رواية راكان زيدان واصحابه الفصل السابع عشر17 بقلم داليا السيد محمد

رواية راكان زيدان واصحابه بقلم داليا السيد محمد 
رواية راكان زيدان واصحابه الفصل السابع عشر17 بقلم داليا السيد محمد

عيون ذهبية
لفت مي يدها بذراع ظافر والطائرة تقلع بهم، جولة بدول أوروبا كانت هدية الزواج من رائد لهما وها هما يجلسان سويا معا بالطائرة.. 
بالكاد استبدلت فستان الزفاف بنفس الغرفة بالفندق وودعت مليكة وتمارا وليان ووالدها بدموع وقام الرجال بتوصيلهم للمطار
جذب يدها لفمه وقبلها وهو يقول "سعيدة؟"
لمعت عيونها له وهتفت "جدا ظافر، كانت ليلة رائعة، شكرا حبيبي"
ابتسم وقال "ستكون كل ليالينا كذلك حبيبتي، مي أنا عشت حياتي كلها أبحث عن شيء لم أعرفه إلا يوم رأيتك، ووقتها عرفت أنه كان نصفي الآخر الذي اكتمل بوجودك معي"
سعادتها سكنت نظراتها وقالت "هذا كثير ظافر، كثير جدا وأخشى ألا يتحمله قلبي"
رفع أصابعه لوجنتها وقال بحنان "سلامة قلبك يا روح قلبي، أريدك سعيدة للأبد ولو تألمتِ مرة بسببي فسأتمنى الموت على أن تتألمي"
أمسكت يده وقبلت راحته وقالت "وكيف أعيش بدونك ظافر؟ أنت حياتي وأنفاسي التي تمنحني الحياة، أنت الروح التي تسكن وجداني، أنت الحياة ظافر"
ابتسم ولم يكن يريد أكثر من تلك السعادة التي عرفها منذ وافقت على أن تدخل حياته ولا يتمنى سواها
اليونان كانت أول محطة لهم
الفندق كان فاخر جدا والمرشد منحهم برنامج الرحلة، تركوه وتحركوا لغرفتهم وما أن دخلوا حتى أغلق الباب وتوقفت بمنتصف الغرفة الواسعة وتحرك هو لها وتورد وجهها من نظراته
 قبلة أو اثنان هو كل ما حصل عليه بفترة الخطوبة لذا شوقه لها فاق كل الحدود والآن وهما معا ولا حاجز يوقفهم رفع يده لوجهها وقال بحنان 
"أخيرا وحدنا"
فرت من أمامه وقلبها يرتجف من تلك اللحظات، تعلم أنها تريده وتشتاق لتلك المشاعر عندما تكون بين ذراعيه ولكن الخجل يوقفها..
ابتسم وهي تتحرك للغرفة الوحيدة بالجناح فتحرك خلفها وأغلق الباب وهي تقف وتمنحه ظهرها فخلع جاكته وأبعد ربطة عنقه ووقف خلفها وهمس 
"أحبك"
ولمسها بيداها فارتجف جسدها وهو يديرها له دون أن ترفع وجهها له فرفعه بأصابعه ليلتقي بعيونها الحالمة وانحنى وقبل تلك الشفاه التي انفرجت له وهي تغمض عيونها وتستمتع بتلك اللحظة، هي وزوجها ولا شريك ولا خوف ولا شيء يمكن أن يوقفهم
زادت قبلته قوة ويده تخترق شعرها ليفك دبابيسه وينسدل على أكتافها وأفلت شفتيها ليهمس "كم تمنيت تلك الليلة مي"
لم ترد وهو يفك أزار بلوزتها الحريرية ويبعدها عنها وشفتاه تتحرك على وجنتها ثم عنقها وهي رحلت من الواقع له هو فقط وارتفعت يداها لأكتافه العريضة تستكشف جسده الرائع 
لكنه حملها فشهقت من المفاجأة ليضعها بالفراش ويتخلص من ملابسه فأخفت وجهها من مظهره فابتسم وقال "الخجل يمتعني كما هو أنت حبيبتي، لكنها ليلتنا ولن يوقفني شيء عنك"
وعاد لها فأحاطته بذراعيها وهمست "وأنا لك ظافر"
وعندما أصبحت له كانت سعادتهم قد وصلت لعنان السماء وسكنت بين ذراعيه نائمة براحة وهو يسند رأسه على شعرها والراحة والاكتفاء بها يمنحه السكينة والسعادة
****
تحرك راكان لغرفة العلاج الطبيعي الخاص بسارة وبالداخل وجدها قد انتهت من التمارين والأخصائية والممرضة يطالبونها بالجلوس لكنها رفضت
ظل واقفا مستندا بكتفه على الباب وعقد ذراعيه أمام صدره وهو يرى الإصرار عليها وهي تتحرك بالعصيان الطبية مسافة أكثر من المقررة لها والعرق يتصبب على وجهها كله بلا اهتمام منها 
رفعت رأسها لتراه فأبعدت وجهها وقالت "تبدوا مستمتعا بالمشاهدة؟"
لم يتحرك وقال "بالإصرار الواضح بعيونك؟ نعم، لكن بالإضرار بنفسك فلا"
التفتت والممرضة تلحق بها بالمقعد فجلست عليه بصعوبة وعروقها مشدودة بقوة والأخصائية تقول "التحسن مستمر يا آنسة وبأيام قليلة لن نحتاج ذلك المقعد"
وتحركت فابتعد راكان عن الباب ليفسح لها فقالت "اتركينا منى"
خرجت الفتاة بعد أن منحتها المنشفة بينما تحرك هو لها وقال "هذا يعني أنك ستمرحين هنا وهناك كالسابق"
رفعت نظراتها له وقالت "وأعود المزرعة، لن أبقى راكان"
جذب زجاجة ماء وفتحها وتناول بعض منها ثم قال "تعلمين أني لا أفرض شيء عليك"
جففت العرق وقالت "كاذب، أنت تعرف جيدا كيف تتلاعب بعقلي وتجعلني أوافق على ما تريد بإرادتي، العمدة لا يخسر معركة حتى مع أخته"
انحنى عليها وعيونه تقف على عيونها وقال "أختي خارج المعارك، أنتِ لا تخضعين لأي قواعد سارة لم لا تصدقين ذلك؟"
لم تفر من نظراته وهي تقول "إذن أعدني إيطاليا"
الصمت حل بينهم لحظة ثم قال "كما تشائين ولكن ماذا عن التمثيل؟"
عيونها امتلأت بالحيرة وأسئلة كثيرة لاحت بها فابتعد عنها وقال "المخرج مستعد لعودتك بفيلم جديد عندما تكونين جاهزة، هو مؤمن بقدراتك ونجاحك"
تحركت بالمقعد للمياه وجذبت واحدة وتناولتها ثم قالت "وأنت تصدقه؟ هو فقط يخاف منك"
التفت لها وقال "لم أكن أعرفه وقت عرض عليك العمل سارة، أنا لا أفرضك على أحد، ثم نجاحك من عدمه لن يكون بيدي بل الجمهور هو من سيكون الحكم"
كانت تواجه نظراته الهادئة، لديه قدرة غريبة على الإقناع وبكل مرة تسقط منهزمة أمامه، عندما لم ترد قال "ألا تعجبك الحياة هنا؟ لا شيء يجذبك؟"
أبعدت وجهها وقالت "ليان ووافي هما الأفضل بكل ما يحيطني"
هز رأسه وهو يعلم ذلك فقال "جيد"
تحرك فقالت "وأنت لا تجذبني نهائيا فلا وقت لديك لي، لديك الأهم دائما"
ظل ينظر لها وأراد الاعتراض بل هي أرادت منه أن يعترض ويخبرها أنها أولى اعتباراته ولكنه قال "أنتِ على حق، لدي الأهم دائما ولكنك للأسف لا تدركين ما هو الأهم"
وتحرك للخارج والممرضة انتظرته لتدخل بعد خروجه، بينما ظلت هي تنظر بمكانه وهي نادمة على كلماتها 
هو منحها كل شيء، ربما منحها القليل من الوقت ولكن ماذا سيفعل وجوده لها؟ 
هو وفر لها العلاج وتكاليفه بذلك المشفى العالمي، جهز لها المزرعة لتتناسب مع حالتها ووفر كل ما يلزمها وفعل المثل هنا فما الذي بخل به عليها كي لا تعتبر الأهم بالنسبة له؟
****
تحرك لمكتبه وسيف يتبعه وهو يقول بنبرة يفهمها راكان "هناك أخبار"
دخل المكتب وتحرك لمقعده وجلس ناظرا لسيف وقال "تحدث لن أغضب"
لم يتراجع سيف وهو يقول "حاتم عاد مصر"
تحركت عضلة بوجهه وهو يحاول وقف تصاعد الغضب داخله فتنفس بانتظام وتحكم بقبضته كي لا يدفعها بأي شيء ثم قال "أين؟"
ابتلع سيف ريقه وقال "نفس الفيلا ونفس المرأة، هل ترغب.."
قاطعه وهو لا ينظر له "لا، سفيان بيننا سيف"
هز سيف رأسه وقال "ليته يدرك نبلك يا عمدة واحترامك لصداقتكم"
فتح جهازه وقال "هو يعلم سيف، كلنا نعلم مكانتا لدى بعضنا البعض، هل انتهيت من المقاول؟"
تحرك سيف تجاهه وقال "كلهم التزموا بأوامرك يا عمدة خاصة بعد انسحاب الباشا من الساحة"
هز رأسه ولم يرد فقال سيف "الحكم بقضية ياسر غدا"
لم ينظر له وهو يقول "أحب أن أعرفه"
هز سيف رأسه وبدا أن رئيسه يرغب بالصمت فلم يكثر وهو يقف منتظرا أوامره
****
ضوضاء خارج مكتبها جعلتها تترك قلمها وتتوقف عن الرسم وتنهض للباب الذي انفتح قبل أن تصل له لترى سفيان يسده والسكرتيرة تهتف "يا فندم من فضلك"
التقت بعيونه التي امتلأت إصرار وتحذير وتخدر جسدها من المفاجأة، الأيام مرت سريعة بعد الزفاف وظنت أنه تراجع واختار البعاد ولكن ها هو هنا فهل سيعيد ما كان؟
نظرت للفتاة وقالت "حسنا اذهبي أنت"
تراجعت الفتاة ودخل هو وأغلق الباب وتحرك تجاهها وهي ثابتة لم تتحرك حتى وقف وقال "أعترف أني أخطأت وتهورت وخنت وفعلت كل شيء خطأ، لكن أعترف أيضا أني لم أستطع أن أكمل الحياة دون وجودك بها"
شحب وجهها من هجومه الغريب وكلماته الأغرب وهي لم تتوقعها ولم تجد كلمات لتجيب بها وهو أدرك ذلك فأكمل "كلانا أخطأ تمارا، دخلنا باب خطأ ووجدنا الألم خلفه فتخبط كلا منا بلا هدى حتى سقطنا بالألم، ربما لم يكن الحب طريقنا وقت ارتبطنا ولكنك قلتِ أنه قد يظهر بيننا بيوم ما فلم لا نمنح أنفسنا فرصة أخرى ولكن بطريقة صحيحة؟"
لم تثور وكلمات ليان توقفها فقط قالت "أنت لست ذلك الرجل"
قال بهدوء مماثل لها "وأنتِ كنت تحبين راكان تمارا وباللحظة التالية وافقتِ على الارتباط بي"
أخفضت وجهها وهو على حق، رفع وجهها بإصبعه لتعود لعيونه فقال "أنا ما زلت أريدك تمارا، زوجة وشريكة لما تبقى لي من العمر"
ظلت تتجول داخل عيونه الفاتنة حتى قالت "أنت خنتني سفيان"
رفع أصابعه لوجنتها ولمس نعومة بشرتها وقال "كانت محاولة فاشلة صدقيني ولم تكمل، كنت أظن أني سأعود واستمتع مع أي امرأة لكن بعد لحظات أبعدتها وأصبحت أشمئز من كل امرأة ليست أنتِ، صدقيني تمارا أنا كنت مخلص لكِ وسأكون كذلك، فقط أخبريني أنكِ تريديني كما أريدك وأن لديك استعداد للزواج من رجل مثلي لم تتحمله امرأة من قبل"
سقطت دمعة من عيونها على أصابعه فرفع يده الأخرى وأحاط وجهها براحتيه وقال بحنان شعر أنه ليس نابع منه فهو غريب عنه "كفانا دموع وحزن وألم تمارا ودعينا نبحث عن السعادة معا، سنعيد خواتم الخطوبة ونحدد موعد للزواج وأعدك ألا أخون العهد ما حييت"
قالت ووجهها بين يداه ولمسته الدافئة تمنحها شعور رائع بالراحة والأمان "لن نتعجل الزواج سفيان حتى تتأكد من رغبتك بالزواج مني ولو شعرت بأنك لم تعد ترغب بي فقط.."
لم ينتظر كلماتها وهو ينحني وينال قبلتها التي جربها مرة وظل يحلم بها كل ليلة، فهي سلبته عقله وأثارت به رغبته بها كامرأة سيطرت عليه بشكل يكاد يفقده عقله
ارتجفت من التملك الذي شعرت به بقبلته وكأنه يبثها رسالته "أنتِ لي ولن تكوني لسواي" 
وهي استسلمت له وبادلته القبلة وهو يترك شفاها ويهمس 
"عانقيني تمارا وثقي بي"
وبالفعل رفعت ذراعيها لعنقه وأحاطته بهما وعاد لشفتيها وارتفعت على أطراف أصابعها بحذائها العالي لتكون معه بقبلتهم التي تشهد على الاتفاق الجديد..
اتفاق أساسه الحب الخفي، الحب الساكن بقلب كلا منهما ولكن مدفون تحت مخاوفهم مما يخفي لهم القدر ولا يمكن التنبؤ متى سيعلن ذلك الحب عن نفسه
عندما أبعدها كانت الأنفاس مقطوعه والعيون مغمضة والمشاعر تطفو وترفرف هنا وهناك، فتحت عيونها لتلتقي بعيونه وهو يقول "قبلتك تعيدني لأيام كنت فيها كالورقة البيضاء"
ابتسمت فأفلتها وجذب علبة من جيبه فتحها فرأت خاتمها الماسي ودبل الزواج فابتسمت وهي تنظر له فقال "لم أنزعهم من جيبي منذ ذلك اليوم على أمل أن تسامحيني"
قالت "تعرف كيف تسيطر علي بكلماتك سفيان"
أخرج الخاتم ووضعه بإصبعها وقال "أعتقد أنها مرتي الأولى"
وضع الدبلة ثم منحها خاصته فوضعتها بإصبعه فرفع يدها لفمه وقبلها وهي تقول "فقط لا تجعلها كلمات تذوب بمجرد النطق بها"
لم يترك يدها وقال وعيونه تأسر عيونها "لن تكون، لكن عليّ بتحذيرك بأننا لابد وأن نتزوج سريعا لأني لن أتحمل وجودك معي دون أن آخذك بين أحضاني، أنا ضعيف جدا أمام الفاتنات أمثالك"
ضحكت كما فعل ثم ضمها له وهي أحاطته بذراعيها وهي سعيدة أنها استعادته مرة أخرى ولكن تلك المرة مختلفة، تلك المرة هي تريده هو وليس رجل آخر ولا أمواله ولا مكانته كما تعلم أو كما أخبرها قلبها هو أيضا يريدها هي تمارا وليس فقط جسدها وجمالها
****
رن هاتف راكان وهو بمكتبه بمقر الشركة فلم يترك جهازه وهو يرى اسم ظافر فابتسم وأجاب "أهلا يا عريس، أخيرا فتحت هاتفك"
ضحك ظافر وهو يقف بالشرفة بالفندق الفاخر بإسبانيا وقال "أنت تعلم التعليمات، لا هاتف ونحن بإجازة الزواج"
ضحك راكان وهو يتراجع بالمقعد وقال "تعليمات من أولها ظافر؟"
ضحك ظافر وقال "نعم ومن الأفضل لي أن أطيع كي لا أكون سبب بالنكد"
ظل راكان يضحك ثم قال "ومن يرغب بالنكد؟ هل أنت سعيد يا صديقي؟"
تجول ظافر بالمشهد الرائع لبرج إيفل وقال "جدا راكان، مي رائعة حقا، أشعر أني وجدت نصفي الآخر، لم يعد للوحدة مكان راكان، هناك من يسمعني ويشاركني بكل شيء، من يمنحني السكينة وقت الغضب ويشاركني السعادة، فقط الحب راكان، الحب هو الأساس وإلا فلا داعي لأي علاقة، الحب ومن بعده لا مكان للوحدة"
رحلت نظراته لفراغ كبير حوله، الوحدة، هو بالأساس يعيش مع تلك الوحدة فهي رفيقه منذ الصغر ولا يمكنه الاستغناء عنها بأي يوم، هي عماد نجاحه وأساس قوته
سارة لم تزيح تلك الوحدة جانبا بل تصر على حياتها واكتفاءها الذاتي ولم تمنحه إلا مسؤولية هو يريدها، لكن ليس ما يتحدث عنه ظافر فالحب هو آخر ما يمكن أن يطرق بابه فهو لا يريده ولو أراده لن توجد امرأة يمكنها أن تحب رجل مثله عندما يقف شيء أو شخص بطريقه يدمره بلا رحمة..
عاد لظافر وقال "أنا سعيد أنك سعيد ظافر، كلاكم الأفضل للآخر"
أجاب ظافر "نعم معك حق، أتمنى لك مثل تلك السعادة يا صديقي"
ابتسم وقال بلا أي معنى بنبرة صوته "تعلم أين هي سعادتي ظافر فلا تقلق بشأني، اهتم فقط بنفسك وزوجتك واستمتع بإجازتك"
وأغلق كلاهم وهو لم يكثر من التفكير بل عاد لجهازه وذهنه مشغول بسبب سعادته؛ النجاح بالعمل وإدارة ما تركه زيدان له من تركة
دق الباب ودخل سيف وهو يقول "أساتذة الخبرة الذين تم اختيارهم سيكونون هنا بعد نصف ساعة"
هز رأسه وقال "نعم أعلم، لكن لو انشغلت فليفعل وافي لدية نظرة جيدة"
وقف سيف أمام مكتبه وقال "سيد وافي ليس هنا، لديه مرور"
تذكر وقال "حسنا لا مفر مني"
صمت الاثنان حتى عاد سيف وقال "أنت لا تهتم بالمنتجع الخاص بسيناء هل تراجعت عنه؟"
رفع عيونه لسيف وقال "لماذا تسأل عنه سيف؟"
عاد بعيونه للشاشة وسيف يقول "سمعت بالمشاكل التي تحدث هناك وخمنت أنك تراجعت بسببها"
أنهى العمل على الجهاز وارتد بالمقعد وقال "لا، ليس المشاكل ولكن لأن المشروع يحتاج لسيولة كبيرة ونحن حاليا نضع الكثير منها بالمشروع الجديد ولا أريد أن تتشابك الخيوط فيضيع وقت ونقود بلا داعي"
هز سيف رأسه وقال "نعم، المبني الرئيس الجديد أوشك على الانتهاء وهو سيعمل بموظفيه، هل حددت موعد الافتتاح؟"
قال بعد تفكير "كنت أفكر برأس السنة لقد اقتربت، فقط عندما يجتمع مجلس الإدارة سأجعل الأمر مفتوح للمشاركة، أحتاج لرؤية مدير الماليات قبل لقاء الأساتذة"
قبل أن يرد سيف رن هاتفه كما رن هاتف راكان باسم سارة فانعقد حاجبيه باهتمام وقال "سارة!؟"
أجاب فبدا صوتها سعيدا وهي تقول "لن تصدق أين أنا؟"
****
تحسنت سارة كثيرا بعد زفاف ظافر ومي وكأنها كانت تتحدى المستحيل واستغنت كثيرا عن المقعد المتحرك بالفيلا لكنها لم تجرؤ على الخروج، لكن بذلك الصباح هاتفت المخرج الذي كان سعيدا لسماع صوتها وعندما أخبرته أنها أصبحت أفضل أخبرها عن دور جديد بفيلم ينتظرها وسأل إن أمكنه رؤيتها فقالت 
"بالطبع أستاذ إبراهيم، الطبيب قال أني لن أحتاج العصا الطبية بعد اسبوعين"
هتف "رائع بعدها نبدأ التصوير، لم لا تأتي لقضاء بعض الوقت معنا هنا، نحن سنكون ب.. للتصوير"
كانت سعيدة لدعوته ولم تتردد بالموافقة وبالطبع قررت الذهاب وحدها دون حتى إخبار راكان وحاول الأمن إيقافها لكنها لم تتوقف وهي تأمر السائق أن يأخذها للمكان الذي أخبرها به المخرج وانطلق السائق وهي تهاتف راكان 
"لن تصدق أين أنا؟"
بذات الوقت كان سيف يتلقى مكالمة من رجال الحراسة بخروجها فأمرهم بالذهاب خلفها بينما اعتدل راكان وهو ينظر لسيف وقال "ألستِ بالبيت؟"
قالت وهي سعيدة لأنها خرجت خارج أسوار القصر وقالت "بالسيارة راك، بطريقي للقاء المخرج وبعض الممثلين، لقد دعاني لرؤيتهم وسيعرض عليّ الفيلم الجديد"
نهض واقفا بينما تحرك سيف تجاهه وقال هو بغضب مكتوم "وحدك سارة!؟"
أشار له سيف بسيارة أمن تتبعها وهي تقول "لا أعلم، لكن أكيد رجالك تتبعني، لقد حاولوا منعني ولكني أصررت لا تلقي بغضبك عليهم فلا ذنب لهم، لا أعلم متى سأعود"
وأغلقت، أبعد الهاتف وهو لا يصدق ما فعلته وسيف يقول "الحراسة تتبعها"
نظر له وقال بنبرة معروفة "خرجت من الفيلا سيف دون إذن الطبيب"
ارتبك سيف وقال "تعلم أنهم لن يستطيعوا إيقافها يا عمدة"
تحرك ووقف أمام سيف وعيونه تنبض بالغضب "وماذا يفعلون إذن سيف؟ لا أريد أحد منهم بعد اليوم، استبدل الطاقم كله هل تفهم؟"
وتحرك خارجا دون انتظار سيف وما زال الغضب يعلو داخله مما فعلته وتهورها الذي لا حدود له..
نهضت السكرتيرة لرؤيته ولكنه تحرك للمصعد حتى نزل به واندفع ورجل الأمن ينهض والموظفين يتوقفون لرؤيته 
كان يندفع خارجا من مبنى الشركة وما أن خرج من الباب الزجاجي حتى اصطدم بجسد خفيف طار من دفعته للخلف، وبالطبع كعادته بسرعة الاستجابة تحرك والتقط الجسد الصغير بذراعه ليمنعه من السقوط وطارت معه يدان بالهواء لتحاول الاتزان دون فائدة
جذب الجسد إليه ليرتفع الجزء الأعلى له ويلتقي بعيون ذهبية نقية كالذهب الخالص اكتست بالفزع، تزينها رموش بنية طويلة ترفرف فوق الذهب بعيونها وتطاير الشعر البني بعد أن انفلت دبوسه البسيط الذي كان يربطه لتلتف خصلاته حول وجهها الأبيض المستدير
للحظة ظل كلاهم ينظر للآخر بنظرات غير مفهومة.. 
عيونه العسلية كانت فاتنة ولكنها حادة، قوية وغامضة، وجهه البرونزي النحيف بدا قويا من ملامحه الجامدة، فمه مزموم بشكل غريب لم تفهم سببه، عطره رحل لها فجعلها تدرك أن صاحب العيون العسلية ليس أي رجل، فعطور الرجال هوايتها منذ كانت طفلة، وهذا عطر فرنسي فاخر ليس متوفر بمصر إلا نادرا
وأخيرا سقطت يداها الرفيعة على ذراعيه لتمسك بأكمام الجاكيت الخاص به كي تستعيد توازنها ولم يفلتها.. 
ظلت ذراعه ملتفه حول خصرها النحيل وهي تنظر لعيونه ولا أحد يلاحظهم ولا هم يشعرون بالمارة من حولهم، حتى سرى دفئ غريب بجسدها لتدرك قربها منه بشكل لم تعرفه من قبل فدفعته لبعيد ليستعيد نفسه ويفلتها على الفور وهي تقول 
"ألا تنظر أمامك؟"
صوتها كان مميز، وجذبت جاكيتها الأسود فانتقلت نظراته لجسدها المتماثل وكأن لا خطأ به وبدلتها الرسمية تجسد مفاتنها باحتشام غريب لا يُظهر منها أي شيء
عدل جاكته هو الآخر وعاد بعيونه لوجهها الجميل والتقى بعيونها الغاضبة وقال "فعلت ولكن كنت متعجل بالخروج فلم أراكِ، هل أصابك شيء؟"
هدوئه جعلها تشعر بالغضب وهي تقول "هل كنت ترغب بأن يحدث لي شيء؟"
هجومها عليه لم يفهم سببه وهو يقول "ولماذا أفعل؟ أنا لا أعرفك، كنت تمرين بطريقي وأنا خارج أم لم تلاحظي الباب؟"
هتفت "لم أكن أمر بطريقك، كنت أريد الدخول وأنت تعطلني الآن عن موعدي ولا أحب أن يأخذ المسؤول لديكم فكرة سيئة عني وأنت سببها"
أعجبه الحوار وطريقتها بإدارته فقال "يمكنني الاعتذار للمسؤول لدينا، فقط أخبريني من هو ربما نعمل سويا؟"
توقفت قليلا تفكر ثم نظرت لساعتها، ما زال أمامها وقت فعادت له وقالت "لا أظنك تعرف السيد راكان، العمدة، لدي موعد معه بعد ربع ساعة، اسمح لي"
أوقفها وهو يسد طريقها بجسده الشاهق وقال "وهل تعرفين، سيد راكان هذا؟"
عادت تنظر له ولا تعرف لماذا أنارت عيونه فجأة ببريق لا تفهمه، لماذا هو غامض هكذا وعيونه لا تنطق بشيء؟ 
هزت رأسها وقالت "وما شأنك أنت؟ فقط ابتعد عن طريقي"
وتخطته للباب ودفعته لتدخل والتفت ليتابعها وهي تتحرك للداخل دون انتظار رده، حتى اختفت من نطاق رؤيته ولا يعلم لماذا حازت على انتباهه لدرجة أنه وقف يسايرها الحديث؟ بل ويريد أن يعرف عنها المزيد
لكن تذكر سبب نزوله فتحرك لسيارته والسائق ينتظره ولكنه تحرك لمقعد السائق وقاد السيارة إلى حيث أخبرته
ما أن دخل الموقع الخاص بالتصوير حتى رأى التجمع الكبير على شكل دائرة وجالت عيونه هنا وهناك ثم عاد للدائرة وتحرك لها واقترب ليسمع كلمات الجميع "مرحبا بعودتك" "من الجميل شفائك سريعا" "ننتظر عودتك حقا"
توقف ومن طوله الظاهر رأى رأس أخته وسط الازدحام وابتسامتها تعلو وجهها فلم يتقدم خطوة أخرى وظل ثابتا، حتى انفرج الحشد ووجد نفسه أمامها وهي تضحك بسعادة حتى رأته 
جمدت ابتسامتها وهي تردد بلا صوت اسمه، نظارته الشمسية أخفت نظراته التي تخفي غضبه منها وبذات الوقت لا يمنع سعادته من أنها سعيدة
لم يتحرك لكن هي فعلت على عكازها حتى وقفت أمامه وقالت "ماذا تفعل هنا؟"
لم يلتفت لأحد وهو يقول "بل ماذا تفعلين أنتِ هنا سارة؟ ألا تدركين ماذا تفعلين بنفسك؟"
ذهبت ابتسامتها وهي تواجه كلماته وقالت "نعم راكان، أدرك ما أفعل جيدا، أنا مصابة بظهري وساقي وليس بعقلي"
اقترب منها وانحنى عليها وهو يقول "وتلك الإصابة تعني ألا خروج من البيت إلا عندما تنهين علاجك"
رفعت رأسها تتحداه قائلة "أنا طبيب نفسي راكان، وأنا بخير وها أنت ترى أستطيع التعامل جيدا، أنا لست طفلتك المدللة"
بدأت نبرتها ترتفع لتلفت الانتباه ولكنه لا يهتم، فقط ظل يواجها حتى قال "لا، أنتِ لستِ كذلك، لكنك طفلتي التي لا تعي ماذا تفعل بنفسها وأنا فقط من يعرف مصلحتها جيدا"
ولم تعرف كيف انحنى وحملها فجأة، ولكنها صرخت به ليوقفها دون أن يهتم بها وهو يعود لسيارته وهي تدفعه بقبضتيها، لكنه وصل للسيارة بلا اهتمام ليدها التي تضربه وأنزلها ليفتح الباب ثم دفعها وهي تصرخ 
"راكان اتركني، راكان توقف أنا لا أريد الذهاب، ليس من حقك فعل ذلك بي"
لم يكن يسمعها وهو يغلق بابها بقوة عبرت عن غضبه مما جعلها ترتجف وهو يصعد بجوارها ويقود السيارة بقوة ومن بالداخل ما زالوا يلاحظون ما حدث وهتفت هي بدموع 
"لماذا تفعل بي ذلك؟ أنت من طالبني بمواجهة الجميع والآن تجرني كالبقرة من بينهم"
قال ببرود "عندما تتصرفين كالبقر بلا عقل فسأفعل بكِ المثل"
دموعها كانت تنهمر وهي تصرخ به "أنا لست بقرة، أنا بشر لي مشاعر وأحاسيس فقط أنت من لا تدرك ذلك لأن ليس عندك مثلها، أنت لا تمت للبشر بأي صفة أنا أكرهك، أكرهك"
ودفنت وجهها بين يداها واستمرت بالبكاء والصمت سقط عليهم حتى دخل الفيلا ونزل وتحرك لها وعاد وحملها ورجال الحراسة تفسح له وهو يدخل وهي ما زالت تبكي حتى صعد بها لغرفتها ووضعها بفراشها فهتفت 
"اخرج لا أريد رؤيتك، أنت وحش، وحش لا أريد رؤيتك"
عدل جاكته وقال بنبرة حازمة "اسمعي، إذا كنت تساهلت معك فيما سبق فذلك لأني ظننتك راشدة وتدركين ما تفعلين، لكن أن تتهوري وتفقدين عقلك مما يضر بك فهذا ما لن أسمح به هل تسمعين؟"
هتفت "لا، لا أسمع أي شيء تنطق به ولا أريد البقاء هنا، أعدني المزرعة لا أريدك"
انحنى وقال بنفس الغضب "ليس هناك عودة لأي مكان سارة، لقد طفح الكيل من تصرفاتك الطائشة، انضجي وواجهي العالم بعقلانية وليس بطفولية وإلا أقسم أن أعيد تربيتك من جديد"
وتحرك خارجا صافعا بابها خلفه ورجلان حراسة يقفان فهتف بقوة "لو خرجت من هذا الباب وحدها فسأقتلكم، هل تفهمان؟"
هتف الاثنان بتراجع "نعم يا عمدة"
رنين هاتفه كان مستمر دون اهتمام منه حتى عاد سيارته ودخلها وانطلق بقوة صرخت لها الإطارات وهو يخرج هاتفه والسكرتيرة تقول "آسفة يا فندم ولكن موعد الخبراء"
قاطعها بقوة "فلينتظروا وإن لم يرغبوا فليذهبوا وليأتي سواهم"
وضرب بيده على المقود والغضب يعتليه من تصرفاتها وهو يذكر كلمات الطبيب "ما زالت بحاجة لوقت قبل أن تزيد الحمل على قدميها وأعصابها كي لا تفقد القدرة على السير نهائيا"
****
وصل سفيان لمقر الشركة ورأى الخبراء بالانتظار وسيف يقف بجوار السكرتيرة فقال "ما هذا الزحام؟"
قال سيف "الخبراء وأساتذة الجامعة سيد سفيان، العمدة قام بتأجيل الموعد"
رفع سفيان وجهه له وقال "راكان لا يؤجل أي موعد طالما موجود أين هو؟"
رنين جرس السكرتيرة جعلها تنتفض وترد "نعم يا فندم"
هتف سيف "لقد عاد"
نهضت السكرتيرة وقالت "العمدة سيقابكم بعد خمس دقائق يا سادة كل على حدة"
تحرك سفيان للداخل فوجده يشرب زجاجة مياه كاملة فتحرك له وقال "ماذا حدث؟"
ألقى الزجاجة فارغة بالقمامة ولم ينظر له وهو يقول "لا شيء، ستحضر المقابلة؟"
عاد لمكتبه وهو يضم جاكته وملامحه بدت مشدودة جدا، سفيان لم يحاول مجادلته فهو يعرف حالته هذه جيدا فقال "لا، لدي موعد مع تمارا ربما نلتقي على العشاء"
لم ينظر لسفيان وإنما لجهازه وقال "ربما"
ظل سفيان ينظر له ولكنه لم يبادله النظرة وإنما حاول التركيز بملفات الخبراء كي يجيد نقاشهم فتحرك سفيان للخارج فضغط الجرس وبدأ الرجال بالدخول
بعد وقت..
خرج الرجل الثالث من مكتبه، نهض للثلاجة وأخرج عصير فتحه والباب يدق ويفتح فلم ينظر وهو ينتظر الأستاذ التالي.. 
تناول بعض العصير ثم التفت ليقول كلمته للرجل ليتفاجأ بها، العيون الذهبية تنظر له والدهشة ترتفع لها وتورد وجهها مما منحها انطلاقة مبهرة 
ظل بمكانه للحظة والعصير بيده بلا حركة، حتى استوعب كلماتها أنها هنا للقاء السيد راكان وها هو راكان أمامها فهل هي خبيرة؟
تلك الرقة والجمال، أستاذ يعبث مع الكتب والأبحاث؟ 
تذكر التقرير الذي يفيد بوجود أستاذة من أفضل المختصين بالمجال، بل هي الأفضل بشهادة الكثيرين وشهادات التكريم من الدولة فهل هي كذلك؟ 
تحرك حتى وقف أمامها وقال "لم أظن أن لقاءنا التالي سيكون بهذه السرعة آنسة؟"
استوعبت نفسها والمفاجأة أخذتها ودفعتها بقوة حتى استعادت نفسها وهي تقول "رهف"
رفع حاجبه من اسمها وقال "اسم مناسب لجمالك"
عاد التورد لوجهها ولكنه تحرك لمكتبه وجلس وأشار لها وهو يضغط ملفها الخاص قائلا "تفضلي آنسة رهف، أم تفضلين دكتورة؟"
تحركت لتجلس فقدماها أضعف من تحمل ما يحدث لها وقالت "أيا ما تفضل، هل أنت، أقصد حضرتك.."
فهم سؤالها والدهشة التي بعيونها فهز رأسه وقال "راكان"
ابتلعت ريقها وأخفضت وجهها لأصابعها وقالت "لم أكن أعرف أنه أنت"
أعجبه خجلها وقد أعادت شعرها الذهبي لأعلى رأسها بطريقة تقليدية لتمنعه من التساقط كما رآه بالأسفل وبدا وجهها نحيفا أكثر فقال "بالتأكيد، هل أصابك ضرر مما حدث؟"
رفعت وجهها له وكادت تقول "نعم، لقد تضرر بي شيء ولكن لا أعرف ما هو، خطفت عقلي منذ اصطدمت بي وفقدت كل تركيزي" 
لكنها هزت رأسها بالنفي وقالت "لا، شكرا لاهتمامك"
اعتدل بالمقعد وقال وهو يفتح ملفها "دكتورة صغيرة بعلم الالكترونيات، أستاذ مدرس بجامعة القاهرة وعيش شمس، لديك أبحاث كثيرة بمجالنا الذي نريده، شهادات تقدير من الجامعة والدولة، لديك توصية خاصة دكتورة لتجربتك الجديدة، ومما أراه هي تقريبا تماثل فكرة الشركة، هل هذا سبب رغبتك بالعمل لدينا؟"
تبدله للعمل وعدم اهتمامه بما حدث بينهم جعلها تفعل المثل وتدرك أنه لن يهتم بامرأة عابرة مثلها فقالت "تحدث دكتور زميل لي بالجامعة عن المشروع وتناقشنا سويا، ثم تابعت ما تعلق بكم وأهدافكم ورأيت نقاط هامة ظننت أنها قد تهمكم وهي بالفعل موجودة بالتجربة الخاصة بي، كما وأني أحب المشاركة بمشروع يمثل كل اهتماماتي"
ظل ينظر لها ولا يعلم ما الذي يجذبه لتلك العيون، عاد مبتعدا عن الشاشة وقال "أريد أن أسمع تلك النقاط ومشروعك أيضا لو ليس لديكِ مانع"
نظراته تحيرها فهي لا تحمل أي معنى ولا يوجد إنسان هكذا فمن هو ليختلف عن الآخرين.. 
تحدثت أخيرا وعرضت النقاط التي درستها جيدا، وهو أسند وجهه على أصابعه مستمعا لها وبدت سلسة بطريقتها وشدت انتباهه دون أن ترى ذلك على وجهه، هي أستاذة ولها طرق رائعة بالتدريس
اهتمامه بجمالها الطبيعي بلا مساحيق تجميل وملابسها البسيطة لم يفقده اهتمامه بما تقول حتى توقفت وقالت 
"ست نقاط لو سقطت منها واحدة قد تهد كل شيء"
أبعد أصابعه عن وجهه وقال "جيد، ولكن الدكتور فايز عالج النقطة الثالثة ببحثه الأخير وبذلك أسقطنا تلك النقطة"
قالت بهدوء "لا، الدكتور فايز لم يعالجها فعليا، بل مجرد بحث نظري لكن لم يقم بالتطبيق الفعلي وهو ما جعلنا على خلاف أنا وهو، وهو ما يؤخذ به بمجالكم العملي لأنكم لا تتركون شيء قيد التجربة"
ظل ينظر لها ثم نهض وتحرك تجاها حتى وقف أمامها وبدا طويل جدا وعملاق لكن جذاب جدا، أنيق لدرجة ملفتة..
هي تعرف جيدا من هو راكان زيدان مما قرأته عنه، لكن أن تقابله شخصيا فهذا كان صعب تخيله وحاولت تطويع نفسها كثيرا قبل مجيئها، خاصة وهي ظنت أنه رجل عجوز بدين أصلع الرأس ليمكنه إدارة كل تلك الامبراطورية وليس شاب جذاب مثله
صوته العميق جذبها له وهو يقول "لديكِ أبحاث أيضا يا دكتورة وهي لم تخضع للتجربة"
كانت ترفع رأسها لرؤيته ولم تنهض، فحتى لو كانت فقيرة لكنها دكتورة ولها مكانتها بتخصصها، قالت "اثنان والاثنان يعتمدان على التجربة بالنقطة الرابعة والسادسة ونتائجهم ليست محل شك ولكن لديكم قسم جديد، هو بالأساس يحمل نفس بحثي"
كان يعرف ذلك ولكنه أراد شيء وقد وصل له وهو يجلس أمامها ويقول "درستِ كل ما يخصنا جيدا"
خطفتها نظراته الجادة مرة أخرى وطاردها عطره الذي جعلها ترغب بطلب زجاجته والاحتفاظ بها بجوار مجموعتها
قالت "لابد أن أفعل، لا يمكن الخوض بشيء دون دراسته جيدا بكل إيجابيات به وسلبيات"
لم يبدو عليه أي شيء والصمت يلفه وهي تتحدث بنفس منطقه، قال "هل عرفتِ بأن العمل قد يتطلب السفر للخارج؟"
شحب وجهها وقالت "كنت سأنتقل لتلك النقطة وأطلب الاعتذار"
نهض وعاد لمكتبه وقال "الاعتذارات مرفوضة بمجالنا، التواصل عن قرب هو الأساس وأنتم ستكونون أربعة بالتبادل"
ظلت تنظر له وهو يجلس بمقعده ويضغط ربطة عنقه على قميصه وينظر لملفها على الشاشة وقال "تقيمين هنا؟"
ابتلعت ريقها وقالت "نعم"
منحها نظرة أخرى بعيونها وقال "وحدك؟"
تراجعت من السؤال وقالت "هل هذا من شروط العمل؟"
لم يبعد عيونه عنها وهو يقول "ربما، أكيد يوجد سبب لرفض السفر؟"
لم تدري أنه يجذبها لأرضه بطريقته فقالت "نعم، ابنة أختي، أقصد ابنة بنت خالتي، والدتي من تولي تربيتها بعد موت والدتها وقت الولادة وبعد وفاة ماما توليتها أنا، لذا لا يمكنني تركها وحدها، ما زالت بالسادسة عشر وهو عمر حرج"
كان يسمع كل كلمة منها بتركيز جيد جدا ثم قال "هذا شرط أساسي بالتعاقد"
نهضت واقفة فبدت متزنة، واثقة من نفسها، لا تقبل الخسارة ومع ذلك قالت "إذن أعتذر لأن السفر أمر غير قابل للنقاش معي"
ظل ناظر لها، وكعادته هادئ، خالي من أي تعبيرات على ملامحه، فقط عيونه العسلية تلمع ببريق هو نفسه لم يشعر به حتى قال "يومان وسيتم الرد عليكِ دكتورة"
دقات قلبها كانت غريبة عليها، لم تدخل منافسة وخافت منها فلماذا تهتز أمامه؟ هل لأنها ترغب بالوظيفة من أجل الوفاء بالتزاماتها والتزامات حبيبة؟
تراجعت وقالت "شكرا يا فندم"
وبدون أن تزيد اختفت برقة من أمامه وقد نالت اهتمامه، على خلاف راكان زيدان الذي لم يهتم يوما بامرأة، اليوم بل الآن هو يفعل ويتابعها بعيونه حتى اختفت من أمامه
دكتور فايز هو الذي دخل بعدها وبنفس هدوئه قابله لكن الرجل تطرق للحديث عنها وقال "بالتأكيد لن توافق عليها يا عمدة، أنت لا تعرفها إنها لا تبغي العمل"
ظل راكان مستمعا ولم يتبدل أو حتى يبدي اهتمامه رغم أنه أراد أن يعرف ولكن ليس منه بالطبع وقد فهم أنه لا يرغب سوى الإطاحة بها فقال "وماذا تبغي إن لم يكن العمل دكتور فايز؟"
ابتسم الرجل وكأنه حقق هدفه باجتذاب اهتمام راكان وقال "الوصول لك وأمثالك من الرجال التي لديها المال والسلطة لانتزاعها من مستواها المتدني، أنا لا أعرف كيف واحدة بمستواها هذا تكون دكتورة وأستاذة بالجامعة؟"
نهض راكان وتحرك للرجل الذي نهض واقفا، وتذكر.. عندما واجها هي لم تنهض وظلت تنظر له بثقة ولم تجعله يشعر أنه بمركزه ومكانته يفوقها، بل كانت هادئة وثابتة وواثقة من نفسها ولا تتملق رجل مثله
حدق بفايز متجنبا إبعاد عيونه عنه وهو يقول "العلم لا يرتبط بمن هو الشخص دكتور فايز، بل بماذا حقق هذا الشخص"
للحظة تجهم وجه الرجل الذي أسرع يقول "بالطبع، أنت على حق لكن المكانة الاجتماعية أيضا مطلوبة"
صمت راكان وعيونه لم تمنح من أمامه أي معاني حتى قال "لماذا ترغب بالعمل لدينا دكتور وأنا أعلم أنك تعمل خبير لأكثر من شركة؟"
رفع الرجل رأسه بفخر وقال "بالطبع، كلهم يحتاجون خبرتي وأظن أنكم أيضا بحاجة لي، أبحاثي تغطي مشروعاتك سيد راكان وستجد أنها بصميم تخصصي"
ضاقت عيون راكان التي تجولت على ملامح الرجل حتى قال "ليس كل مشروعاتي فأنا اطلعت على كل أبحاثك واثنان منها فقط ما يرتبط بمشروعي"
وكأن الرجل تفاجأ وهو يردد "حقا!؟ أقصد نعم، ولكن كل أبحاثي مترابطة وستحتاجون لها و.."
ابتعد راكان من أمامه وقال "تمام، يومان وسيتم الرد عليك دكتور"
وعاد لمكتبه ونظراته على شاشة جهازه فارتبك الرجل وقال "ظننت أنك ستمنحني الرد"
لم ينظر له راكان وهو يقول بحزم "يومان دكتور، وستهاتفك السكرتارية"
ارتبك الرجل أكثر من طريقة راكان فالتفت خارجا فنظر راكان باتجاهه ودخلت السكرتيرة فقال "استبعديه من القائمة تماما، كم تبقى؟"
هزت رأسها وقالت "خمسة آخرون"
رن هاتفه باسم رائد فأجاب "هل وصلتك رسالتي؟"
أجاب رائد "نعم، لقد اتخذت اللازم وأنا بالمطار وسأكون بمصر الليلة بإجازة طويلة، ربما حتى رأس السنة، أنت تريد مني التكفل بالكثير ولن تتم من هنا"
نظر للسكرتيرة وقال "سأمنحك الإذن للقادم"
تحركت وخرجت فقال "أعلم رائد، ستقيم معي؟"
رد رائد "بالتأكيد لا، ميراندا ستلحق بي ولن تقيم عندك ولا بمفردها بفندق لكن سنكون معا، صوتك لا يعجبني"
تراجع بالمقعد وقال "لا شيء، فقط مقابلات الخبراء اليوم وهم كثيرين وأحتاج التركيز لأختار"
أجاب رائد "وأين سفيان ووافي؟"
حك جبينه وقال "سفيان مع تمارا ووافي لديه مرور على قطاع الغزل بالشركة"
قال رائد "حسنا أراك قريبا"
وأغلق، أرجع رأسه للخلف وأغلق عيونه وشعر بصداع يهاجمه، لم يشكو أبدا من العمل فهو كل ما كان يفعله طوال حياته فما الجديد اليوم؟ 
هل أغضبه ما فعلته سارة لهذه الدرجة؟ 
لأول مرة يكون قاسيا معها هكذا فقد فشل الوجه الجيد معها وعليه اتباع أسلوب جديد
نفخ بقوة مغلقا الأبواب على أي أفكار وهو يضغط الجرس للسكرتيرة كي يستمر بعمله من جديد
****
استلقى وافي على الأريكة بمكتبه وأغمض عيونه وهو يشعر بتعب غريب، المرور يرهقه ويشغله بذات الوقت، دق مكتبه ورأى ليان تدخل 
اعتدل بدهشة ونهض واقفا وهي تدخل وقال "ليان!؟ ماذا حدث؟ هل أصابك شيء؟"
ابتسمت برقة وقالت "بخير وافي، لا تقلق هكذا"
توقفت أمامه فقال "لماذا أنتِ هنا إذن؟"
قالت بسعادة "الكلية تريدنا أن نجد مكان نتدرب به، شركة مثلا، سأجد عمل وافي، أنا سعيدة جدا"
رحلت ابتسامته وقال "عمل!؟ أنتِ لستِ بحاجة لعمل ليان"
كانت هادئة وهي تقول "ليس الاحتياج السبب الوحيد للعمل وافي، أنا أحتاج لأثبت نفسي وأجد مكاني بالمجتمع، أنا عشت كل سنوات عمري بالبيت، بابا كان يخاف علي من كل شيء، لكن خروجي للجامعة جعلني أرغب بأن يكون لي شخصية مستقلة خاصة بي مثل مي وتمارا، هما ناجحات بالعمل فلماذا لا أكون مثلهم والفرصة تأتيني الآن؟"
ابتعد من أمامها وهو يعيد كلماتها بذهنه وهو يردد "تعلمين أن خروجك من البيت بالأساس كان يسبب لي قلق فما بالك بالعمل؟"
تحركت لتقف أمامه وقالت "وتعلمت وتخطيت تلك المرحلة وافي وعليّ اجتياز كل ذلك كأي فتاة بعمري"
حدق بعيونها التي امتلأت بالرجاء والتمني وقالت "وافي أنا لم أعد صغيرة"
كانت نظراته لها تعني الكثير، لا، هي ليست صغيرة وبعمرها كان يبحث عن الطعام بالقمامة وكافح واجتهد ليجد مكان له بالحياة فمن حقها أن تفعل هي الأخرى ولكن وهو معها، يراقبها ويضع عيونه عليها، يحميها ويظلل عليها ولا يجعل أي شيء سيء يصيبها
قال بصبر "هل تتركيني أفكر قليلا قبل اتخاذ مثل ذلك القرار؟"
لم تحزن وإنما قالت "كما تشاء، لكن من فضلك لا ترفض وافي، أنا حقا أريد ذلك"
هز رأسه وقال "حسنا"
****
بالمساء اجتمع وافي وراكان وسفيان بمطعم راكان المعتاد، وتولى المختص إزالة الأطباق بعد العشاء ووضع المشروبات عندما انتهى راكان من هاتفه وقال "رائد بطريقه لنا"
رد سفيان "رائع السهرة ستزيد جمالا، فقط ينقصنا ظافر، ألا توجد أخبار عنهم؟ ليان لا تهاتف مي؟"
كان يوجه سؤاله لوافي الذي لم يجيب، كان شاردا عندما ردد سفيان "وافي، ألم تسمعني؟"
التفت وافي له بدهشة وقال "ماذا سفيان؟ ماذا حدث؟"
ظلت الدهشة على وجه وافي وقال "لا شيء، لماذا تصرخ هكذا؟"
راكان ظل صامتا بينما قال سفيان "أنت لا تسمعني وافي ماذا بك هل تحب؟"
أبعد وافي وجهه بملل وقال "بالتأكيد لا، إنها ليان، تريد أن تعمل، الكلية طلبت منهم إيجاد مكان للتدريب به"
انتبه له راكان وقال "وما المانع وافي؟ الكثير من الفتيات تعمل بعمرها؟"
نظر له وافي وقال "تعلم أنها لم تواجه العالم وحدها إلا من فترة قريبة راك وأنا أخشى عليها"
سكب سفيان مشروب لنفسه وقال "ليان ذكية وافي، تمارا مغرمة بها جدا أخبرتني أنها تتحدث بتعقل وفهم وكأنها أكبر من عمرها"
صدق راكان "وأنا من رأيه، لا تنسى كيف تعاملت مع ياسر، لا تخشى عليها ستكون بخير"
مرر نظراته بينهما وقال "وهل العمل سهل راك؟ المنافسة والأشخاص ذوي النفوس المريضة؟"
قال سفيان "لتعمل لدى شركاتنا فتكون تحت عيونك ولا يعوقك شيء عن معرفة أخبارها"
الفكرة كانت جيدة ولكن وافي قال "وقد ترفض ذلك حتى تشعر بالاستقلالية"
قال راكان "أخبرها أن هذا فترة التدريب فقط وعندما تتخرج سيكون لديها حرية الاختيار بالبقاء أو الذهاب وأنا واثق أنها لن تتركنا فالعمل لدينا مجزي واسمنا غني عن التعريف"
هتف صوت "من الذي تتآمرون عليه يا رجال"
نهضوا للترحيب برائد الذي جلس بجوار وافي وقال "من التي لن تتركنا؟ هل هناك امرأة وأنا لا أعلم؟"
ضحك سفيان بينما قال راكان "ليان تريد التدريب بمكان وسفيان اقترح أن تعمل بإحدى شركاتنا لأن وافي يخاف عليها"
تجهم وجه رائد وهو يردد "ليان تعمل؟ هي ليست مؤهلة لخوض ذلك المجتمع"
نظر له وافي وقال "هذا ما أتحدث عنه"
ردد سفيان "لا، هي على خلاف ما تقولون، لا أحد منكم يعرفها جيدا، تلك الفتاة داخلها روح محارب ظل حبيس سنوات كثيرة يشاهد العالم الخارجي من خلف القضبان ويتعلم عنه كل شيء والآن يريد فرصته بالمواجهة، فامنحها لها وافي وأنت معها كي لا تتمرد عليك مثل سارة، لا أقصد شيء راكان ولكن سارة متمردة وأنت بنفسك من قال ذلك"
هز رأسه وقال "نعم، لقد ضربت بأوامر الأطباء عرض الحائط وخرجت اليوم وحدها للقاء المخرج مما أثار جنوني"
ضحك سفيان وقال "لذا تركت الخبراء؟ وماذا فعلت معها؟"
اعتدل وهو يجذب سيجار من جاكته وقال "حملتها وألقيت بها بالسيارة وهي الآن حبيسة بغرفتها"
حدق به الجميع حتى قهقه سفيان وقال "ألم أخبركم أنها متمردة؟"
أجاب وافي بضيق "لا يمكنك معاملتها بتلك الطريقة راك، أنت تعلم أنها ما زالت متأثرة بحالتها المرضية"
أشعل سيجاره ونفخ الدخان وقال "لا تقم بدور الواعظ الآن، ليس لي رغبة بالتمتع بمواعظك وافي"
قاد رائد الحوار مرة أخرى "لنعد لأختك، لم لا تجعلها تشارك بالمشروع الجديد؟ ما زلنا بحاجة لموظفين جدد!؟"
نظرات راكان رحلت لرائد من خلف الدخان بينما قال وافي "تبدو فكرة جيدة خاصة أن راكان سيكون المسؤول هناك"
هز راكان رأسه بالنفي وقال "لا ليس باختيار الموظفين، لقد منحت رائد الأمر، لدي ما يشغلني بالأيام القادمة"
لم يتبدل موقف وافي وهو يقول "ورائد لا يختلف عنك سيجيد الاعتناء بها"
التفت سفيان لراكان وقال "هل انتقيت الخبراء؟"
نظر له وأجاب "اثنان لم أفكر بشأنهم، أما الاثنان الباقين ما زلت أفكر"
قال وافي "متى سيعود ظافر؟"
أجاب سفيان "آخر الاسبوع، مليكة تقدم لها عريس وهو على سفر قريبا ويريد إتمام الخطبة قبل عودته"
التفت له رائد وقال "ومن يكون؟"
أجاب سفيان "يحيى السنوسي، كان جار لهم وأخته بالمعهد مع مليكة، شاب جيد، راكان تحرى عنه"
رائد قال "حسنا، من الجيد الاطمئنان على تلك الفتيات مبكرا"
لم يرد أحد منهم وعادوا لمحادثاتهم العادية وكل منهم لديه ما يشغله بعيدا عن أصحابه
****
منذ زفاف ظافر وليان وتمار أصبحا أصدقاء وربما أكثر من سارة فتمارا ارتبطت بليان وشعرت بأنها الأخت والصديقة، لذا كانتا دائمي اللقاء وبذلك اليوم كانتا تتناولان الغداء معا عندما قالت ليان 
"لم يمنحني الرد بعد، منذ الأمس وهو يتجنب لقائي"
ابتسمت تمارا وقالت "هو فقط يخاف عليكِ، سوق العمل وحش يلتهم كل من يطرقه، لذا لابد أن تكوني قوية في مواجهته"
تناولت ليان السلطة وقالت "أنا لست صغيرة كي يخاف بذلك الشكل تمارا"
لم تتردد تمارا وهي تقول "هو لديه عذره ليان، أنتِ لم تواجهي هذا العالم من قبل وكي تفعلي لابد أن تملكي قوة وشجاعة وأنتِ أرق من ذلك"
قطعت اللحم وتناولت قطعة وقالت "كل ذلك لأنه لم يراني بمواقف عملية تمارا، لابد من التجربة بكل شيء"
رفعت عيونها لها وقالت "لم لا تعملين معي، سأكون سعيدة جدا"
انهت طعامها وقالت "لا تمارا، أحتاج شركة أو بنك معروفين"
تراجعت تمارا وقالت "إذن شركة أخيكِ أولى بكِ، أو أي واحدة من شركات أصحابه، لن يمانعوا"
صمتت وبالطبع رحل ذهنها لرائد وعادت لليلة الزفاف يوم رأته مع عشيقته وهي تتأبط ذراعه، كم تألمت وقتها وما زالت وظلت باقي الحفل تهرب من رؤيته وهو معها
كانت نظراته تلتقي بها ولكن سرعان ما يبعد عيونه كما كانت تفعل، اختبأت بأماكن بعيدا عنه كي لا تراه ولكن كيف وهم بنفس المكان مما كان يزيدها ألما؟ 
لكنها استجمعت كل قوتها كي تظل صامدة ولا يظهر عليها أي شيء ونجحت، لكن بالبيت ظلت تبكي اليوم التالي كله، وبصعوبة تجاوزت الأمر واليوم تتمسك بالعمل كي لا تجد وقت للتفكير، ما بين العمل والدراسة سينتهي عقلها من دور الضحية لتخرجه من حياتها لأنها تعلم أنه ليس لها ولن يكون
عادت لتمارا وقالت "لا أعلم، ربما يرفض هو وأنا أريد عمل تمارا، أحتاج إليه بشدة"
أزال الرجل الأطباق فمالت تمارا للأمام ونظرت بعيونها وقالت "ماذا بكِ ليان؟ ما هذا الألم بعيونك؟"
كيف ظهر ألم بعيونها؟ كيف سمحت لأي شيء أن يبدو عليها؟
أبعدت وجهها وقالت "لا شيء تمارا أنا فقط أعاني من الوحدة، وجودك أنتِ وسارة ملأ حياتي لكن ما زلت أشعر بالوحدة والفراغ"
ظلت تمارا صامتة حتى قالت "ليان أنتِ تخفين عني شيء؟ قصة حب أليس كذلك؟"
عادت بوجهها لتمارا ولمعت دموع بعيونها وقالت "لا فائدة من الحديث تمارا، الأمر يؤلمني"
تراجعت تمارا وعيونها تنطق بالحنان وهي تقول "لماذا حبيبتي؟ هل جرحك؟ هل تشاجرتم؟ من هو بالأساس؟"
ظلت تنظر لها وهي تعلم أنها بحاجة لأن تلقي بما داخلها خارجا لمن يحمل معها جزء منه وعندما سقطت دمعتها مسحتها بأصابع مرتجفة وقالت "هو لا يعلم بالأساس، له حياته وبعيدا جدا عني"
ظلت تمارا صامتة ولا تفهم شيء فرفعت وجهها لها وأكملت "هو خطئي أنا تمارا، لا ذنب له بشيء"
انتزعت تمارا صوتها "حب من طرف واحد ليان؟ هذا أسوء أنواع الحب، هل أنتِ واثقة أنه لا يبادلك مشاعرك؟"
أخفضت وجهها وقال "هو لا يراني تمارا، هناك الكثير بيننا، أنا بالنسبة له طفلة لن يراها امرأة كما يحب فهو لا يكتفي بواحدة، بيننا بلاد فهو لا يعيش هنا، بيننا الكثير تمارا"
شحب وجه تمارا وهتفت "لا تخبريني أنه...!؟"
لم ترد وظلت تنظر لأصابعها دون أن تراها من الدموع حتى تراجعت تمارا وهتفت "يا الله! لا ليان ليس رائد"
سقطت دموع كثيرة على وجنتيها ولم تمسحها أو توقفها حتى قالت بصوت متقطع "ليس بيدي تمار، من أول مرة رأيته منذ عام ولم أعرف ماذا أصابني، كنت أعلم أنه لا يراني ليس فقط لأني أصغره بكثير ولا لأني لست بجمال من يعرفهم، بل لأن ميثاق صداقتهم يمنع دخول الأخوات بينهم فأكيد لن يفكر بي حتى"
تاهت الكلمات من تمارا وابتلعت ريقها وقالت "نعم أعلم، كنت ألعب معهم ونحن صغار وأعرف الكثير عنهم ورائد كان يزورهم كثيرا، هو مختلف تماما ليان وما أعرفه عنه أنه رجل نساء هو أسوء من سفيان، الإخلاص لا مكان له بقاموسه، تبديل النساء هو هوايته ونقطة ضعفه، لا مكان للزواج والأسرة لديه، سفيان حدثني عنه وأخبرني أن تلك المرأة ميرندا هي الوحيدة التي ظلت بحياته كل تلك السنوات الخمسة إنهم يظنون أنه سوف"
وصمتت ولم تكمل، مسحت ليان دموعها وقالت "لا تتوقفي، أعلم ما يظنه الجميع فالميديا تحدثت عن أنه سيتزوجها قريبا فلا توجد امرأة استمرت معه سواها وهو يصحبها بكل مكان ومناسبة، هي تستحقه تمارا، جميلة جدا و.."
قاطعتها تمارا "هل أنتِ غبية ليان؟ أنت جميلة جدا، فقط تحتاجين للاعتناء بنفسك ومظهرك ولن يقاومك أعتى الرجال، كل ما في الأمر أن رائد لا يستطيع مقاومة النساء، ربما كان يماثل سفيان لكن مجتمعنا مختلف عن مجتمعه مما جعل سفيان يرغب بالاستقرار، أما رائد فلا يبحث عنه، أنا أريدك أن تبعديه عن ذهنك تماما ليان، تحتاجين لشاب من جيلك، يشعر بكِ ويحبك وليس رجل يؤلمك كل يوم مع امرأة جديدة"
عادت تمسح دموعها وقالت "وكأن الأمر بيدي تمارا" 
صدقتها تمارا ولم تجادلها


تعليقات



<>