رواية راكان زيدان واصحابه الفصل التاسع عشر19 بقلم داليا السيد محمد

رواية راكان زيدان واصحابه بقلم داليا السيد محمد 
رواية راكان زيدان واصحابه الفصل التاسع عشر19 بقلم داليا السيد محمد

 
خلاف.. محاولة خطف.. حادث
أنهت ليان عملها وأغلقت جهازها وجرس انتهاء الدوام يرن بكل مكان والجميع يستعد للرحيل
أخذت حقيبتها التي تضع بها الكتب والأدوات الخاصة بها ورفعت خصلة من شعرها خلف أذنها وعلقت الحقيبة والتفتت لتذهب لترى عماد، زميل لها بالعمل تعاملوا معا بالأيام الماضية، وقفت دون أي تعبير على وجهها.. 
أحيانا وافي يخبرها أنها ستكون أخت لراكان بطباعها المشابهة له أكثر منه فهي هادئة جدا ولا يعرف من أمامها ماذا تخفي خلف ملامحها الجامدة 
قسوة الأيام علمتها كما علمت راكان 
قال عماد "هل انتهيتِ؟"
هزت رأسها وقالت "نعم"
ابتسم بأسنان بيضاء ووجه مستدير وعيون سوداء وهو يقول "حسنا ظننت أنكِ بحاجة لصحبة"
جذبت هاتفها وقالت مبعدة عيونها عنه "لا شكرا، أخي سيمر ليصحبني اسمح لي"
ولكنه لم يتحرك، لم يعرف أحد حتى اليوم من هي، وهو ما أرادته وقد تجنبت الحديث مع أحد خارج حدود العمل، رفعت وجهها لعماد الذي قال "حسنا لنذهب"
تردد الرجل جعلها تلين وقد كان جيدا بالتعامل معها مسبقا بل مع الجميع
تحركت فتحرك بجوارها وقال "علمت أنكِ ما زلت تدرسين بالجامعة؟"
قالت "نعم، حاسبات ونظم"
هز رأسه بابتسامة قائلا "بالتأكيد، كنتِ بارعة بالعمل حقا"
ابتسمت بصعوبة وقالت "أحب عملي ودراستي وأجد نفسي به"
تحركوا خلال المكان وقد بدأ يخلوا من حولهم وهو يقول "نعم، أنا أيضا أحبه، تخرجت منذ ثلاثة أعوام وحصلت على أكثر من وظيفة لكن هنا كان حلم"
نظرت له وقالت "لماذا هنا؟"
لف وجهه لها بدهشة وهتف "هل تمزحين؟ هنا شركة عالمية من شركات العمدة، مكانة شركاته، رواتبه، المكانة التي يمكن أن نصل لها ونحن هنا، العمل لدى العمدة حلم"
أبعدت وجهها وهي لا تحاول التفكير برد فعله لو علم أنها تعرف العمدة شخصيا وهو صديق أخيها الشخصي 
توقفا أمام المصعد وقد خلا المكان وانتظرا وهي تقول "لم أظن أن الأمر هكذا، أنا ما زلت أتدرب"
أكد معرفته وهو يقول "أعلم ولكنك تحجزين مكانك فما أن تنهي دراستك حتى تجدين مكانك هنا محجوزا وهو أمر جيد"
لم ترد والمصعد يرتفع فعاد يسألها "إلا لو كان الزواج والبيت هدفك"
نظرت له بوجه متورد وقالت "أمر سابق لأوانه"
انفتح الباب فدخلت وهو يتبعها والتفت ليضغط الزر وهو يقول "هذا يعني أن لا رجل بحياتك؟"
قبل أن ينغلق الباب تراجعت عندما رأت رائد يتحرك للداخل وهي تلتقي بنظراته الغاضبة ويقول "هل انتهيتم؟"
شحب وجه عماد لرؤية رائد وارتبك وهو يقول "نعم يا فندم"
سقطت نظرات رائد عليها فلم تخفي نظراتها، كانت قوية وشجاعة ولم تعتد على التراجع أمام أي أحد، انغلق الباب وتولاهم الصمت حتى وصل المصعد ونظر هو لعماد وقال 
"يمكنك الذهاب أريد الآنسة"
تردد عماد بتركها وترنحت نظراته بينهم حتى هز رأسه وتحرك مع الخارجين من المبنى بينما قال هو "وافي طلب مني إعادتك للبيت فهو لن يستطيع اصطحابك"
ظلت تنظر له وقد توقف قلبها تقريبا عن الدق، نعم يمكنها وقف مشاعرها من التحكم بها فقالت "يمكنني العودة وحدي"
أبعد وجهه قليلا ثم عاد لها وقال "أعلم ولكن وافي طلب مني ذلك، لم يستطع التواصل معكِ، ولن يمكنني الرفض لمجرد أنكِ لا ترغبين بوجودي معك"
حدقت به وهي تستوعب كلماته، هي لا ترغب سوى بوجوده معها، لكنها لا تشعر بالراحة أيضا، لا تعلم السبب! 
ربما تخاف أن تنكشف مشاعرها ويسخر من طفلة مثلها؟ لا تعلم السبب الحقيقي الذي يجعلها تريد الهروب منه 
أخيرا قالت "ليس صحيح، أنا فقط لا أريد شغل وقتك أكثر"
انحنى ليقترب منها قليلا وقال "أنا أعلم وقتي جيدا ليان وكفي عن طريقتك هذه فهي تبدو كالأطفال الذين يخافون من العقاب، هيا لنذهب"
غضبت من التشبيه خاصة وهي تدرك أنه يراها هكذا، وهو يتركها ويتحرك فتحركت خلفه وهي تريد الصراخ بوجهه أنها ليست طفلة، بل امرأة لديها قلب ومشاعر وقلبها تآمر عليها وانضم له ضدها وهي تصارع للمقاومة فهل ستنجح؟
كان يتحرك بغضب للسيارة ورجل الأمن يرفع يده لتحيته، انتظرها عند السيارة وهي تتبعه دون النظر له
دخلت السيارة وهو دخل بجوارها والسائق يتحرك بهم وكلاهم لا يتحدث حتى التفت لها وقال 
"هل أخبرك وافي أنه سافر السويس؟"
نظرت له وما زال قلبها يدق بقوة لقربه منها للمرة الأولى وشعرت أنها أضعف من أن تتحمل ذلك فأبعدت وجهها وهي تدفع خصلتها خلف أذنها وقالت "لا"
تأمل جانب وجهها وأدرك أنها لا تطيق وجوده، نفخ بقوة وقال "يبدو أنكِ غاضبة"
لفت وجهها له فأكمل "لوجودي"
التقت بعيونه الجميلة التي لا تفارق خيالها بغيابه، خصلة من شعره على جبينه جعلته أكثر وسامة، الضوضاء بالخارج لم تزعجها لأنها كانت بعالم آخر وهي تحدق بعيونه حتى قالت 
"لا، لست غاضبة، لماذا أكون كذلك؟"
لم يترك نظراتها البريئة التي كانت تلاحقه بجنون وكأنها تلسعه بنيران الجحيم، أجاب بنبرة حاول جذب الغضب منها "أنتِ من عليه الإجابة"
لم ترغب بالفرار، ليس لأنها أرادت وإنما لأن لا مجال لتفعل فقالت "ليس غضب، لكن لا أحب أن أكون عبأ على أحد خاصة لو كنت أعلم أن لا وقت عندك فلديك الأهم"
لم يفكر وهو يرد "الذي هو ماذا؟ بماذا تفكرين وأنتِ معي ليان؟"
أرادت الرد، أفكر بنسائك، بعشيقتك، بعالمك الذي لا تخرج منه ولكنها لم تعرف هل يحق لها قول ذلك أم لا؟ 
أبعدت وجهها لحظة ثم عادت وقالت "ظننت أن تفكير طفلة مثلي لن يشغلك"
رمته بكلماته، أي طفلة وهي امرأة بكل ما تحمله الكلمة من معنى؟ 
صغيرة لكن كاملة، بريئة لكن صعبة، نقية لكن بحورها غريقة، لم يفر منها وهو يقول "ليتكِ كنتِ طفلة"
تجهم وجهها لأنها لا تفهم معنى ما قال فقالت "لكنك قلت.."
أبعد وجهه للنافذة فتوقفت ولم تكمل فأبعدت وجهها هي الأخرى وانفتحت الفجوة بينهم مرة أخرى وكلاهم لا يستطيع تجاوزها
رن هاتفه فأخرجه وأجاب "راكان"
قال راك "هل انتهيت؟"
لم ينظر لها وهو يقول "ليس بعد، أين أنت؟"
كان راكان ينزل أمام المشفى وقال "بمشفى..، ظافر هاتفني ويريد أحد بالجونة فهل تفعل؟"
قال "سأعيد ليان لبيتها وأفعل"
رفع راكان رأسه بدهشة قبل أن يدخل المشفى وردد "ليان؟"
قال رائد "وافي رحل للسويس وطلب مني إعادتها للبيت"
تفهم راكان وقال "حسنا"
سأله رائد "ماذا تفعل بالمشفى؟"
قال بجدية "مع سفيان، سأهاتفك عندما ننتهي"
أغلق كلاهم والتفتت له وقالت "لماذا راكان بالمشفى؟"
تفاجأت عندما قال بغضب "تهتمين لأمره؟"
نبرته الغاضبة أخافتها فقالت "لا بل بالمشفى! بالتأكيد أهتم أليس صديق أخي؟"
لم يرحل غضبه وهو يقول "فقط؟"
لم تفهم سؤاله وهي تجيب "ماذا تعني فقط هذه؟"
لم يتراجع عن ظنونه وهو يقول "هل تهتمين بكل أصدقاء وافي عدا أنا من أحظى بذلك الكره؟"
تراجعت وقد تفاجأت من كلماته الصادمة وفكرت قبل أن ترد بصوت منخفض "أنا لا أكرهك"
ظل يحدق بعيونها والغضب لا يتركه وهو يقول بإصرار "حقا!؟ أنت تلتصقين بباب السيارة وكأنه سيحميك من وحش سيفتك بك، ألا تدركين تصرفاتك معي؟"
الغضب رحل لها وهي تقول "وكيف تريدني أن أتصرف مع رجل مثلك لا يهتم سوى بالنساء وكيف يأخذ أي امرأة تعجبه؟"
تجهمت ملامحه من كلماتها وهجومها، لقد تأكد أنها لا تراه سوى زئر نساء لا يمكنه حتى التفرقة بين أي امرأة وبين أخت صديقه 
أبعد وجهه ولم يرد كالعادة كلما هاجمته، مهما قال لن يمكنه منحها فكرة أخرى عنه لأن كلماتها صحيحة
هذا هو رائد المسلماني، رجل نساء لا معنى لحياته الفارغة، مات جده دون أن يحقق له رغبته برؤية وريث لحفيده ومملكتهم التي سترحل لمن لن يكون مسلماني وهو السبب، لم يمكنه الزواج وتحقيق حلمه لأنه ببساطة لن يكون رجل مستقيم بأي يوم
توقفت السيارة فنزلت دون التحدث له وصفعت الباب بقوة خلفها بعد أن فهمت كلماته من أنها تهتم براكان..
كيف يجرؤ؟ هل يظن أنها تنظر لراكان كحبيب؟ 
هي بالأساس لم ترى من راكان إلا معاملة الأخ الكبير مثلما كان يفعل مع سارة وهي بالمثل
ما أن دخلت حتى رن هاتفها باسم سارة فأجابت والدموع تلح بالنزول ولكنها منعتها "أهلا سارة"
دادة صفية استقبلتها بقبلة وهي تأخذ منها حقيبتها وسارة تقول "أين كنتِ ليان؟ لم تهاتفيني منذ يومين؟"
جلست بالمقعد دون أن تصعد لغرفتها وقالت "تعلمين أني أنهي محاضراتي وأهرع للشركة وأعود لمراجعة دراستي وأسقط بالنوم بلا تفكير"
كانت سارة تتحرك على العصا الطبية وقد تحسنت كثيرا مؤخرا، جلست بالحديقة رغم تأخر الوقت وقالت "لم أفكر بالجامعة أبدا أريد العودة للتمثيل"
أغمضت ليان عيونها وقالت "ستفعلين، فقط سارعي بالشفاء وستكسرين الدنيا بتمثيلك الرائع"
لم تكن سارة واثقة إذا كان راكان سيتركها تعود للتمثيل أم لا، ما زال غاضبا منها ولم يعد يأتي لرؤيتها وهي لا تجد أي رغبة بالذهاب له 
قالت "ربما، متى سأراك؟"
فتحت عيونها وقالت "لا أعلم سارة، لدي امتحانات نصف العام ولابد أن أراجع دروسي والعمل، سأهاتفك لأراك قبلها"
لم تجادل وأغلق كلاهم 
عندما عادت لها نظرات رائد الغاضبة وهو ينظر بها لها منذ أن قابلها عند المصعد وحتى نزلت من السيارة دون كلمة وداع أو شكر، وتحطمت سعادتها للأبد لأنهم حتى لا يلتقون بلا نزاع وغضب ونهاية مأساوية
****
توقف راكان أمام سفيان وقال "أنت تمزح، كسرت ذراعها وأنفها؟ هل كانت تمارس المصارعة؟"
لم يبتسم سفيان وهو يقول "كانت تلعب معنا راكان، الفتاة الوحيدة وسط خمس صبيان"
هز رأسه وقال "نعم، وأين هي الآن؟"
قال وهو يشير برأسه "ها هي، كانت تتحدث بالهاتف"
رآها راكان تتحرك لهم بكامل أناقتها وكأنها لم تفعل شيء وهي تنظر لسفيان ثم لراكان حتى وصلت لهم فقالت "مرحبا راكان"
قال راكان "مرحبا تمارا"
التفت راكان لسفيان وقال "هل أنهيت الأمر مع المرأة؟"
قال سفيان "ليس بعد، تحتاج لجراحة بالذراع"
لم يبدي أي تعبير على وجهه وقال "جراحة؟ وماذا تفعلون هنا؟ ادفع التكلفة واذهب الوقت تأخر"
قالت بنبرة غاضبة "هو أراد البقاء وأنا لن أتركه وحده"
ضاقت عيونه وسفيان يقول "لن نمنحها فرصة لإبلاغ الشرطة، يكفينا الصحافة التي ستتلاعب بنا بالغد تمارا"
هتفت "كنت تريد المزاح معها؟"
هتف بقوة "أخبرتك أن الأمر ليس كذلك، متى ستتوقفين عن هذا الجنون؟"
كادت ترد عندما تدخل راكان "حسنا لم لا تذهب أنت معها وأنا أبقى لإنهاء الأمر؟"
نظرات سفيان لها كانت غاضبة كما كانت هي حتى التفت لراكان وقال "حسنا، هيا"
تحركت بلا كلمات وتابعهم راكان وهما يذهبان وابتسم من تصرف تمارا وردد "ستلقى الجحيم سفيان من غيرة تلك المرأة"
****
مر ظافر على زوجته بالشركة وانتظرها وما زال يتحدث مع رائد بالهاتف وقال "لا رائد، لدينا موعد هام ولابد أن أكون هناك"
دخلت مي السيارة بجواره فنظر لها ورائد يقول "حسنا أرسل لي الملفات ظافر كي أتابع المشكلة"
أجاب "سأفعل"
أغلق وابتسم لها وقال "كان من المفترض ذهابي للجونة ولكن رائد سيفعل كي نقوم بالأمر، هل أنتِ مستعدة؟"
ابتسمت وقالت "بالطبع حبيبي، أعتقد أنها ستكون الفائزة"
قاد السيارة وقال "أتمنى ذلك فهي عازفة ماهرة حقا"
هتفت بحماس "بالتأكيد يحيى معها"
صمت قليلا ثم قال "أخبرتني أنه اعتذر وأخبرها أن لديه أمور خاصة بالسفر، أحيانا أشعر أنه لا يحبها كما كنت أظن"
التفتت له وقالت "أنت لست جاد"
كان ينتبه للطريق وقال "لا أعلم مي، لكنه يتصرف معها بطريقة غريبة، يهملها بمواقف لابد من وجوده فيها وبأعذار واهية مثل اليوم، بعيد ميلادها لم يحضر بحجة تعب والده وهي كانت حزينة بالطبع، أنا لا أفهمه"
كانت تسمعه باهتمام حتى قالت "لكنه كان يلاحقها قبل الخطوبة حتى تعلقت به واتبع طريق الرسميات دون أن يجبره أحد، فما الذي حدث؟"
قال بحيرة "لا أعلم، أتمنى أن أكون مخطئ، سيرحل غدا أو بعد غد ولا أعلم على ماذا اتفقوا؟"
لم ترد وهو يصل للمسرح الذي ستقام به المسابقة لاختيار أفضل عازف والانضمام لفرقة الموسيقى العربية وهو حلم كل عازف وهي حققت الكثير منذ اخترقت مجال العزف والمعهد فتح لها أبواب كثيرة
المسرح امتلأ عن آخره ورأى ياسمين تجلس بمكانهم فتقدمت مي وهو خلفها، رحبت ياسمين بزوجة ابنها وابنها وجلسوا بجوارها حتى هدأت الأضواء وبدأت المسابقة
****
ما أن عاد للقصر بعد الانتهاء من عبير وتسوية أمرها حتى رأى سيف ينتظره وهو يقول "فايز عاد بيته ولم يخرج"
هز رأسه ولم يرد وهو يتحرك للداخل ليرى سارة تخرج من غرفتها على العصى الطبية، لم يمكنه تجاهل وجودها كما كان يفعل 
التقى بنظراتها تواجه وهو يتحرك حتى وقف بمنتصف الصالة الكبيرة وهي أيضا وقفت أمامه وقالت "أريد العودة للعمل"
كانت تبدو مجهدة وملامحها تدل على الحزن، الطبيب أخبره أنها أفضل وقريبا ستتخلى عن العصا ولكنه لم يخبرها شيء
قال بهدوء "متى؟"
الأمل ارتفع لها وهي تقول "أنت لا تمانع؟"
ضاقت عيونه وهو يجيب "متى مانعت؟"
أخفضت وجهها وقالت "الاسبوع الماضي"
وبالطبع لم تذكر ما كان فقال "أنا مانعت خروجك وحدك وعدم إطاعة أوامر الطبيب بألا تتحاملين على أقدامك وانتظار الوقت المناسب، لكنك لم تسمعي وتجاهلت كلماته ووجودي"
رفعت وجهها له وقالت "أنت لا تشعر بي، أنا تعبت من هذا السجن ولم أعد أتحمله، تعبت من تلك الجدران التي تحيط بي، الوحدة التي أعيشها هنا، حتى ليان لم تعد تزورني ووافي مشغول وأنت حتى لا تمنحني أي اهتمام، أردت العودة للمزرعة ولكنك ترفض، أنا تعبت من تلك الحياة"
ورأى دموع بعيونها وهي تقاومها فأبعد وجهه عنها ونفخ بقوة وقد شعر بأن هذا اليوم لن ينتهي، مسحت دموعها وقالت "أعدني المزرعة وستعود حياتك لما كانت"
تحرك بعيدا وهو يقول "ووحدة المزرعة تعجبك؟"
قالت بنفاد صبر "نعم هي كل ما أعرفه، هي عالمي الخاص الذي عشت فيه عمري كله كما هي حياتك هنا راكان"
جلس على المقعد ونظر لها وقال "لا"
تحركت على العصى وقالت بغضب "ليس من حقك حبسي هنا، أنا لست موظفة لديك لتفرض عليّ شيء، سأعود وحدي لو لم تفعل راكان، لن أعيش معك فأنت ليس لديك قلب لتشعر بي أو بأي أحد"
لم ينظر لها وهو يقول "لا مكان للقلوب لحديثنا سارة، العقل هو ما يحكمنا هنا والعقل يفرض علينا اتباع الصواب لتكملي علاجك وتشفي تماما"
جلست أمامه وقالت بنفس الغضب "الحياة هنا مملة"
نظر لها وقال "لأنكِ لا تفعلي شيء مفيد، القراءة مفيدة، الدراسة أيضا، العمل عندما تشفين تماما"
هتفت "لا أحب الدراسة لماذا تصر عليها؟"
قال "لأنها تمنحنا ثقافة وترسم الطريق الصواب لما نريده"
سألته "وهل فعلت؟"
هز رأسه وقال "بالتأكيد، لقد أنهيت دراستي بالجامعة وأكملت بالماجستير وحاليا لدي دكتوراه بإدارة الأعمال"
تراجعت بذهول وهي تقول "كيف؟ أقصد أين كنت تجد الوقت لكل ذلك؟"
أجاب ببساطة "زيدان كان يقوم باللازم ولم يكن بحاجة لي كثيرا"
تراجعت وقالت "ولكنك نسخة منه"
نهض وقال "ربما، أنهي علاجك ويمكنك العودة للعمل عندما يأذن الطبيب"
وتركها ليصعد لغرفته ولكن هاتفه رن ليجد رقم غريب
كانت الثانية صباحا ولكن لا جديد بذلك وما أن أجاب وسمع الكلمات حتى اندفع للخارج مرة أخرى دون أن يجيب نداء أخته
****
كانت ليان ما زالت تذاكر عندما أضاء هاتفها باسم تمارا فأجابت بسرعة "تمارا أين كنتِ؟ هاتفتك كثيرا و.."
قاطعتها تمارا "رائد أصيب بحادث ليان وتم نقله للمشفى"
تمارا هي الوحيدة التي عرفت بما تكنه لرائد فقد أصبحتا صديقتين منذ زفاف مي وتقابلا مرة أو اثنان بعدها وتمارا لم توقفها عن حبها لرائد لكن لم تمنحها الأمل
تجمدت مكانها ولم تستوعب ما قالته تمارا التي نادتها "ليان؟ ليان هل تسمعيني؟"
حاولت أن تجيب وتقطع صوتها "هل، تمارا، هل"
أجابت تمارا "لا ليان، ما زال على قيد الحياة، سفيان رحل له وظافر وبالتأكيد راكان سبقهم"
سقطت دموعها دون أن تشعر وهي لا تعرف ماذا تفعل أو تقول وتمار تناديها فقالت "لابد أن أراه تمارا، لقد كان معي منذ ساعات قليلة وتشاجرنا كالعادة وتركته وكلانا غاضب من الآخر، أريد رؤيته تمارا، لابد أن أراه"
هتفت تمارا "كيف؟ الحادث كان بطريق الجونة والمشفى هناك، انتظري حتى يتم نقله هنا، لا تجعلي الجميع يكشف مشاعرك"
هتفت بصوت متألم "لا يهمني أحد الآن تمارا، رائد فقط من يهمني، أريد رؤيته والتحدث معه، أريد أن أخبره أني لا أكرهه ولكني أخاف من أن أظل طفلة بنظره لآخر العمر، أريد قلبه تمارا"
وانهارت بالبكاء وتمارا تمنحها كلمات مواساة لا فائدة منها وهي تقريبا لم تعد تسمعها وهي تبكي بقوة وليس لديها أي بديل له
****
دخل راكان المشفى الصغير الذي هاتفه وسيف بجواره للاستقبال، سأل عن رائد والموظف تقريبا لا يستمع بل ويهمل كلمات راكان له فدق راكان على السور الخشبي وقال بغضب 
"أنا أتحدث معك يا هذا ألا تسمع؟"
انتبه الرجل لصوت راكان الغاضب ونظراته المشتعلة ومع ذلك لم يهتز وهو يقول بلا مبالاة "تحدث جيدا يا هذا و.."
لم يكمل لأن راكان انتزعه بقبضتيه من مكانه ورفعه وجذبه بالهواء حتى سقط أمامه وهو لا يدري ماذا أصابه وما زال راكان يقبض على صدر ملابسه ويوقفه أمامه ويهتف به 
"ألم يعلمك أحدهم كيف تخاطب الناس يا هذا؟ إذا لم تكن تجيد هذا العمل فلا تبقى به بعد الآن"
ارتجف الرجل بين قبضتي راكان وأسرع رجل الأمن للداخل 
لكن سيف كان جدار صلب لا يخترقه أحد مثل رئيسه وهو يسمع الرجل يقول "من أنت وماذا تريد؟"
لم يذهب غضب راكان وهو يهتف "أريد مديرك"
وصل موظف آخر محاولا وقف ما يحدث وهو يهتف "يا سيد اتركه وأخبرني ماذا تريد"
لم يترك راك وجه الرجل المرعوب وقال "أين مديرك؟"
قال الرجل "ليس هنا يا سيد، إنها الثالثة فجرا"
لم يتراجع راكان وهو يقول "أحضره، أخبره أن العمدة يريده الآن وأخبرني أين رائد المسلماني"
هتف الرجل بين يدي راكان "اتركني، سأبلغ عنك الشرطة، اتركني"
جذبه راكان حتى واجه وجهه وقال "وأنا أنتظر الشرطة لأني سألقيك بأقذر زنزانة لديهم"
ودفعه بقوة ليسقط الرجل على الأرض والرجل الآخر يعود ويهتف "رائد وصل بحادث منذ ساعة وهو بالعمليات الآن"
عدل راكان جاكته وهو ينظر لسيف الذي ترك رجل الأمن وراكان يقول "أين العمليات؟"
عندما وصل للأعلى كان المكان خالي من أي أحد إلا من ممرضتان تجلسان على الكونتر تتحدثان فقال "أريد أي شيء عن رائد المسلماني"
نظرت له الممرضة وقالت "ما زال بالعمليات يا فندم والشرطة ستكون هنا بعد قليل من أجل الحادث"
عاد يسأل "رائد فقط من أتى من ذلك الحادث؟"
قالت "لا يا فندم، سائق الملاكي وسائق المقطورة والاثنان وصلا ولكنهم كانوا قد فقدا الحياة وتم إبلاغ أسرهم"
هز رأسه ونظر لسيف مبتعدين وقال "تولى الشرطة سيف وأسرة السائق الخاص برائد وجهز طائرة لنقل رائد للمشفى الخاص بي"
هز رأسه وسرعان ما وصل ظافر وهو يبحث عنه فقال "كيف حاله راكان؟"
لم ينظر له وهو يقول "لا أعرف ما زال بالعمليات"
كان الغضب داخله يشتعل لكنه يعرف كيف يوقفه، ابتعد لباب العمليات محاولا رؤية أي شيء
رائد ليس فقط صديق عمره، بل أخيه وقرينه، حادثه الماضي أيضا كان معه وربما بخطورة ذلك الحادث أو أشد والآن هو هنا بين أيدي الأطباء، بل أيادي الله ورائد لم يكن يوما ممن يعرف الله ومع ذلك كان دائما يقف معه وينقذه
أغمض عيونه وهو يتذكر ذكرياتهم معا، منذ الصغر
لا يعرف متى بدأت صداقتهم؟ 
هو نشأ ومعه رائد ورائد فتح له طريق ظافر وسفيان، رائد كان معه بكل الأوقات وبكل الأزمات، رائد هو من يعرف كل أسراره، رائد كل شيء بالنسبة له ..
يد على كتفه جعلته يفتح عيونه وصوت سفيان يقول "هل خرج أحد؟"
استعاد نفسه والتفت لسفيان وقال "لا، ليس بعد"
لم ينظر لأحد، أراد البقاء وحده ولكن لا يمكنه ذلك فكلهم اعتادوا التواجد معا بالأحزان والأفراح وهو أيضا يريد وجودهم
لم يتركه سفيان يبتعد وهو يقول "هل أنت بخير؟"
لم ينظر له وهو يهز رأسه وابتعد لسيف وقال "أريد قهوة"
هز سيف رأسه وتحرك ذاهبا عندما قال ظافر "سيف يقول أن السيارة تحطمت"
قال سفيان "ما هو سبب الحادث؟"
لم يجيبه أحد لأن رجل كبير بالخمسينات ومعه رجل الاستقبال والأمن تحركوا تجاههم والرجل الكبير يقول "ماذا يحدث هنا يا سادة؟"
انتبه راكان له وقال "من أنت؟"
قال الرجل بحدة "بل من أنت؟"
رفع رأسه وقال بقوة "راكان زيدان وأنت؟"
تراجع الرجل قليلا وقال بنبرة مختلفة "دكتور عبد الله السيد، مدير المشفى"
قال راكان "أريد معرفة حالة رائد المسلماني"
قال المدير "أنت تعلم أنه بالعمليات.."
قاطعه راكان بنفس القوة وهو يشير لغرفة العمليات "ادخل هناك واعرف حالته وعد لتخبرني بها"
تراجع عبد الله وهو يقول "أنت كيف تخاطبني هكذا؟"
لم يتراجع راكان أو يبدل نبرته وهو يقول "أنا أخاطبك كما أشاء، ادخل واعرف حالته وعد لتخبرني بها ولن أعيد كلماتي مرة أخرى"
نبرة راكان وملامحه جعلت الرجل لا يجادل وهو يتحرك للعمليات وتبعه الرجل الثاني وظل رجل الأمن واقفا وراكان لم يتحرك وسيف يعود بالقهوة للجميع 
أخذ راكان كوبه وظل بعيدا واحترم أصحابه صمته، لأنه أدركوا الغضب الذي صبه على العاملين بالمكان
هاتف سفيان أصدر رنين فأجاب "ماذا؟"
لم يكن قد أنهى مشكلته مع تمارا عندما وصله الاتصال،
 كانا ما زالا يتشاجران بالهاتف ولكنه الآن أجاب بهدوء فقالت "ما أخباره سفيان؟"
تنهد وقال "بالعمليات ولا نعرف حالته"
قالت "راكان وصل؟"
أجاب "لماذا تسألين عنه؟"
أدركت نفسها وتفكيره فقالت "لا شيء سفيان، أنا فقط أعرف أنهم مقربين"
هدأت غيرته فقال "نعم هو هنا ويكاد يطيح بالجميع من حوله من العاملين وحتى المدير"
خرج المدير فقال "سأهاتفك مرة أخرى" 
تحرك عبد الله تجاه راكان الذي لم يتحرك من مكانه ونظراته ثابتة على الرجل الذي قال "الإصابات بالغة، لكن تم احتوائها وليست خطرة، سينتهون منه بعد ربع ساعة وسيكون بالعناية حتى يستعيد وعيه بالكامل"
هز راكان رأسه وقال "متى يمكنني رؤيته؟"
وكأن الرجل عرف من هو راكان لأنه قال "حضرتك تعلم أن ذلك لن يكون بصالحه ولكن ربما عندما يدخل العناية"
صمت راكان قليلا ثم قال "أريد نقله للقاهرة على طائرة خاصة"
لم يمانع المدير وقال "ربما عندما يسمح الأطباء بذلك سيد راكان، لديه كسور تمنع عنه الحركة"
ضاقت عيون راكان وما زال يفكر حتى قال "أخبرهم أني أريد نقله بأسرع وقت وإذا احتاجوا أي طبيب يمكنني جلبه من بيته بأي وقت"
هز الرجل رأسه وقال "أعلم ولكن لدينا بالفعل نخبة ممتازة وتقوم باللازم"
هز راكان رأسه ونظر لسيف وقال "هل الشرطة وصلت؟"
أجاب سيف "لا يا عمدة ولكن البلاغ وصل للقسم"
قال المدير "الشرطة تقوم بمعاينة مكان الحادث يا عمدة وستكون هنا بعد قليل فقد هاتفني أمين الشرطة"
منحه راكان اهتمامه ورد "رجالي ستتولى التحقيق دكتور"
اومأ المدير برأسه وقال "تمام يا عمدة، هل ترغب بالانتظار بمكتبي؟"
أحاب بلا تفكير "لا"
لم يكثر الرجل وهو يبتعد وظافر يقول لسفيان "لو لم يمتص المدير غضبه لامتصهم كلهم بلا رحمة، غضبه يأكل الأخضر واليابس"
نظر له سفيان وقال "أنت تعلم كم يرتبط به"
لم يرد ظافر وابتعد راكان وهو يتناول القهوة ورأسه تعج بالكثير من الأفكار وحتى كلمات المدير لم تمنحه أي راحة
****
هاتفتها تمارا لتخبرها بحالته وما زالت تبكي بلا توقف وهتفت "أريد رؤيته تمارا"
أجابتها الأخرى "لا يمكنك ذلك ليان، لو عرفوا بالأمر ستشتعل المشاكل بينهم ووافي لن يصمت، وافي لن يقبل بتلك العلاقة ليان فرائد لديه حياة لا تعجبه، بل كلهم"
نعم هي على حق، ولكن قلبها اللعين سقط أمامه وأصبح عبد له يتمنى نظرة رضا منه ولكنه الآن بعيدا جدا عنها بعد أن كان يجلس بجوارها ولم ينال منها سوى القسوة
سقطت على وسادتها ببكاء لا يتوقف ولم تنفعها كلمات تمارا ولا أي شيء نجح بمواساتها، كل ما تمنته أن تكون بجواره، ربما لن يقبل بها وربما عشيقته تكون معه ولكنها لا تهتم لن تعترض عليهم وستظل بجواره دون أن يشعر أحد بها ولكن كيف؟ 
وافي لن يقبل ورائد نفسه لن يهتم، ظلت تبكي ولا تعرف ماذا تفعل؟
****
حاولت مليكة مرة أخرى الاتصال بيحيى ولكنه أيضا لا يجيب، هو حتى لم يهاتفها ليعرف ماذا فعلت بالمسابقة؟ 
كتبت له رسالة "يحيى أين أنت؟ لماذا لا تجيب اتصالاتي؟"
لكنه أيضا لم يجيب، تركت الهاتف وانكمشت بالفراش حتى نامت 
لكن بعد فترة صوت ما أيقظها لتجد الهاتف يرن فاعتدلت ورأت اسمه فأجابت من وسط النعاس "يحيى أين أنت؟"
قال بصوت لم تفهم منه شيء "أخبرتك أني أعد نفسي للسفر مليكة ولكنك كنت مشغولة بحفلتك"
اعتدلت لطريقته الغريبة وجلست بالفراش وقالت "كانت مسابقة يحيى وليس حفل وأنت كنت تعلم أهميتها بالنسبة لي"
قال "نعم وعرفت أهميتي بالنسبة لك أيضا"
صمتت قليلا وهي تحاول فهم كلماته حتتى قالت "ما الذي تقوله يحيى؟"
أجاب ببرود "الحقيقة مليكة، أنت لا تفكرين سوى بنفسك والموسيقى لكن أنا لا وجود لي، أنا راحل غدا وأنت لست معي"
قالت بدهشة "طلبت منك أن تكون معي اليوم وتشاركني شيء هام بحياتي لكنك رفضت"
هتفت بغضب "أخبرتك أني كنت أنهي أمور أهم"
تراجعت من نبرته الغريبة وظلت صامتة حتى قال "أنت تظنين أن حياتك فقط هي المهمة وعلى الجميع الاهتمام بك؟"
اضطرت للرد "لا يحيى أنا لا أظن ذلك أنا فقط أردتك أن تشاركني.."
هتف "حفلاتك التي لا معنى لها، إلى متى؟ هل ستفعلين ذلك عندما نتزوج؟"
انتبهت لسؤاله وقالت "ماذا تعني بذلك؟ أنا لن أتوقف عن العزف ولن أتوقف عن دراستي أنا لم أتفق معك على ذلك"
هزأ بضحكة ساخرة وقال "ستتركين بيتك وواجباتك كزوجة من أجل شيء لا معنى له؟"
رفعت رأسها وقالت "لا معنى له؟ يحيى أنت تعي ما تقوله!؟"
قال بغضب "هل تظنيني مجنون؟"
أبعدت الهاتف وهي تنظر له لتتأكد أنه الرجل الذي عرفته وقبلت به، سمعته يصيح بالهاتف فأغلقت وأبعدت الهاتف ودموع تملأ عيونها
من هذا الرجل الذي كان يهاتفها؟ 
رنين الهاتف قطع الصمت حولها ولكنها لم تجيب وأدركت أن مخاوفها كانت حقيقية ها هو يظهر حقيقته، قلبها تألم لأنه قبل برجل غير ما تمنته، ترى ماذا ستفعل معه؟
****
اندفع وافي تجاههم وقد ظهر النهار تقريبا وهو يقول "ماذا حدث؟ أين رائد؟"
كان راكان يقف مع سيف وسفيان يجلس ورأسه للخلف على الحائط وظافر تحرك لوافي وقال "اهدأ وافي، حادث طريق وهو بالعناية الآن"
التفت وافي لراكان الذي لم يتحدث وظافر يكمل "اجلس تبدو متعب"
انتبه وافي لظافر وتحرك ليجلس بجوار سفيان وقال "حالته خطر؟"
منحه سفيان كلمات مختصرة بينما انتهى راكان مع سيف وتحرك تجاههم وقال "الطائرة تنتظر لنقله"
قال سفيان "لم يسمحوا بنقله راكان"
قال ظافر "سيفعلون بمجرد أن تسمح حالته ولن نتعجلهم"
قال راكان بحدة "ولن أتركه هنا"
لم يجادله غير وافي الذي قال "نعم ولكن بلا ضرر له راكان"
هتف بلا تفكير "الضرر هو بقائه بمكان كهذا وافي"
ظافر تدخل "اهدأ راكان الغضب لن يفعل شيء"
نظر له راكان ثم ابتعد وهو يعلم أنه لن يمكنه التوقف عن الإطاحة بأي شيء بسبيل إنقاذ توأمه
على الظهيرة سمح له الأطباء بنقله، وبالفعل حملته الطائرة وهو معه وسيف إلى مشفاه هو شخصيا 
اشتراه بعد حادث سارة لأنه انتبه وقتها أن مجموعة العمدة لا تملك مشفى لمرضاها ففعل، وهي أفضل مشفى بمصر بعد ما فعله بها
ما أن تحركت الطائرة برائد حتى تبعه الباقين بسياراتهم 
تلقاه الأطباء الذين كانوا بانتظاره وتوقف راكان متابعا لهم وهم يتحركون به وهو يضع يداه بجيوبه ونظراته على جسد صديقه ورغم طمأنة الأطباء له إلا أنه ما زال قلق عليه
صوت سيف أعاده "أحضرت لك ملابس"
التفت له واستوعب كلماته وتحرك لأسفل كي يكمل ما بدأه بالأمس
هاتف وافي رن وهو على باب المشفى فتوقف ليرى اسم ليان فأجاب "ليان"
أجابت بلهفة "وافي، هل وصلتم المشفى؟"
قال بهدوء "نعم"
لم تستطع منع نفسها وهي تقول "هل يمكنني زيارته؟"
بالطبع لم يرحل ذهنه لأي شيء وهو يقول "بالطبع ليان، ولكن لو كانت حالته تسمح"
كانت تتحرك بغرفتها بلا هدى وقلبها لا يتوقف عن النحيب والصراخ من الألم فهتفت "سأنتظر معك حتى يسمحوا بالزيارة، أنا قادمة"
أغلقت وهاتفت تمارا "تمارا لقد وصل مصر وافي سمح لي بزيارته"
كانت تمارا بمكتبها فقالت "انتظريني ليان، سنذهب سويا كي لا يشك بك أحد"
وافقت بلا تفكير وهي تسرع بارتداء ملابسها، هي لن تذهب الجامعة ولا العمل، حياتها توقفت منذ سقط عليها الأمر كالنيران أحرقتها بلا رحمة
****
بدل راكان ملابسه وعاد لهم عندما تحرك له المدير وقال "هو بالعناية يا عمدة ويتم إجراء كل الفحوصات اللازمة وسأمنحك تقرير بحالته بعد ساعة"
هز رأسه محاولا تجاهل الصداع وقال "لو بحاجة للسفر للخارج أخبرني"
أومأ الرجل برأسه ثم تحرك مبتعدا، وافي تحرك له وقال "من يتابع عمله بالخارج؟"
نظر له راكان وقال "مدير مكتبه يتابعني بالأخبار، الرجل يعرف ما يفعل جيدا فهو مدين لرائد بالكثير"
تفهم وافي وقال "سيكون بخير، هل تهدأ؟"
نظراته ثبتت على وافي وقال "أنا كذلك وافي"
تحرك له سيف وقال بأذنه "الدكتورة طلبت لقائك والسكرتارية أخبرتها بعدم وجودك"
لم يرد ولم يبدي أي تعبير على وجهه وقال لوافي "يمكنك العودة للراحة وافي والاطمئنان على ليان"
كان يقصد ذكر اسمها ولديه غرض من وراء ذلك والتقط وافي الطعم دون أن يشعر وهو يقول "ليان بطريقها إلى هنا فقد طلبت زيارته"
شعر بالراحة وقال "هي دائما ما تفعل، لن أنسى ما فعلته مع سارة"
لم يكن يرغب بزرع أي شك داخل وافي وتمنى لو ظل الأمر طي الكتمان ولكن نظرات الفتاة ورائد مفضوحة، على الأقل له ولا يعلم هل لاحظها الآخرون أم لا؟
تحرك لخارج المشفى والتقط هاتفه وعبث به حتى اتصل وسمع صوتها فقال "راكان معك"
كانت تخرج من قاعة المحاضرة وتوقفت عندما سمعته ولم ترد فعاد يقول "بلغني أنكِ أردتِ رؤيتي"
هي بالفعل فعلت قبل أن تأتي للجامعة بعد ليلة طويلة من التفكير أدركت أن عليها أن تشكره
لف رأسه للموجودين من حوله وصمتها طال فعاد يقول "هل ما زلتِ معي دكتورة؟"
انتبهت وقالت "نعم، أردت أن، أن أشكرك"
رفع رأسه ونظراته تزوغ هنا وهناك ولم يرد فأكملت "أنقذتني مرتين"
قال بهدوء غريب عاد له بمجرد أن سمع صوتها "وماذا عن الثمن؟"
تحركت مرة أخرى حتى دخلت مكتبها وقالت "لم أقصد، تعلم أن فايز منحني فكرة غير جيدة عن الرجال"
ظل ثابتا وهو يرد "ليس كل الرجال، من الجيد أنكِ تخلصت منه بسرعة"
جلست وتغاضت عن تعليقه الأول وقالت "لم يكن الأمر بالسهل، لقد أشاع عني ما ليس بي ولولا العميد لاستمرت إشاعاته عني وصدق الآخرين أكاذيبه"
سألها "ألا يعلم أحد بأخلاقه؟"
تورد وجهها وقالت "لا أعرف، لا أتحدث بتلك الأمور مع أحد"
عاد يقول "ألم تفكري بترك الجامعة؟"
زاغت عيونها قليلا ثم قالت "فكرت، لكن هي ما أحبه حقا وهي الوظيفة الثابتة أيضا كما تعلم"
تفهم كلماتها وقبل أن يتحدث اقترب منه سيف وقال "لقد أفاق"
عاد لها وقال "سأهاتفك مرة أخرى دكتورة"
وكان يتحرك عائدا للداخل وهي تنظر للهاتف بدهشة من تصرفه الغريب، ومع ذلك كانت سعيدة لأنه اهتم وهاتفها ولم يكن غاضبا 
الغريب أنها تشعر براحة بعد أن كانت غاضبة لتدخله بحياتها ولكن وقف الحديث بتلك الطريقة أثار شكوكها
دقات على الباب جعلتها تنتبه وأحد الطلبة يطلب الدخول فلم تمانع
****
تحرك لباب العناية دون إذن من أحد، دفعه وتحرك للداخل وتوقف الجميع لرؤيته لكن أحدهم تقدم له وقال "هنا يا فندم"
تحرك إلى حيث أشار الطبيب ورأى جسد صديقه بين الأجهزة فاقترب منه ووجه مكدوم وضمادات هنا وهناك وذراعه بجبيرة فقال 
"رائد"
فتح صديقه عيونه والتقى براكان الذي كان يتنفس بصعوبة من القلق حتى قال رائد "راك، أين أنا؟"
نفخ وقال "بالمشفى يا رجل، أصبت بحادث"
ابتلع رائد ريقه الجاف وقال "لا أذكر شيء سوى نور شديد بعيوني ثم ظلام"
تألم لصديقه وقال "كانت مقطورة والسائق نام ولم يراكم"
قال "وسائق سيارتي؟"
هز رأسه بالنفي وهمس "السائقين لم ينجوا، الحمد لله أنك بخير"
لوى شفته بصعوبة بشكل ابتسامة وقال "بخير؟ ليست بي قطعة واحدة سليمة"
ابتسم راكان وقال "ستكون بخير بمجرد أن تراها"
حرك عيونه لراكان وسأله بلا فهم "أراها؟ من هي؟"
انحنى راكان وهمس بجوار أذنه "المحرمات"
واعتدل ونظراته تواجه رائد الذي تجهم لما قاله صديقه وردد "ليان هنا؟"
عقد ذراعيه أمام صدره وقال "بالطريق"
هتف بلا قوة "حقا؟ هي ستأتي لرؤيتي؟ لا، هي تكرهني راكان، أنت لم ترى كيف تتعامل معي بالعمل؟"
انحنى عليه مرة أخرى وقال "وكيف ستتعامل فتاة نقية مثلها مع زئر نساء مثلك جر عشيقته معه أمامها بحفل الزفاف معلنا بوقاحة عن أنه ليس رجل صالح؟"
أخفض عيونه وقال "أنا كذلك راك، كان لابد أن تعرف حقيقتي"
هتف راكان بصوت منخفض "تعرف حقيقتك بإبعادها عنك؟ لا تتهور بتصرفاتك معها فهي ليست كمن عرفتهم رائد"
صدق عليه وقال "أعلم، هي أجمل وأرق وأنقى فتاة عرفتها بحياتي راك"
هز رأسه وقال "فقط لا تجعلني أندم أني أوافق على تلك الأفكار التي برأسك"
نظر لصديقه وقال "لا تفعل راكان، لا توافق عليها وأوقفني، لن أدمرها ولن أفسد علاقتي بوافي لأني لست الرجل الصالح الذي تتمناه وتستحقه فتاة مثلها"
عاد وانحنى عليه وقال "بل أنت كذلك رائد، بدليل أنك تدفع نفسك بعيدا عنها لتحميها من نفسك، لو لم تكن صالح لاستغللت فرص كثيرة لجذبها لك"
صمت رائد قليلا ثم قال "حتى لو، ما زالت تكرهني راك لقد رأيت ذلك بعيونها"
لم يبتعد راك وهو يرد بنفس النبرة الواثقة والهمس المنخفض "لذا هي قادمة لرؤيتك، اهدأ رائد واترك الأمور تسير كما تريد الأقدار"
لم يرد رائد وخرج راكان ليرى ليان بالفعل مع تمارا وسفيان بجوار خطيبته، بينما ظهر البكاء بعيون ليان والقلق والحزن بعيونها فتحرك لها وهي تنتظره وتعتصر يداها حتى قال 
"أهلا تمارا، ليان"
وافي دخل بينهم وقال "كيف حاله؟"
كان ينظر بعيون الفتاة ويرى لهفتها وخوفها بوضوح، أو ربما هو تعلم قراءة دواخل الأشخاص
أجاب "بخير، يمكنكم رؤيته"
لا تعلم كيف أمكنها ضبط نفسها والبقاء بمكانها وظافر يتحرك للداخل، بينما جذبت تمارا سفيان لبعيد ونظر وافي له وقال "هل تحدث معك؟"
أبعد عيونه عنها لوافي وقال "نعم، هل نتناول قهوة؟"
هز وافي رأسه وقال "ليان"
قال راك "دعها أنا أريدك"
لم يعارض وافي وتحرك مبتعدا مع راكان.. 
لا تعلم لماذا شعرت أن راكان تعمد أن يبعد وافي..
لحظات ورأت ظافر يخرج ويتحرك لسفيان وتمارا فلم تتردد وهي تتحرك للداخل وقلبها يدق بقوة.. 
ربما تندم عندما تخرج، لكن الآن هي لا تفكر سوى برؤيته
ماذا ستقول أو ماذا سيفعل لرؤيتها؟ 
لا يهمها فقط تراه

                  الفصل العشرون من هنا
تعليقات



<>