رواية الي ان نتفرق الفصل الثالث عشر13بقلم رقية الانصاري
فضلت باصاله…مش عارفة قد إيه…ثانية؟ اتنين؟ يمكن أكتر، بس أنا حرفيًا حسيت إن كل حاجة حواليا اختفت…صوت المكان، الإضاءة، الورد، حتى نفسي. كل اللي فضل موجود قدامي كان هو، وجمله واحده قالها بهدوء، بس وقعهم عليا كان أكبر من أي حاجة.
_ أنا بحبك.
فضلت باصاله وأنا مش قادرة أستوعب. وشي كان ثابت، لكن جوايا كل حاجة كانت بتجري مرة واحدة…كل خناقة، كل مرة بعدنا فيها، كل مرة قربنا، كل مرة كدبت فيها على نفسي، كل مرة قولت لنفسي إن ده تعود، إنها غيرة عادية، إنه اهتمام بسبب إننا عايشين مع بعض، إنه خوف لأننا مسؤولين عن بعض، إنه أي حاجة…إلا الحب.
لكن هو واقف قدامي دلوقتي وبيقولها ببساطة، من غير لف، من غير هزار، ومن غير ما يرجع فيها.
حسيت دموعي بدأت تتجمع في عيني من غير ما أحس، والمضحك إني كنت ببتسم…ابتسامة صغيرة، مرتبكة، شبه مصدومة. يمكن عشان مش عارفة أصدق، يمكن عشان قلبي سبقني وصدق قبل ما عقلي يلحق.
خالد كان باصصلي، ومجرد ما شاف أول دمعة نزلت على خدي، ملامحه كلها رقّت مرة واحدة. رفع إيده بهدوء، وقربها من وشي. مسح الدمعة بإبهامه، بس دمعة تانية نزلت بعدها على طول. هو ابتسم، ابتسامة فيها توتر وفرحة وخوف مع بعض، وأنا خدت بالي إن عينه هو كمان بدأت تلمع. قلبي اتقبض أكتر.
بصيتله وأنا بضحك وسط دموعي وقولت اخيرا:
= هو إنت… إنت بتتكلم بجد؟
صوتي كان مهزوز، ضعيف، مش شبهي. هو هز راسه ببطء.
_ آه والله.
ضحكتي اتكسرت أكتر.
= بجد يا خالد؟
قرب خطوة صغيرة.
_ بجد ياحبيبة خالد.
وسكت لحظة، كأنه عايز الجملة تدخل جوايا المرة دي من غير أي تشويش. وبعدين قالها تاني، أهدى.
_ بحبك يا ليليا.
أنا معرفتش أعمل حاجة غير إني دخلت في حضنه…ولا فكرت، ولا استأذنت، ولا حاولت أكون هادية. لفيت إيديا حوالين رقبته بقوة، ودفنت وشي في صدره، وكل الدموع اللي كنت بحاول أوقفها من أول ما شوفته قدامي نزلت مرة واحدة.
كنت بعيط بانهيار…بعياط مش شبه الحزن، ولا حتى شبه الفرح لوحده. كان عياط شهور كاملة ، كل اللي خبّيته، كل اللي خفت أقوله، كل اللي كنت كل يوم ببلعه وأقول لنفسي عادي، كل مرة وجعني فيها قربه وبعده، كل مرة خوفت أخسره وأنا ماليش حتى الحق أقول إني خايفة، كل مرة افتكرت إن أنا لوحدي اللي بتعلق، كل مرة سألته فيها حاجة وأنا كنت مستنية إجابة معينة ومخبية، كل مرة كنت نفسي يقولي “لأ، مش هسيبك.” كل ده خرج مرة واحدة.
هو لف إيديه حواليا فورًا. من غير تردد، وشدني عليه جامد، أقوى من أي حضن خدته منه قبل كده. كأنه هو كمان كان مستني يقدر يعمل كده من غير ما يحتاج سبب. من غير ما أكون خايفة، من غير ما يكون مصاب، من غير ما يكون أهلي عندنا، من غير ما نكون متخانقين، من غير ما يكون في ظرف بيبرر قربنا. حضنني بس عشان عايز يحضني، وأنا حضنته عشان كنت محتاجاه.
حسيت نفسه نفسه بقى تقيل، متقطع شوية، وبعدين حسيت دموعه في شعري. بعدت وشي سنة من صدره، بس من غير ما أبعد عنه. إيدي طلعت لشعره تلقائيًا، وبدأت أمشي صوابعي فيه بهدوء، أطبطب عليه، أمرر إيدي على شعره، وبعدها على ضهره، وأنا أصلًا اللي بعيط أكتر. مضحك، بس حلو. أول مرة أحس إننا الاتنين محتاجين بعض في نفس اللحظة من غير ما حد فينا يتظاهر إنه أقوى.
كنت بعيط وأنا بقول بصوت مكسور:
= خلاص…
ضحك وسط نفسه. مش ضحكة كاملة، صوت صغير دافي.
_ انتي اللي بتعيطي وبتقوليلي خلاص؟
ضحكت غصب عني وأنا لسه في حضنه.
= ما أنا مش عارفة أقول إيه.
شدني أكتر.
_ متقوليش حاجة.
فضلنا كده. وقت طويل، على الأقل بالنسبة ليا كان طويل، ومش عايزة يخلص. كنت سامعة دقات قلبه، حاسّة بإيده على ضهري، وشي مدفون فيه، وكل شوية نفسي يهدى ويرجع يتهز من العياط تاني.
بعد شوية بعدني عنه سنة. مش بعيد، بس كفاية أشوف وشه. فضل محاوطاني بإيديه، وأنا رفعت إيديا الاتنين على وشه، مسكت خده وبصيتله. عينيه كانوا حمروا فعلًا، فيه دمعة عند طرف عينه. ابتسمت وأنا بعيط.
= إنت بتعيط؟
حاول يبتسم بشكل طبيعي.
_ لأ.
رفعت حاجبي.
= خالد.
نفسه طلع بضحكة.
_ حاجة بسيطة بس.
مسحت الدمعة بإبهامي. فضل باصصلي وأنا بعمل كده، من غير ما يبعد، من غير ما يهزر. وأنا فضلت ماسكة وشه بين إيديا. كنت حاسة إني ببصله لأول مرة بجد. مش خالد اللي بيستفزني، مش خالد زميلي، مش خالد اللي اضطرينا نتجوز بعض، مش خالد اللي بقالنا شهور قاعدين نلعب حوالين الحقيقة. خالد. الراجل اللي كنت طول الوقت بهرب من الاعتراف إني بحبه.
صوتي خرج وأنا لسه ببصله.
= وأنا بموت فيك يا خالد.
اتغيرت ملامحه، بشكل واضح. فضل ساكت للحظة، كأنه هو كمان محتاج يستوعب. وبعدين ابتسامته اتفتحت واحدة واحدة. مش ابتسامته المستفزة، ولا ابتسامة انتصار، ابتسامة فرح صافي. فرحة طفل أخد الحاجة اللي كان خايف يطلبها.
شدني ناحيته تاني. رجعت حضنته فورًا، وسمعت صوته قريب جدًا من ودني.
_ عيون وقلب خالد والله.
ضحكت وأنا بعيط أكتر.
= يا رخم.
_ رخم؟
= آه.
_ ده جزاء الكلام الحلو؟
ضحكت وسط نفسي.
= إنت مخبيه من زمان أوي.
_ كنت موفره.
= لليوم ده يعني؟
_ يمكن.
بعدت عنه سنة وبصيتله. هو لسه ماسكني، ولا أنا كنت ناوية أبعد أصلًا. فضلنا ثواني ساكتين، وبعدين أنا أخدت نفس طويل. مش عارفة ليه حسيت إن دلوقتي دوري أتكلم بجد. مش كلمتين، ولا اعتراف سريع، كل حاجة. كل اللي جوايا.
خالد كأنه فهم من وشي. ما سألش، ما استعجلنيش، بس مسك إيدي، شبك صوابعه في صوابعي، وضغط عليها بهدوء. أنا بصيت لإيدينا، وبعدين رفعت عيني له.
= أنا… أنا مش عارفة أبدأ منين.
هو مقلش حاجة، بس قرب سنة. ايده شدت على إيدي، وأنا بدأت.
= أنا بقالى فترة كبيرة أوي بكدب على نفسي ياخالد. كل مرة كنت بحس بحاجة ناحيتك… كنت بديها اسم تاني. أقول تعود، أقول عشان إحنا عايشين مع بعض، أقول عشان إنت جوزي قدام الناس، فطبيعي أتضايق من حاجات، أقول عشان اتعودت على وجودك، أقول عشان إنت مسؤول عني.
ضحكت ضحكة صغيرة مكسورة.
= كنت مستعدة أصدق أي تفسير في الدنيا… إلا إن أنا بحبك.
خالد فضل ساكت، عينيه ثابتة عليا. فقط صوابعه اتحركت فوق إيدي كأنه بيطمني أكمل. أنا أخدت نفس.
= يمكن عشان كنت خايفة. كنت خايفة أوي، لأن من أول يوم إحنا عارفين إن في نهاية. عارفين إن كل ده مؤقت. ست شهور وخلاص. كنا حتى ساعات بنتكلم عنها كأنها ميعاد ثابت، كأننا مستنيينه، كأن أول ما اليوم ده ييجي، كل واحد فينا هيلم حاجته ويرجع لحياته ويقول كانت تجربة وعدت.
نزلت عيني.
= وأنا… أنا في الأول كنت فعلًا مستنية ده. كنت بكرهك.
ضحك خالد ضحكة صغيرة من غير ما يقاطعني. أنا بصيتله وسط دموعي.
= أيوه كنت بكرهك، أو على الأقل كنت مقتنعة إني بكرهك. كنت مستفز، وطريقتك كانت بتطلعني عن شعوري، وكل ما أحاول أثبتلك حاجة كنت تحسسني إنك شايفني عنيدة ومكبرة المواضيع.
ابتسمت غصب عني.
= بس حتى وقتها… كنت واخدة بالي منك أوي. كنت باخد بالي إنت دخلت إمتى، خرجت إمتى، اتكلمت مع مين، بصيتلي إزاي، اتضايقت مني ولا لأ، وكنت أقول ده عشان إحنا بنكره بعض.
هزيت راسي وأنا بعيط.
= بس الحقيقة إن أنا من أولها كنت واخدة بالك مني زيادة، وإنت واخد بالك مني زيادة، وإحنا الاتنين بنسمي ده خناقة.
هو ابتسم بهدوء. أنا كملت.
= وبعد الجواز… كل حاجة لخبطتني أكتر. لأن إحنا بقينا في بيت واحد. بقيت أشوفك طول الوقت، أعرف صوتك أول ما تدخل، أعرف من طريقة قفلك للباب إنت تعبان ولا عادي، أعرف إنك لو سكت زيادة يبقى في حاجة مضايقاك، أعرف إنك لو بقيت بتتريق زيادة غالبًا في حاجة مش عايز تتكلم فيها.
دموعي فضلت تنزل، وهو كل شوية يمسحها بإبهامه من غير ما يقاطعني. أنا كملت:
= وبقيت أستنى وجودك، ودي كانت أول حاجة خوفتني بجد. كنت أقول لنفسي لاماينفعش، ماينفعش أتعود عليك بالشكل ده، ماينفعش اليوم يعدي وأنا مستنياك ترجع، ماينفعش أفرح لما أسمع المفتاح في الباب.
صوتي ضعف.
= عشان إنت مش هتفضل.
هنا خالد إيده شدت على إيدي أكتر. أنا بصيتله، وعيطت أكتر.
= كل مرة كنت أحس إني قربت منك زيادة، كنت بخاف. فأبعد، أو أقول كلمة غبية، أو أفتح موضوع البرنامج، أو أقول ان إحنا أصلًا جوازنا مؤقت، أو أفكرك إن إحنا هنتطلق.
ضحكت بوجع.
= كنت بقولها ليك… بس الحقيقة إني كنت بقولها لنفسي.
سكت خالد، عينه اتغيرت، وأنا كملت قبل ما أتراجع.
= كنت بحاول أفكر نفسي إنك مش ليا، عشان لو صدقت إنك ليا… اليوم اللي هتمشي فيه كان هيكسرني.
الكلمة خرجت مني وخنقتني. حاولت آخد نفس. خالد قرب إيده التانية وحطها على خدي، من غير كلام. أنا ميلت عليها لحظة، وبعدين كملت.
= ولارا… يا نهار أبيض على لارا.
ضحكت وسط العياط وأنا بهز راسي. خالد ابتسم، وأنا قلت:
= أنا كنت غيرانة بطريقة بشعة. كنت كل ما أشوفها قربت منك أحس إني متضايقة من غير ما يكون ليا حق، وأقعد أقول لنفسي انا مالي، هو حر، إنتو أصلًا مش متجوزين جواز حقيقي، وإنتوا بعد كام شهر هتنفصلوا، بس كل ده ماكنش بيريحني.
ضحك خالد بصمت.
=و قولتلك إنها بت مسهوكة…ولسه شايفة إنها كانت مسهوكة على فكرة.
هنا ضحك فعلًا، لكنه ما قاطعنيش بكلمة. أنا كملت:
= وقتها كان عندي إحساس واضح أوي إني غيرانة، بس برضو كنت مصممة أقول لنفسي لأ. مجرد غيرة عشان إنت جوزي قدام الناس، مش أكتر.
دموعي نزلت تاني.
= وبعدها مروان. لما إنت غيرت، أنا كنت مضايقة منك أوي، بس جوايا… كنت مبسوطة.
بصيتله باعتراف خجلان شوية.
= مبسوطة إنك غيرت عليا.
خالد عينه لمعت أكتر.
= ولما الخناقة كبرت، ولما قولتلي أنا هطلقك.
وقفت. الجملة نفسها لسه وجعتني وأنا بقولها. خالد ملامحه اتغيرت فورًا. أنا كملت وأنا بعيط:
= أنا فاكرة اللحظة دي كويس أوي، فاكرة إحساسي…حسيت كأن حد سحب الأرض من تحتي، رغم إن دي النهاية اللي إحنا متفقين عليها، ورغم إن المفروض دي جملة عادية بالنسبة لنا. بس أنا وقتها… أنا خوفت بطريقة عمري ما خوفتها على اي حاجه. مش من الطلاق نفسه، من إنك تختفي، من إني أصحى يوم وألاقي البيت فاضي، ألاقي مفيش صوتك، مفيش رخامك، مفيش حد بيسألني مالك؟ وأنا أقول مفيش وهو عارف إن في.
دموعي زادت.
= وقتها عرفت إن الموضوع كبير، بس حتى وقتها… برضو كدبت نفسي.
ضحكت بمرارة.
= كنت غبية أوي.
خالد رفع إيدي ليه وباسها بهدوء، من غير ولا كلمة. والحركة نفسها خلتني أعيط أكتر.
= ولما اتصالحنا، ولما حضنتك، أنا فاكرة إني أنا اللي جريت عليك. يمكن دي كانت أول مرة أعمل حاجة وأنا مش بفكر. كنت بس عايزة أحس إنك لسه هنا، إنك مش هتمشي.
سكتت لحظة، أخدت نفس.
= وبعدين لما ماما وبابا جم، وخمس ليالي وإحنا في نفس الأوضة، أنا كنت فاكرة إن أول ما يمشوا هرتاح، هنام لوحدي، وأرجع الدنيا طبيعية. بس أول ليلة… أنا وقفت قدام باب أوضتك.
خالد اتفاجئ، ملامحه قالتها، بس فضل ساكت زي ما طلبت من غير ما أطلب. أنا كملت:
= وقفت قدام بابك فعلًا، وكنت هخبط. وبعدين قولت لنفسي لأ، كل مرة أنا اللي بقرب، كل مرة أنا اللي ببين إني محتاجاه، فرجعت. ولما إنت جيتلي بعدها وخبطت على باب أوضتي وقلتلي تعالي نامي جنبي، أنا كنت عايزة أقولك إن أنا أصلًا كنت عند باب اوضتك من شوية، بس خفت.
خالد مسح دمعة جديدة. أنا بصيتله.
= ويوم الموتوسيكل… لما شدتني ناحيتك وخوفت عليا بالشكل ده، أنا حسيت إني مهمة عندك. مش عشان إحنا متجوزين، ولا عشان مسؤولية، حسيت إن أنا نفسي مهمة. ودي كانت حاجة فرحتني أوي وخوفتني أوي في نفس الوقت.
سكتت شوية. وبعدين وصلت للحاجة اللي كنت عارفة من الأول إني لما أوصل لها هنهار.
= بس يوم إصابتك…
خالد ملامحه هديت جدًا. أنا أول ما قلتها، دموعي نزلت أسرع.
= اليوم ده أنا عرفت…بجد عرفت.
صوتي اتكسر. هو ضغط على إيدي، وأنا كملت وأنا بعيط:
= لما فتحت الباب وشوفتك داخل عليا بالمنظر ده، أنا قلبي وقع. مش خفت عليك بس، أنا حسيت إني هفقد عقلي. في ثواني تخيلت إنك ممكن تكون حصلك حاجة أكبر، تخيلت إنك ممكن ماكنتش ترجعلي أصلًا.
دموعي نزلت بغزارة.
= وأنا بعالجك وإيدي بتترعش… كنت ببصلك وأقول لنفسي أنا مالي؟ ليه أنا منهارة كده؟ بس أنا كنت عارفة…كنت عارفة إن الإجابة قدامي ، عشان بحبك…كنت بحبك فوق ما أنا متخيلة، فوق ما كنت مستعدة أعترف، وفوق ما كنت عايزة.
خالد عينه بدأت تدمع تاني بوضوح، بس فضل ساكت يسمعني. وأنا كملت:
= لما طلبت مني أفضل جنبك الليلة دي، أنا مكنتش هسيبك أصلًا. كنت لو قولتلي امشي… كنت هقعد برضو. ولما نمت في حضني… حسيت براحة غريبة أوي، كأنك أخيرًا بطلت تبعد وأنا بطلت أبعد. ولما بوستك على راسك… كنت فاكرة إنك نايم.
خالد طرف بوقه اتحرك، لكن فضل ساكت.
= وكنت مرعوبة من نفسي، من إن أنا عملت كده، ومن إن أنا كنت عايزة أعمل أكتر من كده… مش بمعنى حاجة، بس كنت عايزة أفضل جنبك. كنت عايزة أطمن عليك، كنت عايزة أصحى ألاقيك بخير، كنت عايزة اليوم ده يعدي وإنت معايا.
أخدت نفس طويل.
= ومن اليوم ده… خلاص. أنا عرفت، حتى لو فضلت أكذب بعدها. عرفت إن أنا بحبك، بس كنت لسه خايفة….لأن الحب وقتها معناه إن عندي حاجة هخسرها بعد كام أسبوع.
سكتت، نزلت عيني.
= ولما الإيميل جه وقالوا عشر أيام، حسيت الرقم صغير أوي، بطريقة خوفتني. عشر أيام ونبطل نشتغل سوا، وبعدها كام يوم وننفصل، وكل حاجة اللي بقالي شهور بعتبرها حياتي هتتغير مرة واحدة.
رفعت عيني له.
= وأنا كنت مرعوبة، بس برضو سكت. زي العبيطة.
خالد مسح دموعي تاني. أنا ابتسمت بوجع.
= ولما سألتك إذا كنت متضايق إن الشغل بينا هيخلص، وقلت آه… قلبي فرح. بس لما بعدها قولتلي إننا ممكن نشوف بعض عادي حتى لو بقينا في فرق مختلفة… الجملة وجعتني. حسستني إننا بعدين هنبقى اتنين كانوا يعرفوا بعض، نقابل بعض، نشوف بعض، مش اتنين عايشين مع بعض، مش أنا وإنت.
دموعي ماوقفتش.
= وبعدين لما سألتك إنت واخد بالك إننا أول الأسبوع الجاي هنتطلق، أنا كنت بسألك سؤال مش سؤال. كنت مستنية منك حاجة، أي حاجة. كنت مستنية تقولي لا، أو مش عايز، أو حتى تسألني وإنتي عايزة؟ بس إنت قولتلي عامل حسابي.
خالد عينه نزلت للحظة. أنا كملت:
= ومش عارفة أوصفلك الجملة دي عملت فيا إيه. حسيت إن أنا كنت لوحدي في كل ده، إن أنا لوحدي اللي اتغيرت، إن أنا لوحدي اللي كنت ببني حياة في حاجة إنت شايفها مؤقتة، وإنك فعلًا مستني اليوم. و دخلت أوضتي يومها وأنا مخنوقة أوي، وكنت نفسي تفتح الباب وتقولي إنك مش عايز تمشي، وكنت نفسي أبقى عندي الشجاعة أفتح أنا الباب وأقولك أنا مش عايزاك تمشي.
سكتت. المكان كله كان هادي. خالد ساكت، إيده حوالين إيدي، إيده التانية على خدي، عينه مليانة دموع. وأنا أخدت نفس طويل، يمكن أول نفس كامل من ساعة ما بدأت.
= ده كل اللي كان جوايا… أو مش كله.
هزيت راسي وضحكت وسط دموعي.
= يمكن نصه.
خالد ابتسم بحزن جميل. أنا كملت بهدوء:
= بس اللي أعرفه إن أنا من فترة كبيرة أوي مش عايزة أسيبك، ومش عايزة أرجع لحياتي اللي قبلَك، ومش عايزة نبقى ناس نشوف بعض عادي. أنا عايزة أصحى ألاقيك، أرجع ألاقيك، أخاصمك وأتصالح معاك، أزهق منك وأدور عليك، أفضل أقول عليك رخم وأفضل أحب رخامك.
ابتسم خالد وسط دموعه. أنا رفعت إيدي ولمست وشه.
= أنا مش متعلقة بيك عشان اتعودت. أنا اتعودت عليك عشان أنا بحبك.
سكت، وبعدين قلتها مرة تانية من غير خوف:
= بحبك يا خالد.
فضل ثواني ساكت، وأنا لسه إيدي على وشه بمسح الدمعة اللي نزلت منه، مستنية أسمع منه أي حاجة…بس المرة دي خالد ما ردش بسرعة، بالعكس، فضل باصصلي كأنه بيحاول يرتب في دماغه حاجة أكبر من مجرد رد على كلامي، وبعدها مسك إيدي اللي على خده ونزلها بهدوء، من غير ما يسيبها، وقربني منه لحد ما بقيت واقفة قدامه تقريبًا من غير أي مسافة بينا.
بصلي فترة طويلة، وبعدين قال بصوت هادي أوي:
_ أنا عايز أقولك حاجة، بس قبل ما أقولها… عايزك تعرفي حاجة مهمة جدًا.
هزّيت راسي فـكمل:
_ اللي حصل بينا ده كله… أنا مخططتش له يا ليليا. عشان عارف إن لو قولتلك اللي هقوله دلوقتي، أول حاجة ممكن تيجي في دماغك إن يمكن أنا كنت عامل حسابي من الأول، أو إن البرنامج أو موضوع الجواز ده كان حاجة أنا استغليتها عشان أوصل للي أنا عايزه…لأ خالص أنا مكنتش عارف إن الورق هيغلط أصلًا، ومكنتش أعرف إنهم هيربطونا ببعض، ومكنتش متخيل إن في يوم هقف قدام حد وأقول دي مراتي وبعدها ألاقي نفسي فعلًا متجوزك…كل ده حصل زي ما انتي عارفاه بالظبط… فجأة، ومن غير تخطيط مني.
سكت لحظة وهو لسه ماسك إيدي، وبعدها ابتسم ابتسامة صغيرة متوترة.
_ بس الحقيقة اللي انتي متعرفيهاش… إني أنا مبدأتش أحبك بعد ما اتجوزنا.
فضلت باصاله، ومخي وقف عند الجملة قبل ما أستوعب باقيها. هو خد باله من نظرتي، فضغط على إيدي بهدوء وكمل قبل ما أنطق:
_ وأنا مش بقولك إني من أول يوم شوفتك فيه كنت واقع في حبك وعارف إنك حب حياتي والكلام ده، عشان ده محصلش…أنا نفسي وقتها مكنتش فاهم اللي حاسه ، لكن من أول ما دخلتي الشركة… انتي لفتّي نظري... أول يوم شفتك فيه، فاكر إني بصيتلك أكتر من مرة. مش بس عشان انتي حلوة، مع إن دي كانت أول حاجة خدت بالي منها بصراحة، وكنت شايفك جميلة جدًا… بس كان فيكي حاجة تانية. طريقة كلامك، ثقتك، وإنك كنتي داخلة جديدة ومش عاملة فيها خايفة من حد ولا بتحاولي تكسبي رضا الناس حواليكي. كنتي مختلفة عن معظم اللي حوالينا، وأنا من أولها فضلت واخد بالي منك، حتى وأنا مش فاهم ليه.
ابتسامتي طلعت رغمًا عني وسط دموعي، ويمكن أول مرة من ساعة ما بدأ الكلام كله أحس بنوع مختلف من الارتباك.
خالد كمل:
_ كنتي جديدة، فكان طبيعي نتعامل في الشغل، وطبيعي أساعدك في حاجة أو أكلمك في حاجة تخص مشروع، بس أنا كنت ساعات بلاقي سبب للكلام حتى لو مش محتاج أتكلم. أفتح معاكي موضوع شغل كان ممكن يتقال في رسالة، أو أسألك عن حاجة وأنا عارف إجابتها، أو أرن عليكي في حاجة صغيرة عشان بس أسمع صوتك وأشوف هتردي عليا إزاي…وكنت كل مرة أقول لنفسي عادي، أنا بس بحاول أعرف زميلة جديدة، لكن الحقيقة إني كنت عايزك تاخدي بالك مني.
_ وبعدها الموضوع بدأ يتغير…بقينا بنتعامل أكتر، وبقينا نشتغل في مشاريع أكتر، وبقيت أعرفك فعلًا مش مجرد بنت شكلها عجبني. بقيت أعرف عنادك، وطريقتك وإنتي بتفكري، وإنك لما تكوني مقتنعة بحاجة صعب أوي حد يحركك عنها.
_ وكل ما كنت أعرفك أكتر، كل ما كنت عايز أعرفك أكتر واكتر…وهنا بدأت المشكلة بالنسبالي، عشان أنا وقتها بدأت أحس إن الموضوع خرج من فكرة إعجاب عابر. بقيت أستنى وجودك. لو يوم إنتي مش موجودة فيه في الشغل، آخد بالي إن اليوم ناقص. لو زعلتي مني، أفضل متضايق لحد ما أرجع ألاقي طريقة أخليكي تكلميني.
ضحك بخفة وهز راسه:
_ وكنت غبي، لأني بدل ما أقول لنفسي يا خالد، إنت معجب بالبنت وبتحبها ، كنت أقول عادي، إحنا بقالنا فترة بنشتغل مع بعض…كل ما الإحساس يكبر أقنع نفسي بحاجة تانية..
عيني بدأت تلمع تاني، بس المرة دي سبت دموعي تنزل من غير ما أحاول أمنعها…خالد شافها، ومسح دمعة من على خدي قبل ما يكمل:
_ ولما قربنا على سنة شغل مع بعض… كنت خلاص بدأت أحبك. مش الحب اللي أنا حاسه دلوقتي، مش بالعمق الي بحبك بيه دلوقتي، بس كنت بحبك فعلًا….كنت معجب بيكي جدًا، ومتعلق بوجودك، وكنت نفسي يحصل بينا حاجة تخليكي تشوفيني غير الزميل المستفز اللي بتتخانقي معاه طول الوقت…بس ماكنتش عارف أعملها إزاي، لأن كل مرة أحس إني قربت منك سنة، انتي تقفلي الباب في وشي.
_ وبعدين جه البرنامج.
هنا صوته اتغير، بقى أهدى وأعمق.
_ إحنا قدمنا كل واحد لوحده…أنا معرفتش إنك مقدمة غير بعدين، وإنتي برضو مكنتيش تعرفي إني مقدم. ولما حصل الغلط وربطونا كـ household، أنا كنت متفاجئ زيك بالظبط…ولما قالوا إن المسار الفردي مليان، وإن الحل الوحيد تقريبًا إننا نكون متجوزين… صدقيني أنا مكنتش مخطط لأي حاجة.
قرب إيده من خدي، وحطها عليه بهدوء:
_ بس هكدب عليكي لو قولتلك إن جزء مني ما فرحش…فرحت يا ليليا ، مش لأنك اتزنقتي، ولا لأن عندي فرصة أفرض نفسي عليكي، ولا عشان كنت عايز أستغلك…لكن لأن فجأة اتفتح قدامي باب كنت فاكر إنه عمره ما هيتفتح ، بنت أنا بقالي شهور بحاول أقرب منها ومش عارف… فجأة الظروف بتقولي إن ممكن أسافر معاها، أعيش معاها، أعرفها أكتر، ويمكن… يمكن هي كمان تعرفني بشكل مختلف.
سكت، ونبرة صوته هديت أكتر:
_ ولما قلت أيوه دي مراتي، أنا عارف إن الكلمة كانت غلط، وإنها زنقتنا بعدين، وأنا عمري ما هحاول أبررها…بس وقتها أنا كنت بقولها عشان أحل الموقف في اللحظة دي، مش عشان عندي خطة أتجوزك والله ، ولما الموضوع قلب جد، ولقيت إن فعلًا الحل بقى إننا نتجوز… كنت خايف ومبسوط في نفس الوقت…خايف عشان عارف إنك مش بتحبيني، أو ده اللي كنت فاكره، ومبسوط عشان في جزء مني كان بيقول يمكن دي فرصتك.
هو كمل:
_ وأنا حتى وأنا بقول لنفسي دي فرصة ، مكنتش أقصد فرصة إني أربطك بيا غصب…كنت أقصد فرصة إنك تشوفيني. إننا نعيش سوا فترة، ويمكن تعرفي إني مش البني آدم اللي انتي عاملاله بلوك في دماغك من أول يوم. كنت بقول لنفسي لو الست شهور عدوا وفي الآخر هي لسه مش عايزاني، خلاص، هسيبها تمشي.
سكت، وبعدها ضحك بخفة من غير فرحة:
_ المشكلة إن اللي حصل كان عكس اللي كنت مخططله لنفسي تمامًا.
أنا ابتسمت.
= ما هو إنت بتقول مكنتش مخطط.
_ قصدي الخطة اللي كنت حاططها لنفسي اني ما تتعلقش زيادة…دي فشلت فشل تاريخي.
_ أول ما اتجوزنا، أنا كنت عامل مع نفسي اتفاق واضح أنا بحبها اه شوية، أو متعلق بيها، ماشي…بس هي مش بتحبني…الجوازة دي مؤقتة. ما تبنيش عليها حاجة. خليك طبيعي، عاملها كويس، حافظ عليها طول ما هي مراتك، وبعد الست شهور سيبها تمشي زي ما اتفقتوا.
هز راسه ببطء.
_ كنت فاكر إن الموضوع سهل…ما طلعش سهل خالص.
_ يوم ما تعبتي وخوفتي على باباكي… لما حضنتك أول مرة بالشكل ده، أنا مكنتش بفكر. كنت شايفك منهارة قدامي وكل اللي كان جوايا إني عايز أشيل عنك الخوف بأي طريقة. وبعدها لما انتي اتكسفتي من اللي حصل، وقولتيلي متعملش فيها مهتم أوي ، يمكن بالنسبالك كانت كلمة عادية أو دفاع منك عشان كنتي محرجة… بس أنا اليوم ده اتوجعت. عشان أنا كنت مهتم فعلًا. كنت مهتم أوي. ولما قولتيلي كده، حسيت إن انتي بتقوليلي بطريقة غير مباشرة ما تقربش بالشكل ده. فساعتها عملت الحاجة الوحيدة اللي كنت فاكر إنها صح.
سكت لحظة.
_ بعدت.
نزلت دموعي أكتر.
هو كمل:
_ اليوم ده كان من أصعب الأيام عليا. عشان أنا كنت عايز أعمل العكس تمامًا. كنت عايز أقرب، كنت عايز كل ما أشوفك زعلانة أحضنك من غير ما أفكر، لكن لما حسيت إن قربى مضايقك، قلت خلاص يا خالد، التزم بحدودك. وعشان كده قلتلك الجملة الغبية بتاعة أنا مش مهتم بيكي عشان واقع في حبك.
أنا غمضت عيني للحظة من الوجع وأنا بفتكرها، وهو كمل:
_ وأنا بقولها كنت بكدب…كدبت عليكي وكدبت على نفسي في نفس الجملة... كنت واقع أصلًا، بس كنت خايف جدًا إنك تعرفي.
دمعة نزلت مني، فمسحها وهو بيكمل:
_ وبعدها لما انتي اعتذرتي، و حضنتيني بنفسك… أنا فاكر اللحظة دي بكل تفاصيلها…لأن أول ما حضنتيني، كل اللي كنت بحاول أعمله من مسافات وحدود وقع في ثانية... كنت عايز أضمك وأقولك متبعدينيش تاني ، بس ماقدرتش.
سكت شوية وهو بيبص في عيوني.
_ وفضلت كده فترة….كل ما انتي تقربي، أنا أقرب سنة. لو تبعدي، أنا أقف مكاني. ماكنتش عايز أحسسك في أي لحظة إن جوازنا اداني حق في مشاعرك أو في قربك. كنت نفسي تختاريني بنفسك.
صوتي خرج واطي وأنا بعيط:
= انا كنت فاكرة إنك بعدت عشان كلامي فعلًا خلاك تبطل تهتم.
هو ضغط على إيدي فورًا وهز راسه.
_ لأ. بالعكس…بعدت عشان كنت مهتم زيادة عن اللزوم.
الجملة خلتني أسكت، وهو قرب أكتر ومسح دموعي براحة إيده.
_ وبعدها لارا دخلت على الخط، وأنا خدت بالي إنك غيرانة…أقسم بالله يا ليليا أنا اليوم ده رجعت البيت مبسوط زي العيل العبيط، وبعدين قعدت أزعق لنفسي إني متعشم في حاجة ممكن تكون مجرد غيرة عادية عشان إحنا متجوزين قدام الناس.
ضحكت وسط دموعي من طريقته.
_ وبعدين جه مروان، وأنا غيرت بطريقة غبية، وعارف. بس الموضوع مكنش مروان. كان كل حاجة متراكمة. كنت شايفك بتقولي جوزي ساعات وكأن الكلمة لها معنى، وبعدين في أول خناقة ترجعي تقوليلي وإنت مالك؟ إحنا أصلًا جوازنا مؤقت. وكل مرة كنتي تقوليها كنت بحس إنك بتفكريني بمكاني الحقيقي عندك.
هدي صوته أكتر:
_ يوم ما قلتلك هطلقك، أنا ماكنتش عايز أطلقك. أنا كنت موجوع. كنت حاسس إن كل اللي حصل بينا انتي شايفاه مرحلة وأنا الوحيد اللي بدأ يعيشها كحياة.
دموعي نزلت تاني.
_ وبعدها لما شوفت وشك، وعرفت إن الكلمة وجعتك… جزء مني خاف وجزء مني فرح، وده يمكن أنانية، بس دي الحقيقة. خفت عشان أنا أذيتك، وفرحت عشان لأول مرة حسيت إن فكرة إننا نسيب بعض مش سهلة عليكي انتي كمان.
سكت، وبعدين ابتسم ابتسامة صغيرة:
_ ولما جيتي بعدين واعتذرتي وحضنتيني ساعة ما ماما وبابا كانوا موجودين، كنت عايز أسألك ساعتها لو أنا قولتلك إن أنا مش عايز الست شهور يخلصوا… هتعملي إيه؟ بس خوفت.
أنا ابتسمت من وسط دموعي.
وبعدين عينه هديت وهو بيكمل:
_ أيام أهلك لما كانوا عندنا ، كانت أول مرة حسيت بطعم الحياة اللي كنت نفسي فيها من غير ما يكون عندي حق أطلبها. كنا قدامهم زوجين طبيعيين، وأنا كنت عارف إن جزء كبير منه تمثيل، لكن المشكلة إن بالنسبة لي حاجات كتير منه ماكانتش تمثيل. لما كنتي تنامي جنبي، أو أصحى ألاقيكي لسه نايمة… كنت بحس إن ده طبيعي.
ابتسم بحنين:
_ عشان كده أول ليلة بعد ما مشيوا أنا فعلًا معرفتش أنام. ولما جيتلك، كنت قايل لنفسي مش مهم شكلي هيبقى إيه. كنت بس عايزك جنبي. ولو كنت أعرف إنك وصلتي لبابي قبلي ورجعتي، كنت هفضل أرخم عليكي بيها لحد دلوقتي.
ضحكت وأنا بمسح دموعي:
= ما انت بدأت أهو.
ضحك، وبعدها صوته رجع جدي:
_ ويوم الموتوسيكل… اليوم ده أنا فهمت حاجة مهمة. إن خوفي عليكي ما بقاش منطقي. كان خوف على حد بقى جزء مني. لما شديتّك ناحيتي، أنا مكنتش شايف الشارع ولا الناس. كنت شايف إن في ثانية كان ممكن حاجة تحصللك وأنا واقف قدامك. ولما قولتلك أني اتخضيت ، دي كانت نص الحقيقة بس. أنا حرفيا اترعبت.
سكت، وصوابعه اتحركت على إيدي.
_ وبعدها إصابتي.
بصلي بصة طويله.
_ أنا يومها كنت متبهدل فعلًا، لكن أول ما دخلت وشوفتك، حاجة جوايا هديت…مش عشان الجرح خف، لكن عشان أنا وصلتلك. وإنتي بتعالجيلي كتفي، وإيدك بتترعش، وعينيكي كلها خوف… كنت عايز أقولك ساعتها إني بحبك…الكلمة كانت قريبة جدًا. لكن قولت لنفسي لأ، يمكن دي لحظة خوف…وفضلت أهرب.
ضحك على نفسه.
_ وبالليل، لما دخلت حضنك… أنا كنت صاحي كفاية أعرف إني بعمل إيه…ومكنتش عايز أبعد ، كنت مرتاح بطريقة عمري ما ارتحتها في مكان قبل كده…ولما إيدك كانت في شعري، كنت عايز الوقت يقف…حتى البوسة اللي انتي فاكرة إني ماحستش بيها…
ابتسم.
_ حسيت.
غطيت وشي بإيدي للحظة وأنا بضحك من الإحراج.
= يا خالد بقى.
مسك إيدي ونزلها من على وشي وهو بيضحك.
_ بس ما فتحتش عيني…عشان كنت خايف لو فتحتها انتي تتكسفي وتبعدي…وأنا اليوم ده مكنتش عايزك تبعدي.
سكتنا لحظة طويلة.
وبعدها أخد نفس، وكمل:
_ من اليوم ده، أنا كنت عارف إن أنا بحبك…مش مجرد معجب. مش متعلق. مش متعود. بحبك، وكنت عارف إني لو فضلت أنكر أكتر من كده هبقى بكدب على نفسي عمدًا…بس برضو ما قلتلكيش، لأن ماكنتش عارف انتي عايزة إيه…كنت شايفك قريبة، وبعدين تفتحي موضوع النهاية…شايفك غيرانة، وبعدين تقولي إحنا أصلًا هنطلق ، وماكنتش عايز أخد أي إشارة وأبني عليها حلم كامل وأطلع ضغطت عليكي.
إيده طلعت لخدي ومسحته بهدوء.
_ فقلت أستنى. يمكن الست شهور تخلص، وساعتها لو انتي مبسوطة إننا نتطلق… هسيبك…حتى لو أنا اتكسرت. لأن أنا بحبك، ومكنتش عايز حبي يبقى سبب أخليكي متعلقة في جوازة انتي مش عايزاها.
دموعي نزلت بغزارة أكتر، ومديت إيدي بسرعة ومسكت إيده اللي على خدي.
هو كمل:
_ لكن لما الإيميل جه وقال عشر أيام… كل اللي كنت محاول أأجله بقى قدامي…بقيت كل يوم أصحى وأعد…تسعة، تمانية، سبعة… وأبصلك وأقول لنفسي، بعد كام يوم يمكن البنت دي ما تبقاش مراتي…يمكن أصحى وملاقيهاش في البيت.
صوته اتكسر لأول مرة بوضوح:
_ وأنا معرفتش أتقبل الفكرة.
قرب مني أكتر.
_ ولما قعدتي معايا وسألتيني إذا كنت فاكر إن أول الأسبوع الجاي هنطلق، أنا حرفيًا كان نفسي أقولك مش عايز…كانت الكلمة على لساني. بس شوفتك بتقوليها بهدوء، فافتكرت إن يمكن انتي جاهزة للنهاية وأنا الوحيد اللي مش جاهز. فعملت اللي بعمله دايمًا لما أخاف.
ابتسم بمرارة:
_ استخبيت ورا البرود…قلتلك عامل حسابي ، وبعد ما دخلتي أوضتك فضلت قاعد مكاني وقت طويل، ومش فاهم أنا ليه قلتها. حسيت إني بإيدي بقولك امشي، وأنا كل اللي عايزه إنك تفضلي.
مسكت إيده أقوى.
وهو كمل:
_ اليوم ده أنا قررت إن خلاص…مش هسيب الاتفاق القديم يقرر عني. لو انتي هتمشي، تمشي بعد ما تعرفي الحقيقة. بعد ما تعرفي إني بحبك، وإن أنا عايزك، وإن عندك اختيار حقيقي. مش تمشي لأننا من ست شهور كتبنا شروط وإحنا الاتنين ماكناش نعرف إحنا هنبقى مين لبعض.
سكت، وبعدين ابتسم بخفة:
_ ومن هنا جت حكاية الخطوبة.
ضحكت وسط دموعي.
هو رفع حاجبه:
_ ما تضحكيش، كانت خطة ممتازة.
= خطة نصابة.
_ بس اشتغلت.
هزيت راسي وأنا بضحك، وهو كمل وهو مبتسم:
_ كنت محتاج سبب يخليكي تلبسي حاجة حلوة من غير ما تشكي، وسبب يخلي الناس اللي عايزهم موجودين، وسبب يخليكي تيجي المكان وانتي مش داخلة مستعدة لأي كلام مني. كنت عايز أشوف ردك الحقيقي.
وقف لحظة، وبعدها صوته نزل:
_ وكان عندي خوف واحد طول الوقت.
بصيتله.
_ إنك تقوليلي لأ.
ابتسامتي راحت بهدوء.
هو كمل:
_ كنت جاهز لها، أو على الأقل كنت بحاول أقنع نفسي إني جاهز…كنت بقول لو قالت لأ هتقبّل ، هزعل…آه. هتوجع… جدًا. لكن هسيبها تختار، لأن دي أول مرة أصلًا يكون عندنا اختيار.
سكت، وبعدين رفع إيدي ليه وباسها.
_ بس انتي قولتيلي إنك بتحبيني.
ابتسامته ظهرت من جديد.
_ وبصراحة أنا لحد دلوقتي مش مستوعب.
ضحكت، وهو حاوطني بإيده وقربني ناحيته…سندت جبيني على صدره للحظة، لكن قبل ما أهدى تمامًا، رفع دقني بإيده عشان أبصله.
_ بس عايزك تفهمي آخر حاجة…أنا لما بقولك إني كنت بحبك قبل الجواز، ده مش معناه إن الجواز ده كان فخ عملتهولك…أنا عمري ما كنت هعمل فيكي كده. ولو وقتها كان فيه حل تاني فعلي ينفع لنا من غير الجواز، ومش هيضرك، كنت هوافق عليه…أنا فرحت بالفرصة آه…مسكت فيها اه. يمكن أكتر من اللي كنت هعمله لو مكانك واحدة تانية…لكن أنا مخلقتش الفرصة دي.
هزيت راسي وأنا باصة له.
_ أنا فاهمة متخافش.
ملامحه ارتاحت شوية.
قلت وأنا بمسح آخر دموع على خدي:
= بالعكس… يمكن أكتر حاجة فرحتني إنك قولتلي الحقيقة كده. إنك ما حاولتش تقنعني إن كل حاجة كانت قدر وخلاص وإنك من أول يوم عارف النهاية…وإنت كنت تايه زيي.
ابتسم.
_ جدًا.
= ويمكن أغبى مني كمان.
رفع حاجبه.
_ ايه؟ بدأنا؟
ضحكت.
_ بس أنا بجد فاهمة... وفاهمة دلوقتي حاجات كتير أوي مكانتش مفهومة بالنسبالي…وفاهمة ليه ساعات كنت تقرب اوي وبعدين مرة واحدة ترجع بعيد…وفاهمة ليه كنت بتحسسني إنك مهتم، وبعدها تقوم تقول جملة تخليني أشك في كل حاجة. إحنا الاتنين كنا بنعمل نفس الحاجة لبعض.
هز راسه.
_ كل واحد فينا كان خايف التاني مايبقاش في نفس المكان.
ابتسمت.
= وإحنا الاتنين كنا في نفس المكان من زمان.
_ تقريبًا.
فضلنا باصين لبعض، وفيه حاجة مريحة أوي في إننا أخيرًا عرفنا الحقيقة من الناحيتين…مفيش حد سبق التاني في الإحساس بالشهور زي ما أنا كنت فاكرة، ومفيش حد كان لوحده في الخوف. إحنا الاتنين كنا واقفين على نفس الناحية، بس ضهرنا لبعض، وكل واحد فاكر نفسه لوحده.
خالد قرب جبينه من جبيني وقال بهدوء:
_ ضيعنا وقت كتير أوي.
ابتسمت.
= بس لسه قدامنا وقت.
عينيه ثبتت عليا، والابتسامة اللي ظهرت على وشه كانت هادية، مطمئنة، كأن الجملة دي تحديدًا هي اللي كان محتاج يسمعها بعد كل اللي قاله.
_ يعني؟
ضحكت من طريقته.
= يعني ما تبصليش كده، إنت فاهم.
_ لأ، عايز أسمع.
هزيت راسي وأنا بضحك، بس دموعي رجعت تلمع من جديد.
= يعني أنا مش عايزة أمشي يا خالد…مش عايزة الطلاق، ومش عايزة نهاية الست شهور تبقى نهاية لينا... أنا عايزة أشوف شكلنا وإحنا فعلًا مع بعض، مش مجبرين، مش عاملين حساب يوم هنسيب بعض فيه، ومش كل واحد ماسك قلبه بإيده عشان ما يتعلقش بالتاني.
نفسه خرج ببطء، وإيده شدت حوالين إيدي…أنا قربت أكتر وقلت:
= أنا عايزة أختارك وأنا عارفة إني باختارك.
خالد سكت. عينيه بدأت تدمع تاني، لكنه ضحك وهو بيهز راسه:
_ انتي ناوية تخليني اكسر رجولتي وأعيط انهارده صح؟
ضحكت وأنا بمسح دمعة نزلت منه.
= أهو نشوفك بتعيط بدل ما إنت عامل فيها جبل طول الوقت.
ضحك.
وان ضحكت أكتر، وبعدين سكتنا لما قرب مني تاني. مسك وشي بين إيديه المرة دي، وبصلي وقال:
_ وأنا باختارك يا ليليا…المرة دي وأنا عارف أنا بعمل إيه، ومن غير برنامج، ومن غير شروط، ومن غير أي حد مزنوق في التاني.
ابتسامتي كبرت.
= حلو.
_ حلو بس؟
= حلو أوي.
قربني لحضنه تاني، وأنا دخلت فيه من غير تفكير، بس المرة دي الحضن ماكانش انهيار ولا خوف…كان أهدى، وأطول، ومليان براحة غريبة…حطيت راسي على صدره، وإيده فضلت تتحرك على ضهري ببطء، وأنا لأول مرة من يوم جوازنا حسيت إن مفيش تاريخ انتهاء مكتوب فوق رأسنا.
ويمكن عشان لأول مرة مفيش حاجة مستخبية، السكوت نفسه كان مريح.
فضلنا كده شوية، لحد ما حسيت خالد بيضحك فجأة.
بعدت وشي من على صدره وبصيتله.
= إيه؟
_ ولا حاجة.
= لأ، في.
_ افتكرت حاجة.
ضيقت عيني.
= إيه؟
بصلي وهو بيحاول يخبي ضحكته:
_ افتكرت إن انتي من شوية كنتي واقفة بتقولي يعني مفيش خطوبة؟
فتحت عيني.
= آه صح!
ضحك أول ما نبرة صوتي اتغيرت.
= الموضوع ده لسه متحاسبناش عليه.
_ كنت عارف.
= لا بجد يا خالد، إنت ضحكت عليا تلات أيام.
_ ثلاثة بس.
= ولففتني تلات محلات.
_ دي كانت ضرورة.
= وفضلت تقولي ده ضيق وده عريان وده اللون وحش!
رفع كتفه بمنتهى البرود.
_ ما هما كانوا كده فعلًا.
بصيتله بصدمة.
= إنت حتى دلوقتي مش ندمان؟
_ على الفساتين؟ لأ.
ضحكت وضربته على صدره، فمسك إيدي بسرعة وهو بيضحك.
_ خلاص بقى، المهم الفستان اللي جبناه طلع يستاهل.
= طب إنت كنت هتعمل إيه لو أنا قولت خلاص مش رايحة الخطوبة؟
سكت ثانية.
_ كنت هتصرف.
= إزاي؟
ابتسم بنص بوق.
_ مكنتش مخطط للجزء ده بصراحة.
انفجرت ضحك.
= أهي الخطة العبقرية.
_ بس انتي جيتي.
= عشان هاجر ومنة كانوا عاملين نفسهم طبيعيين أوي.
_ كانوا سيئين؟
= جدًا على فكره.
ضحك.
_ هحاسبهم.
= لأ أنا اللي هحاسبهم.
كنت لسه بضحك لما سمعت فجأة صوت خافت جاي من بعيد، كأن حد حاول يكتم ضحكة وماعرفش.
وقفت.
بصيت ناحية الصوت، وبعدين رجعت بصيت لخالد.
هو كان بيحاول يخبي ابتسامته.
ضيقت عيني.
= خالد.
_ نعم؟
= في حد سامعنا؟
ابتسامته وسعت سنة.
= تفتكري؟
فتحت عيني بصدمة.
= افتكر؟!
قبل ما ألحق أكمل، سمعت حركة من الناحية التانية للمكان، وبعدها صوت حد بيهمس بصوت واطي بس واضح كفاية:
_ خلاص يا جماعة ولا لسه؟
لفيت بسرعة.
= يا نهار أبيض.
خالد ضحك، وأنا ضربته على دراعه.
= إنت مخليهم هنا؟!
_ ما هما جزء من الخطة.
= يعني هما سامعين كل حاجة؟!
_ مش كل حاجة.
= خالد!
ضحك أكتر، وأنا كنت بين إني أدفنه في الأرض وبين إني أضحك، لحد ما بدأت أشوف هاجر ومنة ويوسف وطارق وكريم وآدم يظهروا واحد واحد من بعيد، وكل واحد فيهم على وشه ابتسامة مستفزة أكتر من التاني.
هاجر أول ما شافتني فتحت دراعاتها وهي بتضحك:
_ خلاص نقدر نطلع ولا نرجع نستخبى تاني يا عصافير الحب؟
غطيت وشي بإيديا وأنا بضحك من الإحراج.
= أنا هقتلكم.
منة جريت ناحيتي وهي بتضحك:
_ بس حضن الاول.
حضنتني جامد، وهاجر دخلت علينا بعدها، وأنا وسطهم بضحك وبعيط في نفس الوقت، ويوسف من بعيد بيقول لخالد:
_ أخيرًا خلصت الخطبة يا شيخ.
خالد بصله.
_ والله لو اتكلمت…
طارق ضحك:
_ لا لا، سيبه، الراجل بقاله أسبوعين مصدعنا.
بعدت عن البنات وبصيت لخالد.
= أسبوعين؟ مش قولت من كام يوم؟
هو بص لطارق بنظرة قتل.
طارق رفع إيده بسرعة:
_ أنا مقولتش حاجة.
ضحكت، وكنت لسه هرد، لما حسيت بحركة ورايا.
مش حركة حد من الموجودين.
صوت خطوات قربت من ناحية المدخل.
وقبل ما ألف، سمعت صوت.
صوت مألوف أوي.
مألوف لدرجة إن جسمي كله ثبت مكانه قبل ما عقلي حتى يستوعب.
الصوت ناداني باسمي.
_ ليليا.
ابتسامتي اختفت من الصدمة.
بصيت لخالد بسرعة.
كان واقف بعيد شوية، ساكت، وابتسامته هادية بشكل غريب.
كأنه عارف بالظبط أنا هلاقي مين لما ألف.
قلبي خبط بقوة.
لفيت ببطء ناحية الصوت…
