رواية عشقت ابنة الصعيد الفصل الرابع عشر14بقلم فاطمة عبد الرازق
دخلت حور غرفة ريان بخطوات سريعة، وما إن وقعت عيناها على السرير حتى اتسمّرت مكانها.
اتسعت عيناها، وتجمد الدم في عروقها، وكأن عقلها رفض يستوعب ما تراه.
ثم خرجت منها صرخة هزّت أرجاء الفيلا:
ـ ريااااااان!
ركض آسر وديجا ناحية الغرفة، وخلفهما أفراد الحراسة.
دخل آسر مسرعًا، لكنه توقف للحظة عندما رأى حور جاثية على الأرض، شعرها مبعثر حول وجهها، ويديها ترتعشان بعنف، وهي تصرخ باسم ريان وكأنها تستغيث بالدنيا كلها.
كانت تبكي بطريقة لم يرها عليها من قبل...
دموعها تنهمر بغزارة، وأنفاسها متقطعة، وصوتها مبحوح من كثرة الصراخ.
كانت تحاول أن تتنفس، لكن صدرها كان يعلو ويهبط بسرعة، وكأن الهواء نفسه أصبح عاجزًا عن الوصول إلى رئتيها.
راحت تضرب بيديها على الأرض، ثم تبحث بعينيها في كل زاوية من الغرفة، وكأنها تتمنى أن يظهر ريان فجأة من خلف الباب ويقول لها:
"أنا هنا يا حور."
لكن الغرفة كانت خالية...
خالية إلا من صدى بكائها.
اقترب آسر منها بسرعة، والخوف ظهر واضحًا في عينيه:
ـ حور! مالك؟!
نظر حوله بسرعة، ثم عاد بعينيه إليها.
ـ ريان فين؟!
لم تجبه.
كانت تبكي فقط.
هز آسر كتفيها برفق، وصوته أصبح أكثر خوفًا:
ـ حور... ريان فين يا حور؟!
نظرت إليه بعينين غارقتين في الدموع، وقالت بصعوبة:
ـ مش... مش عارفة...
ثم شهقت وهي تكمل:
ـ دخلت الأوضة... ملاچتهوش.
اقتربت منه فجأة، وأمسكت يده بكلتا يديها، ثم قبلتها وهي ترتعش:
ـ أنا عايزة ريان... أبوس يدك يا آسر... أنا عايزة ريان!
كانت دموعها تسقط فوق يده.
ـ أنا مليش غيره... زمانه خايف دلوقتي... زمانه بينادي عليا...
شهقت بشدة، ثم تشبثت بيده أكثر:
ـ أبوس يدك... والله هعمل اللي إنت عايزه... بس عايزة ريان!
تجمد آسر.
لأول مرة...
ظهرت الدموع في عينيه.
ذلك الرجل الذي اعتاد أن يخفي مشاعره خلف الجمود والقوة، لم يستطع هذه المرة أن يمنع عينيه من البكاء.
انحنى أمامها، وأمسك وجهها بين يديه:
ـ حور... أهدي. هرجعلك ريان... سامعاني؟ هرجعلك ريان.
مدت حور يدها المرتعشة، وكانت تمسك بورقة صغيرة.
أخذها آسر منها، وقرأ الكلمات المكتوبة عليها:
"لو عايزة أخوكي... اطلقي من آسر."
تغيرت ملامح آسر في لحظة.
اشتعلت عيناه بغضب مرعب، وانقبضت يده على الورقة حتى تجعدت بين أصابعه.
لكنه نظر إلى حور...
فرأى انهيارها.
فابتلع غضبه، وحاول أن يسيطر على أعصابه من أجلها.
أما ديجا، فكانت تبكي بحرقة، مرة على ريان، ومرة على حور التي لم تعد تحتمل المزيد.
جلست بجوار حور، وضمتها إلى صدرها.
كانت حور شاردة، تنظر أمامها وكأنها لا ترى أحدًا.
ثم قالت بصوت مكسور:
ـ أنا هربت علشان أحميه...
سكتت لحظة، وانهمرت دموعها من جديد.
ـ واتچوزتك علشان أحميه... علشان أحس إن في حد هيحميني ويحميه...
وضعت يدها على صدرها:
ـ بس فشلت...
اقترب آسر منها، وجثا أمامها، ثم قال بصوت هادئ رغم النار التي تشتعل داخله:
ـ اسمعيني يا حور... إنتِ ما فشلتيش. اللي حصل ده مش ذنبك. ولو التمن روحي... هرجعلك ريان.
كانت كلماته تحمل وعدًا لا رجعة فيه.
ـ ريان هيرجعلك... حتى لو الدنيا كلها وقفت بيني وبينه.
ارتجف جسد حور بالكامل.
حاولت أن تتمسك بكلماته، لكن جسدها لم يعد يحتمل.
وضعت يدها على صدرها، ثم همست:
ـ ريا...
وقبل أن تكمل، سقطت فاقدة للوعي.
ـ حور!
حملها آسر بسرعة ووضعها على السرير، وحاول إفاقتها، لكنها لم تستجب.
أخرج هاتفه واتصل بالطبيب.
وبعد دقائق، وصل الطبيب وبدأ بفحصها، بينما كانت ديجا تجلس بجوار حور، تمسك يدها وتبكي.
وبعد الفحص، نظر الطبيب إلى آسر.
آسر بخوف واضح:
ـ إيه يا دكتور؟ مالها؟
الطبيب:
ـ عندها انهيار عصبي شديد. أنا اديتها مهدئ، وشوية وهتفوق، بس لازم تراقبوا حالتها كويس جدًا... وأي حاجة تحصل ترنوا عليا فورًا.
تنفس آسر ببطء:
ـ متشكر أوي يا دكتور.
خرج الطبيب، وظلت ديجا بجوار حور.
نظرت إليها والدموع في عينيها:
ـ يا رب ريان يرجع... يا رب علشان البنت دي.
ثم قبلت جبين حور، وانهمرت دموعها من جديد.
---
في حديقة الفيلا...
كان آسر واقفًا أمام الحراسة، والغضب يعصف به.
صرخ بأعلى صوته:
ـ إنتوا يا بهايم!
ارتبك الجميع.
تقدم خالد، قائد الحرس، وقال بخوف:
ـ والله يا آسر باشا منعرفش إزاي إختفي... وأساسًا محدش خرج من الفيلا.
استدار آسر إليه بعينين مشتعلتين:
ـ يعني إيه؟!
ثم صرخ:
ـ يعني ريان يتخطف من قلب الفيلا ومن أوضته ومحدش عارف؟! كاميرات المراقبة فين؟!
بلع خالد ريقه:
ـ الكاميرات... لقيناها فاصلة يا فندم.
اقترب آسر منه، وصوته ارتفع أكثر:
ـ يعنييي إيه؟!
ثم ضرب بيده على الطاولة:
ـ هو أنا باكلكم وبشربكم وبادفعلكم مرتبات علشان حد يتخطف من قلب الفيلا وتقولولي مش عارفين؟!
خفض خالد رأسه:
ـ يا فندم... آخر لحظة قبل الكاميرات ما تتفصل، كانت الدادة الخاصة بريان داخلة الأوضة... وكانت بتتلفت حواليها.
توقفت حركة آسر.
رفع عينيه إليه ببطء.
الآن بدأ يفهم.
قال بصوت منخفض، لكنه كان أخطر من صراخه:
ـ الدادة...
ثم رفع رأسه:
ـ أنا عايز الدادة... ولو كانت تحت الأرض، عايزها.
انطلق الحراس مسرعين لتنفيذ أوامره.
فالجميع يعرف...
عندما يظهر عقرب العقارات بهذه الصورة، فالأمر لم يعد مجرد تهديد.
---
أخرج آسر هاتفه واتصل بفهد.
ـ فهد...
فهد بقلق:
ـ أيوه يا آسر؟
ـ ريان اتخطف.
ساد الصمت للحظات.
فهد:
ـ إزاي حصل ده؟!
قص عليه آسر كل ما حدث.
فهد:
ـ طب أنا جاي لك حالًا.
ـ تعالى بسرعة.
أغلق آسر الهاتف.
---
في مكان آخر... وتحديدًا في شقة أدهم
كان أدهم يجلس أمام عز، وبجوارهم الدادة.
نظر عز إليها بشك:
ـ متأكدة إن محدش شافك؟
هزت رأسها:
ـ أيوه يا بيه... وكمان فصلت كاميرات المراقبة زي ما اتفقنا.
ثم مدت يدها:
ـ دلوقتي عايزة نص مليون جنيه... وتضمنلي حياتي.
ابتسم عز ابتسامة باردة:
ـ متقلقيش... حياتك مضمونة.
أخرج مسدسه من جيبه...
وفي لحظة...
دوّى صوت الرصاصة.
سقطت الدادة أرضًا.
تجمد أدهم في مكانه، ونظر إلى عز بصدمة:
ـ چتلتها؟!
نظر إليه عز ببرود وكأن شيئًا لم يحدث:
ـ وإيه يعني؟
ثم أكمل:
ـ آسر كده كده كان هيوصل لها... وكانت هتتكشف خطتنا.
ظل أدهم ينظر إلى الجثة بصدمة، بينما قال عز لوليد:
ـ خدها وارميها جمب فيلا آسر.
ثم التفت إلى أدهم:
ـ وإنت تاخد ريان وتسافر الصعيد.
رفع أدهم عينيه إليه:
ـ الصعيد؟!
ـ أيوه. آسر هيدور هنا، ومش هيخطر على باله الصعيد، خصوصًا إنه عارف إنك موجود هنا.
ثم اقترب منه:
ـ تودي ريان الصعيد... وترجع تاني هنا على الشقة. هما هيجوا يدوروا عليه هنا، وساعتها يلاقوك موجود. سامع ولا مش سامع؟
أدهم لم يهتم بكل كلامه.
قال بجملة واحدة:
ـ أنا كل اللي يهمني حور.
نظر إليه عز للحظات، ثم ابتسم ابتسامة غامضة.
وقال في نفسه:
"كده اللعب ابتدى يا آسر..."
---
في فيلا آسر...
كان آسر في الصالون، يمشي ذهابًا وإيابًا بعصبية، ويمرر يده في شعره بعنف.
لأول مرة في حياته...
شعر أنه عاجز.
هو الذي اعتاد أن يجد حلًا لكل مشكلة، وأن يسبق الجميع بخطوة...
الآن هناك طفل صغير اختفى من تحت حمايته، والمرأة التي أصبحت مسؤوليته ترقد في الغرفة فاقدة للوعي.
دخل فهد مسرعًا:
ـ هااا... في أخبار يا آسر؟
استدار آسر بعصبية:
ـ لا... مفيش أي زفت!
ثم أشار بيده بغضب:
ـ موقف شوية بهايم عندي!
اقترب فهد منه:
ـ أهدي يا آسر علشان نفكر كويس.
ثم قال:
ـ وبعدين، اللي عمل كده غالبًا أدهم... مفيش غيره، خصوصًا إنه سايب رسالة لحور بيقولها لو عايزة ريان تطلقي من آسر.
اشتعل غضب آسر من جديد.
بدأ يكسر كل ما تطاله يده:
ـ مش هطلق حور!
ثم صرخ:
ـ وسواء طلاق ولا غيره... ريان هرجعه!
توقف لحظة، وعيناه تلتمعان بعزم قاتل:
ـ ولو التمن روحي... هرجعه.
اقترب فهد منه وأمسك كتفه:
ـ أهدي... هنلاقيه، بس لازم تهدى علشان نعرف نفكر.
وفي تلك اللحظة دخل خالد مسرعًا.
ـ أستاذ آسر!
استدار الاثنان إليه.
ـ لاقينا الدادة.
اقترب آسر منه بسرعة:
ـ هي فين؟
ابتلع خالد ريقه وقال بصوت مرتجف:
ـ لاقيناها... مضروب عليها نار وميتة، ومرمية جنب الفيلا.
تجمد آسر.
لم يتحرك.
لم يتكلم.
فقط ظل ينظر إلى خالد وكأنه يحاول استيعاب ما سمعه.
من يملك الجرأة ليفعل ذلك؟
من الذي قتلها قبل أن تتكلم؟
اشتعل الغضب في عروقه من جديد، وتحول إلى ثور هائج، وأخذ يحطم ما حوله، بينما يحاول فهد تهدئته.
وفجأة...
صدر صوت إشعار من هاتف آسر.
توقف.
أمسك هاتفه وفتح الرسالة.
كانت جملة واحدة فقط:
"الخطر الحقيقي بدأ... يا تطلق حور، يا تترحم على ريان."
ظل آسر يحدق في الشاشة.
ثم رفع عينيه ببطء نحو فهد.
كانت الصدمة واضحة في عينيه.
أغلق الهاتف، ثم رماه على الأرض بكل قوته.
والآن... لم يعد الأمر مجرد اختطاف.
لقد بدأت الحرب.
