
رواية راكان زيدان واصحابه الفصل الخامس عشر15 بقلم داليا السيد محمد
النجدة
دق باب الغرفة فأذنت سارة لترى راكان يدخل، لم تنهض ليان لرؤيته ووافي يدخل خلفه وراكان يقول "مساء الخير، كيف حالكم؟"
أبعدت سارة وجهها، منذ الحادث وتبدلت معاملتها معه وكأنها تراه المسؤول عما أصابها فهو من أعادها مصر وبسبب أصحابه عرفت الندل الذي تسبب لها بما تعانيه
أجابت ليان "الحمد لله على سلامتك راكان، كيف حالك وحال مصر؟"
كان يعلم تبدل سارة، تقبل الأمر بلا اعتراض، إذا أرادت شخص تلقي بوجهه غضبها كي تعود لطبيعتها فليس لديه أي مانع ليكون هو ذلك الشخص، لكن أن تعود إيطاليا فهذا ما يؤرقه حقا
نظر لليان وقال "الله يسلمك ليان، مصر وكل من بمصر بخير، كيف حالك سارة؟"
أجابت دون النظر له "كما تراني راكان، طريحة الفراش وحبيسة مقعد متحرك"
جلس وافي بعيدا وقد تجنب الحديث معها مؤخرا لأنها رفضت حديثه الشيق بل رفضت كل شيء عن مصر
جذب راكان مقعد ووضعه بجوار فراشها وجلس عليه وقال "تعلمين أن الأمر مسألة وقت وستعودين لطبيعتك"
التفتت له بنظرة غاضبة وقالت "وهل تظن أني خلال ذلك الوقت أستمتع باللهو والمرح؟ أنا أقاسي بكل لحظة من وقتي راكان"
لم تتبدل ملامحه كالعادة وإن كان يشعر برغبة بوضع قبضته بوجه حاتم ليوقف غضبه، قال "أعلم ما تعانيه سارة"
هتفت بجنون ناتج من اليأس الذي تعيش به هنا "لا، أنت لا تعرف أي شيء ولا أحد يمكنه أن يعرف أو يشعر بما أشعر به ولا يدرك ماذا أصاب جسدي من الجراحات التي أجريت لي ولا الألم الذي يوقظني بمنتصف الليل حتى أبكي من شدته، لا راكان، لا أنت ولا سواك يمكن تصور حجم معاناتي"
لم يبعد وجهه عن عيونها الغاضبة ولم يعترض على قسوتها تجاهه وهو يقول "لم يقلل أحد من حجم ما أصابك سارة، كنتِ بين الحياة والموت"
هتفت بغضب أكبر من برودة رده "ليتني مت ولم أنال تلك الحياة"
وأبعدت وجهها وهو يقول "الأمور ستتحسن سارة والأطباء أخبروني بإمكانية الخروج ومتابعة العلاج بالبيت وبمصر سأوفر لك كل.."
لفت وجهها له مرة أخرى وهتفت "ومن تحدث عن عودتي مصر؟ أنا لن أذهب لمكان آخر سوى مزرعتي بإيطاليا ولا أريد رؤيتك حتى"
لم يبدي أي ملامح على وجهه وهو ينتظرها لتفرغ شحنة الغضب ككل مرة تراه حتى يذهب ويتركها ولكن تلك المرة انتهت فترة علاجها وعليها بالرحيل
قال بهدوء دائما ما يلازمه حتى لا يخسر معركته بأي وقت "وكيف ستتولين أمورك بالمزرعة وحدك وإكمال علاجك هناك؟"
كشرت وقالت "وما الجدوى من العلاج الذي لن يفعل أي شيء؟ أنا لا أريد إكماله، فقط أعدني بيتي ولا علاقة لك بي، لو لم تأخذني لتلك البلد ما حدث لي كل ذلك، أنت السبب، أنا أكرهك وأكره اليوم الذي عرفتك فيه، اخرج من هنا لا أريد رؤيتك"
ولم تقاوم الدموع وهي تبكي فنهضت ليان بسرعة لها ووقف وافي بينما نهض هو وتحرك للخارج وليان تحيطها بذراعيها ووافي يحدق بها وانتظرها حتى هدأت وقال "هل هذا أفضل ما عندك؟"
مسحت دموعها وليان ترتد للخلف ونظرة من وافي جعلتها تخرج وما زالت دموعها مستمرة فاقترب وجلس مكان راكان وقال "لماذا تفعلين معه ذلك؟"
لم تنظر له ولم ترد فعاد يقول "هل تعرفين حجم أعمال راكان سارة؟"
رفعت عيونها له والتقت بنظراته فأكمل "ومع ذلك هو يترك كل شيء ويأتي من أجلك"
عادت تخفض عيونها وقالت "هو السبب"
نفخ وقال "كوني شجاعة واعترفي بالحقيقة"
عادت تنظر له والغضب وقالت "أنا شجاعة وافي ولم أكن بيوم جبانة"
انحنى للأمام وقال "ليس بالكلمات سارة، أنت تفرين من مواجهة الحقيقة وتلقين بالذنب عليه كي لا تحاسبين نفسك، أنتِ أخطئتِ يوم منحتيه قلبك وكان الجميع يدرك أنه أناني إلا أنتِ"
هتفت بغضب مرة أخرى "ولماذا لم ينصحني أحد من هذا الجميع وافي؟ كلكم كنتم تعرفونه ووقفتم صامتين وهو يتلاعب بي، كان على أخي ابن أبي أن يوقفني"
لم يتحرك وهو يقول "على أساس أنكِ كنت ستسمعين له؟ كما تفعلين الآن؟ أنتِ ترفضين كلمة لا سارة ومع راكان كنت ستتركينه وتهرعين لحاتم وتقدمين نفسك له كي تفوزين على راكان، لم يمكنه نصحك لأنه لم يرد أن يخسرك ومع ذلك هو يحمل عقدة الذنب ويحاسب نفسه بسبب ما أصابك، راكان يحبك سارة، يشعر بأنكِ عائلته الوحيدة التي لم ينالها بأي يوم، أنا أعلم أنه ليس مستعد لأن يفقدك لكن مع ذلك لو أصريت على الرحيل لن يجبرك ففكري جيدا قبل أن تتخذي قرارك النهائي"
ونهض وتحرك للخارج ولم يجد راكان لكن ليان تحركت له فقال "أين ذهب؟"
قالت "خرج، هل تفهمت سارة ما يحدث وافي؟ راكان لا يستحق ذلك منها"
هز رأسه بتفهم وقال "لا أعرف بماذا تفكر ولكن أنا ألتمس الأعذار"
وتحرك خارجا حيث وجد راكان يقف وحده ويضع يداه بجيوبه وسيف لا يقترب منه فاقترب هو حتى وقف بجواره وقال "من الغريب أنك تمنحها هذا الصبر"
لم ينظر له وهو يقول "لأنها على حق"
نظر له وافي بحدة وقال "لا راك، ليست على حق بأي شيء"
نظر له راكان بعيون فارغة وقال "ألم يكن علي إيقافها عنه؟ أو إبعاده هو عنها؟ أنا تخاذلت عن حمايتها رغم معرفتي بشخصيته جيدا"
رفع وافي يده على كتف راكان وقال "كانت ستحاربك راكان بكل قوتها وستلقي نفسها بأحضانه بتهور كي توقفك ووقتها كانت ستخسر أكثر"
لوى شفته بابتسامة ساخرة وقال "وهي لم تخسر وافي؟ ألم تسمعها بالداخل؟"
أبعد وافي وجهه ففعل المثل هو الآخر حتى قال وافي "وماذا راكان؟ هل ستتركها؟"
لم يعود لمواجهة وافي وقال "اتركها تختار المكان الذي تريده نعم، لكن أتركها هي نفسها فلا، ما زالت أختي وافي، أخت العمدة"
لم يرد وافي وبحلول المساء دخل الطبيب لرؤيتها وراكان وليان معها وقال الطبيب "العلاج الطبيعي لن يتوقف وسيد راكان تعهد بتوفير الأجهزة والمختصين بالمنزل وهي مرحلة هامة، بل الأهم، كي يمكنك استعادة أقدامك، الجراحات الكثيرة بجسدك ستزول مع الوقت فكلها تجميل غير ذلك يمكنك العودة لحياتك الطبيعية والأمر متعلق بإرادتك"
هزت رأسها فقال راكان "شكرا لك دكتور"
التفت وخرج وقالت ليان "أحتاج وافي، اسمحوا لي"
وخرجت وظل بمكانه وهي لا تنظر له، كلمات وافي كانت صحيحة ولكنها لا تريد الاعتراف بها، ليس لديها الشجاعة على العودة لمصر، ليس الآن، ليس وهي قعيدة
وضع يداه بجيوبه كعادته وقال "هل اتخذت قرارك؟"
لم تنظر له وهي تقول "أريد العودة للمزرعة"
ظل صامتا لحظة ثم قال "حسنا كما تشائين، سنرحل بمجرد استعداد الطائرة"
وتحرك خارجا من الغرفة واتجه له وافي وليان فقال "سأعيدها المزرعة، سيف"
تحرك سيف له فقال "هل الأجهزة جاهزة؟"
أجاب سيف "نعم"
قال بجدية "ارسلها للمزرعة ودع الرجال تقوم بتجهيزها كما يلزم والاتفاق مع اخصائيين منتقين لمتابعتها وخادمة وممرضة"
أجاب سيف "حاضر يا عمدة"
وتحرك مبتعدا بينما قال وافي "كيف تفعل ذلك؟"
نظر لوافي وقال "البديل هو خسارتها وافي وأنا لا أريد أن أخسرها، هي بحاجة للوقت وعندما تجتاز أزمتها ستعود وسأكون معها أيضا"
ليان قالت "معك حق راكان، لا يمكنها أن تعود الآن وهي بتلك الحالة، عندما تنهض على أقدامها أكيد ستعود، هي تحبك راكان ولكنها مجروحة وتلقي عليك بالأمر"
هز رأسه وقال "أفهم ليان، أنا لا أتخلى عنها، سأكون معها كلما استطعت ورجالي لن تتركها"
صمت لفهم وهم يدركون أن سارة تندفع وراء أحزانها ومع ذلك لا يملكون سوى مساعدتها على اجتياز الأزمة
****
ثلاثة أيام مدة الحداد لكن هي ظلت اسبوع بالمنزل حتى استطاعت تخطي الأزمة، لم تجيب على أي اتصال له ولم تحاول رؤية ياسر وعندما قررت الخروج من المنزل كان لزيارة والدها بعد اسبوع على وفاته
وقفت على قبره وتركت دموعها تنساب وهي ترى حياتها والآن أدركت أنها لم تعش كثيرا مع والدها فقد أمضت الكثير بالخارج
رفعت وجهها وقالت "سامحني بابا، سامحني لأني لم أكن الابنة التي تمنيتها، خذلتك كثيرا وكنت أنانية ولا أفكر سوى بنفسي ونجاحي ونسيتك، نسيت احتياجي لك ولحنانك لكن اليوم وبعد رحيلك أدرك مقدار ما فقدته بذهابك، أنا لا شيء بدون وجودك بابا ولا أعرف كيف سأعود لحياتي وحدي؟"
ظلت تبكي حتى سمعت رجل يقول "هذا الجمال لا يستحق البكاء"
رفعت وجهها ورأت رجلان مظهرهم غير جيد بالمرة يقفان أمامها فشعرت بالخوف وهي تمسح عيونها وتحركت لتذهب لكنهم أسرعوا ليسدوا طريقها وأحدهم بدى كالمجرمين بوجه ملطخ بلون غريب والآخر لديه ندبة كبيرة على وجنته اليسرى
تراجعت والرجل يقول "لا، ليس قبل أن نواسيك يا قمر"
تحركت لجانب آخر فتحرك الرجل الثاني وهي ترتجف من الخوف وقالت "ماذا تريدون مني؟"
ابتسم الرجل الأول بأسنان غير مستوية اصفر لونها بشكل قبيح وقال "هذا سؤال غبي"
وتحرك ليقبض على ذراعها وهي ترتد للخلف كي لا يلمسها ولكن جسدها احتك بالقبر الكبير خلفها فرفعت حقيبتها أمامها بيداها وكأنها تحتمي بها وصرخت "النجدة، النجدة"
هجم الرجل القريب عليها ليوقف صوتها فأغمضت عيونها ورفعت يداها قد تحمي نفسها بأي شيء وصمت القبور يجيبها
****
تراجعت مليكة عندما رأت يحيى يقف بسيارته أمام المعهد وقد هربت من إيمان كي لا تعرض عليها التوصيل مرة أخرى ولم تفكر بأنها ستراه أمامها يقف مستندا على السيارة ويتحدث بالهاتف وبدا وسيما جدا بملابسه السوداء كما هي نظارته
اعتدل عندما رآها وهي تجمدت مكانها حاضنة حقيبتها الكبيرة على صدرها وهي تنظر له وقد أنهى اتصاله وتحرك لها
أرادت الفرار منه ولكنه أسرع ليقف أمامها وهتف "لماذا تفرين مني مليكة؟ هل يضرك وجودي لهذه الدرجة؟"
تراجعت لتواجهه والتوتر بدا عليها وهي تقول "لا، أقصد، أنا لابد أن أذهب"
لم يسمح لها وهو يقول "ماذا حدث مني ليجعلك تفرين هكذا كلما عرفتِ بوجودي؟"
عادت لوجهه وقد رفع نظارته فالتقت بعيونه القاتمة وقالت بارتجافه "ليس صحيح ثم أنا لا أعرفك، دعني أذهب"
وفرت مرة أخرى من أمامه ولم يتبعها، لن تسمح لنفسها بالخوض بتجربة جديدة لتنتهي بالفشل، يحيى ليس باقي للأبد وربما هو مرتبط ويريد أن يمضي وقت ممتع هنا كما كان ظافر وأصحابه يفعلون لكن هي ليست كذلك
لم تعد ترغب بأي علاقة خاصة بعد ما حدث لوالديها، الحب لم يعد بالنسبة لها كما كان فقد فقدت ثقتها به لأنه قد يتبدل بالقلوب، فالقلب سمي قلب لأنه متقلب ووالدها بيوم وليلة قذف بحبه لوالدتها والذي دام سنوات لا حصر لها خارج قلبه وقد يحدث هذا معها وهي ستنهار مثل والدتها ولن تتحمل مثل هذا الجرح
****
لم يمسها أحد بل وشعرت بصرخة مكتومة ففتحت عيونها لترى الرجل على الأرض والآخر يرفع يداه باستسلام أمام سفيان الذي منحها ظهره وذراعه بالهواء بطريقها لوجه الرجل الذي تراجع هاربا والآخر نهض وأسرع هو الآخر هاربا
التفت لها سفيان وهتف "هل أنتِ بخير؟"
استعادت نفسها وغضبها وقالت وهي تبعد وجهها "نعم"
وتحركت من أمامه وعلى قدر غضبها لرؤيته على قدر الراحة لأنه أنقذها بالوقت المناسب، لحق بها ولكنها كانت تهرع للخارج حيث سيارتها ولكن يده أوقفت يدها على مقبض الباب وغطى جسده أشعة الشمس الواهنة وهو يقول
"تمارا من فضلك دعينا نتحدث"
أبعدت يدها عن يده وهتفت بغضب "لا، أنا لا أريد الحديث معك، أنا لا أريد رؤيتك من الأساس، ابتعد عني"
وعادت تفتح الباب ودخلت وهو يقف متابعا إياها دون أن يوقفها ونظرات الكره والحزن بعيونها تأمره أن يبتعد عنها
انطلقت بسيارتها تاركة غبار متناثرا بالهواء والدموع تغشى الرؤية أمامها فمسحت دموعها وهي تشعر بألم بقلبها، ماذا يريد منها؟ لماذا يطاردها مرة أخرى؟
هي أبدا لن تعيد الكرة، لن يتلاعب بها للمرة الثانية فقد حفظت لعبته جيدا ولن تسمح له بجرها لملعبه أبدا ومع ذلك هي تتألم، تتألم لرؤيته وتتألم لبعده وتتألم للذكريات وكل ما بحياتها يؤلمها
أوقفت السيارة بجانب الطريق وانهارت بالبكاء ودفنت وجهها بين راحتيها وهي تعلم أن البكاء لن يمنحها أي راحة ومع ذلك لم تستطع إيقافه
باليوم التالي قررت العودة للعمل، ملابسها السوداء كانت علامة على استمرار أحزانها، الدار الخاصة بها كانت تمنح أفضل وأفخم التصميمات العالمية وهي حافظت على ذلك منذ تولت المكان بل واتسعت دائرة الزبائن لتشمل أكبر العائلات بالقاهرة وزوجات الأثرياء وعليها أن تعود لنفسها وربما ريشتها وتصميماتها
سمعت جدال بالخارج فنهضت وخرجت من مكتبها لصالة العرض فرأت مي، نعم هي تعرفها بالطبع، خطيبة ظافر، كانت غاضبة وتتحدث بنبرة عصبية والمسؤولة تحاول معها حتى وصلت هي وقالت "حسنا سها سأتولى أنا الأمر"
التفتت مي لها وأصابتها الدهشة والمديرة تقول "أمرك آنسة"
هتفت مي "تمارا!؟"
هزت رأسها وقائت "مرحبا مي، كيف حالك؟"
نظرت لها مي بشدة وقالت "تبدين بحالة سيئة، ماذا حدث؟"
قالت "تعالي للمكتب لنتحدث"
هتفت "مكتب؟ صحيح ماذا تفعلين هنا؟"
قالت بنفس نبرتها الحزينة "أنا مديرة المكان مي ومصممة الأزياء، تعالي لنتحدث بالداخل"
تحركت معها مي وما زالت نظراتها تتأمل تمارا التي تبدلت كثيرا لامرأة أخرى بالكاد تعرفت عليها وتذكرت أن ظافر تحدث مرة عن أنها تعمل لحساب شركة كبيرة لتصميم الأزياء بأمريكا
مكتبها كان فاخر حقا ولكنه أنثوي وأنيق، أشارت لها ليجلسوا على المقاعد الوثيرة وقالت "ماذا حدث بالخارج؟"
انتبهت مي لها وقالت "اتفقت مع المسؤولة على النت على فستان زفاف والموعد كان اليوم وعندما وصلت أخبرتني أنه لم يصل"
تداركت الأمر وقالت "نعم للأسف، الدفعة التي كان من المنتظر وصولها بالأمس تعطلت بسبب سوء الأحوال الجوية، متى الزفاف؟"
قالت مي "آخر الشهر ولم يعجبني أي شيء بأي مكان"
نهضت وقالت وهي تتجه للمكتبة الخاصة بها وقالت "ربما لدي شيء يعجبك"
وأخرجت بعض اللوحات ثم أمسكت واحدا ووجهته لمي التي نهضت وتحركت تجاها وأخذت اللوحة وتفحصتها ثم هتفت "رائع تمارا لكن هل سيليق بي؟"
ابتسمت وقالت "هذا عملي مي؟"
ضحكت مي وقالت "متى يمكنني تجربته؟"
أخذت منها اللوحة وقالت "حاليا هو بالمصنع، فستان واحد للتجربة وسيكون جاهز بعد يومين لكن من الأفضل أخذ مقاييسك ليتم ضبطه عليكِ لو شئت"
هزت مي أكتافها وقالت "لا أعلم تمارا، أحتاج لرؤيته على جسدي"
هزت رأسها وقالت "هناك مجموعة أخرى ستصل بنفس اليوم يمكنك أيضا رؤيتها واختيار المناسب، ماذا تتناولين؟"
التفتت لها وقال "لا شيء، أخبريني لماذا الأسود؟"
أخفضت وجهها وقالت "توفى بابا منذ اسبوع"
تراجعت مي وقالت "البقاء لله حبيبتي"
عادتا للمقاعد فقالت مي "آسفة ولكني لم أعرف، ظافر كان مشغول بوالدته وكنت معه بالطبع"
هزت رأسها بتفهم وقالت "لا تعتذري مي من أين كنت ستعرفين؟"
صمتت مي قليلا ثم قالت "هل انتهى كل شيء تمارا؟ أنت وسفيان؟"
رفعت عيونها لها وأظهرت القوة رغم الوهن المقيم داخلها وقالت "نعم، لقد مر وقت على ذلك"
حدقت بها مي ثم قالت "ظافر يقول أن سفيان تبدل كثيرا مؤخرا؟ لم يعد يمرح كما كان يفعل، أصبحت حياته للعمل فقط"
نهضت وقالت "أين سيكون الزفاف؟"
أدركت مي أنها ترفض الحديث عنه فلم تشأ أن تضايقها وقالت "فندق راكان الجديد بالعاصمة، هو هدية العمدة لظافر"
التفتت لها وقالت "العمدة دائما يميز أصحابه عن الآخرين"
نهضت مي وتحركت تجاها وقالت "أنت تعرفيه؟"
هزت رأسها وقال "نعم، منذ كنا أطفال، أعرفهم كلهم مي، كنا جيران بالصغر حتى كبرنا وانطلق كل واحد لحياته، دائما كان راكان يفعل الأفضل لهم"
لفت مي حقيبتها على كتفها وقالت "نعم، ظافر يحترمه جدا ولكنه لا يتحدث عنه، الفترة الأخيرة كان راكان مشغول بأخته التي أصيبت بذلك الحادث"
هزت رأسها وقالت "نعم قرأت عنه وسمعت أنها تركت حاتم"
قالت مي "لا أحد يعرف شيء، ظافر لا يتحدث عن أي شيء يخص أصحابه"
ابتسمت مي وقالت "أعلم، هذا عهدهم، كل ما يخصهم لا يخرج من بينهم"
ضحكت مي وقالت "أحب صداقتهم لم تعد موجودة، شكرا لمساعدتي تمارا متى أعود؟"
عادت تبتسم وقالت "بعد الغد سأجهز لك مجموعة كبيرة"
خرجت مي سعيدة، بينما علقت تمارا بكلمات مي عن سفيان وتبدله، هو لن يكون أبدا ذلك الرجل الصالح، سيظل الرجل الذي يمل من كل امرأة يعرفها فيلقيها بعيدا ليرحل لسواها
أغمضت عيونها ولا رغبة لها بتذكره ومع ذلك رأته وهو يقف أمامها ليوقفها عند السيارة ويطلب منها الحديث، عيونه كانت مختلفة، لم تحمل المزاح والاستهانة، بل كانت جادة جدا بل وبها رجاء بأن تبقى وتسمعه، وجهه كان متعب وبدا وكأنه لم ينم
فتحت عيونها وتحركت وهي تهمس لنفسها "ربما كان يمضي الليل مع واحدة ممن يعرفهم، لن أصدق أنه تبدل لأنه لن يتبدل"
****
ظل ظافر يعمل كثيرا تلك الأيام حتى يمكنه الاستمتاع بإجازة الزواج وهو يعلم أن راكان سيحمل عنه أي عمل لكنه لن يزيده هما فوق همومه
انفتح الباب وسمع راكان يقول "أحتاج الرسم الهندسي الأخير للمبني الجديد ظافر"
رفع رأسه له وقد كان الجميع يجتمعون هنا بمقر شراكتهم عندما تشتد أعمالهم، قال "هل حدث شيء؟"
تقدم راكان للداخل وقال "لا، الاجتماع بعد ساعتين وأريد الانتهاء من مراجعة كل شيء"
دق المكتب ودخلت نرمين وقالت "رجل بالخارج اسمه يحيى السنوسي يريد رؤيتك سيد ظافر"
نظر ظافر لها محاولا تذكر الاسم ثم تراجع فجأة وقال "آه نعم، دعيه يدخل ما زال هناك وقت"
خرجت فقال راكان "تعرفه؟"
هز ظافر رأسه ونهض واقفا وقال "يقيم بجوارنا وكان بنفس الجامعة، أصغر مني بعامين وأنت؟"
لم يمكن لراكان الرد عندما دخل يحيى وظافر يتحرك له "يحيى، كم سنة مرت؟"
حياه يحيى وقال "كثيرة ظافر كيف حالك و.."
توقف عندما التقى براكان الذي كان قد جذب عصير لنفسه والتقى بنظراته حتى قال راكان "كيف حالك يحيى؟"
كانت نظرات يحيى جامدة وظافر يمرر وجهه بينهما ويحيى يقول "لو علمت أنك هنا ما جئت"
تراجع ظافر وراكان يشرب العصير وملامحه لا تعني أي شيء وظافر تدخل "أنت تعرف راكان؟"
تناول راكان العصير ويحيى يقول "بالطبع، جده كان سبب بضياع شركات جدي، كنت صغير يوم مات جدي بسبب ذلك وكلماته الأخيرة، زيدان دمر حياتي"
ابتعد راكان للأريكة وجلس وقال "ووالدك ألقى عليّ الذنب بفشله بإعادة بناء كل ما تهدم"
تعصب يحيى وهتف بغضب "والدي ليس فاشل، أنت من تسلك طرقا غير سوية وتدمر الشرفاء بطريقك"
تدخل ظافر "يحيى اهدأ، العمدة ليس كما تتحدث عنه"
نظر يحيى له وهتف "بل هو يأخذ مظهر غير حقيقي أمام الجميع، لكن بالأساس هو ثعلب ماكر لا يمكن توقع هجومه"
تناول راكان العصير وما زال هادئا لا يتحدث وظافر يتولى الرد بحزم "كفى يحيى، لن أقبل أي إهانة أخرى له"
تراجع يحيى من كلمات ظافر وقال "لأنك صديقه تحيد عن الحق"
هتف ظافر "بل لأني أعرفه كما أعرف نفسي جيدا، نحن لم نتعارف اليوم بل بعمرنا كله يحيى، لذا أنا أخبرك أن ما تعرفه عن راكان ليس صحيح بالمرة"
هتف يحيى "ومشروع الكينج الذي سرقه من والدي؟"
هنا أجاب راكان "هذا كان من ثلاث سنوات ووالدك هو من منح رشوة نصف مليون جنيه للموظف المختص الذي دبر مكيدة لوالدك، لكني منعته وأبعدت والدك عن الأمر فتراجع تاركا الصفقة لي مقابل إسكات الموظف"
شحب وجه يحيى وهو يهمس "لا، غير حقيقي، أنت تكذب"
نهض راكان وتحرك ليواجه يحيى والعيون التقت وراكان يقول بثبات الجبل "العمدة لا يكذب، ربما أرسل لك التسجيلات التي تثبت كلماتي، والدك أراد تجميل صورته أمامك على حساب تشويه سمعتي، لا يهم ولكن أن تتطاول علي فهذا ما لن أقبل به"
تمتم يحيى "تسجيلات؟ أنت لديك تسجيلات لوالدي؟"
هز راكان رأسه وقال "نعم، اهدأ يحيى أنا لا أحمل لوالدك أي ضغينة، كان موقف وانتهى"
رفع عيونه لراكان وقال "هو أخبرني أنك منعته من السوق لذا اعتزل وباع كل شيء"
صمت راكان كان كالسكون الذي يسبق العاصفة ولكن ظافر تدخل ليوقفها وهو يقول "بل كاد يعلن إفلاسه يحيى، وراكان من سدد ديونه ولكن والدك ادعى وقتها أن راكان اشترى بأسعار رمزية لينتهز الفرصة، لكن الحقيقة نحن ووالدك نعلمها جيدا"
عيون يحيى كانت تحدق بظافر ووجه الشاحب يظهر ما بداخله ووجه راكان كالعادة جامد لا معنى عليه حتى قال "الأمر انتهى ومات من وقتها ولا داعي لإحياء ما مات"
عاد يحيى لراكان وقال بلا هدى "كنت طوال تلك السنوات أظنك متهم لتتحول فجأة لمنقذ وأبي هو المتهم؟"
ابتعد راكان ليبعد العصير وقال "لا متهم ولا شيء، هي كانت كبوة من والدك لأنه لم يكن متمرس مثل والده الذي تحدى جدي وجدي لم يكن يرحم"
لم يرد فقال ظافر "كله ماضي راكان، ماضي انتهى ولا نريد ذكره تعالى يحيى نحن لم نلتقي منذ سنوات فما سر تلك الزيارة؟"
استعاد يحيى هدوئه بينما قال راكان "لا تنسى ارسال الرسومات ظافر، أنا بمكتبي"
وتحرك خارجا وظافر يربت على كتف يحيى ويقول "اجلس يا رجل كانت أيام الجامعة رائعة"
جلسا على المقاعد الجلدية وقال يحيى "فعلا، كنا لا نحمل أي مسؤوليات"
ضحك ظافر وقال "كنا نثير الفساد بكل مكان، أين أنت الآن؟"
قال وقد عاد لطبيعته "روما، لدي مشروع جيد هناك لتصميم المطابخ الحديثة ولقى ترحيب ونجاح فتح لي أبواب للراحة"
هز ظافر رأسه وقال "رائع كنت تهوى الأمر بالفعل، عرفت أنك قابلت مليكة أختي"
اندهش يحيى من الكلمات وتأنى وهو يقول "نعم، هي زميلة أختي بالمعهد وقمت بتوصيلها وأنا هنا من أجلها"
لم يمنحه ظافر أي رد فعل وربما توقع ذلك ولكنه قال "وماذا عنها؟"
اعتدل يحيى وقال "تلك المرة عندما قمت بتوصيلها شعرت ب، أقصد كما يقال، إعجاب"
اعتدل ظافر وردد "إعجاب!؟ بمليكة؟ من أي نوع يحيى؟"
ارتفعت الدماء لوجه الرجل وهو يقول "من نوع أنني أريد التقدم لخطبتها، أردت أن أتحدث معها مسبقا لأعرف رأيها ولكنها رفضت تماما، لذا فضلت اللجوء لك، ماذا تقترح؟"
ضاقت عيون ظافر من كلمات يحيى وظل يفكر حتى قال "أحتاج لسماع رأيها يحيى وربما لقاء بينكم للتحدث بوجود ماما بالطبع، بعدها هي تقرر رأيها"
ابتسم يحيى وقال "جيد ومتى ذلك؟ أجازتي تنتهي منتصف الشهر القادم وأتمنى أن نتم الخطبة قبل سفري لو وافقتم"
هز رأسه وقال "امنحني وقت حتى أرجع لها ونحدد سويا موعد للقاء وسأخبرك به"
نهض يحيى سعيدا فنهض ظافر ويحيى يقول "شكرا ظافر، أرجو ألا تتأخر علي بالرد"
هز رأسه وقال "لن أفعل"
حياه الرجل وتحرك خارجا وظل هو واقفا والأمر يضربه، مليكة كانت شاردة بذلك اليوم فهل كانت تفكر به؟
هو يعرف الحب جيدا ولن يقف أمام سعادة أخته طالما الرجل مناسب، فقط يتأكد من أنها توافق وبعدها سيرى ماذا يكون
****
صوت السكرتيرة قال "سيد سفيان هنا آنسة ويرغب بلقائك"
تجمدت أصابعها التي تمسك بالقلم على اللوحة عندما سمعت اسمه، بالأمس رفضته وطالبته بالابتعاد ولكنه لا يقبل، صوت السكرتيرة عاد "آنسة تمارا؟"
تحركت لمكتبها وضغطت الزر على الجهاز وقالت "ليدخل مروة"
وتوقفت خلف مكتبها والغضب والقوة تظهر بوجهها الذي نحف وجسدها الملتف داخل الأسود فقد بعض من وزنه
انفتح الباب ورأته أمامها، اعتادت أناقته لكنها ما زالت ضعيفة جدا أمام وسامته ورجولته الصارخة، هو له جاذبية معروفة بأي مكان يدخل تلتفت له كل أنظار النساء ويسقطن به
أغلق الباب وتحرك لها وعيونهم متصلة وما زالت واقفة بمكانها حتى توقف أمام مكتبها وقال "شكرا لأنكِ سمحت لي بالدخول"
تنفست وهي تتمسك بقوتها أمامه وقالت "لن يكون جيدا رؤيتهم لك مطرودا من هنا"
شحب وجهه والبداية لم تكن جيدة وهي تجلس وتخفي عيونها عنه، ما زالت جميلة جدا رغم كل ما أصابها، هي نفس المرأة التي تسقط الرجال بنظرة واحدة، ربما أزالت مساحيق التجميل ولكنها بدت أجمل بطبيعتها الرقيقة والبسيطة، هو حقا يهوى النظر بعيونها، بل هو يهواها كلها
جلس وقال "نحتاج للحديث تمارا"
اكتشفت أنها ما زالت تمسك بالقلم الرصاص الذي كانت ترسم به وتدق به على ذراع مقعدها ولم تتوقف بل تركته وانتبهت لسفيان وقالت "وهل بيننا شيء لنتحدث عنه؟"
مال تجاه المكتب وقال "نعم بيننا ولا يمكنك إنكار ذلك"
صمتت وعيونها تواجه ثم قالت "تقريبا أنت نسيت أننا أنهينا كل شيء بذلك اليوم بمكتبك"
كان يذكر كل كلمة لهما معا، كلماته كانت مهينة وهي صفعته بكلماتها من أنه ليس رجل حب بل لا يستحق الحب، تجهم وجهه أكثر وقال "لكن الأمر لم ينتهي بالنسبة لي تمارا"
بالطبع ليس لديها أي استعداد لتصديقه فقالت "لا تبدأ سفيان فاللعبة أصبحت مكشوفة"
نهض وتحرك حتى وصل لها ولكنها لم تلتفت له وظلت تنظر أمامها وهو يقول "نحن لم نعد أولئك الأطفال الذين كنا نلعب سويا بالصغر، لقد كبرنا كثيرا ولم يعد اللعب هدفنا"
رفعت وجهها له والتقت بعيونه لحظة جعلتها تشعر بجسدها يرتجف من قربه ومن نظرته ومن كل ما يحدث ومع ذلك قالت "ربما نحن لم يكن اللعب هدفنا فعلا لكن أنت؟ أنت كل حياتك كانت مرح ولهو والجد بها لا يمثل إلا العمل"
انحنى ليقترب منها وقال "ربما لكن معك الأمر اختلف"
القرب كاهان الهلاك والنظرات إبر مخدر توقف ألمها ولكنها رفضتها وأدارت مقعدها بالاتجاه الآخر ونهضت لتبتعد عن تأثيره الرجولي الواضح خاصة عليها وقالت "ماذا تريد سفيان؟"
توقفت دون أن تنظر له فتبعها حتى وقف أمامها وقال "نقطة ومن أول السطر"
رفعت عيونها له فعاد يقول "ربما ما كان بيننا يمكن تسميته لعبة، تحدي، غباء مني ولكنه أبدا لم يكن علاقة حقيقية جادة، لكن بعد ما حدث مؤخرا وافترقنا شعرت أن كل ذلك خطأ وعلي تصحيحه"
لم تبعد عيونها عنه وهي تستوعب كلماته حتى قالت "ولكني لا أريد، أنا لست رهن إرادتك سفيان ولا لعبتك المفضلة، عندما ترغب باللهو بها تجذبها لحياتك وعندما تمل تلقيها على طول ذراعك، ما بيننا انتهى سفيان وأنا لا أريد عودته"
وتحركت مبتعدة عنه ولكن ما فعله بعد ذلك جعلها مصدومة وفقدت القدرة على التصرف عندما قبض فجأة على ذراعها ليمنعها من الذهاب وجذبها له لتصطدم بصدره ويداها ترتفع عليه وهو يسقط وجهه لها ويقبض بفمه على شفتيها بقبلة جريئة متملكة
قاومته، دفعته بيداها بصدره للخلف، ولكنه لف ذراعه حولها ليوقف مقاومتها ولكنها لم تفتح شفتيها وتجمد جسدها بين ذراعيه
لكنه لم يستسلم، حتى خدرتها لمسته وأضعفتها تلك الشفاه المتملكة وعطره يتسرب لها فيزيدها ضعفا وظل يضغط بشفاه على شفتيها حتى استجابت له ودفء غريب يسري بجسدها وارتجفت بين يداه فشعر بها وفمها يستجيب له ويداها تسكن على صدره
قبلة قوية ولكنها منحته ما كان يريده، هو بالفعل يريدها هي وهي فقط، تلك القبلة مختلفة عن أي امرأة قبلها من قبل، منحته شعور رائع بالتملك والرغبة وبذات الوقت الحماية، حمايته لها من نفسه فتوقف
كانت تلهث من ضياع أنفاسها ووجهها يلتهب بالحرارة والاحمرار كساه، عيونها مغمضة وكأنها كانت تخشى من النظر له، ما أن توقف حتى استعادت وعيها الذي رحل تحت سطوته، فتحت عيونها والتقت بعيونه الناعسة التي تسقط عليها
دفعته فجأة بعيدا عنها والغضب تملكها، غضب منه لاستغلالها ومن نفسها لضعفها ودهشتها لأنها لم تعرف تلك القبلة من قبل
هتفت بغضب "اخرج، الآن، لا أريد رؤيتك مرة أخرى"
دموعها وصلت لعيونها وهو لم يسمع لأي كلمة مما قالت، كان مصدوم مثلها تماما ولكن من نفسه ولأنه استمتع كما لم يستمتع من قبل بل وأرادها مرة وأخرى، أثارت به ما لم يشعر به من قبل، ليست نزوة ولا مجرد رغبة عادية بل شيء أكبر من ذلك بكثير، حتى غضبها هذا لا يراه بل هو شعر وأدرك وفهم، شعر بها ترتجف بين ذراعيه وأدرك أنها تريده وفهم أنه كان غبي يوم تركها تضيع منه لكن بعد اليوم هي لن تكون لسواه
مرر يده بشعره وهو يحدق بها وتنفس بقوة ليستعيد نفسه وقال "تمارا أنا.."
قاطعته بقوة من بين الدموع "أنت ندل وجبان وتصر على أن تجعلني من حريمك، لكني لن أكون سفيان هل تفهم؟ لن أكون، اخرج من هنا، لا أريد رؤيتك"
أدرك أنها بطريقها لفوران كالبركان، ستنفجر بوجهه بأي لحظة لذا هز رأسه وقال "سأخرج الآن لكنك لي تمارا، لي ولن تكوني لسواي"
وتحرك للخارج بينما دفنت هي وجهها بين يداها وانهارت بالبكاء للضعف الذي سقطت به بوجوده، كيف استسلمت له؟ كيف أمكنه التأثير عليها بتلك الدرجة؟
ملعون قلبها الواهن الذي أسقطها مهزومة أمامه
****
كان وافي على حق عندما أخبرها أنها لن تعود للسعادة التي كانت عليها لو عادت المزرعة، فما أن تركها راكان بالبيت وسط رجاله وخادمة وممرضة ومتخصصين يأتون لجلسات العلاج، حتى وجدت نفسها وحيدة
الأجواء الهادئة التي كانت تستمتع بها لم تعد تريحها، أرادت الضوضاء، مواقع التصوير، أصحابها الذين عرفتهم بفضل راكان، حتى راكان نفسه والذي رحل وهي ترفض حتى وداعه كانت تشتاق له
المقعد المتحرك كان يجعلها قادرة على أن تخرج للشرفة الكبيرة وتظل تنظر للمدى الواسع أمامها بالساعات، فراغ سيطر عليها وتمنت لو تمكنت ليان من البقاء معها ولكنها رفضت، أرادت العودة للدراسة ومع وافي كي لا يبقى وحده..
حتى وافي عاد مصر على وعد بزيارتها، لكن اسبوع مر ولم ترى أحد منهم، راكان يهاتفها يوميا لكنها ترد ببرود، لم تمنحه كلمة جيدة بلا سبب، وافي أيضا يهاتفها كثيرا وليان تقريبا طوال اليوم
زفاف ظافر ومي أصبح قريبا والجميع يستعد له وتمنت لو حضرت ولكن هذا قد يعني وجود حاتم، الآن أصبح ذكر اسمه لا يؤلمها، ليس بعد ما اختفى وهوى للحضيض بفضل راكان ومع ذلك ما زالت لا تريد أن يراها أحد وهي بتلك الحالة
رن هاتفها فرأت اسم راكان، تنهدت لأنها كانت تفكر به، أجابت "أنت لا تيأس مني"
كان يقف بمكتبه بالقصر محاول الاختلاء بنفسه قليلا وقال "هل من المفترض أن أفعل؟"
تجولت عيونها على رجاله التي تحرسها وقالت "ليس هناك ما هو مفترض معك راكان، فقط لنلف ونعود إلى حيث كنا، لا نعرف شيء عن بعض وتعود لحياتك وتتركني لحياتي"
لم يتمعن بكلماتها، بكل مرة تلقي بوجه بكلمات مختلفة بها معاني كثيرة تحاسبه فيها على أشياء لا دخل له بها ومع ذلك لم يغضب ولم يفكر بالتخلي عنها
أجاب ونظراته تتجول على حدائقه الواسعة "أنا بالفعل تركتك لحياتك سارة، أكثر من ذلك لا تطلبي لأني لن أمنحك سواه"
غضبت وقالت "لماذا تفرض نفسك علي؟ أنا تألمت بسببك"
دق الباب وهو يعلم أنه سيف فلم يستدير وهو يقول "أنتِ تألمتِ بسبب تهورك، وأنا أتركك وحدك كي تستعيدي نفسك وما فقدته بالفترة السابقة ولن أتعجلك"
لم ترد ولا تعلم لماذا كانت حقا تفكر كما يقول، استعادة ما فقدته وهو لا يقصد ساقيها بل نفسها، قالت "لا لن تتعجلني لأني لن أنفذ لك أي اوامر يا عمدة، أنا لا أخضع لك"
صمت قليلا ثم عاد وقال "ما بيننا ليس خضوع سارة، بل صلة دم والدم لا يتحول لمياه وما بيننا لن ينفك حتى نهاية أنفاسنا"
صمتت ولم ترد فعاد وقال "أحتاج للذهاب، ربما تفكرين بدعوة مي وظافر على حفل زفافهم لو بدلتِ رأيك أخبريني، إلى اللقاء"
وأغلق دون انتظار الماسورة التي كادت تنفجر بوجهه فاقترب منه سيف وقال "الباشا يريد رؤيتك"
ظل صامتا يفكر حتى قال "متى؟"
رد سيف "ستقابله!؟"
لف وجهه لسيف بنظرات معروفة فقال سيف "أنت تعلم أنه غاضب ولن يكون.."
قاطعه بنبرة حاسمة "متى؟"
زم سيف شفتيه قليلا ثم قال "غدا بمزرعته بالفيوم"
عاد ينظر للخارج ثم قال "تمام سنكون هناك بالعاشرة صباحا، هل راجعت خطاب بشأن الزفاف؟"
أجاب سيف بتذمر "نعم، أخبرته بأوامرك"
صمت فعاد سيف يقول "لماذا ستذهب؟"
كان يعلم قلق سيف ولكن هو أيضا يفهم الباشا جيدا، كلاهم غاضب وغضبهم يدمر الكثير والباشا تجاوز كثيرا لذا عليه إنهاء ذلك، زيدان كان يدفن من يخونه بدم بارد لكن هو لا يفضل الدماء، يده ناصعة البياض ولا ينوي تدنيسها لكن له طرقه بإعادة حقه
أجاب "لست جبان لأرفض الذهاب له، بل هو الجبان لإخفاء نفسه ظنا أني لن أعرف مكانه حتى يظهر" ثم التفت لسيف وقال وهو فقط يطمئن سيف لكنه يعرف عدم إخلاص الباشا "هو أذكى من أن يقتلني سيف، روحه بيدي وأنت تعلم ذلك"
لم يوافق سيف على كلماته وقال "لكن ذلك لا يمنع من خطورة الأمر"
التفت وقال "أعلم ولكن موافقتي ستربكه وأنا أريده مرتبكا كي لا يجيد التفكير ويظن أنه يملك الزمام بيده كما كان يظن دائما وبعدها أحكم شروطي عليه"
ظل سيف يفكر بكلماته بينما تحرك راكان عائدا لمكتبه وسيف يقول "ماذا ستفعل؟"
جذب سيجار وفكه من الورق وجذب الولاعة وأشعلها ثم قال "لا تشغل بالك، فقط اهتم بالتجهيز لسارة فأنا أعلم أنها ستأتي لحضور الزفاف"
رد سيف "هل تظن أن حاتم سيظهر بالفرح؟"
رفع وجهه له بغضب وقال "لو تجرأ على التواجد بمكان أنا فيه حاليا سأجعله يخرج منه زاحفا على بطنه"
نبرته هزت سيف ونظراته المشتعلة بالغضب جعلته يبدل الموضوع وقال "تقارير الأستاذ يحيى السنوسي وصلت، وضعتها على مكتبك"
لانت ملامحه ونفخ الدخان وهو يتحرك ليجلس وقال "لا تشوبه شائبة أليس كذلك؟"
تحرك سيف تجاه مكتب رئيسه وقال "نعم، شاب مجتهد وناجح بمشروعه بروما، هو تقريبا لم يحصل على قرش واحد من والده، كل ثروته الصغيرة من اجتهاده الشخصي"
كان بالفعل يتصفح التقارير عندما رن هاتفه فابتسم وأجاب "تعرف متى تتصل"
تحرك ظافر خارجا من سيارته وقال "هيا أخبرني ما عندك"
ترك الأوراق وقال "أبيض بلا أي بقع"
وصل لباب الفيلا وفتح الخادم فقال "وما رأيك؟"
نفخ راكان الدخان ذا الرائحة المميزة، الشيء الوحيد الذي ورثه من جده، تدخين هذا النوع بالذات من السيجار، أجاب "هو رجل جيد"
رأى مليكة تنزل حيث موعد العشاء فقال "حسنا أراك غدا، العشاء عليك"
ابتسم راكان وقال "أخبرهم جميعا"
وأغلق كلاهم ومليكة تصل له وتقول "مساء الخير، مي كانت هنا، أخبرت ماما أنها تريدني معها يوم الزفاف لأكون وصيفتها"
ابتسم وقال "وماذا؟ ألا ترغبين بذلك؟"
صمتت قليلا ثم قالت "بلى، ولكن أليس لديها رفيقة أخرى؟"
تحرك معها لمكان الجلوس وقال "لا، مي وحيدة والدها وأقاربها ليسوا على درجة وثيقة منها، أين ماما؟"
جلست بجواره وقالت "ستنزل على موعد العشاء"
اعتدل وانحنى للأمام ليواجها وقال "حسنا هناك ما أرغب بقوله لك"
جديته جعلتها ترتبك وهي تقول "ماذا؟"
نظراتها كانت حائرة ولكنه قال "يحيى كان عندي وطلب لقاءك بشكل رسمي، قال إنه معجب بكِ لكن يريد منحك فرصة للتعرف عليه بوجود ماما فما رأيك؟"
احمر وجهها ودق قلبها بقوة، هي بالفعل تفكر به كثيرا لكن خائفة، لا ترغب بأن تفشل مرة أخرى أو تسيء الاختيار لذا قالت "لا أعلم ظافر ما رأيك أنت؟"
قال بهدوء "هو رجل جيد وناجح بعمله بروما، اعتمد على نفسه حتى نجح، لم يحاول إغوائك بل تقدم بشكل رسمي ولو وافقتِ يريد خطوبة قبل عودته روما"
لم تشعر بأنها كانت تفرك أصابعها ولكن صوت والدتها أعادها لنفسها وهي تقول "خطوبة من ظافر؟"
تراجع ظافر بالمقعد وقال "يحيى السنوسي يرغب بالتقدم لمليكة ماما، أخته معها بالمعهد، يريد مقابلتها أولا للتعارف وبعدها تحديد موعد لو وافقت"
جلست الأم وقالت بهدوء "أذكر اسم السنوسي ألم يتورط والده بقضية ومشاكل منذ عدة سنوات؟"
قال "نعم مع العمدة، لكن هو منفصل تماما عن والده ويقيم بروما ويأتي هنا زيارات، العمدة تحرى عنه"
نظرت الأم لمليكة التي ما زالت شاردة وسألتها "ما رأيك، مليكة؟"
انتبهت لوالدتها وقالت "لا أعلم ماما، أنا لا أعرفه، رأيته مرة بالمعهد"
قال ظافر "نعم وهو يطلب اللقاء مرة ثانية رسمية بماذا أخبره؟"
قالت الأم "لنراه ظافر وعندما تتحدث هي معه تحكم عليه ووقتها تحدد ما تريده"
لم ترد بل لم تعارض، ربما يكون شخص جيد لأنه اتبع الطريق الصواب فلم لا تمنحه فرصة؟ هي تتقبله ولا تنكر أنها معجبة به لكن بحاجة فعلا لأن يتعارفا وها هو يفعل
****
صاحت مي بانبهار "لا، أنا لا أصدق، كما أردته بالضبط تمارا"
ابتسمت تمارا وهي ترى الفستان على جسد مي بعد إجراء آخر التعديلات عليه وكم بدا رائعا، تبقى اسبوع على الزفاف والفستان أصبح جاهزا
قالت "سعيدة أنه أعجبك مي"
كانت تلف حول نفسها وانتفاخ الفستان يلف معها بسهولة ويسر وهتفت "تسلم أصابعك تمارا، أنت حقا مصممة موهوبة، لو لم أعرفك جيدا لما صدقت أنه تصميمك"
تحركت تمارا لها وقالت "أحب عملي جدا، لذا كما قالت لي ماما قبل وفاتها، أن من يحب ما يعمل يجيده على أفضل وجه"
خلعت مي الفستان وارتدت ملابسها خلف الستار ثم عادت لتمارا وقالت "كيف تعيشين وحدك بعد رحيل والدك؟"
كانت قد جلست خلف مكتبها وتجهمت عند ذكر الوحدة التي تعيش بها فقالت "أعيش بوحدة قاتلة، العمل فقط هو ما يأخذني من السقوط للهاوية"
جلست مي أمامها وقالت "الم ترتبطي بعد سفيان؟"
رفعت وجهها لها وذكره جعلها تذكر تلك القبلة ومن وقتها لم تراه فقالت "لا ولا أرغب بتجربة جديدة مي كفاني ما نالني"
قالت مي "ولم تتقابلا مرة أخرى أو تفكروا بالرجوع؟"
ارتبكت وهي تخفي نظراتها وقالت "لا، ولكني رأيته مرة بعد وفاة بابا ولم أراه بعدها"
هزت مي رأسها وقالت "نعم هو سافر إيطاليا، هم شركاء مع العمدة بمشروع كبير وبالطبع ظافر ليس متفرغ ليذهب ولا راكان، لذا ذهب هو وله اسبوع هناك"
لا تعلم لماذا شعرت بالراحة لما قالته مي، لقد ظنت أنه رحل بلا عودة بعد أن طردته من هنا ولكن الآن العمل هو ما أخذه
مي عادت تقول "انتقيت الكثير من الملابس من هنا للزواج وبعد الفستان تبقى فستان وصيفتي وهي مليكة أخت ظافر هل لديك ما يناسبها؟"
اعتدلت وقالت "بالطبع يمكنك مشاهدة مجموعة مميزة لتختاري منها"
ابتسمت وقالت "ماذا لو طلبت منك أن تكوني وصيفة لي أنتِ أيضا"
شحب وجهها وذهبت ابتسامتها وارتبكت بالرد فقالت مي "لا أظن أنكِ سترفضين ذلك، فأنا أظن أننا أصبحنا أصدقاء وظافر يعرفك منذ الصغر فلم لا توافقين؟"
نظراتها لمي كان بها بعض الرجاء وضمت أصابعها على بعضها وقالت "تعلمين ما يجعلني أرفض مي"
قالت مي بجدية "طالما لم يعد بينكم شيء فما المانع من وجودكم وكلا منكم بمكانه؟"
تذكرت قبلته وضعفها معه ورغبته بها والتي كانت مسيطرة بشكل لا إرادي، كيف ستواجه نظراته مرة أخرى أو تراه يقف أمامها ويتحدث وتقاومه؟
قالت بصعوبة "مي أنا لا أريد ذلك الموقف"
ابتسمت مي وقالت "كامرأة تفهم امرأة مثلها أشعر أن هناك شيء داخلك تجاهه وأظن أن هو الآخر يحمل شيء أيضا تجاهك، فقط كان هناك سوء تفاهم وانفصالكم كان هو الفاصل الذي جعلكم تفكرون جيدا فيما كان بينكم ولو لم يكن هناك شيء فوجودكم بنفس المكان سيحسم الأمر وينهيه أو العكس"
كانت تنظر لها وتسمع لها بكل اهتمام، هي تعلم جيدا أنها لم تنهي ما بينهم بالنسبة لها، هي لم تكن تعلم أنها ستقع بحبه، بل تحصنت خلف عقلها والاستفادة من اسمه وثروته لكنها اكتشفت أنها تحبه وتريده ولكن كرامتها وما تعرفه عنه وما فعله بها جعلها ترفض الرجوع
نهضت وتحركت لتقف أمام مي وقالت "الأمر محسوم مي، نحن بالفعل أنهينا كل شيء فلماذا أعيد فتح الجراح؟"
كانت نبرة اليأس واضحة بصوتها، نهضت مي وقالت "لو كان الأمر كذلك فتعالي الزفاف ووجودك سيخبره ويخبر الجميع أنه لا يعنيك بشيء بدليل ظهورك بمكان هو به مما يعني أنك لا تهتمين به"
فكرت بكلمات مي وكأنها تدفعها لأن تتحداه وتعلنها دون كلمات ولكنها قالت "وربما يفهم وجودي على أني أطارده"
ابتسمت مي وقالت "على أنكِ وصيفتي؟ بالطبع هو ليس غبي وتعاملك معه وقتها سيثبت خطأ أفكاره"
صمتت وتركتها تفكر بكلماتها وبدعوتها وهي لم تكن تفكر أبدا بالتواجد معه بمكان واحد
****
بالتأكيد سيف كان متوتر من تلك الزيارة، ذلك الرجل كان وما زال يترأس الكثر من الأعمال، منها المشروع وغير المشروع ويظن أنه الكبير حتى على راكان
ما أن دخلوا منطقة العزبة حتى أدرك حراسته ورجاله المنتشرين بكل مكان، هي منطقة محظورة لكن سيارات العمدة اخترقت المنطقة ولم يوقفها أحد
التف راكان لسيف وقال "هل تكف عن القلق؟ أخبرتك أنه لن يقتلني"
نظر سيف له وقال "ألا ترى الرجال يا عمدة، إنها منطقة محظورة"
لوى فمه وقال "ليس على العمدة سيف"
حدق به ثم قال "من الشرف لي العمل مع رجل شجاع مثلك يا عمدة"
ابتسم راكان وهدأت السيارتان وهما يدخلان بوابة كبيرة وعليها العديد من الرجال، نظر أحدهم داخلها ليلتقي بوجه راكان الجامد ونظرات سيف الغاضبة وعادت السيارات تتحرك للداخل حيث القصر المهيب الذي يشبه قصر زيدان
فتح أحدهم له الباب فنزل وسيف يقف بجواره وأمامه ثلاث رجال ورجاله بالسيارة الخلفية وقف حولهم رجال آخرون
تقدم منه رجل طويل وعريض القامة وبدا من رجال المصارعة بملابس رسمية مخترقا الرجال وقال "مرحبا سيد راكان"
هز رأسه وأغلق جاكته وقال "مرحبا مصطفى"
أفسح له الرجل وقال "من هنا، الرجال ستنتظر"
رمقه بنظرة قوية وقال "سيف فقط"
لم يعترض الرجل وسيف يتحرك خلف راكان لداخل القصر الذي كان شاهقا وأنيقا بكل مكان به والتحف والأثريات تتناثر هنا وهناك، مصطفى قادهم لغرفة بابها عتيق، دق الباب وفتحه وراكان يدخل وتبقى سيف خلف الباب
تقدم راكان وهو يرى رجل قصير يقف أمام النافذة الزجاجية الكبيرة ويتأمل أراضيه المحيطة
التفت الرجل ليلتقي براكان الذي قال "لم يتبدل شيء من المكان"
حياه الرجل الذي بدا مسيطرا وقال "تعلم أن لمسته بكل مكان وأنا لم أفكر باستبدال أي شيء"
جلس ركان على المقعد الجلدي وقال "لا تخبرني أنك تستمتع بذكراه"
تحرك الرجل وجلس أمامه وقال "كزوج أخته الراحلة؟ لا، لكن كشريك سابق ربما، كيف حالك؟"
لم ينسى راكان أن ذلك الرجل كان زوج عمته الراحلة والتي كانت تقيم هنا، لم تكن تزورهم لأن زيدان غضب عليها بسبب عدم موافقتها على الزواج من شريكه وحاولت الهرب وبالطبع لم يفر أحد من العمدة الكبير بأي يوم فكان عقابها تزويجها منه غصبا ونفيها إلى هنا وحرمانها من أي شيء ولكنها ماتت مبكرا ولم تحصل على أي شيء
قال راكان بهدوء "بخير، طلبت لقائي؟"
تراجع الرجل لدخول راكان مباشرة بالموضوع فقال "ولم أظن أن تقبل الحضور"
ضاقت عيون راكان وقال "بالتأكيد لم تظن أني سأخاف"
صمت الرجل قليلا ليقول "ليس بعد أن أثبت أن زيدان صنع منك نسخة مصغرة منه"
لم يرد راكان فاضطر الرجل لإكمال حديثه "كنت تعلم أني لن أتخلى عن ياسر فهو كان من رجالنا المخلصين لكن عندما قمت أنت بفضيحته كان لابد من الابتعاد، لكن لم أظن أن تتجرأ علي راكان"
أبعد راكان وجهه والباب يُفتح ورجل يدخل بصينية القهوة ومصطفى يتبعه، وضع الأكواب ورحل الرجلان والباشا يقول "القهوة"
لم يتحرك راكان وهو يقول "أن تمنحه هو حمايتك وتتخلى عني كان مفاجأة أيضا لي، أنت اخترت رجالك وأنا أيضا اخترت"
تحركت عضلة بوجه الرجل وقال "أنت تظن أن لك الحق بالاختيار راكان؟ هل نسيت من أنا؟"
ظل هادئا وهو يجيب "بل أنت من نسى من أنا، أنا لم أخل بأي اتفاق لنا سويا زوج عمتي ولكن أنت من فعل فلا تحاسبني على رد فعلي"
تجهم وجه الرجل ونهض لمكتبه ولم تبدو حركته الرشيقة مناسبة لسنواته التي قاربت السبعين وجذب سيجار فاخر وأشعله وهو يقول "ياسر كان ستار جيد لنا راكان وأنت أزحته ولو فعلها سواك لطمسته"
أبعد راكان وجهه للفراغ وقال "أنت تهددني؟"
التفت له الرجل من بين دخانه وقال "أنا أعيدك لحدودك راكان، لا تظن أنك يوم أصبحت العمدة فإن ذلك سيمنحك صلاحيات زيدان، زيدان كان يعرف كيف يديرها لكن أنت ما زلت صغير"
لف راكان رأسه له بهدوء وقال "وأنت ترى أني لست جدير بها؟"
هتف بغضب "نعم، ولن تكون طالما أنا موجود، ستظل تابعا لي رغم كل شيء ومحاولاتك وتصرفاتك التي تقوم بها من خلفي لن تجدي معي نفعا"
كان راكان هادئا جدا وهو ينظر للرجل الغاضب حتى أنهى كلماته فأبعد وجهه لحظة ولم يرد فزاد غضب الباشا وتحرك وهو يلوح بيده وهتف "أنت لا تجيب راكان، وكأنك تسخر مني ومن كلماتي"
نهض راكان وتحرك ليقف أمام الرجل ونظراته حادة وكأنها تشق الرجل نصفين وقال بنبرته التي تشبه قوة الرعد "أولا أنا لست تابعا لأحد حتى ولو كان أنت، ثانيا أنا لا أقوم بأي تصرفات بالخفاء لسبب واحد وهو أني لا أخاف لا منك ولا من سواك، ثالثا أنا لا أسخر منك أنا أحاول ألا أجيب بكلمات تضعك بمكانك الحقيقي"
تراجع الرجل وهتف "كيف تجرؤ؟"
لم يتراجع راكان وهو يقول "عندما أكون العمدة، أجرؤ على كل شيء وأي شيء ولن توقفني فريد، أنا احترمت صلة القرابة بيننا كثيرا لذا تركتك تظن أنك كبير، لكن أن تتجاوز أنت حدودك معي فهو ما لن أقبله، أنت لا تعلم ما بحقيبتي ضدك"
شحب وجه الرجل وهو يرفع رأسه ليصل لطول راكان الشاهق ومع ذلك ظل الغضب يتملكه وهو يقول "أنت من يهددني الآن راكان؟"
لم تتبدل ملامحه وهو يقول "العمدة لا يهدد وأنت تعلم ذلك، وما حدث منذ أسابيع يخبرك بذلك، أنا لم أصل للعمدية لمجرد أن جدي منحها لي ولا لأنك تظن أنك تحميني، بل أنت تعلم جيدا والجميع أيضا يعلم أني أستحقها عن جدارة وأنا من يحمي الجميع وأنت منهم وكونك كنت تطمع بمكانتي وبالعمدية فهذا ليس من شأني ولك ان تحلم كما تشاء لكن أن تتطاول علي فهذا ما لن أسمح به وأظن أنك تعرف جيدا أني أمنح فرصة واحدة وقد أخذت فرصتك ووجودي هنا فقط من أجل صلة القرابة بيننا ومن أجل إعادتك لرشدك وتتذكر أن راكان زيدان لا يمكن أن يخضع لأحد ومعاقبة على أفعالك بالفترة الأخيرة معي"
جف حلق الرجل ولم يجد ما يبتلعه وتفاحة آدم تتحرك بعنقه وبدت عيونه متسعة وهو يحدق براكان وقال بصعوبة "أفعالي؟ معاقبتي؟ ماذا يعني ذلك؟"
ظل راكان مكانه وقال "يعني أنك وصلت لمرحلة من العمر تحتاج منك الراحة فالزم بيتك واهنأ بقصرك بأيامك الأخيرة"
وتحرك ليذهب لكن الرجل هتف "راكان أنت تحد من إقامتي؟"
توقف والتفت له وقال "أنت لم تفهم ما بين السطور فريد، أنا أطبق القانون، وهو يعني أني لا أريدك أن تظهر بالساحة بعد اليوم ولديك المهلة المعروفة لتعتزل تماما وإن لم تفعل سيطبق عليك العقوبة"
شحب وجه فريد وترنح قليلا والسيجار يكاد يسقط من بين أصابعه وهو يقول بصوت واهن "لن تفعل بي ذلك"
لم يرحل راكان ولم تتبدل ملامحه أو يتبدل رأيه وهو يقول "ومن سيوقفني؟ الرجال التي طلبت منها قتلي اليوم أم الذين جمعتهم حولك للاتفاق علي؟"
تراجع فريد للمقعد الذي خلفه وسقط عليه فعاد له راكان واقترب منحنيا عليه وقال "لا تلعب معي فريد لأني لا أقبل الهزيمة، العمدة يعرف كل صغيرة وكبيرة بعالمنا هذا حتى ولو كنت صغيرا بالعمر كما قلت، لا تلوم نفسك على تقصيرك ولكن ارفع القبعة لزيدان لأنه صنع مني نسخة طبق الأصل منه، من الآن أنت لا وجود لك واسحب كل معاملاتك وإلا أنت تعرف النتيجة، هذه أوامري والويل لو لم تنفذ"
وتحرك للباب وفتحه ليرى مصطفى يسد الباب فرفع وجهه له وقال بحزم "ابتعد من أمامي، الآن"
حدق مصطفى براكان ثم سقطت نظراته على فريد المنهزم بالداخل وقال مرتبكا "أنا لا يمكنني، الباشا"
رفع راكان وجهه وقال بحزم "الباشا انتهى، وراكان زيدان هو من يلقي الأوامر هنا هل تفهم؟"
تراجع مصطفى من نبرة راكان بينما ظهر سيف مسرعا ويده على سلاحه لكن يد راكان أوقفته وما زال ينظر لمصطفى الذي أخفض وجهه عندما لم يجد رئيسه يهب له وقال "نعم سيد راكان"
رد راكان بنفس النبرة "جيد، ساعده على تنفيذ أوامري"
وتحرك وسيف بجواره وبالخارج فتح له السيارة فدخل وبالداخل لحق به سيف ونظر له وقال "الرجال.."
قال دون النظر له "أعلم، كان يدبر لقتلي"
تراجع سيف وهتف "كنت تعلم؟"
هز رأسه وقال "بالتأكيد سيف، هل تظن أني أثق به؟ لطالما كره وجودي وكره كل ما كان يفعله معي جدي"
سأله سيف "ولكنه كان يحميك"
نظر له راكان وقال بهدوء "بل كان يحمي نفسه سيف، كان يعلم أن الجميع يعلن ولائه لي ولو خان سيوقفونه"
هتف سيف "وما الذي حدث اليوم ليتبدل موقفه؟"
لم يبعد نظراته عن سيف وقال "البعض سار على وتيرته من بعد فضيحة ياسر وتعاونوا معه ضدي لذا عزلته والبقية تأتي"
تراجع سيف وردد "عزلته؟ والبقية؟ أي بقية؟"
أبعد وجهه للنافذة وقال "هذا من القوانين المتبعة سيف من يتمرد يتم تحديد إقامته ويعتزل ويسحب كل تعاملاته ولو لم ينفذ العقاب يكون أسوء"
هز سيف رأسه وقال "والباقين؟"
ابتسم راكان وقال "الباقين ستعرفهم لأنك من ستبلغهم أوامري سيف، أوامر سيف وليس قرار هل تسمعني؟"
هز سيف رأسه وقال "بالتأكيد يا عمدة، ما زلت لا أتخيل أنك جئت هنا وأنت تعلم بمكيدة قتلك وأخفيت عني الأمر"
عاد يبتسم وقال "ومن الذي يمكنه أن يفر من الموت سيف؟"
أجاب سيف "أحيانا أشعر أني لست جدير بأن أكون رجلك"
لم تتبدل ابتسامة راكان وهو يقول "ما كنت لتبقى كذلك سيف، أنت جدير بمكانتك لكن لابد أن تكون لي عيون كثيرة كي أبقى العمدة وليس عين واحدة"
تفهم سيف وقال "لطالما كنت مدرسة أتعلم منها يا عمدة"
لم يرد وأبعد وجهه للنافذة وما زال يذكر كلمات جده "إياك والنظر من نافذة واحدة فهذا يفتح أبواب مضادة من خلفك" وقد طبق كل كلمة حفظها منه حتى الأقرباء كان عليه أن يحتاط منهم
****
دخلت مليكة مع ياسمين ذلك المطعم الشهير الذي اختاره يحيى للقاء وما أن وقفا حتى نهض لرؤيتهم فتحركتا تجاهه، كان وسيما جدا بالقميص الأبيض والبنطلون الرصاصي القاتم، شعره مصفف بعناية، طوله جعلها تشعر أنها قصيرة رغم الكعب العالي والبدلة الرسمية التي ارتدتها للقائه
لم تضع أي مساحيق تجميل، كانت دائما تذكر راكان يوم الحفل بأن الطبيعة أجمل وطبقت كلماته من وقتها، نظرات يحيى اخترقتها، جعلتها ترتجف وتتورد وتشعر وكأن عيونه تهتف، اشتقت لك
قامت بالتعريف وسرعان ما ظهرت إيمان، تقريبا كانت بالحمام، وهي تسرع لهم وتبتسم وتقول "أهلا مليكة، أهلا طنط"
قامت هي بالتعارف مرة أخرى ثم جلسوا جميعا وبدأوا التحدث بأمور عادية ومليكة صامتة، كانت تراقبه وهو يتحدث مع والدتها، هادئ، متزن، يعرف ما يقول، نظراته ثابتة، تذهب لها لكن بحدود حتى قالت إيمان "هل تأتين حضرتك معي لرؤيتها"
وافقت ياسمين كي تمنحهم فرصة ونهضت فنهض هو الآخر وإيمي معها وتحركتا للخارج وعاد هو للجلوس وكانت هي تشبك يداها بحجرها وعيونها لا تواجهه حتى قال "صمتك هذا له واحد من معنيان"
رفعت عيونها الجميلة له فأسرت قلبه وهي تقول "معنيان؟"
قال بهدوء وابتسامة بسيطة ربما أراد أن يمنحها بعض الأمان "إما أنكِ لا ترغبين بذلك اللقاء أو الخجل"
رفعت وجهها له وبدت مرتبكة من الموقف، لقد ظنت طوال سنواتها القليلة أنها ستلقى فتى أحلامها ويعيشان قصة حب لكن أن تتزوج بتلك الطريقة فلم تخطر على بالها ولم تستعد لها لذا قالت "أنا لا أعرف، هذه أول مرة لي"
ابتسم فبدا أكثر جاذبية وقال "هذا من حسن حظي، إذن هو خجل"
تورد وجهها وشعرت بنبض قوي ينبض داخل صدرها ولم ترد فعاد يقول "مليكة أنا لا أحب تجميل الحقائق أو التلاعب بالكلمات، أنا معجب بك"
زاد تورد وجهها وحرارة تسري بجسدها ولم تعرف ماذا تقول فعاد يكمل "أنا لم أرتبط من قبل، لم أملك وقت لأفعل، العمل كان يأخذ كل وقتي، أردت تحقيق الحلم الخاص بي، لم ولن أعتمد على أموال أبي، صارعت هنا وبالخارج حتى حققت نجاحي بروما وأبغي الإقامة بها، لدي شقة صغيرة هناك ولكن أنوي البحث عن غيرها عندما أعود وتجهيزها من أجل الزواج، هذا لو وافقت"
حدقت به بنظرات متفاجئة من حديثة الصريح وقالت "ألا ترى أنك تتعجل الأمور؟ نحن لا نعرف بعضنا البعض وربما إعجابك هذا لحظة وينتهي بعد وقت"
تراجع من كلماتها وقال "مليكة أنا بالثالثة والثلاثين، أي لست شاب متهور لا أعي ما أقول، ربما معك حق بأننا لا نعرف بعض، لذا تقدمت لخطبتك حتى نفعل وإذا لم نتفق فلك كل الحق بالتراجع"
ظلت صامتة لا تعرف ماذا تقول، هي لا تنكر إعجابها به لكنها لن تجرؤ على إخباره بذلك وزواج العقل لا مشكلة به فقالت "ولكنك لن تكون هنا، أنت عائد روما"
قال بهدوء "وأين الانترنت؟ سنتواصل مكالمات وفيديو كول، أين المشكلة مليكة؟ هل ترفضيني؟ سأحترم صراحتك لو لم ترغبين بي"
نظراتها سكنت على ملامحه الهادئة وسؤاله واضح وعليها أن تجيبه، عاد يقول "أنت تدفعيني لسؤال لا أرغب به، هل هناك شخص بحياتك؟ ولا أقصد أي إهانة بل سأحترم رغبتك"
هزت رأسها ونفت بسرعة "لا، ليس هناك أحد أنا فقط أخشى أن تتراجع بوقت ما تدرك فيه أنك كنت مخطئ، أنت رأيتني مرة واحدة فكيف اتخذت قرارك؟ إنه زواج"
ابتسم وقال "ألم تسمعي عن الحب من أول نظرة، أنا سقط بحبك من أول نظرة ومع ذلك لن أفرض نفسي عليك"
ملامحها كانت جامدة لوهلة ثم فكت وجهها وأخفضت عيونها وقالت "ماذا تريد أن تعرف عني؟"
تنفس بصوت مرتفع مما جعلها ترفع وجهها له ورأت الراحة على وجهه وهو يقول "كل شيء، أريد كل شيء عنك، كما سأخبرك كل شيء عني وأعدك مليكة أعدك ألا تندمي"
وأخيرا انفرجت ملامحها ومنحته ابتسامة أخذت قلبه وتبدلت نظرة الخوف لنظرة راحة وسكينة ولم يلمح الإعجاب الذي رمقته به منذ رأته
****
نزل أمام بيت المزرعة ونزل سيف خلفه وصعد الدرجات للشرفة الكبيرة ثم دفع الأبواب للداخل فوجدها تستند على العصا الطبية والمختصة تقف بجوارها لتصل للمقعد المتحرك وبالطبع أدركت وجوده عندما دفع الباب فقالت "ظننتك انتهيت مني"
المختصة نظرت له فحياها برأسه وقال "هل اعتدت الحكم على الآخرين بما يتناسب معك فقط؟"
ظهر التعب على ملامحها وهي تصل بصعوبة للمقعد وقالت "ليست أحكام بل توقعات، من الأسهل والأفضل لك أن تنساني"
وضع يداه بجيوبه وقال وما زال يشاهدها وهي تجلس وبدا معجبا بالإصرار الذي كانت تتحرك به رغم التعب الواضح على ملامحها وحبات العرق على جبينها فقال "أنا أعرف جيدا المناسب لي، اهتمي أنت بشؤونك، هل انتهيتِ؟"
كان السؤال للمختصة التي قالت "نعم"
ابتعدت المرأة ورأى فتاة بالعشرين تدخل وتقول "الاستحمام آنسة"
قالت ببرود "أصبح بالإذن فالعمدة هنا، هل تسمح لي؟"
سخريتها جعلته يبتعد للنافذة ويقول "بالتأكيد ربما يتحسن مزاجك من المياه"
حدقت به وهو يمنحها ظهره وهي تتساءل من تذمره لأول مرة من كلماتها ولم ترد وهي تتحرك مع الفتاة للغرفة التي أعدها رجاله لها بدلا من الطابق العلوي بينما ظل هو واقفا بالنافذة حتى أخرج هاتفه واتصل برائد الذي قال
"هذا يعني أنك هنا"
رفع رأسه وقال "نعم، عند سارة هل سأراك؟"
أجاب رائد "ربما ولكن ليس الليلة، سأعود مصر غدا لزفاف ظافر هل ستأخذ سارة معك؟"
قال "ليس بعد، أتيت لإجراء آخر محاولة"
قال رائد "لا تضغط عليها تعلم أن الحادث هزم كبريائها"
ضغط على الهاتف بأصابعه وقال "ليس الحادث رائد، بل ذلك الكلب"
صدق رائد على كلماته وقال "نعم، سنعود سويا؟"
قال "إذا انتهيت مبكرا من لقائي غدا فسأرحل بالثانية ظهر وإلا بالسادسة مساء"
هتف رائد "حسنا سنتفق على الوقت المناسب لكلانا، لدي وقت كثير أمرح به بمصر، ميرندا ستكون معي هناك"
صمت راكان قليلا ثم قال "لم تفعل ذلك من قبل"
رائد لا يخفي عنه شيء ولا هو وتلك المرة بدت غامضة، أجاب رائد "نعم لأني كنت لا أبقى سوى ساعات لكن تلك المرة سأبقى عدة أيام، هناك اجتماعنا للمشروع الجديد وأريدك بأمور أخرى وربما نمرح قليلا أنا وهي كسياحة"
صمت راكان أيضا ثم حسم أمره وقال "تعلم أن ليان ستكون موجودة رائد"
انتقل الصمت لرائد حتى قال "لابد أن ترى حقيقتي راكان، وجود ميرندا أفضل شيء"
التفت لصوت المقعد وقال "بل هو حماية لك، ولكن على العموم أنا لا أجبرك على شيء افعل ما تراه صواب لكن لا تلومني أني لم أنصحك"
أجاب رائد بصوت مبحوح "لا، لن أفعل، أراك غدا"
كانت تدخل وقد استبدلت ملابسها وتحركت تدفع المقعد بيداها دون النظر له وهي تقول "يمكنك تقديم النصح فقط للأغراب"
تحرك وجلس على الأريكة وقال "أين الخادمة؟ أريد قهوة"
نادت على الفتاة التي أسرعت لتلقي أوامرها وذهبت وعادت سارة له وهي تقول "ماذا تفعل هنا؟"
مرر يده على ربطة عنقه التي امتدت على صدره ثم قال "لدي مقابلة هامة بالصباح" وصمت قليلا ثم قال "ولأحاول مرة أخرى إعادتك معي، على الأقل لحضور الزفاف"
دفعت الكرسي بعيدا للنافذة ومنحته ظهرها وهي تقول "لن أعود"
لم يرد وحصلت على صمته فلفت وجهها له لتراه ينظر بالفراغ فاندهشت وقالت "هل أنت بخير؟"
لف وجهه لها وقال "نعم فقط أفكر بسؤالك هل حقا لا ترغبين بوجودي؟"
شحب وجهها من سؤاله الصريح جدا وشعرت بأن الكلمات هجرتها وتاهت منها للأبد وعندما لم تجيب قال "هل الصمت يعني الموافقة؟"
أبعدت وجهها وقالت "لن تتركني فأنا أخت العمدة"
صمت من ردها ولم يرد فعادت تقول "الكل سيخافونك وسيبتعدون عني بسببك"
ارتخى بالمقعد وقال "وهل حاتم فعل؟"
غضبت لذكره ولفت وجهها له وقالت "ماذا تريد مني راكان؟"
قال "أن تنضجي، وتتحملي نتيجة قرارك وتواجهي مشاكلك بلا فرار منها، بعادك عن الجميع لن يشفي جراحك بل سيجعلك جبانة بنظر نفسك والجميع، الحادث جعل الكل يدرك صورته الحقيقية وابتلعته الفضيحة بلا عودة وبدلا من الاحتفال بانتصارك تدفنين نفسك هنا وتندبين حظك على الجرح الذي سيشفى مع الوقت، الجبن ليس حل"
وضع الكوب على المائدة بينما ثارت هي بوجهه وقد أغضبتها كلماته "أنا لست جبانة، أنت لم تأتي هنا لتلقي بكلماتك هذه بوجهي، ماذا تريد مني؟"
الدموع اختلطت بالغضب فنهض وتحرك لها حتى وقف بجوارها وقال "أريد استعادة سارة الشجاعة، فتاة الريف التي كانت تصارع الأمطار والرياح لتعيد بناء السور حول المزرعة أو فتح القنوات بالأرض الزراعية، الفتاة التي عاشت وحدها بلا خوف أو ضعف، أريد سارة المحاربة وليس المهزومة"
هتفت ببكاء "كفى"
ركع بجوار مقعدها حتى وصل لمستوى وجهها ومد يداه لمسح دموعها وقال "عودي معي وواجهي العالم بشجاعة لتستعيدي نفسك وبعدها قرري بقائك معي أو عودتك"
ظل وجهها بين راحتيه وذلك الحنان بعيونه لم تراه بهما من قبل، حتى يوم الخطوبة كانت نظرته سعيدة لكن قلقة الآن هو حنان بلا شريك وهي احتاجت له، فهو الوحيد الذي منحها ذلك مثل وافي لذا هزت رأسها ولم ترد
ابتسم وجذب رأسها ليقبل جبينها ثم أبعدها وقال "ما رأيك بعشاء إيطالي فاخر، سيحضره الرجال، لكن هذا يعني أنكِ مدينة لي بواحد"
ابتسمت من بين الدموع ونهض هو لاستدعاء سيف وطلب الطعام وقد ارتاح لموافقتها على العودة للعالم بدلا من المخبأ الذي توارت فيه خوفا من مواجهة العالم وستبدأ بالزفاف والذي سيحضره الجميع ووقتها ستدرك أن حاتم هو من خسر وليس هي