو غرفة ريان.
وصل آسر أولًا، ودخل الغرفة بسرعة...
لكن بمجرد أن وقعت عيناه على ما أمامه...
تجمد هو الآخر في مكانه.
أما ديجا فوضعت يدها على فمها من شدة الصدمة.
وحور كانت واقفة أمام السرير، وجهها شاحب، ودموعها تنهمر دون توقف...
كانت الصدمة أكبر من أن يستوعبها أحد...
