
رواية راكان زيدان واصحابه الفصل السادس عشر16 بقلم داليا السيد محمد
الحب مرض مزمن
المختص بالصور انتهى من أخذ الصور اللازمة لها مع تمارا وهما بالفندق من بداية اليوم، وعلى بعد الظهيرة كانت قد انتهت تماما من الفستان والتجميل وشعرها
وقفت مي أمام المرآة ودارت حول نفسها وهي سعيدة جدا، ظافر منحها كل ما تمنت، لم يبخل بأي شيء والفندق والقاعة كانا وهم لا تحلم به أي فتاة
التفتت لتمارا التي استعادت جمالها المعروف مرة أخرى بفستانها الموف الذي اختارته مع مي ومصفف الشعر جعلها أميرة ولم تضع الكثير من التجميل
هتفت مي "ما رأيك تمارا؟"
قالت بصدق وسعادة "فاتنة، ستكونين ملكة اليوم"
احتضنتها وقالت "شكرا لوجودك معي تمارا، أنت ومليكة كنتما أفضل صديقتين"
دق الباب ودخلت مليكة بفستان مشابهة لفستان تمارا بالطبع وهتفت "العريس هنا يا أجمل عروسة"
قلبها كاد يخرج من صدرها لأنه هنا، سيراها وستكون جميلة من أجله والليلة سينتهي الانتظار، احتضنتها مليكة فقالت "شكرا مليكة لوجودك معي وأتمنى رؤيتك عروسة قريبا، أنتِ وتمارا"
تورد وجه مليكة وهي تذكر يحيى والذي تحدث مع ظافر وحددا موعد لخطوبة عائلية بعد عودته من رحلة العسل، ولم تنسى أن والدها، تواجد بتلك الليلة ولكن كلماته معهم كانت مختصرة وكأنه لم يعد يريدهم مرة أخرى
دقات على الباب جعلت مي تتراجع وتضع يداها على انتفاخ فستانها الثمين ثم ترفعها لتريح طرحتها الطويلة على أكتافها العارية، لتراه يدخل، وكم بدا رائعا حقا ببدلته السوداء وقميصه الأبيض، ربطة عنق سوداء حريرية
بدا جذابا جدا وفاتنا بابتسامة رائعة ولمعت عيونه لرؤيتها وهو يتقدم لها ويقول "تمنيت قتل الوقت الذي يبعدك عني"
مد يداه فمنحته يداها وقلبها يدق بقوة وصدرها يرتفع من أنفاسها وهو يقبل يداها الاثنان ثم هتف وهو مأخوذ بها "فاتنة، أجمل امرأة رأتها عيوني، من حسن حظي أنك ستكونين زوجتي مي"
وجذبها له ليضع قبلة على جبينها وهي تبتسم بسعادة والمصور يبدأ بعمل الفوتو سيشن للعروسين والوصيفتين..
وصل سفيان للبيت بالظهيرة، التعب والإرهاق ظهرا على ملامحه ووجد ميرفت بوجهه وقد تأنقت بشكل واضح وليس بجديد وقالت "الحمد لله على سلامتك سفيان، تبدو متعب"
نظر لها وقد أرهقه العمل بعد أن ترك روما بوصول راكان ورحل لفرنسا لمتابعة العمل من هناك ومنها عائدا لمصر دون نوم أو راحة
فك ربطة عنقه وقال "قليلا، العمل كان مكثف كي يمكنني العودة اليوم، تبدين جاهزة؟"
قالت "نعم سأرحل مع جدك على السادسة، ألا توجد أخبار عن حاتم؟ إنه حتى لا يهاتفني"
كان بطريقه للأعلى عندما سألته فتوقف والتفت لها وقال "يختبئ كالجبان، يظن أن راكان لا يعرف مكانه، راكان تركه من أجلي"
تحركت تجاهه وقالت "وماذا سيفعل به أكثر مما فعل؟ لقد حطم مستقبله الفني بسبب تلك الفتاة، لم أكن أوافق عليها، هي حتى لم تكن تفهم كلماتي"
عاد لها ووقف أمامها وقال "الفتاة لم تشوبها شائبة ميرفت، كانت بيضاء ونقية وليس لديها أي خبرة بالرجال وإلا ما انبهرت بابنك وأدركت غروره وأنانيته، راكان صفعه صفعة بسيطة ليتعلم ألا يعبث مع من هم أفضل منه وسيظل مختفي قليلا، لكن الجمهور ينسى ويغفر وسيعود، لو أراد راكان تدميره تماما لفعل أتمنى ألا يسيء التصرف مرة أخرى"
كاد يذهب عندما أوقفته وقالت "وأنت، ألم تفكر بامرأة جديدة تسد بها فراغ تلك الفتاة التي تلاعبت بك؟"
عاد لها والغضب تحرك داخله وقال "تمارا لم تتلاعب بي، ولا تذكريها مرة أخرى لأني سأعيدها وسأتزوجها هل تسمعيني؟"
تراجعت بدهشة وقالت "تعيدها مرة أخرى؟ لماذا؟ ألا توجد نساء سواها؟ كانت مغرورة وتظن أنها جميلة الجميلات، كان عليك اختيار فتاة من أسرة مناسبة وليس مثلها"
اقترب منها ومال عليها وهتف "أنتِ تعرفين جيدا أنها بالفعل لا تشوبها شائبة، وعائلتها نعرفها منذ كنا أطفال"
أشاحت بيدها وابتعدت وهي تقول "وياسر؟ ألم يثبت أنه ضابط فاسد وكان سبب موت والدهم؟ لقد التصقت بهم السمعة غير الجيدة ولابد ألا تفكر بها مرة أخرى، أنا لا أوفق عليها سفيان"
هتف بقوة وحزم "وأنا لا يهمني رأيك من الأساس، هي حياتي ولا دخل لكِ بها"
التفتت له بغضب وقالت "ما زلت أمك سفيان"
لم يتراجع وهو يقول "اتفقنا على أن ذلك على الورق فقط وليس لكِ أي حقوق عندي"
تحركت تجاهه وقالت "بل لي، ولن أسمح لك بالتطاول علي بعد اليوم"
ابتسم بسخرية وقال "حقا!؟ على أساس ماذا!؟ أنني فجأة أصبحت الابن المطيع؟ أم أنكِ انتبهت فجأة إلى أن لديكِ رجلان كلاهم له حياته الخاصة وأن عليكِ التواجد بحياتهم"
شحب وجهها وقالت "أنا بحياتكم سفيان، أنا عدت من أجلكم وعشت هنا لكم وتحملت كل ما فعلتموه بي أيضا من أجلكم"
لم يتوقف من كلماتها وقال "لا، أنتِ لم تعودي من أجل أحد، أنتِ عدتِ من أجل الأموال بعد أن خانك ذلك الندل واختار الأموال هو الآخر، أنتِ تعيشين هنا بسبب ما تحصلين عليه من أموال للترفيه والملابس والمجوهرات، عمليات التجميل والرحلات، كل ذلك هو سبب بقائك هنا لكن نحن لم نكن يوما ببالك فلا تأتين اليوم وتدعين العكس وتحاولين فرض نفسك على حياتنا فأنتِ لست بها بالأساس"
تجمدت من كلماته ولكن هي السبب، كانت تعلم أفكارهم وربما تعلم أن كلماته صحيحة، هي لا يمكنها أن تعيش بدون كل ما قال، لكن أحيانا تبحث عن أمومتها وأبنائها لكن للأسف فات الأوان
ظلت تنظر له وقالت "وأنتم لم تساعدوني يوما على أن أكون بحياتكم، منذ ذلك اليوم وأنتم طردتموني بلا عودة"
ابتعد وقال "أنتِ من زرع وعليكِ قبول ما تحصدين"
وتحرك للأعلى والصداع يرتفع لرأسه وهو لم يكن بحاجة لجدالها فوق ما يحمل من متاعب العمل وقلبه المتعب واشتياقه للمرأة التي أدرك أنه حقا يريدها
****
انتهى رائد من ملابسه وخرج من غرفة الملابس بالفندق الفاخر الذي ينزل به ليرى ميرندا الفاتنة تجلس أمام المرآة وتكمل زينتها فابتعد لجاكته وقال "ألن تنتهي؟ لا أريد التأخير"
نظرت له بعيونها البنية بالمرآة وقالت "أخبرتني أنك لست شاهد فلماذا تتعجل؟"
تحرك للمرآة وضبط جاكته وقال "حتى لو لابد أن أكون معه، تعلمين ما بيننا، هيا"
نهضت وبدت رائعة بالفستان الذهبي وجسدها كالعارضات، خمس سنوات معه لم تطالبه بأي شيء، تعلم أنه لن يتزوجها وتعلم أنه بأي يوم سيخرجها من حياته وهي أيضا ليست بالمخلصة ولكنها تمنحه هو المكانة الأولى بحياتها، بالطبع لأنه الأفضل بهداياه وأمواله وهي لن تخسره إلا عندما يخرجها من حياته ولا تظن أنه سيفعل بأي يوم
تحركت له وقالت "تبدو متجهم لماذا؟"
لم ينظر لها وهو بالفعل كان عصبي وغاضب من نفسه، أحضر ميرندا معه كي يغلق الباب على نفسه أمام ليان، عليه أن يضع ألف حاجز بينهما ووجود ميرندا بألف حاجز بالفعل ولكن أن يخطط لذلك شيء وأن ينفذ ويواجه شيء آخر تماما
****
حمل راكان أخته من السيارة ووضعها على المقعد المتحرك واعتدل وهو يقول لسيف "خذها للداخل، لابد وأن أرى ظافر والمأذون"
هز سيف رأسه وقال "المأذون على وصول وسيد ظافر مع عروسه لإكمال التصوير"
هتفت سارة "ستتركني وحدي راكان؟"
سيارة أخرى توقفت خلفهم فالتفت هو لها ليرى ليان تنزل منها وتسرع لسارة وتهتف "سارة، لم أصدق وافي"
احتضنتا بعضهما وعادت ليان التي تزداد جمالا كل يوم ونظرت لراكان وقالت "شكرا راكان أنك أقنعتها"
هز رأسه ووافي ينضم له ويقول "سارة، من الجيد عودتك تبدين جميلة وأفضل حالا"
ابتسمت له وبدا وسيما كعادته وابتسامته نابعة من قلبه فقالت "شكرا وافي وشكرا لوجودك بجواري بالمشفى، أنت وليان كنتما هدية السماء لي"
شعرت بتبدل الأحوال عندما خرج رجلان من الداخل تجاه راكان وأحدهم يقول "مرحبا يا عمدة، تفضل"
قال بجدية "خذ الجميع للداخل مع سيف، أريد رؤية ظافر خطاب"
هز الرجل رأسه وأشار للرجل الذي معه فاصطحب سارة وليان وتبعهم سيف ورجلان حراسة للداخل بينما أشار خطاب لراكان فتحرك ومعه رجلان آخران خلفه ووافي بجواره وهو يقول "تبدو مشغول"
هز رأسه وقال "سفيان تأخر ولم يصل، كنت أريد إخباره أن تمارا هنا"
تراجع وافي وما زال يتحرك نحو المصعد وقال "تمارا!؟ كيف؟"
دخلا المصعد وقال "مي أحضرت الفستان من عندها وطلبت منها أن تكون وصيفتها وهي لم ترفض وكأنها تتحداه"
ابتسم وافي وقال "أو تريد إعادة ما كان"
نظر له راكان نظرة جانبية ثم قال "وهي أخبرته صريحة أنها لا تحبه؟ هل تريده أن يطردها مرة أخرى؟"
انفتح المصعد وتحرك خطاب أمامهم فقال وافي "ألا تلاحظ تبدله مؤخرا؟ ربما أدرك الاثنان خطأهم وسيعدان الأمر ولكن كما يجب أن يكون"
وقف خطاب أمام غرفة فدق راكان الباب ولحظات ورأى تمارا تفتح وبدت فاتنة حقا، ابتسمت له وقالت "أهلا راكان، أهلا وافي، ظافر مع مي والمصور بالشرفة، تفضلا"
رحبا بها وبالداخل التقيا بمليكة وسرعان ما تحرك ظافر بعروسته تجاههم واحتضنهما بسعادة وهو يقول "تأخرتم، أين رائد وسفيان؟"
ابتسم راكان لمي ووافي وقال راكان "مبروك مي، رائد بالطريق وسفيان وصل متأخر من المطار وسيصل بأي وقت"
تحركوا فقال المصور "صور لأصدقاء العريس؟"
كاد راكان يتراجع ولكن ظافر قال "سترفض أول صورة لأول عريس بالعصابة؟"
ابتسم وضحك وافي وقال "لا يستطيع ترك العمدة خلفه ولو دقائق"
تحداه وقال "بل أفعل معكم، أنتم تخرجوني عن العالم"
لحظات ودق الباب وانضم رائد لهم واحتضن ظافر وهتف "تبدو عريس حقا"
ضحك الجميع وقال ظافر "متى سأخبرك المثل؟"
ضحك رائد وقال "لا أظنك ستفعل فأنا اعتزلت ولا أعلم من التالي خلفك"
حدق بهم ظافر وقال "لا أجد أحد منكم مناسب لربط امرأة به"
تحرك راكان ليجيب هاتفه وقال "جيد نكتفي بك فقط"
وأجاب هاتفه بينما نال رائد صورة مع ظافر بالطبع، تناولوا المشروبات حتى دق الباب ودخل خطاب يقول "الجميع بالأسفل يا عمدة"
التفت له راكان وقال "المأذون؟"
اعتدل الرجل وقال "بالصالة الصغرى، والد العروسة ينتظر بآخر الممر يا فندم"
هز رأسه ليأتي ولكن بدلا منه وجدوا سفيان يتحرك للداخل وهو يهتف "لن تذهب بدوني يا رجل و.."
قطع كلماته ورحلت ابتسامته عندما التقى بعيون تمارا تصدمه وهي تقف بجوار العروسة وتسمرت قدماه بالمكان بينما شحب وجهها من رؤيته رغم أنها كانت تعرف أنها ستراه وأعدت نفسها للقائه لكن الواقع يختلف تماما عن الخيال
تحرك ظافر لسفيان واحتضن سفيان وهو يقول ليعيد سفيان للواقع "لم أكن لأذهب فعلا بدون ابن عمي وصديقي"
استعاد سيفان نفسه واحتضن ظافر وقال "ألف مبروك ظافر"
ابتعد ظافر وقال "الصور"
تراجعت تمارا بجوار مليكة التي مالت تجاها وقالت "لقد تفاجأ حقا، تبدين شاحبة ابتسمي"
أدركت ذلك وكانت نظراتها تخونها وهي ترحل له وهو يلتف بأصحابه ولكن عيونه كانت تسرق بعض نظرات لها فقالت "كيف لم يخبره أخيك بوجودي؟"
قالت مليكة "سفيان كان بالخارج ولم نراه من اسبوع أو أكثر ولا يعرف شيء عن الزفاف"
لم ترد والعروسة تعود وظافر لا يتركها بينما قال راكان "خطاب هل نبدأ؟"
انحنى خطاب وقال "بالطبع يا عمدة"
بالخارج نزل الجميع للقاعة الصغرى حيث المأذون وتلقت مي والدها بابتسامة جميلة وقال "مبروك حبيبتي تبدين جميلة حقا"
قالت بسعادة "شكرا بابا"
تحركت لتجلس وتمارا ومليكة بجوارها بينما جلس ظافر ووالده بعيدا، حياه الرجال بلا كلمات وهو بالمثل والمأذون توسط ظافر وسعد والد مي وضم يداهم لبعض ووضع المنديل المزخرف بخيوط من الذهب على يداهم وبدأ كلماته
سحبت مليكة المنديل عندما انتهى المأذون معلنا ظافر ومي زوجين وضحك الجميع من تصرف مليكة وهم ينهضون لتهنئة العروسين
تحرك ظافر لها والسعادة تملأ عيونه وهو يقبل جبينها ويقول "مبارك علي أجمل زوجة بالعالم"
كانت تبتسم بسعادة وعيونها تشرق له وهي تقول "الحلم أخيرا أصبح حقيقة"
رفع يدها لفمه وقبلها وقال "لآخر العمر"
جذبه الرجال كي يتحركا للخارج وظلت هي مع مليكة وتمارا، سفيان لم يحاول التحدث معها وانشغل بظافر وأصدقائه وهم يتحركون للقاعة ومظهرهم يأخذ عيون النزلاء وحراسة راكان تملأ المكان وبعضهم يحيط به
دخلا القاعة التي ازدحمت بالمدعوين من رجال الأعمال المعروفة وبعض المشاهير وزوجاتهم، الأقارب والمعارف للعائلتين
أرشدهم خطاب لمكانهم بانتظار العروسين
دقت الموسيقى لاستقبال العروسين فانتبه الحضور، وتوقف راكان عن تلقي التحيات وانفتح باب جانبي وسقطت الأضواء على ظافر فتعالت التصفيقات وهو يتحرك بأناقته تجاه الداخل وسط التصفيقات حتى وصل لأصدقائه واحتضنهم ثم وقف بينهم
خفتت الأضواء وتبدلت الموسيقى بأخرى مثيرة للانتباه وتحركت الكاشفات الملونة تجاه الباب الرئيسي المغلق وتحركت الكاميرات المجهزة للتصوير وأخيرا انفتح الباب ومليكة وتمارا ظهرا أمام الجميع ومع الموسيقى تقدمت الفتاتان للداخل وابتعدتا قليلا لتظهر العروسة خلفهم بذراع والدها وبيدها الأخرى بوكيه الورد المنتقى بإتقان وابتسامتها تعلو وجهها وتصفيقات تملأ المكان
بدأت تتحرك مع والدها للداخل وتمارا ومليكة بالأمام وفجأة تساقطت ورود ذهبية وفضية وتعالت الأضواء من حولها حتى وصلت للرجال وتوقفت أمام زوجها الذي تلقاها بابتسامة وقبلة على ظهر يدها بعد أن احتضن والدها
التفت العروسان لتحية المدعوين وتحرك الرجال المسؤولة لهما وطلبا منهما استبدال دبل الزواج وفعلا من اليمين لليسار ثم منحهم رجل آخر كأسين بالعصير رفعهم كلاهم لتحية المدعوين وتناولا رشفة ثم أعادوها والجميع يصفق لهم
انفض الرجال من حولهم والموسيقى تعلن عن أغنية رومانسية عن الحب والمسؤول يطالب العروسين بافتتاح الحفل برقصة فالس
ضمها له على ساحة الرقص الفاخرة والأضواء تتلاعب فوقهم وقربها منه وقال "أخيرا بين ذراعي بلا امتناع"
ضحكت وقالت "هذا لأننا وسط الجميع"
ضحك مثلها وقال "وليس لأنك أصبحتِ زوجتي ولي؟ أنتِ حلالي ولن أترك حقي"
تورد وجهها وقالت "توقف ظافر"
ضحك مرة أخرى وقال "أعشق هذا الخجل النابض على وجنتيك، هذا أسعد يوم بحياتي مي، أحبك"
قالت بسعادة "وأسعد يوم بحياتي أنا أيضا ظافر، أنا لم أعرف السعادة والحب إلا يوم عرفتك"
انتهت الأغنية ودخل مغني شهير ليصيح الجميع لرؤيته واندمجوا معه بالغناء والرقص والجميع يستمتع به بينما اختفى رائد ولاحظ راكان نظرات سفيان فقال "تبدو مشغول"
انتبه سفيان له وقال "ماذا؟"
ابتسم راكان وقال "هل ما زلت تفكر بها؟"
عاد سفيان لها وهي تقف بعيدا عن الأنظار وحدها، رغم أنها ترى الكثيرين ممن تعرفهم ولكنها اختارت الوحدة فقد اعتادت عليها مؤخرا خاصة بعد موت والدها وسجن أخيها الذي لم تحاول رؤيته
أجاب سفيان "نعم، أريد الزواج بها؟"
تراجع راكان والدهشة تريد أن تظهر على وجهه دون فائدة وهو يقول "أنت جاد؟"
قال "أنا أحبها"
صمت راكان وهو ينظر لصديقة نظرات استفسار دون كلمات فعاد له سفيان وفهم نظراته فقال "البعاد خير معلم راكان، وأنا تعلمت منه أني لا أستطيع العيش بدونها، ليست رغبة ولا نزوة بل زواج، أنا لم ألمس امرأة منذ ذلك اليوم بمكتبي، كلما اقتربت مني واحدة أشعر بغضب غريب واشمئزاز منها ومن نفسي فأبتعد لكن معها أفقد نفسي راكان"
لف راكان وجهه لتمارا التي أخيرا عثرت على عيون سفيان وسكنت عليه فقال "لا أريدك أن تتألم مرة أخرى"
هز رأسه وقال "أعلم"
سأله "ماذا عنها؟ قد ترفض بعد ما كان بينكم"
لف وجهه لها وقال "قبلتها كانت تعني غير ذلك"
ابتسم راكان وقال "أنت وغد حقير ولن تتبدل"
لم يتركه سفيان وقال "لا تذهب لبعيد، لقد دفعتني بعيدا بكل قوتها وطردتني من مكتبها، لكن بعد أن تأكدت أنها تريدني كما أريدها ولكن ليس كأي امرأة بل كزوجة"
لم يعترض راكان وقال "لا تقل أني لم أنصحك، لكن عليك بأن تكون صبور حتى تنال العفو والسماح"
عاد سفيان لها ولكنها كانت قد اختفت فتاه وهو يقول "سأفعل أي شيء لتكون لي وللأبد راكان"
وتحرك ليبحث عنها وتناول راكان العصير وعيونه تتجول على الجميع حتى رأى رائد يعود للقاعة وبذراعه ميرندا فقال بصوت منخفض "أنت تتعمد أن تؤلمها رائد، ليتني أستطيع إيقافك فهي لا تستحق ذلك"
تحرك رائد بميرندا للداخل ونظراته تتجول هنا وهناك، عندما وقف لاستقبال ظافر لم يراها، بحث بعيونه عنها ولكنها كأن لم تأتي، لم يجرؤ على السؤال عنها والآن ما زال يبحث رغم وجود ميرندا بذراعه لكنه تقريبا لا يشعر بها كل ذهنه تعلق بفتاته
وأخيرا رآها كانت ترقص مع مليكة لكن رقص هادئ يتناسب مع شخصيتها البريئة وبدت جميلة جدا ورقيقة بشكل لا يصدق، فستانها الوردي كان مفصلا لها خصيصا، محترم بلا أدنى شك ككل ملابسها وهو ما يعجبه بها أكثر، شعرها مرفوع على رأسها بشكل راقي كسيدة مجتمع، الكعب العالي منحها طول وأناقة أكثر
هتفت ميرندا "المكان رائع رائد، كم دفع ظافر به؟"
لم ينظر لها وهو يقول "هو هدية راكان، المكان ملكه"
لفت وجهها له وقالت "راكان هذا يجلس على جبال من الثروات، ومع ذلك لا يستمتع بحياته كما يجب"
التفت لها وقال "راكان لا يرى الأموال كما ترينها ميرندا، فقط هو وجد نفسه بذلك العالم وليس لديه بديل"
لم ترد وعندما عاد لفتاته كانت قد تسمرت مكانها وقد رأته ورأت المرأة التي تعلقت بذراعه، كانت تعلم بنزواته كما كانت تعرف عن عشيقته، لكن لم تظن أن يأتي بها هكذا هنا، أدرك أنها رأته ومن عيونها عرف أنها مصدومة
هل تهتم به وبمن معه؟ لا، لن تفعل، ليس معه على الأقل
ما أن تحرك تجاهها حتى انتبهت لنفسها والتفتت وتحركت مبتعدة وسط الزحام حتى اختفت فجن جنونه وهو يترك يد ميرندا ويتحرك بنفس الاتجاه دون انتباه لنداء ميرندا ولا نظرات راكان ولا حتى لنفسه التي كانت تحذره مما يفعله
جلست سارة حيث وضعها سيف على مائدة بجوار مكان العروسين، لكن لا أحد يجلس، الكل يقف ويرقص ويفرح مع العروسين عدا هي ستظل حبيسة ذلك المقعد ولن تخرج منه، سيف سيظل فقط واقفا بجوارها لكنه كالصنم لا يتحدث
"تبدين صامتة؟"
وافي، الملاك الحارس لها، يظهر دائما بالأوقات المناسبة، حاولت الابتسام له وهي ترد "وماذا أفعل؟"
جلس بالمقعد المواجه لها وقال "التشجيع، هل أعجبك الزفاف؟"
نظرت حولها وأشارت بيدها للمكان وقالت "أنت تمزح؟ المكان رائع"
ظل ينظر بعيونها ثم قال "ولكن..؟"
أبعدت وجهها عنه وهي تشعر أنه الوحيد الذي يخترقها ويفهم ما بداخلها فقالت "لكن لا أريد التواجد هنا وافي، الكل ينظر لي بشفقة، هذه هي ضحية حاتم الحلواني، حبيسة مقعد متحرك"
لم ترى وجهه المتألم من أجلها لكن نبرته خرجت قوية وهو يقول "لماذا أتيت إذن؟"
التفتت له ونظراتها له تعني عدم الفهم لسؤاله أو الصدمة منه فعاد يقول "إذا لم تكوني قادرة على مواجهة ما تتحدثين عنه فما الذي أتى بكِ؟ كان يمكنك الرفض وأنا واثق أن راكان لم يكن سيجبرك"
كلماته صريحة ولديه الحق فيها وربما تاهت إجابتها منها وبحثت عن بديل حتى قالت "تعني أني أردت ذلك؟ أردت أن أكون مثار شفقتهم؟"
ابتسم وقال "أعني أنكِ شجاعة وقوية وأتيتِ لتخبري الجميع، أنني هزمت حاتم والإصابة وحتى هذا المقعد، وأنكِ لستِ بحاجة لتلك الشفقة بعيونهم لأنك قريبا جدا ستلقين بهذا المقعد على أقرب كوم قمامة"
لست ملاك من قليل وافي، أنت تملك كلمات تذيب الهموم وتشفي الجراح
قالت "لقد انجرحت بشدة وافي، ما فعله بي أهانني وحطم قلبي"
تألم مرة أخرى من أجلها ولكنه أرادها أن تتحدث وتنطق بما يسكن قلبها المجروح فقال "كل جرح ولابد أن يشفى سارة، فقط عليكِ مساعدة نفسك وبعدها ستعودين لحياتك وتنتهي الذكرى السيئة بأخرى أفضل بكثير، ما زلتِ صغيرة جدا والحياة ممتدة أمامك"
ابتسمت وقالت "الحياة ممتدة ربما لكن ذكرى أخرى لا، لن أسمح لقلبي بأن يكون عبد لرجل آخر، لن يكون للحب مكان بقلبي بعد اليوم وافي، جرح واحد يكفي"
رحلت ابتسامته وظلت عيونه بعيونها ولكن فارغة بلا أي معاني حتى قال "دعي الأيام هي التي تحكم"
لم ترد وعادت عيونها تتجول على الموجودين دون أن تلاحظ نظراته لها ولم يدري أحد بما داخلها أبدا
ظل سفيان يتحرك بين المدعوين، باحثا عنها دون متابعة ابن عمه وعروسته فهو الآن يبحث عنها، لم يتخيل أن الظروف تساعده هكذا
لمحها تتحرك إلى خارج القاعة الكبيرة فتنفس بقوة وتحرك بصعوبة وسط الزحام حتى وصل للخارج ولم يجدها، لكنه لمح فستانها خارج الفندق فأسرع تجاها وهو لا يصدق أنها سترحل، لا يمكنها أن تفعل
عندما خرج كانت واقفة أمام نافورة كبيرة تقع أمام الفندق وكثيرين يقفون لأخذ صور أمام المشهد الخلاب للنافورة الملونة، شعر بالراحة لأنها لم تغادر وانتظمت أنفاسه قبل أن يتحرك لها وبحث عن الكلمات المناسبة والتي قد تجعلها تلين معه ولكن كل شيء اختفى من ذهنه فقط دقات قلبه تسيطر عليه وتوقف أفكاره
انتظمت أنفاسها بالهواء البارد خارج القاعة المزدحمة ولم تعد ترغب أن تظل تحت أنظاره طوال الوقت، لذا فرت هاربة للخارج ربما يبعد عيونه عنها، الضعف يجتاحها أمامه، ظنت أنها لم تعد تريده وحتى تلك القبلة أقنعت نفسها أنها لحظة ضعف ولن تتكرر ووجودها هنا اليوم لتثبت لنفسها قوتها أمامه لكن..
"مرحبا تمارا"
فزعت من صوته وهي تلتفت لتواجه عيونه التي سقطت عليها بالحال، تراجعت فقال "لم أقصد أن أفزعك"
تحركت لتذهب لكنه سد طريقها وقال "لن تذهبي تمارا، تلك فرصتي ولن أتركها تذهب سدى"
هتفت بغضب "أنت لا تستحق أي فرص"
هز رأسه موافقا وهو يقول "أعلم، أنا أستحق جهنم على الحياة التي كنت أعيشها، أستحق النبذ بأرض فضاء ليس بها سوى شياطين مثلي، لكن منذ انتهى ما بيننا بذلك اليوم وأنا لم أعد أستطيع العودة لما كنت عليه"
قالت بدموع لا تعلم لماذا أتت، هي أرادت القوة والدموع أول مراحل الضعف "لا تقلق هي مسألة وقت وستعود، أنت لا يمكنك أن تعيش إلا كما تعودت"
اقترب فتراجعت فتجمد وقال "تمارا صدقيني أنا لا أريد العودة، تلك المرة أنا لست سفيان الذي عرفه الجميع، أنا تبدلت، غيابك عن حياتي جعلني أرى العالم بشكل آخر"
بالطبع لم ولن تصدقه لذا قالت "على أساس ماذا سفيان؟ أنت بنفسك قلتها، لم تعد منبهر بجمالي ولا فتنتي وفقدت رغبتك بي"
كلماته هو يعرفها جيدا فأبعد وجهه لحظة يستجمع الكلمات ثم عاد لها وقال "أنا عبثت بالكلمات معك تمارا، لا أنكر ذلك لكن وقتها كنت غاضب وأردت الانتقام لأنك.."
قاطعته "لأني ماذا؟ لأني لم أخبرك أني أحبك؟ أنت أيضا لم تحبني فلماذا أنا أعاقب وأنت لا؟ أنت أناني سفيان ولا تختلف كثيرا عن أخيك، كل ما يهمكم أنتم فقط ولا أهمية للمرأة التي تدهس تحت أقدامكم ولكني لن أقبل بذلك"
وتحركت لتذهب مرة أخرى ولكنه وقف أيضا أمامها وقال "ربما كنت كذلك، لكن صدقيني لقد تغيرت تمارا، أنا أريد أن نطوي ما حدث ونبدأ من جديد، صدقيني أنا تعبت من الحياة التي كنت أعيشها ولم أعد أعرف أي نساء"
هتفت بلا اهتمام لمن حولها "كاذب، أنا رأيتك بمكتبك مع سكرتيرتك وما زلت ترتدي دبلتي، أنت خائن ولن تكون أبدا مخلص لي أو لأي امرأة، فقط ابتعد عن طريقي لأني لن أكون لك ولو على حساب قلبي"
ولم تمنحه فرصة أخرى ليوقفها بل أسرعت لداخل الفندق ونظرات البعض تتبعها ربما لجمالها الملفت أو لدموعها التي أغرقت وجهها وهي لم تهتم وهي تبحث عن حمام السيدات حتى دخلته ولم تجد أحد فتحركت لحوض الاغتسال ورأت نفسها بالمرآة
امرأة محطمة، تتألم لرجل لا يستحق أي لحظة ألم، رجل خائن جبان أناني، أي بداية التي يتحدث عنها وهو لا يرى سوى نفسه وشهوته؟
هي من فعلت ذلك بنفسها..
بالبداية ظنت أنه فرصتها لإكمال مشوار النجاح ثم هوت بالحب بلا وعي وعندما طعنها بكرامتها أدركت مصيبتها بحبه، أصبحت سجينة تلك القضبان التي صدأ حديدها ولا أمل لها بالخروج
عادت تبكي بشدة وغطت وجهها بيداها والألم يزداد داخل قلبها ولا تجد أي دواء ليشفيها فالحب مرض مزمن لا شفاء منه يخترق الجسد حتى النخاع والويل كل الويل لمن لا ينال من يحبه
ظل بمكانه وهو مصدوم من كلماتها..
هي بالفعل لم تتحدث عما رأت لكنها اليوم تفعل، خانها وهي ما زالت خطيبته فهل ستصدق الآن أنه ليس كذلك ولا نساء بحياته؟
أغمض عيونه ورفع يده لشعره وتنفس بقوة وقد أدرك أن الأمور تعقدت أكثر وأنه كان غبي بما يكفي ليدمر كل شيء
****
ما أن أسرع رائد ليلحق بالصغيرة التي خطفته بلا وعي منه حتى وجد وافي يناديه فالتفت له ليجده يتحرك له وسط الجميع فارتد لوعيه ووافي يصل ويقول
"أين كنت؟ ولماذا وحدك؟ راك أخبرني أن ميرندا معك"
ظهور وافي أوقفه عن الجنون الذي كان يندفع له، هل فقد عقله عندما كاد يلحق بها ويخبرها أن عشيقته هنا كي يحتمي خلفها؟
"رائد أنا أتحدث معك هل تسمعني؟"
أعاده وافي من الضياع الذي كان يسبح به وقال "نعم، كنت أبحث عن راكان لم أراه منذ دخلنا القاعة"
هدأ قلق وافي وقال "يقف بجوار مائدة سارة، أين ميرندا؟"
لف وجهه وهو يذكر أنه تركها دون اهتمام ولم يراها وهو يقول "لا أعلم، ربما ترقص هنا أو هناك، أنت وحدك؟"
أجاب وافي وهو يحدق بالتجمع حول العروسين وقال "نعم، هل تفضل البقاء؟"
تاهت منه الكلمات، وللحظة تمنى لو لم يظهر وافي أمامه ليوقفه عن عصفورته الصغيرة والتي طارت بعيدا عنه ولا أمل بعودتها
ابتلع ريقه وقال "بالتأكيد من أجل ظافر"
انضم لهم راكان فجأة وقال "هل رأى أحدكم سفيان؟ لا أعلم أين اختفى!"
أجاب وافي "ابحث عن تمارا تجده"
عاد له راكان وقال "هل تظن ذلك؟"
اندهش رائد وخرج من أفكاره وقال "يظن ماذا؟ هل ما زال يفكر بها؟ أليس هو من فك الارتباط!؟"
قال راكان بهدوء "كلاهم، ولكن سفيان ما زال يفكر بها"
قاطعه وافي "ها هو"
تحرك ثلاثتهم له والأنظار تتجول عليهم من الفتيات والنساء المعجبات دون اهتمام منهم
كان سفيان يقف بجوار باب القاعة حيث لا زحام وبدا متجهم الوجه عندما لحقوا به ووافي يقول "أين اختفيت؟"
قال باختصار "بالخارج"
سأله رائد "ماذا بك؟"
نظر لرائد وقال "لا شيء"
هم لا يخفون شيء عن بعضهم البعض لكن غضبه ليس من نصيب أصحابه ومع ذلك قال "أرغب بكأس"
لف راكان وجهه عليهم فقال وافي "لنذهب للبار قليلا، العريس ليس بحاجة لنا"
****
عندما دخلت ليان الحمام تفاجأت بتمارا بالداخل تمسح دموعها فقالت "تمارا!؟ ماذا بك؟"
التفتت تمارا لليان ثم عادت للمرآة لتخفي دموعها بالماكياج وقالت "لا شيء ليان"
وقفت ليان بجوارها وقالت "رأيت سفيان بالخارج هل هو من أغضبك؟"
أجابت بغضب "وما شأنك أنتِ؟"
تراجعت ليان وشعرت بالحرج فقالت بارتباك "آسفة"
وتحركت ولكن تمارا أوقفتها وهي نادمة وقالت "ليان انتظري، أنا آسفة، أنا فقط.."
وعادت للبكاء بدون تحكم بنفسها فعادت لها ليان واحتضنتها وهي تقول "تمارا اهدئي"
ظلت تبكي بين ذراعي ليان التي بدت هادئة، سنواتها الثمانية عشر كانت أقل من عقلها، ومع ذلك لم تهتم تمارا بعمر الفتاة أو لم تكن بحالة تجعلها تهتم
عندما هدأت عادت للمناديل وجففت دموعها وليان تقول "سفيان السبب أليس كذلك؟"
هزت رأسها وهي تدرك أنها بحاجة للحديث، مي حاولت معها مرة ولكنها أغلقت عليها الباب أما ليان فبدت هادئة ولا تلح ومع ذلك دخلت بوقت مناسب
ربتت على ذراعها وقالت "تحبينه تمارا فلا تكابري"
لفت وجهها لها بغضب وقالت "وما أدراكِ ما الحب؟"
ابتسمت ليان وقالت "لا توجد فتاة من العاشرة وربما أقل لا تعرف الحب تمارا"
أدركت أنها على حق وعيونها تحدتها فأبعدت عيونها وقالت "هل الحب واضح علي؟"
نظرت لها بالمرآة وقالت "المرأة التي لا تحب لا تبكي أي رجل، لكن من تحب تتألم من أي تصرف من رجلها"
ظلت تنظر لها وهي تدرك أنها على حق أيضا، الفتاة أكبر من عمرها بكثير، أبعدت عيونها عنها وقالت "ولا يمكن أن أغفر له ما فعله بي، لقد خانني ليان"
تراجعت ليان للحظة ثم قالت "الخيانة لا تُغفر من الحبيب تمارا، فهل كنتم متحابين وقت الخيانة؟"
التفتت لها وقالت "تظنين أن هناك فارق؟ بالنهاية الخيانة واحدة"
هزت ليان رأسها وقالت "بالتأكيد، لكن لو لم يكن الحب بالمنتصف فهي قد لا تعني أي شيء، اسمعيه تمارا طالما تحبيه، ربما هو أدرك أنه أخطأ ويريد استعادتك"
ظلت تحدق بها والأفكار تتكاثر بذهنها حتى قالت "هو من قطع كل شيء، أخبرني أنه لم يعد ينبهر بجمالي ولا رغبة له بي"
عقدت ليان ذراعيها أمام صدرها وقالت "وهذا كان رد على ماذا تمارا؟ لن يخبرك ذلك إلا لو كان هناك شيء دفعه لذلك"
تجولت على وجهها وكأنها لأول مرة تجد من يضعها على مسار مختلف فقالت "أخبرته أن ارتباطنا كان بناء على العقل وليس القلب، سفيان لم يكن رجل حب بأي يوم فما الفارق؟"
ابتسمت ليان وقالت "أراد أن يؤلمك لأنه تألم من كلماتك، وعندما أدرك أنه هو من تألم أراد إصلاح ما تهدم بينكم، كلاكم أسهم بما حدث وكلاكم عليه التوقف عند الخطأ لإصلاحه"
كلماتها كانت غريبة، لم تسمعها من قبل وحتى عقلها لم يلهمها إياه فقالت "والخيانة"
فكت ذراعيها وقالت "دعيه يخبرك السبب ولو كنتِ تريدين استمرار ما بينكم فاقبلي بالسبب حتى ولو لم تكوني مقتنعة، فقط كي تمر الأزمة، أما لو لم ترغبي به فأنتِ تعرفين ما عليك فعله"
تراجعت تمارا وقالت باستنكار "هل تريدين أن أخرج وأخبره.."
قاطعتها "بالطبع لا، انتظري محاولته القادمة أما اليوم فهو مفترق طرق له، لو أرادك سيكمل طريقه وسيسير على الأشواك بلا تذمر ليصل لكِ، أما لو تراجع فابكي وحدك حتى يشفى قلبك"
الصمت لفها وكلمات الفتاة الصغيرة كانت كمخطط محبك لم تكن لتصل له وحدها، عقلها كان متوقف عن العمل وأخيرا تلك الفتاة أعادته
مسحت آخر دمعة وقالت "كم عمرك ليان؟ أنا لا أصدق أنكِ بالثامنة عشر"
ابتسمت بلا معنى لابتسامتها وقالت "ثمانية عشر ليست قليلة، قرأت كثيرا والقراءة غذاء للعقل والروح تمارا"
قالت بامتنان حقيقي "شكرا ليان، لقد اكتسبت صديقة جديدة حقا وسعيدة بها جدا"
ابتسمت ليان مرة أخرى وقد تناست الألم الذي أحضرها هنا، ليست وحدها من يتألم بسبب المرض المزمن
رائد يشبه سفيان كثيرا، فقط رائد يعترف بحقيقته ولا يريد التغيير، لكن سفيان تبدل لأن قلبه دق والآن عليها هي أن تتبدل وتغلق على قلبها وتخفي مشاعرها على قدر الإمكان وإلا لانكشفت للجميع كما انكشفت تمارا
****
تجولت نظرات مليكة هنا وهناك تبحث عن يحيى، لقد وعدها بالحضور مع إيمان ولكنه تأخر فهل تراجع؟
بعد وقت قصير من بداية الحفل رأته يتحرك للداخل مع أخته فابتسمت لرؤيته وقد بدا أنيقا جدا وجذابا أكثر من المعتاد، تحركت لوالدتها وقالت
"ماما يحيى وصل، ماذا أفعل؟"
كانت ياسمين تقف لمقابلة المدعوين والتواجد بجوار ابنها وعلى مقدار حزنها لعدم حضور زوجها الحفل، وقد رحل بعد عقد القران، على مقدار ارتياحها أيضا حتى لا تواجه
نظراتها رحلت ليحيى وأخته وقالت "لا شيء فقط اثبتي بجواري وهو سيأتي"
وبالفعل توقفت نظراته عليها وزادت دقات قلبها وهو يتحرك باتجاههم وفركت يداها بقوة حتى وقف أمامهما وقال وعيونه تأكلها "ألف مبروك زواج ظافر"
ابتسمت ياسمين وقالت "شكرا حبيبي، أهلا إيمان إن شاء الله تكونين التالية"
احتضنتها المرأة وكذلك مليكة ثم التفت هو لها والتقى بعيونها وقال "مبروك مليكة"
وتمنى لو قال نحن القادمون ولكنه لم يفعل وعيونها تمنحه نظرة رائعة وتورد وجنتيها من الخجل زادتها جمالا
قطعت ياسمين نظراتهم وهي تقول "والدك لم يأتي؟"
عاد لها وقال "متعب قليلا، سيكون موجود عندما نأتي للاتفاق على الخطوبة والزواج بعد عودة ظافر"
ابتسمت ياسمين وقالت "إن شاء الله بني، مليكة خذي يحيى وإيمان لمائدتهم"
هزت رأسها محاولة فض ارتباكها وهي تخترق الزحام لكن إيمان هتفت "لا أصدق، هذا ... المطرب الشهير"
كانت تتحرك وقالت "نعم، هدية سفيان لظافر"
أشارت لمائدة فارغة رغم الزحام ولكن إيمان لم تجلس وهتفت "يحيى سأذهب لأستمتع بالمطرب، من فضلك وافق"
هز رأسه فأسرعت ونظراته على مليكة التي كادت تذهب لكنه هتف "إلى أين؟ أتيت من أجلك"
رفعت عيونها له والسعادة تزيد من ضربات قلبها وهي تقول "من أجلي؟"
توقف بجوارها وقال "بالتأكيد فأنا لا أعرف سواكِ وظافر، أنا طلبت مد الاجازة اسبوعين حتى يعود ظافر ونتمم الخطوبة قبل سفري"
ابتسمت وقالت "جيد هذا يعني أنك ستبقى بعد الخطوبة بضعة أيام"
قال وما زالت عيونه لا تتركها "تصدقيني لو أخبرتك أني لا أريد الاكتفاء بالخطوبة بل أريد أن نتزوج لتكوني معي؟"
تورد وجهها مرة أخرى وقالت "أصدقك لكن لابد من أن تعود، أنت أخبرتني بضرورة تجهيز بيت والإجراءات الخاصة بي"
وافقها وقال "للأسف نعم، ولكن لن أطيل الوقت لأني أرغب بكِ بحياتي اليوم قبل غدا"
قالت "يحيى أرجوك لا تفعل بي ذلك"
ضاقت عيونه وهو يردد "أفعل ماذا؟"
قالت بخوف "تجذبني لك بقوة ثم تلقيني بعيدا فجأة، لن أتحمل صدمة مثلها، لقد كدت أموت بما فعله بابا مع ماما فلا،،"
قاطعها بحزم "لن يكون مليكة، أنا انتظرت كثيرا قبل اتخاذ قرار الزواج، أردت اختيار امرأة تسكن قلبي وعقلي حتى رأيتك، ولست مستعد للتخلي عنكِ بأي يوم، ثقي بي مليكة، ثقي بي وبحبي لك"
ابتسمت عندما أدركت الصدق بعيونه فهزت رأسها وقالت "أنا أثق بك يحيى وأتمنى ألا أندم"
ابتسم وقال "لن تفعلي، أعدك ألا تفعلي"
****
جلس الأربعة على مائدة صغيرة بالبار ونزلت الأكواب وزجاجة شراب فاخرة بالطبع، صاحب المكان هو الضيف، والجميع يلف من حوله بانتظار إيماءة من رأسه
تحدث وافي "هل تحدثت معها؟ تمارا"
رفع سفيان الكوب لفمه وتناول رشفة ولم ينظر لوافي وهو يقول "نعم" ثم نظر له وقال "لقد رأتني مع السكرتيرة بمكتبي قبل أن ننفصل"
لم ينظر راكان له فقد كان يعلم ولكنه لم يخبره تركها تفعل وعندما لم تخبره التزم الصمت وسيظل صامتا لكن وافي أطلق صافرة ثم قال "سقط بالمحظور يا رجل"
تناول رائد المشروب وقال "أليس لديك مبرر؟ النساء تقبل الأعذار إذا أحبت"
نظر له سفيان وقال "إذا أحبت رائد، وأنا رجل لا يُحب"
ضحك رائد بمرارة دون النظر لأحد وقال "كلانا لا يُحب يا عزيزي، الإخلاص ليس من خصالنا، لذا الزواج ليس طريق جيد لنسير له"
هتف سفيان بصوت مختنق "كنت غاضب منها رائد وليس لأني لست مخلص، لكن بمجرد أن تصارعنا وأنهت هي ارتباطنا حتى وجدتني لا أريد سواها، أصبحت اشمئز من أي امرأة أخرى ولا أرى سواها، اللعنة أنا أحبها"
رفع رائد كأسه كنخب وقال "سفيان الحلواني يحب؟ نخب تحقق المستحيل"
هتف سفيان "لا تسخر مني رائد فليس ذنبي أن قلبك لا يعرف الحب وأنك.."
أوقفه راكان "سفيان" نظر سفيان له بقوة وقال "ستنصحني تلك المرة راكان؟"
هز راكان رأسه وقال "نعم، طالما الأمر سيمسنا مرة أخرى فلن أقف صامتا، يمكنك صب غضبك علينا لكن بلا تجريح"
ظل سفيان ينظر لراكان حتى قال وافي "راك على حق سفيان، نعلم إنك بحاجة لإعادة التفكير كيف تصلح ما تهدم بينكم وهذا لن يحدث إذا خسرتنا"
نظر له سفيان وقال "الواعظ الحكيم"
التفت له رائد وقال "اهدأ سفيان، لماذا لم تخبرها أنك تحبها؟ الحب دائما هو الطريق الوحيد الذي يحقق النصر بلا أسلحة مع المرأة"
عاد له سفيان وصدق وافي "هذا صحيح، ولا تخبرنا ماذا نعرف عن الحب فنحن لسنا أطفال سفيان، الحياة تمنحنا الكثير أثناء مرورنا بها وعلمتنا الكثير خاصة عن المرأة، فهي تمنح قلبها بلا تفكير للرجل الذي يصدق معها بالحب ومشكلتك أنك فقدت ثقتها وعليك استعادتها"
للحظة ظل صامتا ثم التفت لراكان وقال "أليس لديك نصيحة؟"
تراجع راكان بالمقعد وقال "بالنسبة لي الهجوم خير وسيلة للدفاع وهجومك هو اعترافك بحبك لها مما سيجعلها تتراجع، وأسلحتك بالهجوم هي التعهد بالإخلاص وحذف تاريخك الرائع وكتابة تاريخ جديد معها"
هتف وافي "العمدة لا ينفصل عن معاركه حتى في الحب"
ضحك رائد وقال "الحياة كلها معركة كبيرة وافي ولا تنتهي إلا بالموت"
تجولت عيون سفيان عليهم ثم تناول مشروبه وقال "كلكم أصبحتم حكماء بوقت واحد"
ضحك الرجال وقال وافي "فقط كف عن غضبك وستجد كلماتنا تتفق مع أفكارك، لا أحد سيخبرك الصواب مثلنا لأننا جميعا نريد مصلحة بعضنا البعض سفيان"
كان يعلم أنه على حق فأخفض نظراته وقال "لا تغضبوا، أنا لا أكون مسؤول عن كلماتي وقت الغضب، لكن لا يمكنني خسارة أي واحد منكم فأنتم كل ما أملك"
ابتسموا جميعا وصب رائد المشروب عندما دخل ظافر وهتف "أيها الجبناء، تشربون نخب بدوني؟"
هتفوا له وجلب كأسا وصب له رائد ورفعوا الكؤوس وهتفوا "نخب العريس"
لكن ظافر هتف "نخب الأصدقاء للأبد"
وبالفعل تعالى صدى الكؤوس بالمكان وأصواتهم تهتف بالنخب وضحكاتهم تتعالى وهم يحتفلون وحدهم بأول رجل يتزوج منهم والتجربة تخترقهم على أمل أن تنجح