رواية عيون الاسد الفصل التاسع عشر19 بقلم اميرة خالد

رواية عيون الاسد الفصل التاسع عشر19 بقلم اميرة خالد

وبعد وقت، حان أذان الفجر.. قامت "عين" و"إنجي" بهدوء، وتوضأوا وصلّوا بخشوع، وفضلوا يدعوا ربنا من قلبهم إن "عفاف" تخرج من العملية سالمة معافاة.
كانت "عفاف" صاحية ونايمة على السرير، وعلى وشها ابتسامة دافئة وراضية وهي سامعة صوت بناتها وهما بيدعوا لها بحب صادق.
وبعد ما خلصوا صلاة، فتحت عفاف عيونها وقالت بصوت هادئ: – تعالوا يا حبايبي..
قربت منها إنجي وقالت بمشاكسة لطيفة: – إنتِ صاحية يا جميل؟!
ابتسمت عفاف وقالت بحنان: – أيوة يا حبيبتي صاحية.. تعالوا قربوا.
قربت البنات منها واترموا في حضنها بحب واحتواء كبير، فقالت عفاف بنبرة هادية كأنها بتوصيهم: – أنتم عارفين.. أنا لو مت، مش هكون زعلانة أبداً!
قالت البنات بصوت واحد وبوجع: – بعد الشر عليكِ يا ماما!
ابتسمت عفاف وقالت: – ما تقولوش إن الموت شر.. دي الحقيقة الوحيدة اللي في حياتنا. بس أنا متأكدة إن بناتي أقوياء وهيقدروا يعدوا أي صدمة أو حاجة صعبة.. صح ولا أنا غلطانة؟!
قالت إنجي بتهريج عشان تخفف الجو: – إيه يا حاجة فوفة الكلام ده؟! هو إنتِ ناوية بعد العملية تتجوزي ولا إيه؟!
ضحكت عفاف بصوتها كله وقالت: – هو اللي يتجوز أبوكم يبقى ليه نفس يشوف رجالة تاني؟! ما تخافيش يا اختي.. أبوكِ كرهني في الصنف كله!
ضحكت إنجي وقالت: – والله مع حق يا فوفة!
بينما كانت "عين" بتبتسم بوجع متبلور جوه عيونها.
كملت عفاف بجدية وحنان: – ممكن بقى أتكلم عشر دقائق بجد؟
قالت إنجي بخفة دم: – المايك معك يا فوفة، اتفضلي!
ضربتها عفاف بخفة على كتفها وهي بتضحك، وبعدين رجعت تبصلهم بجدية وقالت: – بصوا يا بنات.. أنتم خلاص كبرتوا واتجوزتوا ومعاكم رجالة زي الفل. أنا كل اللي طالبه منكم.. إياكم تبقوا نسخة من عفاف! لا.. أنا عايزاكم تكونوا أقوياء، محدش يقدر ييجي عليكم أبداً، حافظوا على بيتكم، وراعيوا ربنا في رجالتكم.. فاهمين يا بنات؟!
كانت "عين" بتسمع الكلام من جوه موجوعة وقلبها بيتقطع وهي فاكرة اللي سمعته من يعقوب.
قالت إنجي بسرعة وطمأنة: – ما تخافيش يا فوفة.. بناتك بـميت راجل وعارفين يعملوا إيه كويس!
بصت عفاف لعين بقلق وقالت بحنان أموي: – مالك يا قلب أمك؟! من ساعة ما رجعتِ من السفر وأنتِ متغيرة وحاساكي تايهة!
ابتسمت عين باهتة وقالت وهي بتحاول تداري دموعها: – ما فيش حاجة يا ماما.. أنا بس قلقانة شوية عشان العملية، بس ثقتي في ربنا كبيرة، ومتأكدة إنك هتقومي بالسلامة.
قالت عفاف بصوت دافئ: – يا رب يا بنات.. ممكن بقى ننام في حضن بعض الساعتين دول قبل الدوشة؟!
هزت إنجي وعين راسهم بالموافقة، وناموا الاتنين في حضن أمهم بعمق وراحة، ولأول مرة من ساعات طويلة يحسوا بالأمان وسط حضنها الدافئ.
وبعد وقت، وصل "يعقوب" و"جاسر" المستشفى ودخلوا جناح عفاف، وتفاجئوا إن عفاف نائمه وبناتها نايمين في حضنها. خرج يعقوب وجاسر بالراحة من الجناح عشان ما يزعجوهمش.
​قربت الممرضة عشان تدخل، فوقفها جاسر وقال:
– اصبري شوية!
​الممرضة:
– الدكتور عايز المريضة عشان هتدخل أوضة العمليات دلوقتي.
​جاسر:
– قولي للدكتور يصبر نص ساعة بس.
​الممرضة:
– حاضر.
​ومشيت بسرعة. بص جاسر ليعقوب وقال:
– شكلهم كده كانوا صاحيين طول الليل وناموا.
​يعقوب:
– اه.. تلاقيهم تعبوا. بس قول لي، أنت عملت إيه في حوار هدير؟
​جاسر:
– أنا رحت امبارح ونهيت كل حاجة وقطعنا. وأنت؟
​يعقوب:
– أنا ناهي الموضوع من بدري.
​جاسر:
– طب كويس.. اعمل حسابك إن بعد العملية وست عفاف ما تبقى كويسة، أنا هعمل فرح كبير.
​يعقوب:
– ومش لوحدك.. أنا كمان ناوي أعمل فرح لعين.
​جاسر:
– قشطة.. نعمله مع بعض!
​وفضلوا واقفين بيتكلموا. وبعد دقايق، وصل "فادي" ومعاه والده الحاج "سعد".
​فادي:
– هي مرات عمي دخلت العملية؟!
​يعقوب:
– لا.. لسه، هما جوه نايمين.
​الحاج سعد:
– طب كويس.. عشان عايز أسلم على عفاف وأطمن عليها قبل ما تخش العمليات.
​أما جوه الأوضة.. فتحت "عين" عينيها وبصت على عفاف لقتها لسه نايمة والابتسامة على وشها، وإنجي نايمة جنبها وماسكة فيها.
​اتعدلت عين وبصت في الساعة لقتها 9 الصبح!
​قامت بسرعة وقالت بقلق:
– إحنا تأخرنا قوي على العملية!
​قربت من إنجي عشان تصحيها:
– إنجي.. قومي!
​فتحت إنجي عينيها بنعاس وقالت:
– سيبيني شوية يا عين.
​عين:
– مش هينفع يا إنجي.. ماما تأخرت على العملية، اصحي كده واغسلي وشك عقبال ما أطلع أشوف الدكتور تأخر ليه.
​إنجي:
– حاضر.
​دخلت إنجي الحمام، وقربت عين من عفاف وباست راسها بحب:
– ماما.. يلا اصحي.
​عفاف ما ردتش!
​استغربت عين وحاولت تاني بلطف. في الوقت ده خرجت إنجي من الحمام وقربت بابتسامة وهي فاكراها بتهزر:
– تلاقي فوفه بتمثل عشان مش عايزة تخش العمليات!
​قربت منها وهزت كتفها بهزار:
– يلا بقى يا فوفه.. افتحي عينيك وبطلي تمثيل!
​لكن.. عفاف كانت روحها راحت لخالقها!
​مسكت عين إيديها لقتها متلجة، وهزت راسها برفض وهي مش مصدقة إن ممكن عفاف تسيبها هي وأختها بالسهولة دي!
​قربت إنجي بقلق وبصت لعين بصدمة:
– مالها ماما يا عين؟! ما بتردش عليا ليه كده؟!
عين (صرخت بقوة والدموع غارقة عيونها): – لااا يا ماماا! ما تسيبنيش! أنا هموت بعدك!
بره الجناح.. أول ما سمعوا صرختها المرعبة، دخلوا كلهم بسرعة، وتفاجئوا بالمنظر المفجع.
كانت "عين" واقعة على الأرض ماسكة إيد "عفاف" وبتصرخ بوجع يقطع القلب، بينما "إنجي" واقفة مكانها ماسكة الإيد التانية وعينيها شاردة وما بتنطقش بحرف من صدمتها.
جري "يعقوب" بسرعة على السرير، وحط إيده على رقبة "عفاف" عشان يحس بالنبض، لكن مكنش فيه أي نبض، والجسم كان متلج تماماً.
قرب "يعقوب" بسرعة من عين، ونزل لمستواها وشدها لحضنه وهو بيقول بقلق: – أهدى يا حبيبتي.. أرجوكِ اللي انتِ بتعمليه ده غلط!
مسكته "عين" من قميصه بقهر وجنون وقالت بصوت مكسور: – يعقوب.. إنت قلت لي زمان اطلبي أي حاجة وأنا هنفذها لك.. أنا عايزة ماما يا يعقوب! أنا ماليش غيرها في الدنيا كلها.. عشان خاطري، مش عايزة أبقى يتيمة مرتين.. والنبي يا يعقوب!
شدها يعقوب لحضنه بقوة وهو قلبه بيتقطع عليها، وقال الحاج "سعد" بحزن وصوت خاشع: – إنا لله وإنا إليه راجعون.. ربنا يرحمها.
في اللحظة دي.. قرب "جاسر" من إنجي اللي كانت قاعدة على السرير وماسكة إيد عفاف ولا بتعيط ولا بتتحرك كأنها في عالم تاني. مسك إيديها بحنان وقال: – انجي.. أنتِ كويسة؟!
زقت إنجي إيديه بعنف، وبصت لعين وصرخت فيها بجنون: – بطلي تعيطي! ماما نايمة.. وطي صوتك، إنتِ مش عارفة إن نومها خفيف وهتصحى تزعل؟!
قرب "فادي" بسرعة وقال بوجع: – اللي أنتِ بتعمليه ده غلط يا عين.. أنتِ شايفة أختك عاملة إزاي؟!
في اللحظة دي، زقت عين يعقوب وقامت واقفة وهي مسندة على فادي بصعوبة، قربت من إنجي وخدتها في حضنها وقالت بدموع: – إنجي.. حبيبتي!
صرخت إنجي بقوة وهي بتزقها وبتقول بإنكار تام: – لا يا عين! ماما هتخش العمليات وهتطلع كويسة.. ما تعمليش فيا كده! ماما مش هتموت وتسيبنا!
قالت عين بدموع تنزل كطوفان: – خلاص يا حبيبتي.. ماما ارتاحت، وهي عند ربنا دلوقتي..
فضلت إنجي تصرخ بانهيار: – لااا! أمي مش هتسيبني.. ولا إنتِ يا عين هتسيبيني! أنا هموت بعد أمي!
قالت عين وهي بتترعش: – ما تقوليش كده عشان خاطري..
فجأة، سابت إنجي حضن عين، وترمت في حضن عفاف وهي بتمسح دموعها بإيد مرتبكة وقالت ببراءة توجع القلب: – اطلعوا بره كلكم.. ماما عايزة تنام، وأنا هنام جنبها شوية!
مسكت إيد عين وقالت بترجي: – تعالي يا عين ننام جنبها زي زمان.. وهي هتصحى دلوقتي وتاخدنا في حضنها..
كل اللي كان واقف في الجناح قلبه وجعه على البنات وانكسارهم. يعقوب قلبه كان بيتقطع على عين، فخرج بسرعة نده للدكتورة.
دخلت الدكتورة الجناح بسرعة، فوقفت إنجي وعين قدامها وقربوا منها برجاء: – تعالي يا دكتوره.. ماما تعبانة، اكشفي عليها بسرعة والنبي!
قالت الدكتورة بنبرة مليانة شفقة: – حاضر يا بناتي.. هكشف عليها، بس ممكن تبعدوا ثانية ترتاحوا؟
البنات وقفوا متمسكين ببعض وقالوا برفض: – لا.. اكشفي عليها دلوقتي!
بصت الدكتورة ليعقوب بعيون فيها حيرة وسؤال: (أعمل إيه؟)
قرب يعقوب من عين وشدها لحضنه بالعافية، وجاسر قرب من إنجي وشدها هي كمان عشان يبعدوهم. في اللحظة دي، كانت الدكتورة مطلعت حقنة مهدئ، وقربت من عين عشان تديها لها.
صرخت عين بجنون: – ابعذوا عني! أنا عايزة أمي!
أدت الدكتورة الحقنة لعين بصعوبة بالغة وهي بتقاوم، لحد ما بدأت عيون عين تذبل وتغمض بالتدريج، ومابقاش على لسانها غير كلمة واحدة وهي تايهة: – ماما...
قربت الدكتورة من إنجي عشان تديها المهدي هي كمان، لكن انجي زقت الدكتورة وجريت زي الممسوسة على السرير وحضنت جثة أمها وهي بتصرخ.
قالت الدكتورة بقلة حيلة: – كده ما ينفعش.. لازم تاخذ الحقنة عشان تنام وما تأذيش نفسها!
بمساعدة بعض، مسك جاسر وفادي إنجي بحنان وقوة، والدكتورة أدت لها الحقنة بصعوبة وهي بتعيط على حالهم.
وقف الحاج "سعد" بحزن وقال لاحول ولا قوة إلا بالله، وبص لفادي بهدوء: – يلا يا ابني.. خلينا نمشي في أجراءات الدفن، عشان نكرم مرات عمك ونفذ الوصية.
رد فادي بصوت مكتوم: – حاضر يا حاج.
شال جاسر إنجي بحذر وحطها على السرير جنب أختها "عين"، وغطوهم وهما نايمين تايهين من تأثير المهدئ والوجع اللي كسر ضهرهم.
وبعد ما خلصوا كل إجراءات الدفن وتجهيز كل حاجة، قرب "فادي" منهم وقال بجدية وحزم: – احنا لازم نقوم البنات دلوقتي عشان يودعوا مرات عمي الوداع الأخير قبل ما نتحرك.
رد "يعقوب" بجمود ورفض قاطع: – لأ يا فادي، مش هيحصل.
بصله فادي باستغراب وصدمة: – يعني إ ايه لأ؟!
تدخل "جاسر" وقال بهدوء وهو بيحاول يهدي الموقف: – يا فادي تفهمنا.. أنت شفت حالة البنات الصبح كانت عاملة إزاي، ولو شافوهم وهما بيدفنوها هيتعبوا أكتر بكتير وممكن يجرى لهم حاجة.
رد فادي بعصبية وانفعال: – اسمعوني انتم الاتنين! لو منعتوهم يودعوا مامتهم، عمرهم ما هيسامحكم أبداً.. اسمعوا الكلام، أنا أخوهم وأعرفهم أكتر منكم كويس قوي!
وقف يعقوب قدامه ببرود وصوت حاسم: – ده اللي عندي.. ومستحيل أخلي عين تنهار قدامي تاني أو أشوفها في الحالة دي.
اتعصب فادي أكتر وقال: – كده ما ينفعش أبداً.. وأنا مش هقبل بكده خالص!
وكان لسه هيتحرك ويدخل الأوضة عشان يصحيهم، فسرعان ما مد يعقوب إيده ومسك دراعه بقوة ومنعه من التقدم.
مسك جاسر فادي من كتفه وقال بهدوء: – يا فادي أهدى بس.. خلينا نتفاهم من غير خناق.
في اللحظة دي، تدخل الحاج "سعد" بصوت وقور وهادئ: – يا ابني، اللي أنتم بتعملوه ده مش صح.. لازم البنات يقوموا ويودعوا أمهم الوداع الأخير. لو تعبوا تاني الدكتورة موجودة وتقدر تتعامل معهم، لكن ندفن عفاف ومن غير ما بناتها يودعوها؟! دي ما تجوزش ومش هيحصل أبداً.
بصله يعقوب بثبات وقال: – وأنا جوز بنتها.. وبقول لك البنات مش هيخرجوا بره الأوضة ولا هيحضروا الدفن، كفاية اللي حصل من الصبح!
تنفس فادي بصعوبة وقال بغيظ: – ماشي يا يعقوب.. براحتكم، بس افتكر كلامي ده كويس.. عين عمرها ما هسامحك على اللي بتعمله ده!
مشي فادي وهو متعصب ومتأثر جداً، وبص الحاج سعد ليعقوب بأسف مشي ورا فادي بصمت.
وبعد وقت طويل، رجع "يعقوب" و"جاسر" على المستشفى، وكان "فادي" طالع معاهم. دخلوا التلاتة بهدوء وقعدوا جوه الأوضة، عيونهم كلها خوف وقلق على البنات وهما نايمين تحت تأثير المهدئ.
بعد دقايق، بدأت "عين" تفتح عينيها ببطء وصعوبة شديدة.
قرب منها "يعقوب" بسرعة ولهفة، وقعد جنبها وقال بصوت دافئ: – حبيبتي.. أنتِ كويسة؟ حاسة بايه؟
كانت عين حاسة بصداع مرعب ودوخة شديدة. فضلت ثواني باصة للسقف بتستوعب، وفجأة.. شريط اللي حصل الصبح عدى قدام عينيها زي الإعصار!
قامت منطورة من على السرير بقوة وقالت بخلع وفزع: – ماما فين؟! ماما فين يا يعقوب؟!
بص "فادي" ليعقوب بنظرة معاتبة كأنه بيقول له: (أهو فوقت.. جاوبها بقى!)
قرب يعقوب ومسك إيديها المترعشة وقال بنبرة هادية عشان يهديها: – أهدى يا حبيبتي.. مامتك خلاص.. راحت عند اللي خلقها، وربنا يرحمها.
قالت عين بصوت مهتز وهي حاطة إيديها على راسها: – أنا عارفة.. عارفة والله، بس أنا عايزة أودعها والنبي!
نزلت من على السرير بسرعة وهي بترتعش وعايزة تجري تروح لها، فوقف يعقوب قصادها بسرعة ومنعها من الحركة وهو بيقول بحزن: – حبيبتي.. مامتك خلاص.. اتدفنت!
كلمة "اتدفنت" نزلت زي طلقة النار على قلب عين.. وقفت مكانها مصدومة وعينيها متسعة بذهول مرعب.
قالت بصوت مكسور كأنها مش متخيلة: – إنت بتقول إيه؟! ماما إزاي تدفن من غير ما أفتح عيني عليها ومن غير ما أشوفها ولا أودعها؟! إزاي تعملوا فيا كده؟!
رد يعقوب بأسف وهو بيحاول يمسك إيديها: – يا عين أنتِ كنتِ مغمى عليكِ وتعبانة جداً، وما ينفعش جثمانها يفضل للوقت ده من غير دفن..
لمعت الدموع بغزارة في عيون عين، وانفجرت في البكاء وهي مش قادرة تستیعب إن أمها راحت للأبد من غير حتى نظرة وداع .

تعليقات



<>