رواية عشقت ابنة الصعيد الفصل الثامن عشر18بقلم فاطمة عبد الرازق
عند فهد
اقتربت بسنت من فهد، ثم قالت بنبرة جادة:
- إنت دلوچت تچول لأمي ولرحمه أختي إنك هتاخدني معاك للچاهرة لغاية ما أدهم يرچع ريان، وتچولهم إنه لو سلّمك ريان هتسلّمني ليه.
ما إن أنهت كلماتها حتى نهض فهد بغضب، وحدّق بها وكأنه لا يصدق ما سمعه.
- هو إنتِ مجنونة؟! إزاي عايزاني أعمل كده؟! عايزاني أبقى مجرم زي أخوكي؟
نظرت إليه بسنت بغيظ وقالت:
- أولًا أنا مش مچنونة، وثانيًا افهمني بس الأول ومتچطعنيش!
زفر فهد بضيق:
- لا، وألف لا.
نهضت بسنت ووقفت أمامه، ثم قالت بعناد:
- چولِتلك افهمني ومتَبچاش غبي أكده!
اشتعل الغضب في عيني فهد، وقال بغيظ:
- هو مين ده اللي غبي يا مجنونة؟! احترمي نفسك واعرفي بتتكلمي مع مين... أنا فهد الأنصاري!
رمقته بسنت بنظرة جانبية، ثم تمتمت في سرها بسخرية:
"احترمي نفسك واعرفي بتتكلمي مع مين... يكونش وزير الداخلية ولا حاچه؟!"
ثم نظرت إليه مجددًا، وقالت وهي تحاول كتم غيظها:
- بص يا أستاذ فهد...
سكتت لحظة، ثم قالت في سرها:
"من چلة الأسامي أهله سموه على اسم حيوان!"
ثم رفعت صوتها:
- إنت هتچولهم إكدا، وتاخدني، وترن على أدهم وتچوله إنك خطفتني مچابل ريان، وتحدد ليه وچت... لو هو مچبش ريان، إنت تخلي حد من الرچالة يأذيني ويصوّرني، والصور تنتشر ع النت... وساعتها تبچا فضيحة وعار.
اتسعت عينا فهد، وكاد يفقد أعصابه تمامًا.
جزّ على أسنانه وقال:
- لا... كده إنتِ أثبتّيلي إنك مجنونة فعلًا!
صرخت بسنت بغيظ:
- محترم نفسك إكده يا چدع! ساكتالك من ساعتها!
ثم هدأت قليلًا، وقالت بجدية:
- افهمني... إحنا لازم نعمل كدا علشان ريان يرچع. هو استغل نچطة ضعف حور، وإحنا نستغل نچطة ضعفه اللي هي أنا... وهو هيخاف من العار.
ظل فهد ينظر إليها لثوانٍ.
كانت الفكرة مجنونة بالفعل، لكنها منطقية.
إذا كان أدهم مستعدًا للمخاطرة بكل شيء من أجل حور، فوجود بسنت في أيديهم قد يجبره على الظهور، خصوصًا إذا اعتقد أن شقيقته أصبحت في خطر.
تنهد فهد، ثم قال:
- موافق.
ابتسمت بسنت بانتصار.
لكن فهد سألها باستغراب:
- بس إنتِ جبتي الفكرة دي منين؟
ضحكت بسنت وقالت:
- من الروايات اللي لحست نفوخي!
ابتسم فهد رغماً عنه:
- ماشي يا ستي.
ثم عاد إلى الجدية وقال:
- أنا دلوقتي هاخدك بالإجبار، وإنتِ تعيطي وتصرخي إنك مش عايزة تروحي، علشان محدش يشك في حاجة.
أومأت بسنت، ثم أخذت نفسًا عميقًا.
اقترب فهد منها، وأمسك ذراعها، ثم رفع صوته متعمدًا أن يصل إلى مسامع سعاد ورحمة:
- يلا تعالي معايا! زي ما هو أخد ريان... أنا هاخدك!
صرخت بسنت على الفور، وبدأت في مقاومته:
- سيبني يا راچل! إنت عايز مني إيه؟! أنا معملتش حاچه!
خرجت سعاد مسرعة من الغرفة، وما إن رأت فهد ممسكًا بابنتها حتى شهقت واندفعت نحوه.
- استنى يا ولدي! بالله عليك سيب بتي!
حاولت سعاد الإمساك بيد فهد، لكنه أبعدها بحزم.
- ابعدي عني يا ست انتي
صرخت سعاد وهي تبكي:
- والنبي يا ولدي سيب بسنت! خدني أنا بدلها... بس متاخدش بتي!إحنا معملناش حاچه واصل
بدأت بسنت في الصراخ والمقاومة بصورة جعلت المشهد يبدو حقيقيًا تمامًا:
- يا يمااا! الحچيني! مش عايزة أروح معاه!
خرجت رحمة وهي تبكي، وأمسكت بملابس فهد محاولة إيقافه.
- والنبي يا باشا سيب أختي! هي ملهاش ذنب!
نظر إليها فهد بصرامة وقال:
- أنا مش عايز أأذي حد... بس أخوكم هو اللي بدأ.
صرخت سعاد:
- أدهم ملوش ذنب! والله ما أعرف هو فين! خدني أنا بس سيب بسنت!
هز فهد رأسه ورفض:
- لا. أنا قلت اللي عندي... بسنت هتيجي معايا.
تعلقت سعاد بذراع ابنتها وهي تبكي:
- بسنت! يا ضنايا!
أخذت بسنت تصرخ وتبكي وهي تمثل الخوف:
- يا يماااا! متخليهوش ياخدني!
ثم نظرت إلى رحمة:
- رحمة! چولي له يسيبني!
قالت رحمة وهي تبكي:
- والنبي يا باشا سيبها... والله أدهم لو عرف هيچي ويرچع.
رد فهد ببرود:
- لما أدهم يرجع ريان، بسنت هترجعلكم.
ثم جذب بسنت معه إلى الخارج، بينما استمرت في الصراخ والمقاومة.
- سيبنييي! يا يمااا!
وقفت سعاد عند الباب عاجزة، والدموع تنهمر من عينيها.
- بسنت يا ضنايااا!
لكن فهد لم يتوقف.
أدخل بسنت إلى السيارة، ثم أغلق الباب، واستقل مقعد القيادة.
وبمجرد أن تحركت السيارة وابتعدت عن المنزل...
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم انفجرت بسنت في الضحك.
نظر إليها فهد بطرف عينه، ثم ضحك هو الآخر.
قال:
- والله إنتِ مصيبة!
ضحكت بسنت وقالت:
- مش چولتلك الخطة هتنچح؟
هز فهد رأسه وهو يبتسم:
- ربنا يستر من دماغك بس.
ثم ضغط على دواسة الوقود، واتجهت السيارة نحو القاهرة.
بينما سعاد أمسكت بهاتفها لتتصل بأدهم لكن دون جدوى لا يرد عليها.
---
عند آسر
كان آسر يقود سيارته، وعيناه ثابتتان على الطريق الممتد أمامه، بينما كانت السيارة تشق طريقها بسرعة نحو الصعيد.
كان الصمت يحيط به، لكن عقله لم يكن هادئًا.
ريان...
حور...
اختفاء الدادة...
أدهم...
كل تلك الأسئلة كانت تدور في رأسه بلا توقف.
وفجأة، رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة، وحين رأى اسم زين، أجاب فورًا:
- أيوه يا زين، وصلت لحاجة؟
جاءه صوت زين جادًا:
- أيوه، وعلشان كده كلمتك دلوقتي.
- اتكلم.
قال زين:
- بخصوص يوم ما الدادة اتقتلت وريان اختفى؟
شد آسر قبضته حول عجلة القيادة.
- أيوه، ماله؟
- قبل الحادثة بفترة قصيرة، كان فيه مكالمة اتعملت من رقم غريب.
عقد آسر حاجبيه.
- غريب إزاي؟
- الرقم مش مصري.
ساد الصمت للحظات.
ثم قال آسر:
- متأكد؟
- متأكد. راجعت بيانات المكالمة أكتر من مرة. الرقم مسجل برقم دولي تابع لدولة تانية، بس موجود في مصر.
ضاقت عينا آسر.
- والمكالمة كانت مع مين؟
صمت زين للحظة قبل أن يقول:
- هنا المشكلة... الرقم اتصل بتليفون الدادة.
تغيرت ملامح آسر بالكامل.
- الدادة؟
- أيوه. والمكالمة حصلت قبل مقتلها واختفاء ريان بوقت قصير جدًا.
- عرفت المكالمة استمرت قد إيه؟
- دقايق قليلة، وبعدها الرقم اختفى ومظهرش تاني بنفس الشكل.
تمتم آسر:
- يعني صاحب الرقم كان عامل حسابه.
- غالبًا... وده مش كل حاجة.
- في إيه تاني؟
- بعد المكالمة مباشرة تقريبًا، ظهر نشاط على خط الدادة، وبعدها حصلت الأحداث اللي إحنا عارفينها.
أخذ آسر نفسًا عميقًا، وضاقت عيناه.
- قدرت تعرف صاحب الرقم؟
- لسه. الرقم مش مسجل باسم واضح، وأنا بحاول أوصل لبياناته من خلال الإجراءات الرسمية.
قال آسر بحزم:
- عايز أعرف صاحبه يا زين بأي طريقة قانونية تقدر عليها.
- وأنا شغال على ده، بس عندي سؤال أهم.
- قول.
- إنت وصلت فين حاليًا؟
نظر آسر إلى الطريق وقال:
- قربت أهو.
قال زين بقلق:
- آسر، متتحركش لوحدك ومن غير ما تعرف إنت داخل على إيه.
- متقلقش. أنا مش رايح أعمل حاجة متهورة... أهم حاجة ريان يرجع كويس.
- أنا عارفك كويس، وعلشان كده بقولك خليك حذر.
- أول ما تعرف الرقم ده بتاع مين، كلمني فورًا.
- حاضر.
- ولو وصلت لأي معلومة عن أدهم أو العربية، عايز أعرف برضه.
- هبلغك.
أغلق آسر المكالمة، ثم أعاد نظره إلى الطريق.
لكن كلمات زين ظلت تتردد في رأسه:
رقم مش مصري... مكالمة قبل مقتل الدادة واختفاء ريان.
ضغط آسر أكثر على دواسة الوقود.
كانت عيناه ممتلئتين بالتصميم.
وفجأة، رن هاتفه مرة أخرى.
كان المتصل...
فهد.
أجاب آسر فورًا:
- ألو.
- آسر...
قال آسر بغضب:
- إنت إزاي روحت الصعيد ومقولتليش ليه؟
أجاب فهد بهدوء:
- آسر اهدى. أنا شكيت إن أدهم هيروح الصعيد، بس مجاش.
ثم نظر إلى جواره نحو بسنت، وقال:
- بس أنا جبت نقطة ضعف أدهم.
عقد آسر حاجبيه:
- يعني إيه؟
أجاب فهد:
- أنا خطفت أخت أدهم.
توقف آسر فجأة بالسيارة، حتى احتكت العجلات بالإسفلت بعنف، ثم قال بغضب:
- هو إحنا مجرمين؟! إحنا كده بنأذي ريان!
قال فهد بسرعة:
- آسر اهدى، وأنا هفهمك كل حاجة وقص عليه خطة بسنت
آسر يحذر:
إزاي بتساعدنا ضد اخوها
فهد نظر إلي بسنت:
لن هي عارفه أن أدهم بياذي حور كدا
ثم سأله:
- إنت فين دلوقتي؟
- قربت أوصل الصعيد.
قال فهد بجدية:
- آسر، لف وارجع القاهرة. أدهم مازال في القاهرة. ده كان فخ أكيد، أو يمكن حد بلغه إننا متجهين الصعيد فرجع تاني.
صمت آسر لحظة، ثم قال:
- أكيد في حد بيساعد أدهم في كل ده.
- بالضبط. علشان كده لف وارجع، علشان نبدأ ندور مين بيساعد أدهم.
تنفس آسر ببطء.
- ماشي.
ثم أغلق المكالمة، وقال بغضب:
- يا أدهم الكلب... مسيري أعرف مين اللي وراك.
استدار بالسيارة، وعاد في اتجاه القاهرة.
---
عند أدهم
وصل أدهم إلى القاهرة، وكان عز قد أعد له شقة مستأجرة باسمه، احتياطًا لأي طارئ، حتى إذا وصل فهد أو آسر إليه لا يستطيعان اكتشاف مكانه بسهولة.
دخل أدهم الشقة، ثم أغلق الباب خلفه.
كانت الشقة هادئة، وإضاءتها خافتة، بينما كان ريان يجلس أمامه.
وضع أدهم الطعام أمام الطفل، وبدأ يطعمه بهدوء.
كان ريان يأكل دون أن يدرك شيئًا عن الخطر المحيط به، وكلما نظر أدهم إلى وجهه، شرد بعيدًا.
تخيل حور أمامه...
تخيلها وهي تنظر إليه كما كان يتمنى دائمًا.
تخيل اليوم الذي تصبح فيه إلى جواره، لا يستطيع أحد أن يأخذها منه.
ابتسم أدهم بشرود، وقال في نفسه:
"قريب يا حور... قريب هتبقي ليا، ومش هيقدر آسر ياخدك مني."
كان يعيش داخل حلمه، غير مدرك أن الخطة التي يظن أنه يسيطر عليها بدأت تتفكك من حوله.
وفجأة...
قطع شروده رنين هاتفه.
توقف عن إطعام ريان.
نظر إلى الهاتف الموضوع أمامه، وحين ظهرت هوية المتصل، تبدلت ملامح وجهه تمامًا.
كان المتصل...
