رواية عشقت ابنة الصعيد الفصل السادس عشر16بقلم فاطمة عبد الرازق
تجاوزت الساعة منتصف الليل...
كانت شوارع القاهرة هادئة بشكل غريب، لا يُسمع فيها سوى صوت السيارات المتباعدة بين الحين والآخر.
توقفت سيارة آسر أمام إحدى العمارات القديمة في شارع جانبي هادئ.
فتح الباب ونزل بسرعة، وتبعه زين وأغلق باب السيارة خلفه.
رفع زين عينيه نحو العمارة وقال:
ـ دي العمارة اللي ظاهرلي فيها عنوان أدهم.
آسر من غير تردد:
ـ طب يلا نطلع.
أوقفه زين:
ـ يا آسر، إحنا مش عارفين شقته فين. تعالى نسأل حارس العمارة الأول.
اتجه الاثنان نحو غرفة الحارس، وطرق زين الباب.
بعد لحظات، فتح رجل في منتصف العمر، وكان واضحًا عليه النعاس.
الحارس:
ـ مين؟
أخرج زين كارنيه الشرطة أمامه:
ـ معاك الرائد زين.
اعتدل الحارس فورًا وقال باحترام:
ـ خير يا فندم؟
نظر إليه زين بثبات:
ـ شقة أدهم فين؟
تغيرت ملامح الحارس قليلًا:
ـ خير يا باشا؟ ده مستأجر بقاله شهرين... هو في إيه لسمح الله؟
قال زين بحدة:
ـ مش شغلك. تعالى معايا وديني للشقة.
ابتلع الحارس ريقه:
ـ حاضر يا فندم.
صعد معهم حتى توقف أمام إحدى الشقق.
وأشار إليها:
ـ اتفضل يا فندم... دي شقته.
زين:
ـ انزل إنت.
نزل الحارس مسرعًا، بينما تقدم آسر وزين نحو الباب.
لكن قبل أن يلمسه آسر...
لاحظا أن الباب موارب.
نظر آسر إلى زين، ثم دفع الباب ببطء.
ـ أدهم!
لا إجابة.
رفع صوته:
ـ أدهم!
لا شيء.
دخل زين وأضاء الأنوار.
كانت الشقة هادئة بشكل مريب.
وجد آسر بعض الملابس ملقاة على الأريكة، وعلى الطاولة كوب قهوة لم يبرد تمامًا.
اقترب زين منه ولمسه.
ـ القهوة لسه دافية...
ثم نظر إلى آسر:
ـ كان هنا من وقت قريب... ومشي على عجلة.
بدأ الاثنان في تفتيش المكان.
وفجأة لمح زين جهاز اللابتوب فوق الطاولة.
اقترب منه وفتحه.
ظهرت أمامه صفحة مفتوحة.
ضغط زين على بعض الملفات، ثم توقف.
كانت هناك رسالة على تطبيق المحادثات من رقم مجهول إلى أدهم:
"أدهم لازم تتحرك للصعيد بسرعة... علشان آسر عرف مكانك."
تجمد آسر مكانه.
نظر إلى زين.
الآن أصبحت شكوكهم أكثر وضوحًا.
هناك شخص يساعد أدهم.
لكن السؤال...
من؟
قال آسر بحدة:
ـ أكيد فهد!
ثم أخرج هاتفه واتصل به.
مرة...
مرتين...
ثلاث مرات...
لكن لا إجابة.
قبض آسر على الهاتف بغضب:
ـ كان متوقع إن أدهم هيروح الصعيد...
ثم قال بقلق:
ـ بس ليه مش بيرد؟!
---
في طريق الصعيد...
كانت سيارة فهد تشق الطريق بسرعة.
كانت عيناه مثبتتين على الطريق، بينما عقله منشغل بآسر وحور وريان.
رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة، فوجد اسم آسر.
تنهد، ثم أغلق المكالمة.
وقال بصوت منخفض:
ـ معلش يا آسر...
ثم ابتسم بحزن:
ـ لو كنت قولتلك، مكنتش هتوافق تخليني أروح لوحدي.
صمت لحظة:
ـ وأنا عايزك تفضل في القاهرة علشان حور.
ثم عاد ينظر للطريق:
ـ المرة دي... لازم أتصرف بطريقتي.
وبعد ساعات من القيادة، توقفت سيارته أمام بيت قديم في منطقة هادئة.
نزل فهد، ونظر إلى المنزل للحظات.
اقترب من الباب وطرقه ثلاث طرقات متتالية.
وبعد لحظات، فُتح الباب.
ظهر رجل في أواخر الخمسينات، وما إن رأى فهد حتى اتسعت عيناه بدهشة:
ـ فهد؟!
ابتسم فهد:
ـ أيوه يا عم حسن... عامل إيه؟ واحشني والله.
احتضنه عم حسن بحنان:
ـ الحمد لله يا ولدي... إنت اللي واحشني. أمال آسر مجاش معاك؟
هز فهد رأسه:
ـ لا والله... أنا جيت لوحدي.
نظر إليه عم حسن باستغراب:
ـ إيه چابك في وچت زي ده يا ولدي؟
تنهد فهد:
ـ جاي في مهمة... ومحتاج مساعدتك.
تغيرت ملامح عم حسن:
ـ خير يا ولدي؟ چلچتني.
دخل فهد إلى المنزل وقال:
ـ في طفل مخطوف من فيلا آسر.
اتسعت عينا عم حسن:
ـ طفل؟! كيف يعني؟!
جلس فهد وبدأ يحكي له كل شيء...
حور...
ريان...
زواج آسر منها...
واختطاف ريان.
ظل عم حسن يستمع في صمت، ثم قال بحزن:
ـ يعيني يا بنيتي... وانت شاكك في مين؟
ـ واحد اسمه أدهم.
ـ وإيه اللي يخلي الطفل ييچي الصعيد؟
نظر فهد إليه:
ـ ما هو مفيش غير أدهم اللي يقدر يخطف ريان... لأنه عارف نقطة ضعف حور.
ثم ابتسم ابتسامة غامضة:
ـ بس أنا مش جاي أدور عليه بطريقة عادية.
نظر إليه عم حسن باستغراب:
ـ كيف يا ولدي؟
اقترب فهد منه وقال:
ـ عايزه هو اللي يوصلني لريان.
---
في القاهرة...
كان آسر لا يزال داخل شقة أدهم.
بدأ يفتش المكان بنفسه، بينما جلس زين أمام اللابتوب يراجع الملفات.
وفجأة قال:
ـ آسر... تعالى بسرعة.
اقترب آسر.
أشار زين إلى الشاشة:
ـ اللابتوب ده كان شغال قبل ما يخرج.
نظر آسر إلى الشاشة.
كانت هناك صفحة مفتوحة تحتوي على حجز تذكرة سفر إلى الصعيد.
ـ إمتى؟
ـ الليلة.
شد آسر على فكه:
ـ يبقى أخد ريان فعلًا.
رفع زين يده:
ـ استنى... مش بالضرورة يكون هو اللي خطف ريان.
استدار آسر إليه بعصبية:
ـ افهم يا زين! هو اللي عارف نقطة ضعف حور، وهو اللي بيضغط عليها بيها!
ـ أهدي يا آسر... خلينا نفكر بالعقل.
نظر إليه آسر بغضب، فأكمل زين:
ـ في حاجة غلط.
ـ إيه؟
ـ لو أدهم فعلًا عايز يهرب بطفل مخطوف، مش منطقي يسيب وراه كل الأدلة دي.
نظر آسر إلى اللابتوب.
كان كلام زين منطقيًا.
ـ يعني إيه؟
أجاب زين:
ـ يعني حد عايزنا نعتقد إن أدهم هو اللي أخد ريان.
ساد الصمت.
تذكر آسر كلمات فهد:
"الموضوع مش مجرد اختطاف ريان..."
ثم تذكر كلمات زين:
"الشخص اللي بندور عليه ممكن يكون مجرد أول خيط في الحكاية."
رفع آسر رأسه فجأة.
ثم ضرب يده على الطاولة:
ـ عز!
نظر إليه زين:
ـ عز الدين الألفي؟
ـ أيوه... مفيش غيره.
ثم قال بغضب:
ـ من أول محاولة قتلي وأنا شاكك إنه ورا كل حاجة.
زين:
ـ عندك دليل؟
ـ لسه...
ثم نظر إلى شاشة اللابتوب:
ـ بس هجيبه.
ابتسم زين بثقة:
ـ تمام... وأنا معاك يا صاحبي.
---
في الصعيد...
جلس فهد مع عم حسن داخل المنزل.
وضع عم حسن يديه على الطاولة:
ـ المطلوب دلوقتي إيه يا فهد؟
أخرج فهد خريطة كبيرة ووضعها أمامه.
ـ أنا مش عايز حد يعرف إني هنا.
رفع عم حسن حاجبه:
ـ ليه؟
ـ لأن اللي قدامي مش سهل.
ثم أخرج صورة لريان ووضعها أمامه.
ـ لو أدهم جاب الطفل للصعيد، لازم نعرف قبل ما يتحرك من هنا.
نظر عم حسن للصورة بحزن:
ـ وعندك خطة؟
ابتسم فهد:
ـ أيوه.
اقترب منه وبدأ يشرح له خطته بصوت منخفض.
كلما استمع عم حسن أكثر، اتسعت عيناه.
وعندما انتهى فهد، قال بدهشة:
ـ إنت مجنون يا فهد!
ضحك فهد:
ـ يمكن.
ثم عاد ينظر إلى صورة ريان:
ـ بس لو الخطة دي نجحت... ريان هيرجع لأخته من غير ما أدهم يعرف إننا كنا بندور عليه.
وفجأة...
رن هاتف فهد.
نظر إلى الشاشة.
آسر.
ظل ينظر إلى اسمه للحظات، ثم تنهد وأغلق الهاتف.
ـ سامحني يا صاحبي...
ثم وضع الهاتف على الطاولة:
ـ بس المرة دي... لازم أتصرف لوحدي.
---
في شقة أدهم...
كان آسر يقف أمام زين.
ـ أنا رايح الصعيد.
رفع زين رأسه:
ـ وأنا جاي معاك.
ـ لا.
نظر إليه باستغراب:
ـ ليه؟
ـ إنت دورك هنا. عايزك تراجع كل كاميرا، وكل مكالمة، وكل حركة حصلت من ساعة اختفاء ريان.
ثم اقترب منه:
ـ لو في حد تاني ورا أدهم... عايز أعرفه.
سكت زين قليلًا، ثم سأله:
ـ لو لقيت ريان... هتعمل إيه؟
نظر إليه آسر بعينين مليئتين بالغضب:
ـ هرجعه لحور.
ثم أضاف:
ـ وبعدها هحاسب كل واحد فكر يضغط على حور من خلال ريان.
خرج آسر من الشقة.
لكن قبل أن يصل إلى السيارة، اهتز هاتفه.
توقف.
أخرج الهاتف وفتح الرسالة.
رقم مجهول.
كانت الرسالة قصيرة:
"لو عايز توصل لريان... متروحش الصعيد."
تجمد آسر للحظة.
رفع عينيه نحو الطريق.
ثم ظهرت على وجهه ابتسامة باردة.
وقال:
ـ يبقى أكيد الصعيد هو المكان الصح.
ركب سيارته، وانطلق بأقصى سرعة.
---
في مكان آخر...
كانت سيارة تسير على طريق طويل مظلم.
وفي المقعد الخلفي كان طفل صغير نائمًا.
ريان.
نظر إليه أدهم، ثم قال:
ـ متخافش يا ريان... هنروح لحور قريب.
ثم ابتسم:
ـ بس إنت الوحيد اللي هتقدر ترجعلي حور.
أخرج هاتفه وأرسل رسالة إلى رقم مجهول:
"أنا في الطريق."
جاءه الرد بعد لحظات:
"خليك فاكر... ريان مجرد ورقة. اللي إحنا عايزينه حور."
رفع أدهم عينيه عن الهاتف.
وظهرت على وجهه ابتسامة غامضة.
---
وفي مكان آخر...
كان عز واقفًا أمام نافذة مكتبه، ينظر إلى أضواء المدينة من خلف الزجاج.
وفي يده كأس، وعلى وجهه ابتسامة مليئة بالثقة.
قال بهدوء:
ـ اللعبة قربت تخلص يا آسر...
سكت لحظة.
ثم ضحك بخبث:
ـ أو يمكن... لسه بتبدأ.
