رواية عيون الاسد الفصل العشرون20 بقلم اميرة خالد

رواية عيون الاسد الفصل العشرون20 بقلم اميرة خالد

وعدى ثلاث أيام ثقال كأنهم ثلاث سنين على جدران البيت اللي لسه محتفظ بريحة "عفاف". صممت "عين" إنها ترجع بيت أمها هي وأختها، ورفضت كل محاولات "يعقوب" إنه يقعد معاها أو حتى ياخدها بيته، وكانت بتكتفي بالرد على قد السؤال ببرود وجفاء تام كسر قلب يعقوب اللي كان بيلف حوالين نفسه عشان يخرجها من حالتها، وماتسدش غير باب الشغل، وكل شوية يكلم "فادي" يطمن منه على أخبارها.
أما "إنجي"، فمن اللحظة اللي فاقت فيها وعرف إن أمها اتدفنت من غير ما تودعها، انهارت بانهيار أكبر وصمت تام؛ بطلت الكلام ولسانها عجز عن النطق، ومابتسبش حضن أختها "عين" أبداً، كأنها خايفة تختفي هي كمان.
وفي وسط الوجع ده، كان "فادي" قاعد معاهم في الشقة، سند وضهر ليهم، طول الوقت بيحاول يقوي "عين" ويحتوي حزنها ويهدي ليلتهم الطويلة.
وعلى الناحية التانية، كان "جاسر" متمزق على "إنجي" وطفلته اللي وشها انطفى تماماً وفقدت لمعة عيونها من شدة الحزن، فكان بيجيلهم كل يوم يقف قدام الباب يطمن عليها، وهي رافضة تخرج من أوضتها أو حتى تبص في وشه.
النهارده.. كان فادي واقف في المطبخ بهدوء، ولما دخلت عين، بص لها بتركيز وقال بنبرة جادة: – ممكن أفهم إيه اللي حصل؟!
بصت له عين باستغراب وقالت: – قصدك إيه يا فادي بالكلام ده؟!
قرب منها فادي وقال بصوت هادئ: – قصدي إنتِ عارفاه كويس.. جوزك يعقوب كل ما بيتصل يطمن عليكِ أو عايز يكلمك، أنتِ بتبعدي وماترديش عليه خالص! هو حصل حاجة بينكم في السفرية؟!
اتوترة عين وحاولت تهرب من عيونه ومن الإجابة، وقالت وهي بتمسك الطبق الجبنه وبتحطه على صينية الاكل بسرعة: – مافيش حاجة يا فادي.. ويلا عشان إنجي تفطر وتاخد الدواء بتاعها في ميعاده!
تنفس فادي بعمق وقال بابتسامة باهتة: – ماشي يا عين.. اهربي براحتك من الأسئلة، بس في الآخر هعرف إيه اللي مخبياه!
سكتت عين ومردتش، وشالت الصينية وطلعت بسرعة متوجهاً لأوضة أختها عشان تلحقها قبل ما تتعب أكتر.
دخلت "عين" الأوضة بهدوء وقالت بصوت دافئ: – صباح الخير يا حبيبتي..
"إنجي" فضلت قاعدة مكانها من غير ما تنطق ولا حرف.
قعدت "عين" جنبها وحطت صينية الأكل على السرير، وقالت برجاء حنون: – ممكن بقى تاكلي لقمة عشان خاطري؟ علشان تقدري تاخذي الدواء.
دمعت عيون "إنجي" بوجع، فمسكت "عين" إيديها وقالت بصوت مكسور: – أنا عارفة يا حبيبتي حاسة بإيه.. أنا كمان قلبي بيتقطع من فراق ماما، بس أنتِ فكري.. هي وصتنا إننا نكون أقوياء ونقدر نعدي أي حاجة.. أرجوكِ بلاش تزعليها منك!
ما قدرتش "إنجي" تمسك نفسها أكتر من كده، فانفجرت في البكاء ورمت نفسها في حضن أختها بقوة. استقبلتها "عين" بكل حب وحنية، وفضلت تطبطب على ضهرها بحنان وتهمس لها بأدعية وكلمات تهدّي بيها روعها.
وفجأة.. فتح باب الأوضة ودخل "فادي" بابتسامة خفيفة وحاول يخفف الجو، وقال بمشاكسة: – ده أنا جه اليوم اللي أدخل فيه البيت ده وألاقي "إنجي هانم" بتعيط.. دي أكيد حصلت معجزة!
أما في الشركة.. كان "يعقوب" قاعد بيراجع شوية أوراق وشغل، وفجأة الباب خبط ودخل "جاسر" وهو بيقول: – أنا مشي دلوقتي يا يعقوب، رايح أزور إنجي وأطمن عليها.
وقف يعقوب بسرعة وقال: – استنى.. أنا جاى معاك.
خرج الاتنين مع بعض وركبوا العربية وراحوا على الشقة.
وفي الشقة.. كانت "عين" قاعدة مع "فادي" بيتناقشوا بهدوء، وفجأة خبط باب الشقة.
راح فادي فتح الباب، واتفاجئ بواحدة لابسة فستان أسود قصير، ونظارة شمسية، وماسكة في إيدها طفل صغير عنده حوالي خمس سنين!
بص لها فادي باستغراب وقال: – نعم.. مين حضرتك؟! وعايزة مين؟!
ردت ببرود وتكبر: – عين فين؟
كان فادي لسه هيتكلم، بس ظهرت "عين" من جوه وقالت بجمود: – أنا هنا.. اتفضلي.
دخلت ليالي وهي رافعة راسها وبابتسامة خبيثة، وقلعت النظارة وقالت بصوت عالي متعمد: – أنا جية أتعزي في مامتك.. البقاء لله!
بصت لها عين بقرف وقالت: شكرا العزاء خلص من اسبوع ممكن اعرف ايه اللي جابك دلوقتي وعايزه ايه بالظبط!
كانت ليالي لسه هترد باستفزاز، بس في اللحظة دي فتح باب الشقة ودخل "يعقوب" و"جاسر".. واتجمدوا مكانهم من الصدمة لما شافوا "ليالي" قاعدة قصاد عين ومعاها الطفل!
وأول ما الطفل شاف يعقوب، جري عليه بسرعة وهو بينادي ببراءة: – بااابا!
وقف يعقوب مكانه مذهول ومش عارف ينطق حرف، والكل اتصدم من المنظر.. ما عدا "عين" اللي كانت هادية تماماً وكأنها كانت متوقعة السيناريو ده من الأول!
في اللحظة دي، طلعت "إنجي" من الأوضة على الصوت، وراحت وقفت جنب أختها عين ومسكت إيدها بقوة وسندتها.
قربت ليالي من يعقوب بدلع مصطنع وقالت: – آسفة جداً يا يعقوب.. بس كنت لازم أجي بنفسي عشان أقدم الواجب لمراتك، مهما كان أنا وهي بكرة هنبقى زي الأخوات!
صرخ "فادي" بصدمة وعصبية: – هو إيه اللي بيحصل هنا ده؟! فهموني!
خرجت "عين" عن السيطرة وانفجرت في الوجوه كلها وقالت بصوت بيترعش من القهر: – اللي بيحصل يا سيدي، إن الباشا المحترم كان متجوزني وفي نفس الوقت متجوز غيرها وبيعرفها، ومخلف منها كمان! ويا ريته طفل مسجله باسمه.. ده سيبه مرمي من غير هوية، وكان عايزني أبقى نسخة تانية من الست هانم دي، بس أنا لأ.. عمري ما هوافق أعيش بالذل ده!
جري يعقوب وزق إيد الطفل اللي كان ماسك فيه، وقرب من عين بجنون وهو بيحلف: – والله العظيم ما أعرف حاجة عن الكلام ده! والطفل ده مش ابني.. اسمعيني يا عين!
زقت عين إيديه بعنف وقالت بصوت مكسور وحاقد: – إنت لسه بتكذب وتبرر لحد دلوقتي؟! كفاية بقى.. أنا خلاص بقيت اكرهك ونزلت من نظري خالص! الحاجة الوحيدة اللي كانت مخلياني أستحمل وأكمل معاك هي عملية أمي.. ودلوقتي أمي راحت عند اللي خلقها ومبقاش ليك أي حاجة عندي! يلا بكل ذوق وأدب.. طلقني عشان أنا مستحيل أعيش مع واحد زيك دقيقة كمان!
صرخ يعقوب بعصبية عمياء: – مستحيل أطلقك يا عين! فاهمة ولا لأ؟! مستحيل!
قالت عين بثبات وقوة: – براحتك.. هرفع عليك قضية خلع وأرميك وراك!
من شدة العصبية والجنون اللي أصابوه، رفع يعقوب إيديه وضربها بالقلم على وشها!
طلقت "إنجي" صرخة مرعبة وهي بتجري قدام أختها: – عااايين!
وقفت عين قدامه بكل جبروت وكرامة، وبصت في عيونه وقالت بصوت كالسياط: – اخرج بره بيتنا.. ومالكش دعوة بيا ولا بأختي تاني، فاهم ولا لأ؟!
كان يعقوب هيهجم تاني من الغضب، بس جري "جاسر" و"فادي" ومسكوه بقوة ومنعوه: – أهدى يا يعقوب! اللي بتعمله ده جنون!
صرخ يعقوب ووشه أحمر من الغضب: – أنتم مش سامعين بتقول إيه؟! عايزة تطلق مني؟! نجوم السما أقرب لك يا عين.. مش هطلقك، وهخليكي تعيشي زي البيت الوقف!
نطقت عين بسخرية مرة: – هستنى إيه من واحد ساب ابنه من غير اسم ولا هوية السنين دي كلها؟! هيعمل إيه مع مراته غير الغدر والخيانة؟!
فقد يعقوب السيطرة تماماً، وزق جاسر عشان يوصل لها تاني، فجري فادي قدامه بسرعة وقال: – لو سمحت يا يعقوب.. ابعد دلوقتي وحل مشاكلك بعيد عن هنا!
تنفس يعقوب بصعوبة، وقال بصوت متقطع ومليان غيظ: – ماشي يا عين.. لينا كلام تاني!
لف وجهه ومسك إيد ليالي بقوة وشدها وراه عشان تخرج، وهي ماسكة إيد الطفل. ووقف عند الباب ووجه كلامه للحراس: – خليكم واقفين هنا.. ممنوع أي حد يخرج من الشقة دي نهائياً إلا بإذن مني، ولو حد خرج تخلوا حد معاها لحد ما ترجع، فاهمين؟!
وبعدين زق ليالي قدامه بعنف وركبوا العربية ومشيوا.
أما جوه الشقة.. كانت عين حاضنة إنجي وبتعيط بوجع مكتوم.
قرب "جاسر" منهم وقال بنبرة عتاب: – اللي أنتِ عملتيه ده غلط يا عين.. كان المفروض تسمعيه.
بصت له عين بنظرات حارقة وقالت: – بقول لك إيه.. اطلع بره أنتَ كمان! وياريت تطلق أختي بالمرة، إحنا مش ناقصين رجالة بتوع نسوان وما يعرفوش ربنا!
اتصدّم جاسر وقال: – أنتِ جنيتِ يا عين؟! إ ايه اللي بتقوليه ده؟! لولا إن أنا عامل حساب ليعقوب في اللي هو فيه، كان ليا تصرف تاني معاكي!
نطقت إنجي بوجع وغضب مدفون: – هتعمل إيه يعني؟! جاي تدافع عن صاحبك الخاين؟! ما أنتَ كمان عملت عمايلك مع هدير.. بس عايزة أقول لك انسى! أنا مش هدير اللي هتقبل بالمهزلة دي وتقول بكرة يلف ويرجع لحضني! انسى يا بابا.. واطلع بره البيت ده، وإياك تخطيه تاني!
كان جاسر واقف مصدوم من كلامهم وقسوتهم. قرب فادي من البنات وحضنهم بحنان عشان يهديهم، بينما خرج جاسر من الشقة وهو ميت من الغضب والقهر.
وفي شقة "يعقوب".. وقف قدام "ليالي" بعصبية جحيمية، وعيونه بتطلع شرار وهو بيبص لها وللطفل: – متأكدة إن الواد ده ابني؟! وإنك خبيتي عليا السنين دي كلها ليه؟! وكنتِ عايزة توصلي لإيه بحركتك دي؟ كنتِ عايزة تموتيني وتورثي كل حاجة وتبقي تحت إيدك أنتِ وعيلتك؟!
وقفت ليالي قدامه بدموع مصطنعة ومحاولة للدفاع عن نفسها: – مستحيل أعمل كدة يا يعقوب! أنا بحبك وإنت عارف كده كويس.. إنت ما تعرفش أنا ضحيت بإيه عشان خاطر حبنا ده!
ضحك يعقوب بسخرية مرة ووجع: – أوعي تكوني فاكرة إني نايم على وداني، ولا ما أعرفش إنك أخت "عادل" وكنتِ بتلعبي من ورايا طوال الوقت!
قالت ليالي بانهيار: – مستحيل أعمل كده وأنت عارف بده! أنا بحبك يا يعقوب.. إنت حبيت فيها هي إيه؟! أنا اللي كنت معاك واديتك كل حاجة!
زقها يعقوب بعنف من قدامه، وبعدين نزل لمستوى الطفل مسك إيده وشدها وراه وهو بيقول بحدة: – إنتِ هتفضلي هنا وممنوع تحركي خطوة!
خرج من الشقة وهو ماسك إيد الطفل المرعوب، ووقف عند الحراس على الباب وقال بنبرة تخلع القلوب: – خلّيكم هنا.. أوعى حد يخرج من الشقة دي نهائياً، فاهمين؟!
رد الحراس برعب من هيئته: – حاضر يا باشا!
نزل يعقوب بسرعة وهو ماسك إيد الطفل ودخلوا العربية. كان الطفل بيبص حواليه بخوف، فحس يعقوب بغصة في قلبه، وتنفس بصعوبة وهو بيحاول يهدي ملامحه عشان ما يخوفوش أكتر، وقال بصوت حنون هز إطرافه: – ما تخافش يا حبيبي.. إنت هتكون كويس، ما تقلقش.
بص له الطفل ببرءة وقال بصوت صغير: – أنا مش خاف ..
ابتسم يعقوب ابتسامة باهتة ووجع مالك روحه، ودور العربية ومشي بها بسرعة جنونية تعكس النار اللي مولعة جوه صدره.
وفي شقة "عين"..
قعد "فادي" قصادهم بعد ما جاب لهم كوبايتين ليمون يهدي بهم روعهم، وبص لهم بجدية وقال: – ممكن بقى أفهم إيه اللي بيحصل بالضبط؟! فهموني من الأول.
بدأت "عين" تحكي له كل حاجة حصلت معاها وهي في شرم الشيخ.. من أول ظهور "ليالي" وحركاتها، لحد الرسائل والصور والفيديوهات اللي وصلت لها على تليفونها قبل ما يرجعوا مصر بيوم واحد.
تعصب "فادي" بغضب وقال: – وليه ما قلتليش على كل ده من ساعة ما حصل؟!
نزلت دموع عين وهي بتقول بصوت مكسور: – مكنش ينفع أقول لك.. خفت عليكم، وخصوصاً عشان خاطر ماما وعمليتها اللي كانت مأثلة على كل حياتنا وقتها!
بص "فادي" لـ "إنجي" وقال بتركيز: – وأنتِ كمان يا إنجي.. إيه حكايتك مع جاسر؟! فهميني.
حكت له إنجي كل اللي حصل من أول ما عرفت بالصدفة حقيقة هدير والماضي لحد المشهد اللي حصل برّه، وكانت "عين" ماسكة إيدها بقوة بتدعمها.
سكت "فادي" لحظات، وبعدين قال باستنتاج وتفكير عميق: – مش غريبة إن أنتم الاتنين.. في نفس اليوم ويحصل معاكم نفس الموقف بالظبط؟!
بصت له عين بفضول وقالت: – قصدك إيه يا فادي بالكلام ده؟!
فادي: – قصدي إن في حد أساساً بيكره يعقوب وجاسر لسبب ما.. وهو اللي تعمد يوصل لكم المعلومات والصور دي وفي التوقيت ده بالذات عشان يدمر كل حاجة بينكم!
هزت "إنجي" راسها برفض وجفاء وقالت: – يا فادي اللي حصل حصل.. واحنا متأكدين إنهم مش كويسين وخانوا الثقة، وربنا نجانا منهم في الوقت المناسب قبل ما نكمل حياتنا معاهم.
تنفس فادي بعمق وقال: – طيب.. أنا هتصرف، وأحاول أتكلم معاهم بالذوق عشان تخلصوا من الموضوع ده وتتطلقوا في هدوء ومن غير مشاكل.. مع إني أشك طبعاً إنهم يوافقوا بسهولة.
قالت "عين" بجمود وثبات: – براحتهم.. محاكم مصر مليانة، ومش هجبر على حاجة.
بص فادي لهم بحنان وقال بنبرة أبوية: – على العموم.. أنتم لازم تركزوا في حياتكم دلوقتي، وأنتِ يا إنجي لازم تفتحي كتبك وتذاكري كويس عشان امتحاناتك قربت وما تضيعيش تعبك.
بصت له إنجي بهدوء وقالت بصوت ضعيف: – حاضر يا فادي.. هحاول.

                    الفصل الواحد والعشرون من هنا
تعليقات



<>