رواية راكان زيدان واصحابه الفصل الاول1 بقلم داليا السيد محمد
بسم الله الرحمن الرحيم
يلا نبدأ على بركة الله
تعارف.. حفيد
احتاج الأمر منه القليل من الوقت ليشرح لابنه الصغير كيفية التحكم بتلك الآلة الرياضية الجديدة التي وصلت اليوم وابنه ذي الإحدى عشر عاما يبدو نافد الصبر كعادته لاستخدام الآلة وهو يقول "لقد أخبرتك أني أعلم كيف أستخدمها فقط اسمح لي بأن أفعل بابا"
ابتسم أحمد زيدان ابن الثري الشهير محمود زيدان لابنه والذي كان نسخة صغيرة لجده، محمود زيدان، الرجل الذي عرف عنه أنه بلا قلب، يحمل داخله خطط مدمرة وأيضا بناءة، هو الرجل الذي يلم بيده خيوط متشابكة لكل ما يدور حوله، له سلطة على كل من حوله، الحكومة، الشرطة، السياسيين، حتى العصابات وتجار المخدرات والآثار وأيضا السلاح
كلهم ينتهون عنده وهو، هو القائد..
بنه أحمد لم يرث منه تلك المقدرة القيادية وفشل زيدان بزرعها به ولا ابنه عمر الذي هجرهم وهو بالسادسة عشر، كان يعلم أن أبنائه حملوا روح والدتهم الطيبة والتي كانت ضعيفة وهشة كما كان يتهمها زيدان دائما
ترك أحمد ابنه يجرب الآلة الجديدة وقد فقد الأمل بأن يكون ابنه كما أراد وراقبه وهو يتخطى كل صعوبات الآلة بلا أدنى مجهود..
زيدان اخترق الطفل وهو ابن يومين، لم يتركه بين أحضان أحمد، انتهز الجد تلك الفجوة التي حدثت بعد ولادة راكان.. فأحمد كان يدرس بجامعة أمريكية ولم يكن موجود وقت ولادة ابنه وعندما وصل بعد عدة أيام أخبره زيدان الكبير أن زوجته ماتت عندما أصيبت بفيروس قضى عليها وتم دفنها دون انتظاره
زيدان امتلك الطفل بشكل جعل الجميع يفكر ألف مرة قبل مراجعته..
أحمد أخذ وقتا بأحزانه حتى استوعب ما حدث لابنه ولكن عندما أفاق كان راكان قد بلغ الخامسة من عمره وقد عاش ونما وترعرع تحت كنف جده الذي لم يمنحه الحنان بل علمه القسوة بكل خطوة ولم يجعله يدرك أن هناك ما يسمى بقلب ينبض داخل صدور البشر
جعله يراه وهو يعاقب من يكشف خيانته بلا هوادة، كما عرف كيف يجازي المخلصين، جعله يرافقه بكل خططه ليتعلم منه كيف يكون الثعلب الذي يخطط بدهاء ويهجم بالخفاء وينتصر بلا خسارة، كان يعنفه بل ويعاقبه بقسوة عندما يخطئ أو يضعف أو يبدي أي رحمة تجاه أحد أو تجاه موقف ما، أراده أن يكون زيدان جديد واليوم وهو بسن الحادية عشر يكاد لا يعرف إلا الانتصار كما علمه جده
نظر أحمد لابنه وقال بحزن "ما رأيك بفرنسا؟"
لم ينظر لوالده وعضلاته التي تشكلت مبكرا جدا تنصاع لأوامره على الآلة وقال "ماذا عنها؟"
ردد أحمد بعيون راجية "ما رأيك لو نرحل لهناك بعيدا عن هنا؟"
رفع راكان عيونه العسلية بدهشة لم يخفيها عن والده، جده علمه أن إظهار مشاعره ضعف والضعف خيبة للرجال وخزي يلازمه للنهاية لكن مع والده لم يرتدي قناع القسوة وقال
"نرحل!؟ ليست لدي رغبة للرحيل لأي مكان"
أوقف الآلة والعرق تصبب من كل مكان من جسده ونزل عنها وهو يكمل "حياتي هنا بابا كما هي حياتك"
تحرك للمنشفة الموضوعة على مائدة جانبية وجذبها ليجفف العرق..
تأمل أحمد ابنه، مجرد طفل ما زال يدرس بالمدارس الأجنبية المميزة بالطبع لكن من يرى جسده اليافع وعضلاته التي بدأت بالنمو مبكرا يصاب بالدهشة، ومن يسمعه يظن أنه شاب يافع بالغ بالسادسة أو السابعة عشر، جده صنع منه رجلا قبل الأوان فهو رفض حتى منحه سنوات الطفولة
التفت أحمد له وقال "راك حبيبي أنت لا تعيش حياتك كما يجب، ما زلت طفلا"
أبعد راكان المنشفة وواجه والده بلا أدنى مقارنة بفارق الطول فقد كان أحمد متوسط القامة على عكس راكان الذي كان يتمتع بطول واضح كجده أيضا، ووسامته، ولكنه أخذ عسلية عيون والدته وشعرها البني الناعم وهو لم يتركه طويلا بأي يوم وهي أوامر جده
قال راكان بتأني وكأنه رجل بالغ يفكر ويقرر "أنا لم أعد طفلا بابا، لقد بلغت بالفعل منذ وقت ولكنك لا تستطيع استيعاب الأمر"
تحرك أحمد تجاه ابنه وتوقف أمامه بعيون تنبض بالحنان وقال "بلى أفعل حبيبي لكني لا أريدك أن تكمل حياتك هنا لتصبح صورة من جدك"
لم يقف راكان أمام والده وابتعد لزجاجات العصائر الباردة وتناول واحدة، فتحها وتناول العصير ليرطب من حرارة جسده ثم قال "ألا ترى أنك تأخرت كثيرا برغبتك هذه؟ فات الأوان"
يد أحمد سقطت على كتف ابنه وقال بأمل زائف "لا شيء فات راك، ما زلت ببداية شبابك فقط لنبتعد عن هنا ونبدأ من جديد، من حقك حياة أفضل من هذه، جدك يحولك لصورة منه، رجل بلا قلب، زعيم عصابة"
فلت صوت غريب من بين شفتي راكان وهو يقول "هل تعلم ماذا سيفعل بي لو عرف أنك تحتجزني هنا وتسمعني كلماتك هذه؟ بابا أنت لم تمنحني الاختيار، هذا ما تركتني لأكونه فلا تطالبني الآن بالتغيير"
تعصب أحمد وقال "بل لابد أن أفعل، أنا أيضا لم أملك الاختيار راكان، كنت حزين على والدتك وهو استغل ذلك وجذبك لطريقه"
قرب وجهه لوجه والده وقال بجدية أكبر من سنوات عمره القليلة "هو الطريق الوحيد الذي عرفته وهو لن يسمح لنا بتغييره، أنت لن تريد أن تعرفه لو فكرت بالعكس"
وتحرك ليذهب لكن أحمد قال بغضب "إذا لم تأتي معي سأذهب وحدي"
توقف والتفت لمواجهته فأكمل أحمد "هي فرصتنا راكان لنذهب بعيدا عن هنا وعن تلك الحياة"
التوى فم راكان وقال "تلك الحياة أنت من أحضرني لها وأنت من قذفني بذلك الطريق"
عاد أحمد ليقترب منه وقال "وأنا من يريد إعادتك للطريق الصواب"
هز راكان رأسه فتناثرت خصلاته البنية المبللة بالعرق على جبينه وقال "وفرنسا هي الطريق الصواب؟ هل لديك المال الكافي لتفعل والقوة الكافية لتفلت من قبضته؟ هل تملك سلطة لتجعلك تفر من قيوده؟ أنت لا تعرف عمن تتحدث رغم أنه والدك"
شحب وجه أحمد وشعر أن من أمامه ليس طفل الحادية عشر بل رجل بالعشرينات من عمره، رجل واجه الكثير وتعلم أكثر ولم يحتفظ بداخله بأي صلة بالطفولة التي من المفترض أنه يعيشها الآن..
بالطبع فهو لا يفارق زيدان إلا بأوقات المدرسة أو عند النوم
قال أحمد بيأس "يمكننا أن نفعلها بأي شكل"
أبعد راكان وجهه بعيدا لوهلة قبل أن يعود لعيون والده السوداء وقال "جدي يضع ظل خلفي بابا، هو يظن أني لا أعرف بشأنه لكني أعرف، هذا الظل قد يقتلني قبل أن أفر من قبضته فهل ستتركه يفعل بي ذلك؟ أم يمكنك حمايتي منه؟ أنا بالنسبة له الوريث الذي لم تقدمه أنت له ولو خذلته فلن يبكي على قبري بابا"
وتركه وتحرك مرة أخرى فهتف أحمد "سأرحل وحدي راكان"
توقف الشاب الصغير لحظة ثم عاد وأكمل خطواته خارج الصالة الرياضية بالقصر الذي يعيش به منذ طفولته ولا يظن أنه سيعرف مكان آخر سواه
****
مد سفيان يده لظافر وهو يقول "خذ الساندويتش الخاص بك"
سفيان ابن عم ظافر وأبناء عائلة الحلواني الشهيرة والثرية جدا، كلاهم انتقل لهذه المدرسة بعد المشاكل التي تسببا بها بالمدرسة السابقة..
مدرسة داخلية بدولة اوروبية شهيرة بها أولاد الأثرياء من أنحاء العالم، بسن الحادية عشر كانا كارثة تتحرك على الأرض مما يسبباه من مشاكل وشجارات لا حصر لها لكن هنا الأمر اختلف
تناول ظافر الساندويتش من يد سفيان وقال "الإفطار كان سيء من أين لك بذلك؟"
تحرك الاثنان بالحديقة وقال سفيان "بعض الأموال تفتح الخزائن المغلقة"
جسد قوي اصطدم بسفيان كاد يسقطه لولا يد ظافر الذي هتف بلغة البلد "أنت، ألا تنظر أمامك؟"
استعاد سفيان توازنه بينما التف الشاب الذي دفع سفيان لهما وبدت ملامح التنمر على وجهه وهو يقول "هل تخاطبني يا هذا؟"
اعتدل الشابان بتحدي واضح للشاب المعتدي وكلاهم تعرض لذلك من قبل فلم تختلف نظرتهم الشرسة للفتى وسفيان يقول بغضب بادي بعيونه الرمادية الجميلة "هل أنت أعمى وأصم أيضا؟"
لمعت عيون الشاب بالغضب وبلحظة التف حوله ثلاثة شباب آخرين بدا عليهم الاستعداد للمعركة واتخذ سفيان وظافر استعدادهم ولكن أربعة ضد اثنين ليس برقم عادل والالتحام كان مفاجئ وبلا استعداد
تلقى الشابان الأمر بشجاعة وظافر يتلقى ضربات مبرحة وأحدهم يقيده وبلحظة رأى الفتى الأول يسرع له وبيده سكين حاد ويهم بدفعه بمعدته بلا تراجع
جسد اندفع تجاه الفتى المسلح وصده بقوة دفعته للترنح وفقدان الاتزان ثم سقط على الأرض والتفت الشاب لباقي المهاجمين والتحم مع ظافر وسفيان وهو يقول
"أربعة ضد اثنان ليس عدل"
انتفض سفيان لمواجهة المهاجم وتخلص ظافر ممن يقيده وبلحظة كان الثلاثة يقفون على أجسام الشباب الأربعة مكومة على الأرض والطلبة يلتفون حولهم كالمشاهدين على دائرة المصارعة عندما رفع ظافر كوعه ومسح فمه من الدماء ونظر سفيان للفتى الذي انضم لهم وبدا فتيا وقويا بشكل واضح وهو يقول
"من السيء الدخول بمعركة غير عادلة"
نظر له سفيان وظافر دون كلمات عندما اندفع أمن المدرسة أخيرا ليتحرى الأمر وثلاثتهم ظلوا واقفين بشجاعة دون تراجع
عندما خرجوا من مكتب المدير لم يهتموا بالعقاب، الحرمان من اجازة نهاية الاسبوع، وكأنهم يهتمون..
التفت ظافر للشاب وقال "لم نراك من قبل رائد"
توقف الشاب لمواجهتهم وقال "وصلت بالأمس، والدي قرر فجأة أن الدراسة هنا هي الأنسب لابن الأثرياء"
هز ظافر وقال "نفس التفكير، ظافر الحلواني من مصر"
تعانقت الأيدي بقوة ثم قال سفيان "سفيان الحلواني نحن أولاد عم"
حياه أيضا وقال "رائد المسلماني، نصف مصري ونصف إيطالي، والدي مصري وتزوج والدتي وعاش معها بإيطاليا، هي من عائلة ثرية وهو كذلك فوالده بمصر، جدي، لديه ثروة جيدة هو الآخر ولكن والدي لم يرغب بالبقاء بجواره وعندما وصل هنا حقق ثروة قبل أن يتزوجها وبالطبع نفوذ جدي ساعده أكثر وكنت نتيجة الزواج"
ابتسم ظافر وقال "تتحدث العربية جيدا"
تحرك الثلاثة للخارج وقال رائد "والدي احتفظ بلغته الأم على لسانه معي وزرت مصر كثيرا، جدي يقيم هناك وأنا أحب زيارته، لديه صديق عزيز جدا هناك وكان يصحبني معه دائما"
جلس الثلاثة تحت شجرة عملاقة وقال سفيان "نحن مثلك انضممنا مؤخرا للمدرسة ومن الواضح أن وجودنا لن يكون سهلا"
قذف رائد حجارة صغيرة لبعيد وقال "لا شيء سهل بالحياة" ثم التفت لهم وقال "ربما نجد السهل معا خلال سنواتنا القادمة"
ابتسمت عيونهم وقال سفيان "ولم لا؟ من الجيد الحصول على صداقة وقت الشدة"
ابتسم ظافر وقال "صداقة أبدية"
ومد يده لتعانقها يد سفيان وامتدت يد رائد وهو يقول "هي الأفضل وعندما نعود مصر سأضمكم لصديقي الأصلي والذي عرفته منذ الصغر، راك، راكان زيدان"
****
عندما دخل راكان مكتب جده والذي كان مكتبا لا يمكن وصفه من شدة ثراؤه وجماله، اعتاد راكان رؤيته فلم يعد ينبهر به..
ناصر، رجله الذي لا يفارقه يقف بجوار مقعده خلف المكتب، ناصر هو الذراع الأيمن لمحمود زيدان، يعرف عنه كل شيء تقريبا وهو الذي ينفذ أوامره الكبيرة
لم يبعد محمود رأسه عن الأوراق التي أمامه وهو يقول "هل انتهيت من تدريبك؟"
ظل واقفا أمام جده، الرجل لديه هالة تجعل من يقف أمامه يرتعد من الخوف لكنه هو من علم راكان أن لا خوف بتلك الحياة وإلا لسقط بين الوحوش لتنهشه فرفع رأسه وقال
"نعم، بابا كان معي"
نجح بجذب انتباه محمود الذي رفع عيونه لحفيده والتقى بنظراته الجامدة ثم تراجع بالمقعد وقال "وماذا؟"
راكان يعلم جيدا أن جده على دراية بكل كلمة قالها أحمد له لذا هو من تحدث فقال "يريد مني الرحيل معه لفرنسا"
جذب محمود سيجار ضخم من الصندوق الجلدي الراكد على مكتبه الفاخر وتحرك ناصر بالولاعة ليشعله له وهو يجذب أنفاس عميقة حتى التهب طرف السيجار ونفخ محمود الدخان بقوة للخارج ثم قال من بين الدخان
"وماذا كان ردك؟"
لم يهتز راكان ولم ترمش حتى عيونه وهو يقول "رفضت، أحب البقاء هنا، معك"
لم تتبدل ملامح محمود وهو يقول "هو والدك"
لم يفكر ورده كان جاهز "وأنت جدي"
هز محمود رأسه وقال بهدوء "تعلم ما أريد أليس كذلك؟"
هز رأسه ولم يجيب فقال محمود "وهو؟"
رمش راكان بلا إدراك وقال "سيرحل وحده"
هز الجد رأسه وعاد للأوراق وقال "حسنا، عد لدراستك وقبل الخامسة كن هنا لدينا مقابلة هامة مع شخصية معروفة، أريدك معي"
وعاد للأوراق مما يعني انتهاء الحديث ولكن راكان لم يذهب وظل مكانه مما جعل العجوز يرفع عيونه له فقال
"وبابا!؟"
نظرات الجد كانت باردة كعادته، أحيانا لا تحمل أي معاني سوى التهديد أو الغضب لكن بكل الأوقات فارغة لا تحمل أي شيء
أخيرا قال "هذا لا يعنيك في شيء"
ولكن راكان لم يعرف الاستسلام، لو كان الجد علمه الشجاعة فهو أضاف لما لديه من شجاعة بالميلاد لذا لم يهتز طرفه وهو يقول "هو والدي، هل ستتخلص منه؟"
ناصر اعتاد على ألا يبدي أي رد فعل وظل واقفا كما هو أمام محمود فعاد اهتمامه لحفيده وقال "وما رأيك أنت؟"
هز راكان أكتافه وقال وهو يرى أن من حقه إبداء رأيه "اتركه يرحل، وجوده هنا لا معنى له ورحيله لن يضرك بشيء هو لا يعرف عنك شيء"
تراجع الرجل بالمقعد وضاقت عيونه السوداء وهو يحدق بحفيده بتفكير بكلماته ثم قال "وهل تظن أن هناك من يمكنه أن يهددني بشيء؟"
ثابت ثبوت الجبل رد "لا أحد يملك الجرأة على ذلك ولا سيما ابنك"
الصمت حل عليهم ودخان السيجار هو الوحيد الذي كان يتحرك بالغرفة حتى نهض محمود بجسده اليافع الذي ورثه حفيده منه وتحرك لهذا الأخير الذي كان ثابتا بمكانه والجد يقف أمامه ويقول
"هل تظن أن رأيك يهمني؟"
التحدي كان بنظرات راكان وهو يواجه جده قبل أن يقول "كأحد رجالك بالطبع لا، لكن كحفيدك وابنه أعتقد أنه يهمك"
رفع محمود رأسه لحظة قبل أن يتفاجأ راكان بصفعة قوية على وجهه وهي لم تكن الأولى..
كثيرا ما تلقى مثلها وكان يقع من قوتها لكن الآن، جسده اشتد وقوته زادت ولم تعد صفعة توقعه فقط مال جسده مع الصفعة ولف وجهه بعيدا عن الرجل الذي انتظر سقوط حفيده لكن اليوم عندما ظل ثابتا أمامه بلا تراجع أدرك الجد أنها ستكون آخر صفعة لأن الطفل رحل ومن يواجه الآن رجل هو من صنعه وعليه تغيير طريقته معه
ابتعد الجد وقال "لا، لا يهمني رأيك أنت لن تتخطى حدودك أبدا هل تسمعني؟"
الألم الذي كان على وجهه لم يعد يهتم به، كان لجده طرق أخرى لجعله يتألم بشكل أقوى حتى اعتاد الألم ولم يعد يتألم..
سح سيل الدم الذي سال على ذقنه بيده وقال "أنا لم أفعل، هو والدي"
التفت له الجد مرة أخرى بغضب واضح ولكن راكان لم يتراجع والجد شعر بالغضب يكاد يحرق ما حوله لكن ثبات حفيده أمامه أوقفه عن الاندفاع فتراجع لأول مرة وظل ثابتا قبل أن يقول
"أنت تصر على رحيله"
أدرك أنه كسب معركته الأولى فلم يتراجع وهو يقول "لا"
عاد الجد له ونظر بعيونه فرفع هو الآخر عيونه له فرأى الغضب المحترق داخلهم والجد يقول "لا!؟"
لم يرمش وهو يقول "لا أريده أن يبتعد عن عيونك أريدك أنت أن تقترح عليه الأمر، تمنحه عمل ببلدة أخرى وتجعله يظن أنه تحرر منك، أنت لست بحاجة له"
ظل محمود يحدق بفتاه ذي الاثنى عشر عاما وهو يلقي عليه خططه الصغيرة ورغم كبرياؤه العقيم إلا أن الفكرة تعجبه
مالت رأسه بلا وعي وعيونه تخترق عيون حفيده حتى قال "أنت تخطط وتظن أني سأمنحك خططك"
قال بلا تراجع "لا، أنت منحتني فرصة للتحدث وأنا فقط أفعل"
الشاب كان يلف ويدور والجد غاضب ولا يستوعب أنه كبر لذلك الحد فقال "ولقد انتهى الحديث، اذهب"
لم يجادل تلك المرة وهو يتحرك خارجا والتفت الجد لناصر وقال "لم يعد طفلا"
قال ناصر بهدوء "كنت تتوقع ذلك"
تحرك بلا هدى وعيونه تراقب دخان سيجاره الذي نفخه وقال "نعم ولكني لم أتخيل أنه كبر بتلك السرعة"
لم يرد ناصر ومحمود ظل صامتا لحظة ثم قال "هو يعلم أنه مراقب، لذا أخبرني بما حدث"
أجاب ناصر "أنت من دربه على كل شيء فلك أن تفخر بالنتيجة"
نظر محمود له وقال "وأفكر جيدا قبل اتخاذ قرار بشأنه"
ضاقت عيون ناصر لكلمات الجد الذي تحرك للمكتب وأطفأ السيجارة وقال "لن يمكنني إنكار أن فكرته جيدة تجاه أحمد، أنا لم أفكر بشأنه ولكن أن يفكر هو بذلك الوقت القصير ويتجرأ على مناقشتي فهذا يقلق"
قال ناصر "لا أظن سيدي، بل أعتقد أنك ستفخر بالشاب الذي صنعته، هو يخلص لك ولكنه أيضا يحب والده"
هتف الجد "حب؟ أمثالنا لا يعرف الحب ناصر، الحب فقط يقتلنا"
لم تتبدل ملامح ناصر وقال "هو والده سيدي ولا ضرر من مشاعر ولدت معه لا دخل له بها المهم ولاؤه، وهو لك هذا واضح"
كان ناصر على حق ومحمود يدرك ذلك فالشاب اختار فضح سر والده لجده ولكنه قال "ليس ولاء ناصر، هو كان يعلم أني سأعرف بالأمر فاختار أن ينال نقطة لصالحه عندي"
أجاب ناصر "لقد خاطر بكشف نفسه لك ومن أنه يعرف بأنك تراقبه"
جلس محمود وقال "هو بحاجة للكثير قبل أن يدخل عالمنا هذا ناصر، ما زال لديه قلب ينبض"
رد ناصر "قريبا سينبض فقط للحياة"
لم يرد محمود لأن هذا هو ما كان يريده، قتل المشاعر داخل قلب حفيده، أراد ما فشل فيه مع أولاده واليوم حفيده على أول الدرجات فهل حقا يريد أن يكمل؟
عندما دخل راكان غرفته أخذ حمام بارد لتتجمد عضلاته أكثر، الدفء شعور لم يعرفه..
موت أمه أخذ كل شيء منه وتركه لجده الذي لم يعرف سوى تلك الحياة اللعينة التي وجد نفسه بها منذ نعومة أظافره واليوم كانت آخر فرصة له للعودة للحياة وللأسف هو لا يريدها لأنه لا يعرفها
جفف شعره وقذف بالمنشفة بعيدا ومشط شعره البني ثم تحرك خارجا ليرتدي قميص أبيض وجينز، لن يرى جده مرة أخرى بالوقت الحالي لذا تلك الملابس للبقاء بعيدا عن نظراته فالبدلة هي كل ما يريد رؤيته به بخلاف الزي الرياضي
توقف أمام شرفة غرفته وهو يذكر لقائه بوالده..
أحمد سيرحل شاء محمود أو أبى فهو منذ الأذل يرفض حياة والده وكثيرا ما حاول جذب ابنه الصغير بعيدا لكن دون فائدة
محمود نصب كل شباكه حول راكان ورمى أساس حياته القادمة ولن يسمح لأحد بتغيير أي شيء فيها وهو يعلم ذلك جيدا..
معلميه أشادوا بذكائه وقدراته الفائقة ويدركون أنه سيكون ذا شأن كبير بالمستقبل وهو نفسه يريد ذلك، حياة جده فرضت عليه وقيدته بسلاسل من صلب لا يمكن الإفلات منها، ولكن على الأقل يمكنه أن يعيشها بطريقته وليس بطريقة جده ولكن ليس الآن، ما زال صغيرا ليضع قدمه حيث يشاء وما فعله اليوم مجرد إشارة لجده أن راكان لم يعد الطفل الصغير الذي كان يعرفه
