
رواية راكان زيدان واصحابه الفصل الثامن عشر18 بقلم داليا السيد محمد
لست بحاجة لأحد
تحركت مي لوالدها وألقت نفسها بين ذراعيه وهو يهتف "حبيبتي اشتقت لك"
ابتعدت عنه وهو يدفعها لداخل شقته وهي تقول "وأنا أيضا بابا اشتقت لك كثيرا والبيت أيضا وكل شيء"
التفتت له بابتسامة مشرقة وهو سعيد برؤيتها أخيرًا بعد عودتها من شهر العسل "تبدين بأفضل حال حبيبتي أين ظافر؟"
جلست ووالدها أمامها وهي تقول "أسرع للقاء أصحابه بالطبع، لديهم مشروع هام بالطريق للافتتاح وهم يحتاجون له، كيف حالك بابا؟"
هز الرجل رأسه وقال "بخير حبيبتي طالما أنتِ بخير، هل أمضيت وقت جيد؟"
هتفت بصدق "جدا بابا، ظافر كان يبحث عن أي شيء يمتعني كي يمنحه لي"
ابتسامته كانت تملأ وجهه وهو يقول "الحمد لله حبيبتي لقد عوضك الله عن ذلك الكلب شاكر"
نهضت مبتعدة والأمر لم يعد يؤلمها وشاكر بالأساس لا يمر على ذهنها وهي تقول "شاكر لا يدخل بأي منافسة مع ظافر بابا، هل أجهز قهوة؟"
هز رأسه وقال "معكِ حق، لقد ترك البلد وسافر، والده ترجى راكان ليسمح له بالسفر"
قالت وما زالت تصنع القهوة "هو يستحق ما فعله به راكان"
سألها "ألم يزور ظافر والدته؟"
قالت "بلى فعل وغدا سنذهب لرؤية العريس الذي طلب مليكة"
نظر لها والدها وتساءل "عريس؟ ذلك الشاب الذي كان معها يوم زفافك؟"
أجابت بصدق "نعم بابا، هو تحدث مع ظافر وتم تأجيل الأمر لبعد عودتنا"
صمت الأب ولم يزيد ولا هي
****
لم يرى راكان أخته منذ وضعها بغرفتها، لكن سيف أخبره أنها رفضت الجلسة الخاصة بها وتمردت على كل شيء، ومع ذلك تركها ولم يهتم، هو بالأساس تعمد إهمالها بالإضافة لانشغاله الشديد بالمبنى الجديد تقريبا طوال اليومين التاليين
عندما عاد مكتبه بالظهيرة، ألقى جسده على المقعد ورأى ظافر يدخل ويقول "انتظرتك بالأمس راكان لحضور خطوبة مليكة، كانت جلسة عائلية"
نظر لظافر وقال "أولا أنت تعلم أن يحيى لا يقبلني نهائيا بسبب اعتقاداته عني، ثانيا أنا ظللت بالموقع حتى الثانية عشر مساء من أجل التعديلات، ثالثا كلهم كانوا معك يا رجل فلم التذمر؟"
جلس ظافر أمامه وقال وهو يتأمل ملامح صديقه بقلق "تبدو متعب فعلا، ما أخبار سارة"
قال بهدوء لا يظهر ما بداخله "لا شيء جديد، هي تتمرد على العلاج والجلسات، وأنا تركتها قليلا حتى تهدأ"
انفتح الباب ودخل وافي وقال "ليان وافقت على العمل متى تبدأ؟"
جلس على الأريكة فقال راكان "وقت ما تريد وافي، المبنى الأساسي يعمل كما تعلم، يمكنك ضمها للطاقم"
هز رأسه فقال ظافر "عرفت أن المختبر بدأ العمل؟"
وافقه راكان وقال "نعم، منذ الأمس وانضم طاقم الخبراء لهم"
دق الباب ودخل سيف فنهض وافي وقال "سأضم ليان لهم راك"
لم يرد مما يعني الموافقة، بينما تبعه ظافر وهو يقول "العشاء عندي يوم الجمعة وأحضر سارة وأنت ليان"
لم يرد أحد منهم وسيف يدخل ويضع ملف أمامه وقال "ما طلبته"
سقطت نظراته على الملف للحظة ثم سأله "أين رائد"
أجاب سيف "بالمبنى الجديد"
رفع وجهه له وقال "ما أخبار حاتم؟"
رد سيف بلا تفكير "عاد لحياته، حصل على فيلم جديد وبدأ التصوير وما زال مع تلك المرأة، هو تزوجها"
عاد بنظراته للملف وقال "ذلك الملجأ ماذا فعلت بشأنه؟"
اعتدل سيف وقال "أنت لم تأمر بشيء"
لم ينظر لسيف وقال "هل تحتاج لأمر مني بذلك الأمر سيف؟ ارسل شيك كافي بكل ما يلزم" ثم رفع عيونه له وقال "لا، أرسل أحد مهندسينا لرؤية اللازم وتكفل بكل شيء وضع لهم مرتب شهري"
لم يجادل سيف واعتدل هو ليفتح الملف الذي أمامه وسيف ظل واقفا يراقبه بصمت منتظرا أوامره
****
أنهت رهف حاضرتها بالجامعة وجمعت الكتب خاصتها وخرجت من المدرج لتعود لمكتبها، عندما اصطدمت بفايز والغضب يظهر على ملامحه
تركت باب المكتب مفتوح وقالت ببرود "أهلا دكتور فايز"
أبعدت الكتب على المكتب ولم تنظر له فقال "هل تظنين أنك ستنافسينني؟"
جلست ورفعت رموشها البنية له والدهشة ملأت عيونها من سؤاله "ولماذا أفعل؟"
لم يجلس وهو ينحني على مكتبها ويقول بطريقة فظة "لأنكِ تظنين أن بإمكانك تسليط جمالك على العمدة أليس كذلك؟ كما فعلتِ معي ومع كل من تعرفينه"
هتفت بغضب "كيف تجرؤ؟ اخرج الآن"
لم يتحرك وهو يقول "ليس قبل أن أحذرك؛ لو لم أحصل على تلك الوظيفة فلن تحظين بيوم جيد بعد الآن"
والتفت ذاهبا تاركا إياها بين الدهشة والقلق
ليس خوف فهي لا تخاف أحد، تعلمت مواجهة كل مشاكلها بشجاعة وقوة، مواجهة الحياة وحدك تجعلك تنفض الخوف وتتحلى بالشجاعة والتحدي، فقط الوحدة هي ما تشاركك كل شيء ورغم وجود حبيبة إلا أن الوحدة التي معها مختلفة
ما أن عادت لنفسها ورفعت وجهها حتى رأته أمامها، تقريبا اتسعت عيونها دون أن تدري وهي تحدق به وهو يقف يسد الباب ويداه بجيوبه ونظراته ثابتة عليها حتى قال
"هل تسمحين لي؟"
ظلت صامتة، مصدومة، لا تعرف ماذا تفعل؟ هل يمكنها أن تراه هنا بالفعل؟
عندما لم ترد تحرك للداخل وتأمل مكتبها ثم قال "أعتقد أن الصمت علامة القبول، مكتبك جميل"
جلس أمام مكتبها ونظراته تتجول بالمكان ثم ثبت على عيونها الذهبية وقال "أردت معرفة الخلاف الذي بينك وبين دكتور فايز"
استعادت نفسها ولسانها عاد للعمل وهي تقول "أنت، أقصد حضرتك أتيت هنا لذلك السبب؟"
لم ينزع عيونه عنها وقال "لم أكن سأراكِ بأي مكان سوى هنا، لا بيتك ولا بالشارع طبعا"
كلماته تفاجئها وهي لا تعرف بماذا تجيب فقالت "لماذا لم تسأل فايز؟"
تأنى قبل أن يجيب "لأني أعرف أنه لن يجيب بصدق"
نهضت لتفر من أمامه هي لا ترغب بذلك اللقاء ولا التدخل بحياتها حتى ولو كان صاحب العمل، العمدة، الرجل الذي تعرفه مصر كلها
لماذا يهتم بها هي؟
توقفت أمام النافذة وقالت "ألا ترى أن ذلك أمر لا يخصك سيد راكان؟"
نهض وتحرك ليقف خلفها وقال "راكان"
التفتت لتراه يواجها، عيونه العسلية تحبس عيونها وعطره يلف حولها كالنسمة العطرة بصباح مشرق منعش
لم ترد وعاد يقول "أصبح يخصني بعد أن أصبحتِ من مجموعتنا"
هتفت بلا ضعف "لست من المجموعة يا فندم، بل موظفة عندك ولا أظنك تهتم بكل موظفيك بهذا الشكل"
كان يعلم أنها على حق ومع ذلك لن يعترف بذلك، أراد أن يعرف عنها كل شيء ولم يكتفي بما جمعه سيف عنها بل نزل بنفسه ليتأكد مما عرفه ويعرفها هي نفسها عن قرب
قال بهدوء "ليس كلهم بالطبع فقط من يملكون منصب هام بالشركة"
تورد وجهها وهي تتماسك أمامه وقالت "سيد راكان، نحن بالجامعة ووجودك هنا سيثير القيل والقال حولي فمن فضلك اذهب"
ابتسامة قصيرة علت فمه وهو يلاحق عيونها وقال "يمكنني الذهاب بشرط، أن نتناول قهوة سويا بأي مكان تختاريه"
شحب وجهها وتراجعت وهي تقول "أنت مخطئ لو ظننت أني من تلك النوعية من النساء"
هز رأسه ببطء وهو يقول "أنا لم أظن بكِ أي شيء دكتورة، أنا أتيت لأعرفك بشكل صحيح"
شلتها نظراته وكلماته، ولكنها ما زالت قوية فابتعدت من أمامه وقالت "من فضلك اذهب، ليس هذا مكان التعارف ولا سواه"
ظل مكانه ولم يتحرك وهو يقول "هل تعرفين أن فايز يريد إزالتك من طريقه؟ أعتقد أن له ماضي معك"
التفتت له كما فعل هو الآخر وهي تهتف بغضب "كيف تجرؤ؟"
كانت شاحبة وهو ألقى بما لديه بلا تردد ثم تقدم ليقف أمامها وهي ترفع وجهها لتصل لوجهه وهو يقول "ألم يطلبك للزواج وتمت خطبتكم؟"
هزت رأسها بلا وعي وماضي لعين يلفها حتى شعرت بدموع ترتفع لها فتحركت مبتعدة وقالت "اخرج من هنا"
لم يقبل التراجع كعادته وهو يسألها "لماذا ترفضين مواجهة الماضي؟"
هتفت بقوة "لأن الأمر لا يعنيك، تدخلك بحياتي الشخصية ليس من حقك، نحن لا نعرف بعضنا البعض لذا توقف عما أردت إثباته واذهب"
قال بنفس الهدوء "أنا لم أرد إثبات أي شيء، أردت معرفة الحقيقة"
هتفت بعصبية لأنها لا تفهم "لماذا؟"
تحرك ليقف أمامها وقال "لأنكِ تعرفين أن فايز يتربص بكِ ولن يتركك، خاصة لو علم أنه تم قبولك لدي ورفضه هو"
تجهم وجهها أكثر وجف حلقها ولكنها قالت "وما شأنك أنت؟ من منحك الحق بالتدخل بحياتي؟"
رفع وجهه وقال بملامح جامدة "أنا العمدة دكتورة"
أشاحت بيداها بالهواء وقالت "منذ متى يهتم العمدة بأمثالي؟"
رفع حاجبه وقال "منذ أصبحتِ واحدة من جماعتي هذا ما تحدثت عنه، فايز مصدر قلق بالنسبة لكِ، لذا لابد أن أفهم"
قالت بنفس الجدية "لست بحاجة لتفهم أي شيء، أنا أستطيع حماية نفسي جيدا ولو كنت قلق أن أسبب لك أي مشاكل يمكنني الاعتذار عن الوظيفة"
لم يصدق كلماتها له وهي ترفضه بهذا الشكل، كل امرأة اقتربت منه أرادت كل اهتمامه وقوته وأمواله وهو من كان يوقفها لكن هي لا، هي تعلن عن تنازلها حتى عن الوظيفة التي هي بحاجة لها من أجل أن يبتعد
نظراته لها كانت غامضة ولم تفهم منه شيء حتى قال "فايز يمكنه أن يبيع ولائه لمن يدفع أكثر، ناهيك عن غروره وشعوره بأنه الأفضل وهو يجدك منافسه الأول والأخير، ودخولك بيننا دونه قد يمثل خطر عليكِ"
قالت بلا تفكير "وأنا لا أخاف أحد ويمكنني حماية نفسي جيدا ولست بحاجة لأحد، هل تذهب؟"
استطاعت حقا إغضابه وهو يقول "هذا العناد لا سبب حقيقي له، أنتٌ لا تعرفين من أنا؟"
رفعت رأسها وقالت "هذا هو الحديث الذي انتظرته، أن أعرفك جيدا يا عمدة، ولكن هذا لا يخصني ولا يهمني بشيء فأنت لا سلطة لك علي"
قوتها تغضبه فتحرك خطوة تجاهها وعيونه تبرق بغضب واضح بينما تراجعت هي أمامه وهو يقول "أنا لي سلطة على الجميع وأنتِ منهم شئتِ أم أبيتِ، ومن الأفضل معرفة ذلك جيدا لأن هذا لن يكون لقاءنا الأخير"
وتحرك خارجا وهي ارتجفت، ليس فقط من كلماته ذات المعاني الكثيرة، وإنما من نبرة صوته التي تشبه الرعد بليلة ممطرة بلا توقف..
وتوعده هذا أخافها أكثر.. لن يكون لقاءنا الأخير..
تابعت ظهره العريض وهو يخرج من الباب بقوام ممشوق وخطوات رشيقة رغم ملابسه الرسمية وتحركت لمقعدها وجلست عليه ودموعها تقفز وراء بعضها بغزارة..
ما الذي أقحمت نفسها فيه؟ ألم يكفيها فايز وما عمله معها؟
ومن قبله الكثيرين ممن سقطوا بطريقها يطمعون بجمالها الذي لم تكن تراه بالأساس
لم تصدق يوما أنها جميلة فهي حقا عادية كأي فتاة، فقط عيونها مختلفة بلونها الذهبي، لكنها حافظت على ارتداء ملابس محتشمة ورسمية جدا تحتمي خلفها، هي حتى لم تطلق شعرها أبدا بأي يوم..
كان كل همها أن تنهي دراستها لتتخلص من العمل الاحتياطي لجلب المال، وفعلت حتى أصبحت معيدة بالجامعة والرجال لا تتركها
الآن وهي دكتورة ناجحة أيضا لا يتركونها، لكنها كانت تقاوم وما زالت وحتى من استطاع خداعها كشفته وتخلصت منه
لكن..
أن يقف العمدة أمامها فهي بالتأكيد أضعف من الوقوف أمامه ولكنها ستفعل ولو كلفها الأمر تلك الوظيفة التي كانت تحلم بها فشرفها وكرامتها أغلى بكثير ولن تضحي بأي منهما مهما كان الثمن حتى ولو كان العمدة..
راكان زيدان الرجل الذي لا يهزم
****
ركبت مليكة بجوار يحيى بالسيارة وابتسامة رقيقة ترتسم على وجهها، لأول مرة تخرج معه وهي خطيبته، ظافر اختار خطوبة عائلية ولعدم وجود وقت تم الأمر بنفس الليلة التي حضر فيها يحيى مع والده وأخته وارتدت دبلته بسعادة وخاتم ذهبي جميل واسورة ذهبية رقيقة
تحرك بالسيارة وهي تنظر بالخارج وقالت "سيارتك جميلة"
ابتسم وقال "لا تقارن بسيارة ظافر طبعا"
التفتت له وقالت "أنا لا أقارن أي شيء يخصك بظافر يحيى"
نظر لها وابتسم وقال "لم أقصد شيء، فقط أخبرك أني أعلم أن حياتك مختلفة عني كثيرا"
تساءلت من معنى كلماته وقالت "أنا لا أفهم شيء، أي اختلاف الذي تتحدث عنه يحيى؟"
تعلق نظره بالسيارات وهو يجيب "أنكِ ابنة الحلواني وأخيكِ شريك العمدة، أعلم أن هناك فروقات بيننا ولكن.."
قاطعته بجدية وصدق "أي فروقات؟ أنا لم أفكر بذلك يوم ارتبط بك يحيى ولا أتمنى أن تجعل ذلك حاجز بيننا لأنني لا أقبل بذلك"
هز رأسه وقال "حسنا لن أفعل حتى تفعلي أنتِ، ما رأيك بالغداء بمكان رائع؟"
تناست كلماته وقالت "حسنا هذا أفضل فأنا لم أتناول إفطاري"
لم يرد وهو يقود وسط الزحام، وشردت قليلا بكلماته وهي لم تذكر يوما تلك الفروقات التي يتحدث عنها فهل يمكن أن تكون سببا بخلافات بينهم بيوم ما؟
الغداء كان رائع والأحاديث انحصرت عن حياته بالخارج ولم يجدد الموضوع مرة أخرى مما منحها إحساس بالراحة وتمتعت بالخروج معه لأول مرة
****
شقة رهف كانت جيدة، حصلت عليها بعد عملها الأول بالشركة العالمية.. المرتب كان رائع حتى وقف فايز بطريقها وتسبب بتقديمها لاستقالتها كي لا يتم طردها
الجامعة هي المكان الوحيد الذي لم يمكنه أن يحاربها فيه، ربما لأن عميد الكلية كان يعلم أنها مميزة ويتمسك بها وعلى دراية بسلوك فايز معها
دخلت الشقة ومعها أكياس البقالة والخضار ونادت "حبيبة، حبيبة؟"
عندما لم تجيب عرفت أنها لم تصل من الدروس التي تنالها بالثانوية العامة
بملابسها على المطبخ الصغير ولكنه جيد، الشقة إيجار بالطبع ولكنه مبلغ مناسب لها، وضعت الطعام على الموقد وعادت غرفتها، استبدلت ملابسها الرسمية القليلة بجينز وقميص مريح، ملابسها القديمة تمنحها راحة
انتهت من الطعام عندما دق باب الشقة فتحركت لتفتح لتتفاجأ بفايز أمامها فلم تتراجع وهي تقول بغضب "ماذا تفعل هنا؟"
كانت نظراته على جسدها واضحة، وهذا كان من أسباب فسخ ارتباطهم، كان دائما يطمع بما لم تسمح به لأنه كان يتجاوز كثيرا
كان بأوائل الثلاثينات وملامحه ليست سيئة، ظنت أنه سيكون رجلا تحتمي خلفه ويساعدها على اجتياز مصاعب الحياة ولكن اسبوع واحد وقذفت دبلته بوجهه لتجاوزاته المستمرة
عاد لوجهها وقال "ظننت أنني بحاجة للاعتذار عن كلماتي لكِ اليوم بالمكتب"
ظلت تسد عليه الباب وقالت "لست بحاجة لاعتذارك فايز، فقط اذهب واتركني بحالي وانساني"
ابتسم ببرود واضح وقال "لم أستطع رهف، حقا لم تأخذني امرأة مثلما فعلتِ بي، لم لا نعود سويا ونجدد خطوبتنا؟"
هتفت بقوة "لا، أنا لن أعود لك أبدا"
تحرك ليدخل ولكنها ظلت مكانها تسد الباب وهي تقول بغضب "إلى أين؟"
تبدلت ملامحه وهو يقول "نتحدث بالداخل رهف، لا يصح هذا"
الغضب زاد داخلها وهي توقفه بكلماتها "ما لا يصح هو دخولك وأنا وحدي ولا رجل بالداخل"
اندفع مرة أخرى بطريقة جعلتها تضطر للتراجع وهو يقول "وهذا أفضل شيء، نحن وحدنا فقط لنستمتع"
هتفت وهي تتراجع "لا، سأصرخ والجميع سيمسكون بك"
كان قد تخطى الباب وأمسكه ليغلقه وهو يقول "ومن سيمكنهم مني؟ سنغلق الباب وستتعلمين كيف تغلقين فمك هذا وتمنحيني ما أريده وإلا سأناله من شخص عزيز عليك"
صرخت به وهي تفهم تهديده، دائما كانت نظراته لها ولحبيبة غير مريحة وهي تعلم أنه ليس سوي، عرفت ذلك بعد خطوبتها له
هزت رأسها وقالت بقوة "لن تجرؤ، سأبلغ الشرطة عنك"
ضحك وهو يقول "ومن سيصدق كلماتك؟"
كان يحاول إغلاق الباب وهو يضحك، لكن دون فائدة وكأن شيء يصده فالتفت وهو يكمل آخر سؤال وصوت رجولي قوي يجيبه "أنا سأصدقها"
كانت عيونها قد رحلت له وهو يقف ويسد الباب ببنيته الفارهة ويده تمسك بالباب بقوة ونظراته الحارقة من الغضب والتي أسقطها على فايز عندما لف جسده كله ليواجه راكان
اهتز فايز وشحب وجهه وهو يقول بصوت منخفض "سيد راكان!؟"
أبعد فايز يده عن الباب وهو يتراجع بارتباك وراكان يحاول السيطرة على غضبه وهو يقول "من الجيد أنك لم تنساني، ماذا تريد منها؟"
كلمات فايز كانت متعثرة وهو يجيب "هي، هي خطيبتي وبيننا خلاف وأنا أحاول.."
قاطعته هي بغضب "أنا لم أعد خطيبتك، ولا أريد أن أكون بأي يوم، ليس بيننا أي شيء"
التفت لها بغضب وهتف "اسكتي"
هتفت "لن أسكت واخرج من بيتي"
تقريبا نسى فايز وجود راكان وتحرك بغضب لها ولكن.. قبضة راكان على ذراعه كانت أسرع وأوقفته ليرتد له وراكان يقول "الطريق من هنا أم نسيت؟"
نظرات فايز ارتفعت لوجه راكان الجامد وخلص ذراعه من قبضته بصعوبة وهتف "أعتقد أن الأمر ليس من شأنك سيد راكان، ما بيننا يخصنا فقط"
لم تتبدل ملامح راكان رغم غضبه، بل نبرته هي التي تتحول للقوة لتفزع من أمامه وهو يقول بثبات "قالت أن لا شيء بينكم، فلتخرج كما طلبت منك"
فايز لم يتراجع وهو يقول "أخبرتك أن الأمر لا يخصك"
اقترب راكان منه بشكل جعل فايز يهتز قليلا وراكان يقول "طالما هي تعمل عندي إذن هي تخصني، وإن لم تخرج الآن بنفسك سألقيك من تلك الشرفة حتى لا تقف بوجهي مرة أخرى"
تراجع فايز خطوة وهتف "أنت تهددني؟"
كالعادة أجاب "العمدة لا يهدد، بل يمنح فرصة واحدة فلتأخذها وتنجو بنفسك"
نظرات راكان كانت تشتعل بالغضب ونبرته الغاضبة أيضا تثير الرجفة بمن أمامه وهو ما حدث لفايز الذي لم يطيل التحدي وتحرك ولكن..
راكان وضع يده على صدر فايز ليوقفه دون النظر له وقال "لو تعرضت لها مرة أخرى ولو بكلمة فلن تواجها هي وإنما ستواجهني أنا"
شحب وجهها هي من كلماته وما يمكن أن يبني فايز عليها من إشاعات..
أبعد راكان يده حتى يتحرك فايز الذي زاغت عيونه على وجه راكان ثم فر مسرعا للخارج دون أن يزيد
بينما تراجعت هي لمقعد بوسط المكان الواسع وجلست دون النظر له وهو لم يتحرك ونظراته سقطت عليها وقد شحب وجهها وابيضت يداها
تحرك لها وقال بنبرة ذهب منها الغضب والقوة وقد عاد له الهدوء "هل أنتِ بخير؟"
لم تنظر له وهي تقول "أنت منحته سبب ليؤكد ما يقوله عني"
ظل واقفا أمامها وقال "لأني منحتك حمايتي"
رفعت وجهها له وقالت بجدية "أنا لست بحاجة لحمايتك، أنا لست بحاجة لأحد"
كلماتها تلك تصيبه بالجنون فقال "كاد يغتصبك"
هتفت "ولكنه لم يفعل، ليست أول مرة يحاول فيها ذلك ولم ينجح ولن ينجح"
انحنى عليها ونظراته ثابتة على عيونها وقال "لو أغلق هذا الباب عليكِ فلن تفتحيه إلا وأنتِ ضحية له، أنا وأنتِ والجميع يعلم مشكلته مع النساء ولم يكن سيوقفه أحد"
لم تتراجع وهي تقول "ولن يوقفه أحد بعد ما حدث اليوم، سيتجول بالجامعة ليتحدث عن سمعتي"
لم يبتعد ووجه يواجه وجهها وهو يقول "حقا أنتِ لا تعرفين من أنا دكتورة"
عيونها الذهبية ظلت تنظر له بلا جواب فقال "لكن هو يعلم، والآن أصبح يدرك أنكِ تحت حماية العمدة ولن يجرؤ على التفكير بمد إصبع واحد تجاهك"
لم تفهم كل ما قاله وهي تسأله والحيرة تتلاعب داخلها وتظهر بالذهبية التي تحدق به "ولماذا تفعل معي ذلك؟"
الصمت لفه، ليس لأنه لا يريد أن يجيب، ولكن لأنه لا يملك إجابة وهي تنتظره وعليه أن يجيب فقال "أخبرتك من قبل أنكِ أصبحتِ تنتمين لي، أقصد لشركتي ولن أقف ساكنا وأنا أراه ينتهك ما لا يخصه"
لم تجد الإجابة كافية ولكن نظراته الثاقبة لها وكلماته الواثقة جعلتها تقول "كيف عرفت بقدومه هنا؟"
ابتعد وقال "العمدة يعرف كل شيء يا دكتورة"
ظلت رأسها مرفوعة وهي تقول "شكرا لاهتمامك هل تنتظر مني شيء آخر؟"
ارتفع حاجبه وهو لا يصدق أنها تعني معنى خفي من وراء سؤالها فعاد ليقف أمامها وقال "شيء؟ أي شيء؟"
نهضت فتراجع وهي ترفع رأسها لتصل لوجهه وقالت بتحدي واضح وجرأة أذهلته "ثمن للحماية التي فرضتها علي؟"
ضربته كلماتها والمعني الخفي بينها فلم يسمح لأي تعبير على وجهه بالظهور وهو يجيب "حمايتي لا ثمن لها يا دكتورة"
قالت بعناد "أنا لم أطلبها فهل تتركني وشأني؟ أنا لا أريدك هنا، لا أنت ولا سواك"
لم يصدق للمرة الثانية أنها تطرده بكل جرأة، فارتفع غضبه أكثر وكالعادة ظل هادئا وهو يقول "جيد، لأني سئمت من التواجد بمكان كهذا"
وتحرك ليذهب ولكنه وقف عندما رأى فتاة لم تتعدى السادسة عشر تقف أمامه، تحمل حقيبة على كتفها وتحتضن كتب
التقى بعيونها التي كانت تتحرك بينه وبين رهف، تلك العيون العسلية والشعر البني القاتم، جسد رشيق طويل ومتناسق، بشرة خمرية ناعمة، هي تقريبا تشبه رهف
ظل ينظر لها كما فعلت هي وهي لا تفهم من هو وماذا يفعل هنا؟
رهف هتفت "حبيبة، تعالي"
رهف تحركت ومرت من جواره تجاه الفتاة ولفتها بذراعها وما زالت عيونه تلف الفتاة الصغيرة بشكل غريب وكأن رؤيتها جمدته بلا سبب
ما الذي أصابه عندما التقى بتلك العائلة؟
الفتاة قالت بصوت رقيق "من هذا رهف؟"
لم تنظر رهف له وهي تتحدث للفتاة وقالت "لا تهتمي بشيء وتعالي للداخل"
ولكن الفتاة كانت تنظر له بقوة وتساؤل وهي تعيد سؤالها "من هو رهف وماذا يفعل هنا؟"
رمقته رهف بنظرة جانبية وهي تراه يحدق بالفتاة فقالت "رئيسي بالعمل، ادخلي غرفتك من فضلك"
تحركت الفتاة بطاعة لكلمات رهف ومرت بجواره ونظراته ما زالت عليها حتى اختفت من أمامه فقال "من هي؟"
كانت قد عادت ووقفت أمامه وقالت "ابنة بنت خالتي، أخبرتك من قبل"
ظل صامتا لحظة ثم تحرك للخارج دون أي كلمات والتفتت لتتبعه بنظراتها وهي مندهشة من تصرفاته من أولها لآخرها وتدخله الغريب بحياتها
أغلقت الباب واستندت عليه وأغمضت عيونها وهي تتنفس بقوة ولا تعرف ما الذي أقحمت نفسها به؟
من هو ذلك الرجل الذي اقتحم حياتها وهي لا تعرف عنه شيء؟ ماذا يريد منها؟ لماذا يفرض عليها حمايته؟
صوت حبيبة أعادها وهي تقول "ماذا حدث رهف؟ من هو ذلك الرجل؟ وماذا كان يفعل هنا؟"
تحركت لها ووقفت أمامها وقالت "كان يحميني من فايز الذي تهجم علي"
نفخت الفتاة وقالت "ذلك الجبان لن يكف عن ذلك؟"
تحركت للمطبخ وقالت "ربما، كيف كانت دروسك؟"
أجابت الفتاة "جيدة، لدي امتحان غدا بالمدرسة والمدرس راجع معنا بالدرس، رهف أنا"
كانت تعد الأطباق وتوقفت عندما توقفت حبيبة ونظرت لها وقالت "أنتِ ماذا؟"
أخفضت الفتاة وجهها فتحركت لها وقالت "هل تحتاجين أموال؟"
هزت رأسها وقالت "مذكرة اللغة الانجليزية"
ابتسمت وقالت "بعد الغداء سأمنحك ما تريدين، أعدي المائدة"
تفاجأت عندما احتضنتها الفتاة بقوة فلفت ذراعيها حولها والفتاة تقول "رهف أنا أحبك جدا"
أغمضت عيونها وقالت "أعلم، وأنا أيضا حبيبتي، تعلمين أني أعتبرك كابنتي التي لم أنجبها"
ابتعدت وقالت "لستِ كذلك، بيننا أثني عشر عاما فقط رهف، ربما أختي الكبيرة أفضل فأنتِ صغيرة على الأمومة"
ضحكت وقرصت أنفها وقالت "حسنا يا شقية، أنتٌ أختي الصغيرة، هيا أنا جائعة"
تحركت الفتاة وتابعتها رهف بنظراتها..
كانت بالثانية عشر من عمرها عندما رحلت ابنة خالتها بعد ولادتها لحبيبة وتولت هي ووالدتها تربية الفتاة الصغيرة، بعد خمس سنوات رحلت الأم وهي صارعت الكثير لتكمل المسيرة، وها هي تراها شابة رائعة ومتفوقة بدراستها وتريد أن تكون مهندسة ميكانيكا ولكن ما زال مشوار الثانوي طويل
****
الشركة الجديدة كانت وهم من الداخل، كل شيء على أحدث طراز حقا، الالكترونيات الحديثة تتحدث وليان تستجيب وهي تتحرك إلى حيث وصف لها وافي حيث ستجد مكانها الجديد
ما أن خرجت من المصعد الفاخر حتى رأت ممر فسارت لتصل لغرفة جانبية، وضعت الكارت الخاص بها على اللوحة الجانبية فانفتح لترى مكان كبير وأجهزة بكل مكان وعدد من العاملين كل أمام جهازه
ما أن خطت خطوة حتى تحركت لها امرأة وقالت "آنسة ليان؟"
التفتت للمرأة وهزت رأسها بالإيجاب فقالت المرأة "من هنا"
تحركت خلفها حتى توقفت أمام باب آخر دقته وفتحت وقالت "تفضلي"
قلبها كان يرتجف بقوة من كل ما يحدث لها، وافي لم يمنحها أي فكرة مسبقة عن المكان، الغرفة كانت فاخرة بشكل مبالغ وجانب زجاجي كامل يظهر الخارج بكل العاملين فوقفت تشاهدهم مبهورة بكل ذلك حتى انتفضت من الصوت الذي قال
"أعجبك!؟"
التفتت بفزع عندما لم تصدق أذنيها لتلتقي به، رائد، ماذا يفعل هنا؟
وافي لم يخبرها بأنه بمصر، المفاجأة ألجمت لسانها ووسامته التي تعرفها ضربتها بقوة
تحرك تجاهها بأناقته الرسمية حتى وقف أمامها وعيونه تخترق عيونها وهي لا تفارق نظراته بل ارتفع رأسها ليصل لوجهه وعاد يقول
"سألتك هل أعجبك المكان؟"
استوعبت نفسها وما يحدث حولها ففرت من عيونه للجدار الزجاجي وقالت بارتباك "نعم"
التفتت لتبتعد عنه وقالت "كل شيء جميل"
قلبه كان يدق بقوة وهو لم يعرف تلك الدقات من قبل ولم يمكنه التحكم بها، فقط تجاهلها وقال "وافي أخبرني بأنكِ ترغبين بالعمل من أجل دراستك؟"
لم تلتفت له وقالت "نعم"
كانت غاضبة منه لأنها تذكرت عشيقته ومن نفسها لأنها ضعيفة أمامه، عاد وقال "اخترت لكِ مكان سيعجبك"
التفتت له وقالت "أنت!؟"
كان جامدا بمكانه، اختفت النظرة البريئة من عيونها الجميلة وظهرت أخرى غاضبة جعلته يرغب بصفع نفسه لأنه يهتم بتلك الطريقة، وربما يدرك أنه سبب ذلك الغضب بتلك العيون الرائعة
قال "أنا المسؤول عن توزيع المهام هنا، نحن شركاء"
لم ترد وظلت تنظر له وملامحه الجذابة ظلت أمامها، قلبها ارتجف بقوة، هي مرتها الأولى معه بمفردها ولا تعرف كيف تواجهه وما الذي عليها فعله؟
تحرك ليقف أمامها ولاحظ قصر قامتها ولكن لاحظ أيضا أنها زادت جمالا بشكل يضعفه أكثر، اللعنة على راكان ووافي، وكأنهم اشتركوا بنصب المكيدة له لوضعها بطريقه وهو الذي أراد أن يبتعد عنها ألاف الأميال
قالت بارتباك "نعم أعلم، هل تخبرني مكاني لأبدأ العمل؟"
نظراته لها كانت أكبر من أن تفهمها ونظراتها كانت مغلقة، لم يمكنه أن يقرأ ما خلفها..
كلاهم كان لا يفهم الآخر ولا يدرك كيف يتعامل مع الآخر..
هو..
شعر وكأنه لأول مرة يلتقي بامرأة، نعم هي امرأة، وليست فتاة التاسعة عشر أو العشرين، امرأة فاتنة بعيون تأخذ الأنفاس، جعلته يختار أبعد مكان ليختفي به منها
وهي..
لم تعرف ماذا يمكنها أن تفعل بوجوده أمامها هكذا لأول مرة ووحدهم؟ رغبت بالهروب، الفرار من هنا بل من المبنى كله ولكن قدماها تخونها، عقلها يجذبها للباب وقلبها يجمدها بمكانها
قال بنبرة خافتة "ليان أنا.."
نظراتها ظلت ثابتة على عيونه، اسمها مختلف منه، نبرته مختلفة لم تسمعها من قبل، نظراته لها تعجبها وتخيفها، لم تنسى أنه رجل نساء، نساء!؟
ابتعدي أيتها المجنونة
وبالفعل تراجعت خطوة للوراء وهو كاد ينحني ليقترب منها لكن تراجعها جعله يفيق من الحلم..
قربها، رائحة عطرها المميز، عيونها الشاردة، كل هذا سرق عقله منه، نزع عنه كل التعقل ولفه بالجنون لكن تراجعها أوقفه، أعاده للحقيقة؛ أخت صديقه
رفع يده لشعره ومررها بخصلاته الناعمة وتلألأت الفضية بها مما زاده وسامة وهو يقول "أنا أعددت لكِ مكان مميز أعتقد أنه يتناسب مع دراستك، هل تريدين رؤيته؟"
هزت رأسها وهي توقف ارتجاف جسدها وخفقان قلبها المؤلم وتسيطر على قدميها الجامدة بالأرض
تحرك للباب وفتحه ونظر لها فتحركت لتتقدمه للخارج متجنبة النظر لعيونه ولم تفكر بتأثير قربها منه وهي تعبر من أمامه، ولا تأثيرها هي عليه..
فقط خرجت وتوقفت ليتبعها حتى تقدم وهي معه بين الجميع المشغولين وهو يعرفها بالمكان وتخصص كل مجموعة، انبهرت بكل ما تراه والاتصالات الحديثة والأقمار الصناعية
عالم رائع أحبته وشعرت بسعادة لتواجدها به
مقعدها كان أمام أجهزة مماثلة، حرك المقعد للخلف وقال "مكانك"
نظرت له ثم للمقعد وتحركت وجلست وهو دفع المقعد قليلا لتقترب من الجهاز الذي أخذ نصف دائرة بشاشة كبيرة أمامها ولم تنتظر ويدها تعبث بالأزرار حتى ظهرت البيانات على الشاشة وهي تستمر حتى شعرت بأنفاسه بجوار وجهها وهو يقول
"تجيدين التعامل معه"
ابتعدت على الفور ولفت رأسها لتلتقي بوجهه القريب، وقد انحنى ليقترب منها وعيونهم التقت فقالت "اعتدت على استعماله بأماكن مختلفة"
هز رأسه واعتدل وهو يقول "إذن سأتركك لاكتشاف المزيد والمسؤول سيخبرك عن المهام الخاصة بك"
لم تبعد عيونها عنه ولا هو حتى قالت "شكرا لك"
لم يرد ومنحها إيماءة من رأسه ثم ابتعد وهي تتنفس مطلقة الهواء الذي كانت تحبسه بصدرها وكأنه هو من حبس أنفاسها بوجوده
لم يكن من السهل عليها التركيز بالعمل وهي تعلم بوجوده حولها ولكن عليها أن تفعل كي تثبت لوافي أنها جديرة بمكانها وأن مخاوفه ليس لها صحة من الأساس، لذا صبت كل اهتمامها على العمل الذي كلفها به أحدهم وهو ما عرفت فيما بعد أنه الرئيس المباشر للجميع لكنها لم تلتقي به
مر الوقت بسرعة ولم تتحدث مع أحد حتى رن جرس بالمكان فرفعت وجهها لترى الجميع ينهض فنظرت لامرأة تمر فسألتها "إلى أين؟"
نظرت لها المرأة وقالت "المطعم، الشركة تمنح غداء للجميع بوقت الراحة الذي هو الآن، المطعم من هنا"
كانت تتابع إشارة المرأة فأغلقت جهازها ونهضت ولكن قبل أن تذهب رأته يتحرك تجاها..
توقفت بمكانها وهو يتحرك عكس الجميع وهي عرفت أنه يتحرك لها، توقفت ونظراتهم ثابتة حتى وصل لها وقد خلع جاكته وطوى أكمام قميصه فبدا أصغر بكثير من عمره حتى توقف أمامها فرفعت رأسها له وهو يقول
"كيف كان يومك الأول؟"
لم تبتسم أو تمنحه أي تعبير، ارتباكها من وجوده كان يجعل وجهها جامدا وهي ترد "شيق ومثير"
ظل ينظر بعيونها التي تأخذه لعالم آخر، عالم نساه منذ سنوات كثيرة يوم فقد عذريته كرجل، يوم فقد براءته عندما خانته أول امرأة أحبها ومنحها نفسه وقلبه حتى مسحت بكرامته الأرض ووقفت على جثته تضحك ساخرة على الحب الذي كان يتحدث عنه
منذ ذلك الحين وهو يدهس كل امرأة بقدمه دون بكاء عليها ولا حتى رحمة لأنها تمنحه نفسها، إلا تلك العيون.. لم يجرؤ على التخطي تجاها خطوة واحدة، بل كان يرتد للخلف خطوات مانعا نفسه عنها وعن براءتها التي تلمع بعيونها
لكن اليوم هي أخت صديقه ولابد أن يهتم بها وكأنه لا يبحث عن مبرر ليكون معها
تدارك نفسه وقال "هيا لقد طلبت الغداء لنا سويا بمكتبي"
انتظرها أن تتحرك ولكنها ظلت بمكانها وهي ترد "لا"
اعتدل بمكانه ونظراته كلها تساؤل وهو يردد "لا!؟"
قالت بلا تردد "لابد أن أنضم للباقين، أنا هنا للعمل ولا أريد أن أختلف عنهم"
اقترب حتى بدا عملاقا من قربه منها وقال بعصبية غير واضحة إلا له "لكنك مختلفة، أنتِ مختلفة عن الجميع، أنتِ أخت المالك"
قالت بإصرار "أنا هنا لست أخت المالك، أنا مجرد متدربة مثلي مثل الجميع، ماذا سيقولون وهم يروني بمكتبك وحدي؟"
ظل قريب حتى أنها تعرفت على عطره ولم تتراجع من قربه وهو لا يجد إجابة لكلماتها، كل العاملات لديه يشتهين لحظة بمكتبه، كلمة منه، نظرة أو ابتسامة وهي ترفض الغداء بمكتبه الزجاجي الذي يرى الجميع من خلاله من بالداخل؟
بالنهاية سيظل رجل نساء بالنسبة لها وستظل تتراجع عنه مهما تقدم منها، وهو عليه أن يتراجع بلا تفكير وهو ما فعله..
التف بلا كلمة واحدة وذهب
تابعته وهو يبتعد من أمامها وفتحت فمها لتعتذر أو توقفه أو تذهب معه كما طلب، ولكنها أغلقت فمها واستوعبت ما يحدث، هي فعلت الصواب.. لابد أن تظل بعيدة عنه بعد المشرقين
هو لديه عشيقة ونساء أخرى كثيرة وهي لن تكون أبدا تلك المرأة وهو لن ينظر لها
****
دخل سيف مكتب راكان بالقصر فوجده واقفا أمام النافذة، تحرك ووقف بجواره كعادته وقال "أنت لم ترى الآنسة سارة منذ ذلك اليوم"
لم ينظر لسيف وهو يتناول القهوة التي كانت بيده وقال "أعرف أخبارها من الأخصائي والطبيب"
تجرأ سيف وقال "لا تبدو بخير؟"
لم ينظر لسيف وهو يقول "لا شيء، هل الأمور جيدة بالمبنى الجديد للمشروع؟"
قال سيف "نعم، سيد رائد يدير كل شيء كما لو كنت أنت، اسبوع كثير وتم به الكثير أيضا ورأس السنة اقترب، هل قررت متى الافتتاح؟"
ظل صامتا لوهلة ثم قال "لا، اجتماع مجلس الإدارة غدا وسنحدد به، ماذا عن الخبراء؟"
تحرك لمكتبه وسيف يقول "هم الأفضل باعتراف سيد رائد وسيد وافي، الدكتورة رهف تمنح الكثير من وقتها وجهدها للشركة ويقال إنها أفضلهم"
ذكر اسمها يعيد له ما كان بأول الاسبوع وهو لم يراها من وقتها فقال "جيد وليان؟"
ابتسم وقال "لا تتحدث مع أحد وتتجنب أي صداقة، تحقق تقدم جيد وسيد وافي يتابعها"
ضاقت عيونه وقال "رائد لا يتابعها؟"
أجاب سيف "لا، الاثنان لا يتحدثان تقريبا"
رفع حاجبه بدهشة فقد توقع أن ينتهز رائد الفرصة ويلاحق الفتاة حتى يسقطها ببراثنه ولكنه مندهش حقا أنه لم يفعل، رغم أن نظرات رائد للفتاة كانت واضحة وكلماته معه أيضا كانت واضحة ورائد ما زال على كلمته
صوت سيف أعاده "ماذا توقعت؟"
عادت ملامحه لطبيعتها وقال "لا شيء، ماذا عن حاتم؟"
أجاب "لا جديد، ما زال يعمل ولكن بلا ضوضاء حوله كما كان"
هز رأسه عندما رن هاتفه فأخرجه من جاكته ورأى اسم يعرفه فاعتدل وأجاب "ماذا حدث؟"
أجاب الرجل "بعض الرجال حاولت اقتحام الشقة وهي فارغة ولكن الرجال تعاملوا معهم وهم موجودين عندي"
نهض وتحرك للباب وسيف يتبعه بدهشة وهو يكمل بالهاتف "أنا قادم"
****
مرت نظرات سفيان على تمارا بفستانها الأزرق الطويل مفتوح الصدر قصير الأكمام وشعرها المرفوع برقة، وجهها الفاتن بماكياج يكاد لا يذكر، ابتسمت له وقالت "هل تأخرت؟"
كان يقف أمام السيارة ينتظرها لحضور حفل صغير لأحد مصممي الأزياء وهي دعيت له، بالطبع لم يكن ليتركها وحدها
تحركت تجاهه ووقفت أمامه والتهم ملامحها بنظراته وقال "لديكِ كل الحق بالتأخير"
وجذب يدها لفمه وقبلها وعيونه بعيونها وهي تبتسم وقالت "تبدو أنيقا جدا، هل تخطط لشيء الليلة؟"
قال وهو يمنحها نظرة غير جادة "ما الذي يمكن أن أخطط له سوى أن أظل أنظر إليكِ طوال الليل؟"
ضحكت وقالت "أو أن تغوي النساء وتقتلهن بوسامتك وأناقتك"
ضحك هو الآخر وقال "وكيف سأرى تلك النساء وعيوني لا ترى سوى واحدة"
نبض قوي اندفع لقلبها فأسرع يدق بقوة وتورد وجهها وهي تقول "ومن هي؟"
كاد يقترب لكنه تذكر أنهم بالشارع فقال "تلك الفاتنة التي تأخذ أنفاسي الآن ملكة جمال عالمي"
ضحكت وقالت "أنت بارع سفيان بالكلمات"
ابتسم وقال "تعلمت معك تمارا، هل نذهب؟" هزت رأسها وتحركت معه
الحفل كان فاخر أكثر مما توقعا وحضره شخصيات معروفة لها وله، كان يقف بجوارها بدائرة من رجال الأعمال يتحدثون بالعمل عندما توقفت امرأة بجواره وقالت
"سفيان الحلواني؟ لكم اشتقت لرؤيتك"
تجهم وجه تمارا والتقط هو وجه المرأة وتذكرها، كانت ممن كان يقضي معهم لياليه، لم يبدي أي تعابير على وجهه وهو يقول "أهلا عبير كيف حالك؟"
مرت نظرات تمارا على المرأة الصناعية بكل شيء ولم تتحدث والمرأة تقول "بخير حبيبي، أين كنت مختفي؟"
تقريبا انفصل الواقفين عنهم وهو يقول "موجود"
اختصار الرد كان مقصود منه أن ترحل، كاد يلف ليمنحها ظهره لكنها قالت "أنت هنا بعمل أم متعة؟ أنا لدي مكان رائع لسهرة من سهراتنا الماضية"
لم تستطع تمارا الصمت أكثر وقالت "للأسف هو لم يعد متاح حاليا، ألم يخبرك أحدهم أنه ارتبط؟"
انتبهت عبير لها وتجولت على وجهها وملامحها تبدلت وهي تقول "حتى لو، سفيان هو سفيان، رجل النساء ولن يتبدل، امرأة واحدة لا تكفيه"
الغضب اشتعل بعيون تمارا وهتفت دون اهتمام بمكانها ولا من حولها "بل تكفيه ومن ستنظر له ستندم على ذلك"
تراجعت عبير وقالت "وما شأنك أنت؟"
تقدمت تمارا لتقف أمامها بغضب وقالت "هو شأني لأني أنا خطيبته"
ابتسمت عبير ببرود وقالت "حقا!؟ وماذا؟ لن توقفيه عن ذلك فهو بدمه وبصراحة هو لديه جاذبية تجعل النساء تلقي نفسها بين أحضانه وأنا أولهن"
الغضب اشتعل داخلها والغيرة أكلتها ولم تشعر بنفسها وهي تنقض على المرأة وتقبض على شعرها وهي تجذبها لأسفل بقوة وهتفت "وأنا سألقيك ولكن ليس بين أحضانه وإنما تحت أقدامي لتتأكدي أن واحدة فقط ستكفيه للأبد ولن يكون لسواها"
****
أنهت رهف عملها بالشركة ونزلت مسرعة كي تلحق بحبيبة بمكان السنتر الخاص بالدرس قبل أن تخرج وحدها بذلك الوقت المتأخر وما أن خرجت من البوابة الزجاجية حتى رأته ينزل من سيارته السوداء الفارهة والتي لم تكن قد توقفت بعد
توقفت مكانها بلا حركة ونظراته جمدتها مكانها، منذ ذلك اليوم ببيتها لم تراه وفايز لم يخطو تجاها خطوة واحدة وظنت أن الأمر انتهى والآن ماذا؟
وقف أمامها وقال بنبرة آمرة "اركبي"
تراجعت وقالت بعناد واضح "لا"
عيونه اللامعة ببريق عسلي قاتم جعلتها ترتجف وهو يقول "قريبتك بالسيارة وأنتِ ستلحقين بها بقدميك بدلا من أن أحملك وأضعك بها رغما عنك"
لم تهتم بباقي كلماته وهي تهتف "حبيبة!؟ حبيبة معك"
وتجاوزته مندفعة للسيارة غير واثقة بكلماته ولكنها بالفعل رأت حبيبة تجلس طبيعية وعندما رأتها هتفت "رهف، أبيه قال إنك تنتظريني"
سمعته يقول "ادخلي"
لم تنظر له وهي تدخل وتجلس بجوار الفتاة وأمسكت يداها الاثنان بقوة والقلق واضح بعيونها وهي تقول "هل أنتِ بخير؟ هل أصابك شيء؟"
أجابت الفتاة "لا رهف أنا بخير، لا تقلقي"
سألتها بلهفة ودهشة "ماذا حدث إذن؟ كيف تركبين مع شخص لا تعرفيه؟"
انتبهت لصوته وهو يقول من الأمام "أظن أننا تعارفنا من قبل دكتورة"
تذكرته واعتدلت لتراه يجلس بالأمام ولا ينظر لها فقالت بغضب "ماذا تفعل حبيبة هنا؟"
نظر لها بالمرآة الوسطى وقال "ليس الآن"
هتفت بغضب "ماذا تعني بليس الآن؟ أين تذهب بنا بالأساس؟"
عاد ينظر لها بالمرآة بنظراته الفارغة وقال "شقتك"
اختصار كلماته جعلتها تتوقف عن الحديث وهي لا تفهم شيء بينما همست حبيبة "لماذا أنتِ غاضبة منه رهف؟ كان رائع معي بل هو رائع حقا، وسيم جدا، لو كان صغير قليلا لسقط بهواه لكنه يناسبك"
ضغطت على يد الفتاة وقالت بغضب "حبيبة!؟ توقفي الآن"
ضحكت الفتاة فرفعت يدها على فمها فأبعدت رهف وجهها عنها وهي تحاول أن تنظر له بالمرآة مرة أخرى وما زالت غاضبة بينما قالت حبيبة بهمس "ألم يحاول إغوائك؟"
التفتت لحبيبة بنفس الغضب وهمست بغضب "حبيبة ماذا تقولين؟ هل جننت؟ هو صاحب الشركات وليس زميلي بالعمل كي يغويني أو ينظر لي"
ابتسمت الفتاة وقالت "وماذا يفعل معنا إذن؟"
سقط السؤال عليها كضوء أحمر ينذر بأن الفتاة على حق، ماذا يفعل معهم؟ بل ماذا يريد منهم؟
توقفت السيارة أمام بيتها ووجدت الباب يفتح فنزلت ورأت رجل يفتح له الباب..
انتبهت لحبيبة وجذبتها لها ولكنها انتبهت لسيارات أخرى تقف ورجال تحيط بمدخل البيت فقالت "ما كل هذا؟ من هؤلاء الرجال؟"
تحرك رجل له وقال "تم اتخاذ اللازم يا عمدة"
هز رأسه وقال "أين هم؟"
أجاب الرجل "بمكان آمن لتراهم وتمنحنا الأوامر"
لم يرد وإنما نظر لسيف وقال "أريد فايز" هز سيف رأسه والتفت هو لها وقال "هيا لتصعدوا لقد تأخر الوقت"
كانت ترى بعض الجيران تنظر من النوافذ ثم عادت له وقالت "ماذا يحدث هنا؟"
اقترب منها وقال بصوت منخفض لكن بنبرة أخافتها "ألا تستجيبي لأي حديث من أول مرة؟"
نظرت له بتحدي وقالت "تقصد أوامرك؟ لا لن أفعل وأخبرني ماذا يحدث هنا؟"
لمعت عيونه ببريق الغضب من تحديها له والغريب أنه لا يستطيع إجبارها على شيء فقط اقترب وقال "من الأفضل أن تصعدي وسنتحدث بوقت آخر لا تكون الفتاة موجودة معك"
والتفت للرجل الأول وقال "أرسل الموقع للسائق وتولى الحراسة هنا"
أجاب الرجل بقوة "أمرك يا عمدة"
التفت لها مرة أخرى وقال بقوة "اصعدي، الآن"
ارتجفت من نبرته الآمرة والتي بدا أنها لا تقبل للنقاش، جذبت حبيبة من يدها وتحركت بغضب لداخل المبني وصعدت لشقتها لترى رجلان على الباب فلم تنظر لهما والباب مفتوح
تراجعت ولكن الرجل قال "هم رجال العمدة دكتورة، يقومون بترتيب المكان"
تراجعت بلا فهم والتصقت حبيبة بها وهما تخطوان للداخل وأدركت ما كان، الأثاث مبعثر هنا وهناك وبعض الأشياء مدمرة وملابسهم على الأرض..
ارتدت هي وحبيبة ورفعت يدها على فمها من الرعب الذي أصابها وهي ترى ثلاث رجال يعيدون كل شيء لمكانه وهي ما زالت لا تفهم أي شيء
كان الظلام حالك رغم عدم تأخر الوقت عندما نزل العمدة من السيارة للمكان الذي أرسله لهم الرجل وتحرك وسيف بجواره وهو يقول "ستغضب لو سألت؟"
قال بهدوء "نعم لذا لا تسأل"
لم يجادل سيف واحترم رغبة رئيسه ولكنه ما زال يتساءل، ما شأنهم بتلك الدكتورة؟
فايز كان يجلس أمام مائدة خشبية بغرفة ضيقة ولا يوجد بها سوى المائدة وبعض المقاعد، نظر له راكان وهو يقف أمام الباب ثم قال "أخبرتك ألا تتعرض لها فهل ظننت أني كنت أمزح؟"
لم يتحرك فايز وهو يحدق براكان ولم يقوى على الرد فتقدم راكان للداخل وعاد يقول "أنت ترغب بماذا؟"
قال فايز بلا تفكير "بها، كانت خطيبتي وأريد استرجاعها"
وصل راكان لفايز وانحنى عليه وقال "وهي أخبرتك أنها لم تعد تريدك وأنت لن تجبرها"
رفع فايز رأسه وهتف "هذا ليس من شأنك، أم أنك تريدها لنفسك؟"
لمعت عيون راكان بلحظة وباللحظة الثانية كان فايز مكوم على الأرض من لكمة راكان القوية والغاضبة والتي تسببت بدماء على فمه وهو يرفع يده لفمه لمسح الدماء
عاد راكان يقول بهدوء مخيف "لقد نسيت نفسك فايز ونسيت مع من تتحدث"
رفع فايز جذعه للأعلى دون أن ينهض من على الأرض وقال "لم أقصد يا عمدة، لكن يدهشني تدخلك"
نظرة راكان له جعلته يرغب بالفرار من أمامه عندما انحنى عليه والرجل يبتعد خوفا من لكمة جديدة حتى قال راكان "هل هو أمر يخصك؟ أجب"
تلك الكلمة الأخيرة صدرت بصوت مرتفع كصوت الرعد جعل فايز يرتجف أكثر وربما يبلل بنطلونه وهو يتراجع للخلف أكثر وهو ما زال يضع يده على فمه مكان الدماء وهتف
"لا، لا يا عمدة، لا يخصني"
اعتدل راكان وجذب جاكت فايز بقوة وعيون فايز ترمش من الخوف وراكان يقول "ستتركك الرجال لتعود بيتك لكن، أقسم أنك لو كررت ما كان الليلة فلن أرحمك، ولو سمعت كلمة واحدة عنها بمكان ما أو عما حدث فسأجدك ولو كنت تحت الأرض ووقتها سأدفنك مكانك"
وظل ينظر بعيون الرجل لحظة ثم تركه وتحرك للخارج وسيف يتبعه وهو يقول "اتركه يعود بيته ولا ترفع عيونك عنه حتى أخبرك وتصرف مع تلك الرجال"
فتح له السائق ولكنه تحرك لمقعد القيادة وتحرك بالسيارة منفردا وقاد بلا تردد وهو ما يعني أنه لا يريد أحد معه
انتهى الرجال من الشقة وهي تجلس بلا حركة وحبيبة عادت لغرفتها وأغلقت بابها ولم تنتظر بينما تحرك الرجال للخارج
ما أن اختفوا حتى رأته يقف أمامها..
تفاجأت من عودته وهو يحدق بها ونهضت واقفة وهي تنظر له وقد أرادت أن تفهم ما يحدث حولها فقالت
"هل ستشرح لي ما حدث؟"
قال بهدوء "على الباب؟"
تورد وجهها وقالت "أنا وحبيبة وحدنا"
تحرك للداخل وهو يقول ساخرًا "أنتِ تشرحين لمن؟"
أدركت سخافتها، فمن الواضح أنه يعرف عنها ما لا تعرفه عن نفسها، أبعدت وجهها عنه وقالت "متى ستتحدث؟"
فتح جاكته وجلس على الأريكة بطريقته المتعالية غير المقصودة، هكذا عاش ولن يمكنه أن يتبدل
نظر لها وقال "فايز استأجر رجال لتحطيم بيتك وخطفك كي ترضخي له، ما زال يريدك"
تجمدت ملامحها بل جسدها كله وهي لا ترفع عيونها عنه ورددت "خطفي؟"
هز رأسه وقال "نعم، لماذا تتأخرين بالعمل؟ أنا أضع قواعد لشركاتي ولا أحب خرقها"
ابتعدت وقالت "ولا تحب الاجتهاد بالعمل؟"
قال بجدية "ليس التأخر بالعمل هو ما سيجعل عملك اجتهادي دكتورة، بل استغلال وقت العمل الحقيقي بطريقة صحيحة"
التفتت له وقالت "أنا استقطع منه عملي بالجامعة"
ظل هادئا وهو يرد "كان التعاقد معك على أساس ذلك، تنهين عملك بالجامعة وتبدئين لدينا وتنتهي مع الجميع"
ظلت تنظر لها وقالت "هل رجالك تحرسني؟"
بدلت مجرى الحوار تماما وهو لم يعترض مجيبا بلا تردد "بالطبع"
هزت رأسها وقالت "وأنت لا تجيب على نفس السؤال"
أدرك ما ستقول فنهض وتحرك لها حتى وقف أمامها وقال "وأنتِ لم تعرضي عليّ حتى فنجان قهوة، بكل مرة ترغبين بقذفي خارج الشقة"
لم تفر من نظراته وظلت صامتة لحظة قبل أن تقول "لأنك تختار أوقات غريبة للظهور"
انحنى عليها ليقترب من وجهها الجميل وقال "أوقات غير مناسبة بالطبع بالنسبة لك"
ظلت تواجه حتى تحركت هاربة من عيونه وهي تقول "تفضل قهوة؟"
كانت بطريقها للمطبخ وهو ظل بمكانه وهو يجيب "نعم، سادة"
التفتت له ولكنه لم يواجها وظل ثابتا بمكانه حتى تحركت للمطبخ
تجول بنظراته بالمكان والشقة بدت بسيطة تمام كما رآها المرة السابقة، تحرك لصورة على الحائط، امرأة كبيرة بالعمر وفتاة بحوالي الخامسة عشر تمسك بيدها طفلة بالثالثة تقريبا من عمرها
سمعها تقول "من الغريب أنك تمنحني الكثير من وقتك رغم أني أعلم مدى انشغالك"
التف لها وهي تضع القهوة على المائدة فقال بنبرة ساخرة "هل تفعلين؟"
كان يواجها بنظراته وهي جامدة مكانها ورفعت رأسها بشكل مثير وهو يتحرك ليعود لها فقالت "ومن لا يعرف وأنت العمدة؟"
كان قد وقف أمامها وتأمل جمال ملامحها البسيطة، ليست فاتنة ولا ملكة جمال، لكنها أيضا جميلة ولديها جاذبية غريبة لا يفهمها، لم يهتم يوما بالجمال الصارخ لأي امرأة لذا فالأمر ليس بجديد عليه لكنه أيضا لم يهتم بامرأة غريبة عنه بذلك الشكل من قبل
قال بهدوء يحير من حوله "فايز يصر عليكِ ولن يتراجع"
قالت محاولة أن تبدو هادئة أمامه "ظننت أنك قضيت عليه بعد ما فعله اليوم"
تجول داخل عيونها الذهبية اللامعة وأدرك أنها تراه كما يراه الجميع، نسخة من زيدان، قاتل، زعيم عصابة
ابتعد من أمامها وجذب قدح القهوة وجلس على المقعد وقال "حدثيني عن والدة حبيبة؟ هل كانت تشبهك؟ الفتاة لديها نفس عيونك تقريبا"
التفتت لتنظر له وهو يتصرف وكأنه ببيته فعادت لمقعد وجلست وهي تقول "لا، لا تشبهني، عيونها عسلية ووجهها طويل، ماما كانت تقول إنها تشبه والدها أكثر، ابنة خالتي كانت بعيون سوداء وشعر أسود"
قال بلا أي تعابير "ألم تعرفيه؟"
قالت بصراحة "لا، لم يراه أحد سوى ماما"
ضاقت عيونه وقال "كنتِ صغيرة ولكن ليس لدرجة ألا تذكري زفافهم"
اندهشت من أسئلته وسألته "لماذا تهتم؟ لماذا تهتم بنا وبكل ما يخصنا؟ رجالك حولنا وأنت تأخذ من وقتك الثمين لصالحنا"
رفع القهوة وتناول بعض منها قاطعا اتصال النظرات بينهم حتى عاد وقال "ببعض الأحيان يوجد من يحتاج للحماية دون سبب، تصرفات فايز معك أثارت غضبي ومنذ التقيت به بالمقابلة الشخصية وعرفت أنه سيلاحقك، خاصة وقد قررت ألا يعمل معنا ولم أكن لأتركه يضر بامرأة، خاصة وأنها ستكون من طاقمنا"
قالت وهي تنظر له "تقصد ممن يعمل عندك، هل تخجل من الحقيقة؟"
ابتسم وقال "أخجل؟ تعبير رائع لكن للأسف لا أعرفه، أنت تعملين عندي بالفعل ولكن، أنتِ دكتورة وأستاذة جامعة فهل ذلك يعيبك بشيء؟"
ظلت تنظر له وكأن الكلمات تاهت منها فنهضت وقد أنهى قهوته وقالت "لا ولكني ما زالت أنتظر"
رفع رأسه لها وما زال هادئا وهو يسأل "تنتظرين ماذا؟"
كانت تحاول وقف الضعف تجاه ذلك الرجل الوسيم جدا والهادئ بشكل يثير أعصابها وقوي بشكل يجعلها ضعيفة جدا أمامه وهي تقول "الثمن"
وضع فنجان القهوة ونهض مغلقا جاكته وقال ناظرا بعيونها "منذ قليل رأيت أنكِ بحثت عن العمدة وتجولتِ بين أخبار الميديا فيما يخصني، جيد، يمكنك أيضا إكمال البحث واستنتاج الثمن، طابت ليلتك"
وتحرك للخارج دون أن يزيد وهي تتابعه وهو يغلق الباب خلفه بدون أي إزعاج وكأنها لم تهينه بشكل غير مباشر
سقطت على المقعد خلفها وهي تبحث عن أي أفكار ولكن لا شيء، كل ما عرفته عنه أنه عمدة مصر، ثري جدا جدا، لا أحد يتجاوزه بكل المجالات، الجميع يحسب له ألف حساب، لا يرحم ولا يترك ثأره
يشبه جده بكل شيء والذي كان يقتل ويتاجر بكل ممنوع وغير ممنوع دون أن يثبت عليه شيء وبالتأكيد حفيده مثله تماما، لذا هي تراه زعيم عصابة
أغمضت عيونها وهي تلعن حظها بأنها سقطت بفخ ذلك العمدة
لماذا هي؟ ما الذي يريده منها؟
هي حتى لم تراه منذ عملت بشركته ولم يحاول ملاحقتها رغم إنقاذه لها بالمرة السابقة وها هو اليوم لو جذبها لغرفتها واغتصبها ما أنقذها أحد منه وما كان الأمر بصعب عليه..
لكنه لم يفعل..
بل كان بغاية الأدب والاحترام وأخذ إهانتها بلا رد ورحل فماذا يريد منها؟
ما أن نزل العمدة لسيارته حتى رن هاتفه فرأى اسم سفيان فأجاب "سفيان؟"
قال سفيان وراكان يقود خارجا من الشارع "أين أنت راكان؟"
رد راكان بهدوء "كان لدي أمر انتهيت منه، أين أنت؟"
أجاب سفيان "بالمشفى"