رواية عشقت ابنة الصعيد الفصل السابع عشر17بقلم فاطمة عبد الرازق

رواية عشقت ابنة الصعيد الفصل السابع عشر17بقلم فاطمة عبد الرازق 

عند عز

كان عز واقفًا أمام نافذة مكتبه، يحدّق في أضواء المدينة المتلألئة من خلف الزجاج، بينما يمسك في يده كأسًا من الخمر، وعلى وجهه ابتسامة تحمل ثقةً وغرورًا وكأنه يملك زمام اللعبة بأكملها.

قال بهدوء وهو يراقب الأضواء:

- اللعبة قربت تخلص يا آسر...

صمت للحظات، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة خبيثة قبل أن يضحك ضحكة قصيرة وقال:

- أو يمكن... لسه بتبدأ.

وفي تلك اللحظة، اندفع وليد إلى المكتب على عجل، وملامح التوتر واضحة على وجهه.

- عز باشا...

التفت عز إليه، ولاحظ اضطرابه، فعقد حاجبيه وقال:

- في إيه يا وليد؟ مالك؟

ابتلع وليد ريقه قبل أن يقول:

- آسر في طريقه للصعيد.

تبدّلت ملامح عز في لحظة، وقال بغضب:

- إزاي؟!

- مش عارف يا باشا.

اشتعل الغضب في عيني عز، وقذف الكأس أرضًا بكل قوته، فتحطم الزجاج وتناثرت شظاياه حول قدميه.

- أكيد الغبي أدهم ساب دليل وراه!

تردد وليد قليلًا، ثم قال بصوت خائف:

- وفي حاجة كمان...

التفت إليه عز بعصبية:

- إيه كمان؟

- آسر مش لوحده في الصعيد... فهد هناك، وناشر رجاله في الصعيد ومستني أدهم.

تجمّد عز في مكانه.

وبدأت ملامح وجهه تتبدّل، بعدما أدرك أن الأمور خرجت عن السيطرة.

وجود آسر وفهد في الصعيد معًا لم يكن في الحسبان، وهذا يعني أن الخطة التي أعدّها بعناية بدأت تتهاوى أمام عينيه.

ضغط عز على قبضته بعصبية، وتمتم:

- آسر وفهد... الاتنين هناك؟

ثم رفع عينيه نحو وليد وقال بحدة:

- لازم نتصرف قبل ما يوصلوا لأدهم.

---

في مكان آخر

كان أدهم يقود سيارته باتجاه الصعيد، بينما ريان نائم في المقعد الخلفي، غير مدرك لما يحدث من حوله.

كان أدهم شارد الذهن، وعيناه مثبتتان على الطريق، بينما تتردد في رأسه صورة حور.

ابتسم ابتسامة متوترة وقال لنفسه:

- هتكوني ليا يا حور قريب أوي...

وفجأة، قطع شروده رنين هاتفه.

نظر إلى الشاشة، وما إن رأى اسم المتصل حتى عقد حاجبيه.

عز.

ضغط على زر الإجابة.

فجاءه صوت عز متوترًا:

- أدهم... ارجع القاهرة بسرعة!

قطّب أدهم حاجبيه باستغراب:

- ارچع ليه؟

جاءه صوت عز غاضبًا وصارخًا:

- ارجع يا متخلف! آسر وفهد عرفوا إنك رايح الصعيد!

اتسعت عينا أدهم، وقال بقلق:

- وعرفوا مكاني إزاي؟

ثم صمت فجأة.

تذكّر شيئًا.

اتسعت عيناه، وضرب جبهته بيده بقوة وهو يلعن غباءه:

- أنا كيف نسيت اللاب توب؟!

صرخ عز من الطرف الآخر:

- ضيعت خطتنا يا غبي! ارجع دلوقتي حالًا!

نظر أدهم إلى الطريق أمامه، ثم قال بإصرار:

- لا... مش راچع. هواچهه.

- تواجهه مين؟! انت عارف آسر دا مين دا العقرب اللي اللدغة منه و القبر! لو مرجعتش، آسر هيوصلك ومش هيسبلك، وهياخد ريان ويحبسك يا غبي!

صمت أدهم.

ثم تابع عز بلهجة أكثر حدة:

- ريان هو الورقة الوحيدة اللي إنت ماسكها ضد حور.

ظل أدهم يفكر لثوانٍ، حتى أدرك أن كلام عز منطقي.

قال أخيرًا:

- خلاص، ماشي... بس كده مش هعرف أرچع الشقة.

- هأجرلك شقة، بس أهم حاجة ترجع.

ثم أغلق عز الهاتف، تاركًا أدهم غارقًا في أفكاره.

نظر أدهم إلى ريان النائم في المقعد الخلفي، وقال بضيق:

- كان لازم أكون أحرص من كده...

---

عند فهد

كان فهد جالسًا داخل منزل عم حسن، وقد بدا عليه القلق الشديد.

مرّت ساعات طويلة دون أن يظهر أدهم أو يصل إلى المكان الذي كان فهد ينتظره فيه.

نظر عم حسن إليه بحيرة وقال:

- يا ولدي، بقالنا أكتر من عشر ساعات، مفيش أي أخبار.

تنهد فهد بقلق، وأجاب:

- مش عارف... هو طول أوي. لو كان جاي الصعيد، كان زمانه وصل من أربع ساعات.

ظل عم حسن صامتًا للحظات، ثم قال بتفكير:

- ليه يا ولدي ميكونش حد بلّغه إنك اهنيه في الصعيد؟

رفع فهد عينيه إليه.

وبدأت الفكرة تتشكل في رأسه.

أدهم لم يصل.

إذن هناك احتمالان؛ إما أنه غيّر طريقه، أو أن أحدًا حذّره من وجود فهد في الصعيد.

نهض فهد من مكانه وأخرج هاتفه، ثم أجرى اتصالًا.

وبعد لحظات قال:

- أيوه... كبير الرجالة؟

جاءه الرد من الطرف الآخر.

- أيوه يا باشا.

- عايزك تيجيلي حالًا.

- حاضر يا باشا.

أغلق فهد الهاتف، ثم وقف أمام عم حسن.

وبعد وقت قصير، وصل كبير الرجال إلى المنزل.

دخل وألقى التحية، ثم قال:

- خير يا باشا؟

نظر إليه فهد بجدية وقال:

- عايزك تلف على كل مكان في البلد وتدورلي على بيت أدهم.

استغرب الرجل:

- بيت أدهم؟

- أيوه. عايز تعرفلي هو ساكن فين، ومين عايش معاه، ومين آخر حد شافه. ولو وصلت للبيت نفسه، محدش يقرب من أهله ولا يعمل مشكلة... أنا بس عايز أعرف إذا كان أدهم جه هنا ولا لأ.

أومأ كبير الرجال:

- حاضر يا باشا، من عيوني.

ثم استدار ليغادر.

لكن فهد أوقفه قائلًا:

- وأي معلومة توصل ليك... تبلغني بيها فورًا.

- حاضر.

غادر الرجل، وبعد فترة من البحث، وصل إلى منزل أدهم.

اتصل بفهد وأخبره بمكانه.

نهض فهد على الفور.

- ابعتلي العنوان.

وبعد دقائق، كان فهد يقف أمام منزل أدهم، وبرفقته عدد من الرجال.

تقدّم نحو الباب، ثم طرق عليه بقوة.

بعد لحظات، فُتح الباب.

كانت سعاد تقف أمامه، وما إن رأت فهد والرجال من خلفه حتى ارتبكت.

قالت بحذر:

- مين؟

دفع فهد الباب ودخل إلى المنزل، ثم صاح بصوت مرتفع:

- أدهم!

لم يجبه أحد.

خرجت بسنت ورحمة من إحدى الغرف، وقد بدا الخوف واضحًا على وجهيهما، فاختبأتا خلف والدتهما.

نظرت سعاد إلى فهد بخوف وقالت:

- إنتوا مين؟ وعايزين أدهم ليه؟

التفت إليها فهد، وكانت نظراته قاسية وصوته مخيفًا:

- ابنك المحترم خطف ريان، أخو حور... اللي كنتِ عايزة تجوزيها لواحد عنده خمسين سنة، وابنك كان عايز يتجوزها بالإجبار.

اقترب منها خطوة، ثم تابع:

- ابنك فين؟ والأحسن تقولي هو فين... علشان ميجلكيش جثة هامدة.

شهقت سعاد، وبدأ الخوف يتملكها على ابنها.

قالت بتلعثم:

- أن... أنا معرفش هو فين والله! وأبوس يدك يا ابني، متأذيش أدهم... هو بيحب حور و ...

قاطعها فهد بصراخ:

- بيحبها؟!

ارتد صدى صوته في أرجاء المنزل.

ثم اقترب منها وقال بغضب:

- هو اللي بيحب حد يستغل نقطة ضعفه؟! 

ثم أخذ نفسًا عميقًا، وقال بنبرة أقل حدة:

- وأنا محترمك علشان إنتِ قد والدتي الله يرحمها.

قالت سعاد بخوف:

- يا ولدي، أدهم مش اهنيه... هو في الچاهرة.

رد فهد بسخرية:

- ما هو جاي عَ هنا... وأنا مش هتحرك من هنا غير لما ريان ييجي معايا.

ساد الصمت للحظات.

ثم تقدمت بسنت بخطوات مترددة، وقالت:

- كيفيها حور؟

نظر إليها فهد، ثم اقترب منها وقال:

- الحمد لله.

امتلأت عينا بسنت بالدموع، وسألت بصوت مرتجف:

- هي فينها حور؟ طمني عليها... قلبي واكلني عليها من ساعة ما هربت.

أجابها فهد:

- حور كويسة، بس أخوكي بيهد أمانها. هي في فيلا صاحبي... واتجوزها.

اتسعت عينا سعاد، ووضعت يدها على صدرها وهي تصرخ:

- يا فضيحتي! اتچوزت؟! أكيد غلطتت معاه 

استدار فهد إليها بعصبية:

- متخرسي بقا يا ست إنتِ! مالك عمالة تفتري عليها كده؟!

ثم تقدم منها خطوة، وقال بصوت هز أرجاء المنزل:

- ادخلي جوا... مش عايز أشوف وشك!

أسرعت سعاد إلى الداخل وهي ترتجف من الخوف.

تقدمت بسنت من فهد وقالت بهدوء:

- چاعدتك اهنيه مش هتفيد بحاچه... وأدهم مش هيچي اهنيه.

نظر إليها فهد باستغراب:

- ليه مش هيجي هنا؟

هزت بسنت رأسها وقالت:

- مش خابرة... بس إحساسي بيچولي أكده.

زفر فهد بضيق وقال:

- تعرفي تسكتي بلا إحساسك بلا بتنجان؟

رمقته بسنت بنظرة غيظ، لكنها كتمت غضبها.

ثم سكتت للحظات، وكأن فكرة ما خطرت ببالها.

رفعت عينيها إليه وقالت بثقة:

- بس أنا عندي خطة... ومش هتفشل أبدًا.

توقّف فهد ونظر إليها باستغراب.

- إيه هي؟

ابتسمت بسنت ابتسامة غامضة وقالت:......

تعليقات



<>