رواية راكان زيدان واصحابه الفصل الثاني2 بقلم داليا السيد محمد
حفل
حفل رأس السنة دائما ما يكون مختلف بوجود الأصحاب معًا..
انتهى سفيان من تثبيت ربطة عنقه والتفت لجاكته الموضوع باهتمام على الفراش وتحرك له عندما دق الباب فأذن..
لم يرفع عيونه لميرفت التي تحركت للداخل بقوامها الممشوق، بالخمسين من عمرها ولا تبدو كذلك أبدا
أنجبت سفيان وهي بالسادسة عشر ومن بعده بثلاثة أعوام أنجبت حاتم، الفنان الشهير الذي لمع اسمه وسط عالم التمثيل ولم يعد يهتم بالأسرة والعائلة التي حاول جدهم تجميعها بكل السبل لكن بلا فائدة..
فقط سفيان هو من اهتم بشؤون الأسرة والأملاك التي كادت تنهار بموت والده ومرض جده وقد كان ما زال شابا يافعا بالثانية والعشرين، وقتها نسى شبابه وانغمس بدائرة الأعمال مستعينا بصديقه راكان بكل خبرته، وبالطبع راكان لم يكن ليتراجع عن مساعدة صديقه
"أنت لن تمضي الليلة معنا سفيان؟ إنها رأس السنة"
عدل جاكته وتحرك للمرآة وهو يقول "تعلمين أني لا أقضيها بالبيت"
تحركت لتقف خلفه وبدت أمامه بالمرآة، عمليات التجميل جعلتها شابة بأوائل الثلاثينات وهي تعشق أن تكون جميلة وملابسها من أرقى دور الأزياء، جده أبقاها هنا من أجل وصية ابنه الذي كان يعشقها
تأملته ميرفت، وجه طويل ببشرة برونزية عيون واسعة سوداء جذابة برموش طويلة وناعمة مثل شعره الحالك كسواد الليل، جبهة عريضة تمددت عليها خيوط من كثرة تكشيرته، فم واسع وشفاه عريضة، جسد فاره يكاد يصل للمترين بعضلات متناسقة والفضل لراكان وصالته الرياضية الفاخرة
التفت ولكنها لم تفسح له وهي تقول "آن الأوان لتفعل، حاتم قد يفعل هو الآخر"
نظر لها من أعلى وهي بالكعب العالي ولم تصل حتى لأكتافه وقال بلا اهتمام "حاتم بأمريكا يحتفل مع طاقم فيلمه الجديد، وهو بالأساس لا يهتم بنا ولا بوجوده معنا، اختاري كذبة أخرى ميرفت"
أزال الألقاب بعد أن أعادها والده منذ اثنى عشر عاما أو أكثر، فقدت احترامها بعيون أولادها ولكنها لم تهتم طالما يملؤون دولابها بالملابس وصندوق المجوهرات فهذا هو كل ما يهمها..
تحرك ليذهب لكنها وضعت يداها على صدره لتوقفه وعيونها التي تشبهه تواجهه وقالت "هي مجرد محاولة لإبقائك معي، لن تتركني مع الحلواني وحدي"
رفع يداه الكبيرة ليديها وقبض عليهما وهو يقول بحزم "الحلواني هو من يبقيك هنا ميرفت، لذا عليك بإبداء بعض العرفان قليلا لا النفور من وجوده"
وأنزل يداها ولكنها قبضت على يداه وقالت "ولكني هنا من أجلكم، أنت وأخيك"
نفض يداه من يدها ولم يدع العصبية ترتفع له وهو يقول "ألم نتفق على البحث عن كذبة جديدة، هديتك وصلت، ستجدينها تحت الشجرة كما ترغبين والآن أحتاج للذهاب"
وتحرك للخارج دون النظر خلفه ولم يفكر بالأساس بما كان..
هو أخرجها من حياته منذ زمن طويل عندما هربت مع رجل آخر وطالبت بالطلاق لكن ضعف والده تجاها جعله يهرع خلفها ليبحث عنها ويعيدها للبيت متغاضيا عن خيانتها ورغبة أولاده بقتلها ورغبة الحلواني الكبير بقذفها بجهنم لكنه تنازل من أجل ابنه
ما أن ركب سيارته الحديثة حتى رن هاتفه باسم ظافر فأجاب وهو ينطلق بالسيارة "هل وصلت؟"
ظافر كان يتحرك للفندق الذي سيقام به الاحتفال برأس السنة، هو بالأصح من أملاك راكان وهو من دعاهم له فقد تم افتتاحه بالعاصمة الجديدة مؤخرا وبدا على مستوى راقي جدا والثراء يصرخ بكل مكان به
عندما دخل ظافر لاحظ الشخصيات الهامة التي كانت تتحرك لقاعة الاحتفالات، قبض على الهاتف وقال
"نعم، أين أنت وأين الباقين؟"
اخترق سفيان الزحام وقال "بالطريق ولا أعلم عن الباقين شيء، رائد لم يؤكد وصوله وراكان لم يهاتفني منذ الأمس ماذا عن وافي؟"
نظر ظافر لساعته الثمينة من ماركة معروفة بالطبع وقال وهو يحيي بعض الشخصيات "وافي بالطريق، سأنتظركم بالبار أحتاج لكأس"
ما أن توقف ظافر أمام البار حتى تحرك الشاب المختص له وقال "سيدي؟"
دارت عيونه بالمكان الرائع وبدا أنه مشتعل بالحماس من الموجودين والزحام لا يوفر أي هواء، بل دخان سجائر ورائحة المشروبات وصوت الموسيقى الصاخبة، أجسام من الجنسين تتمايل وسط المكان بالرقص
التفت للشاب وقال "ويسكي"
سمع صوت يقول "هذا مبكر جدا ظافر"
التفت لوافي، الشاب الذي تعرف عليه منذ خمس سنوات عندما أنقذ حياته بتلك الحادث على الطريق الساحلي الدولي وقد انقلبت سيارته فأخرجه وافي منها وحمله لسيارته وهرع به للمشفى وظل معه رغم وصول كل أصحابه وأفراد أسرته ومن وقتها أصبح صديق له وانضم للعصبة الرباعية ليصبحوا خمسة
عيون وافي البنية كانت صافية تذكره بعسلية راكان لكنها ليست غامضة مثله بل نقية كما هو قلبه فوافي هو الوحيد بهم من لا يأخذ العالم بجدية وهو أيضا من يرى أن لا شيء يستحق العناء رغم أنه عانى الكثير ليحقق مكانته وسط رجال الأعمال
ابتسم ظافر له وقال "اليوم كان طويل، تبدو أنيقا على غير عادتك"
البدلة وربطة العنق ليست مفضلة له ولكنه قال "انظر حولك ظافر، راكان لن يقبل بأقل مما أرتدي"
هز ظافر رأسه وقال "معك حق، لم أراه يوما بدون البدلة، هل رأيت الشخصيات التي تتجه لقاعة الاحتفالات؟ لي وقت طويل لم أشاركهم بحفل"
وضع الرجل كأس لظافر بينما قال وافي "صودا بالثلج"
لوى ظافر شفته بابتسامة صغيرة وقال "هل تجاوزت تلك الصفقة؟"
أخذ الصودا من الشاب وتناولها كما فعل ظافر وأجاب وافي "نعم، معلومات سفيان كانت صحيحة وهذا ساعدني"
اهتز هاتف وافي فأخرجه ليرى اسم سفيان فأجاب "تأخرت"
أجاب سفيان "أنا بالخارج وراكان على وصول، أين أنت وأين ظافر؟"
أنهى الصودا ونهض وهو يهز رأسه لظافر وقال "قادمين"
تحرك الاثنان لخارج البار وعادت الأضواء القوية من الكريستال الفاخر الذي يتدلى من السقف المرتفع وقطع الذهب التي تزين الجدران بشكل خرافي، الفخامة والثراء هما ما يهيمن على المكان بأرضيته المصنوعة من الجرانيت الفاخر وسجادات حمراء فاخرة تتناثر هنا وهناك وهي سمة كل أملاك زيدان
سفيان كان يتحرك تجاه الاستقبال بين الحضور ولكنه لاحظ قامات أصحابه التي تماثله فتحرك لهم ليتلاقوا بالمنتصف..
قال ظافر بجدية "المكان مزدحم جدا، لم لا نبحث عن مكان آخر؟"
التفت سفيان حوله وقال "لقد انتهينا ظافر، المكان كاد ينهار من الزحام ولكنها رغبة راكان، أراد أن نشاركه بالفندق الجديد"
حركة دبت بالمكان جعلتهم يدركون بشيء غريب فالتفتوا للرجال التي تحركت لباب الفندق ولم يتحركوا وهم يدركون أن المالك وصل
كالعادة وجوده يعلن عن نفسه، دائما يتقدم قبل رجاله، لم يخف أبدا من المواجهة، الثبات هو كل ما يعرف عنه، رجلان كانوا قد وصلوا إليه فقال سفيان
"أعشق طريقته بالظهور، وكأنه ملك متوج"
ابتسم وافي وقال "يستحق مكانته سفيان"
صدق عليهم ظافر "معك حق، اختلف كثيرا عن جده ولكنه احتفظ بتلك الهالة التي تدب الخوف والاحترام بقلب من يواجه"
أكمل وافي "بل الحب ظافر، حقا هو يستحق، أنا لن أنسى ما فعله معي يوم استعاد أموالي من النصاب صادق"
أفسح الجميع لراكان الذي كان يتحرك بخطوات ثابتة وعيونه العسلية تتحرك هنا وهناك والرجل الذي يتحرك بجواره يشير له للمكان مع كلماته
توقفت عيونه عليهم فتحرك وهو يستمع لمدير الفندق الذي يشرح له التعديلات الأخيرة حتى قال بهدوء يثير الرعب بقلوب الرجال "جيد، هل جهزت ما طلبته؟"
تبعه الرجل بل والرجال التي بدت حراسته من خلفه وآخر بجواره وقال المدير "بالطبع يا عمدة، هل تتفضل وتتبعني؟"
العمدة هو شيء انضاف لميراثه من جده..
اللقب، المكانة، الأملاك وقبل كل شيء استحقاقه لأن يرث كل ذلك..
منذ أول يوم ميلاد له والجد رسم له خارطة حياته وهو لم يملك أي قوة لتبديلها ولم تمنحه الأيام أي فرصة لذلك ومنذ خمس سنوات أصبح العمدة
بالحقيقة جده منحه صلاحيات كثيرة بحياته ولكن تحت رقابته والخيوط بيده حتى رحل وورث كل شيء
توقف أمام أصحابه وقال "لماذا إذن الرجال تقف هنا وليس بمكانهم الذي طلبته خطاب؟"
شحب وجه الرجل وهو ينقل نظراته لأصدقاء راكان وارتبك عندما أسرع وافي يقول "كنا نحتسي كأس بالبار يا عمدة، الذنب ليس ذنبه"
ضاقت عيون راكان لوافي، هو يعلم أن وافي يحب الدفاع دائما عن الآخرين، التقط خطاب الخيط وهتف "نعم، أقصد.."
عادت عيون العمدة لخطاب ولمعت ببريق ناري وهو يقول "تقصد أنك لم تهتم بأوامري خطاب؟"
صمت الجميع وانسحب الدم من وجه خطاب وأدرك أنه هالك ولم يجد إجابة فأخفض وجهه وقال بنبرة رجاء "أخطأت سيدي، أرجو المعذرة خطأ لن يتكرر"
نظرات راكان هدأت، ما زال يحمل قسوة جده لكن ليس هلاكها لذا قال "سيف"
تحرك الرجل الذي بجواره والمماثل لعمره ونفس البنية القوية له فقال "مع خطاب وتأكد من تأمين المكان"
لم يعارض خطاب وسيف يقول "تمام عمدة"
رفع خطاب وجهه وقد استعاد روحه التي تركته وهو يقول "شكرا لك يا عمدة، عام سعيد، اسمح لي"
التفت لأصدقائه وتبدلت ملامحه الجامدة وهو يقول "تريدون العبث"
ضحك ظافر وقال "جمدت دماء الرجل"
لم ينظر لخطاب الذي اختفى مع سيف ورجلان وتبقى ثلاثة آخرين خلف راكان الذي قال "وافي أعاد له الحياة بكلماته، أين رائد؟ أخبرني أنه سيأتي"
قال سفيان "لم يهاتفني منذ الأمس، جده كان متعب وانشغل معه"
هز رأسه ووافي يقول "الفندق رائع راكان"
لفت نظراته بالمكان وقال "سنتان من العمل ونزيف أموال وافي، عرفت أن الصفقة تمت"
هز وافي رأسه وقال "نعم، معلومات سفيان كانت كافية"
هز رأسه عندما عاد سيف وهمس بأذنه "المكان جاهز، من هنا"
أشار لأصحابه فتحركوا معا وسيف يتقدمهم وراكان يقول "هناك مطربين معروفين سيحييون الحفل"
ابتسم سفيان وقال "والنساء؟"
ضرب راكان كتف صديقه وقال "هناك الكثير منهم فقط أشر بإصبعك"
ضحك الرجال وتقدموا داخل القاعة التي ازدحمت بالمشاهير من كل المجالات، أطلق ظافر صافرة قوية تلاشت وسط صوت الموسيقى والزحام وهتف
"من أين حصلت على كل هؤلاء يا رجل؟"
قادهم سيف لمكان متقدم ولكنه محاط بجدران زجاجية وبالداخل أرائك جلدية فاخرة ومائدة عليها أكواب زجاجية وجردل كبير به ثلج وزجاجات من المشروبات المعتقة
جلس الرجال وفتحوا أزرار الجاكيت الخاصة بهم وتوقف سيف بالخارج مع الرجال الذين انتشروا وسط الزحام..
رفع سفيان ذراعيه على الأريكة وقال "لك أفكار مميزة للاحتفال راكان"
كانت الجماهير بالخارج تندمج بالأحاديث ولو أن النساء منهم تعلقت عيونهم بالرجال الأربعة الذين اختفوا خلف الزجاج بينما قال ظافر "العام الماضي كنا بالجونة، هل تذكر؟"
ضحك وافي وقال "عندما خلعت ملابسك وصعدت على متن اليخت لتحية العام الجديد"
ضحك الرجال بينما قال سفيان "كان ذلك الرهان السخيف على تلك الفتاة"
قال راكان "لن تتوقف إلا عندما تسقط بفتاة تسرق حتى أنفاسك"
زمجر سفيان وهو يتحرك لزجاجة ويجذبها من بين الثلج وقال "لن يكون، تعلم أن ليلة واحدة مع أي فتاة تكفي، أنا لست كرائد، هو لا يتحرك بدون عشيقته"
حركة غير عادية جعلتهم ينتبهون لسيف وهو يقول "وصل سيد رائد، أرسلت رجلا له"
هز راكان رأسه وعاد لهم وهو يقول "وكأنه سمعك سفيان، لا مزيد من المشاحنات الليلة"
هتف ظافر "لن يكونوا هم لو لم يفعلوا"
هتف سفيان "فليكف عن إثارة غضبي"
ضحك وافي وقال "وأنت البريء؟"
ضحك الرجال عدا سفيان وسرعان ما دخل رائد فنهض الرجال للترحيب به..
هو لا يأتي مصر إلا بأسباب، كرؤية جده قبل أن يموت حتى أصبح وجوده من أجل راكان وأصحابه
احتضنوه بصدق فما بينهم ظهر منذ أكثر من ثلاثة وعشرون عاما عدا وافي هو أحدثهم ولكن إخلاصه لهم كان صادقا ووفيا كاسمه
ألقى رائد جسده على الأريكة بجوار ظافر ودفع خصلاته السوداء للخلف، بعض الشعيرات الفضية تلألأت بينهم وهو يقول "الازدحام صعب لكن سائقك جيد راكان"
أخذ راكان كأس من وافي وقال "عليه أن يكون كذلك"
رمقه ظافر بنظرة حاسمة وقال "أنت تنتقيهم، مثل جدك"
حطت الأنظار كلها على ظافر فكلهم يعلمون أن راكان لديه ما يكفيه من ذكريات مؤلمة مع جده ومع ذلك هو لم يبدي أي ملامح على وجهه وهو يقول
"عليّ أن أفعل ظافر، تعلم ظروف عملي أنا أتحرك كثيرا داخل البلد والازدحام لابد من تخطيه بأوقات كثيرة"
هدوء راكان أعادهم للهدوء، هو لا يرغب إلا بقضاء وقت سعيد مع أصدقائه كما اعتادوا فهو الوقت الوحيد الذي يخرج فيه من رداء العمدة ويصبح راكان
صاح رائد "أين النساء يا رجل؟ لا أحب هذا الملل"
رفع راكان يده بإشارة لسيف الذي هز رأسه وراكان يقول "دائما تتعجل الأمور، كيف حال جدك؟"
تجرع رائد كأسه وقال "يمضي الليلة مع من أصبح يسميهم أصحابه، شلة من المسنين أنشأت لهم دار بالعام الماضي بنهاية المزرعة الشمالية وهو معهم ولا يريد الاحتفال بالقصر"
ابتسم راكان بينما قال وافي "المزرعة رائعة رائد أنا أعشقها"
صدق ظافر على كلماته "أنت على حق وافي، سنمضي الاجازة عندك رائد"
فتح ذراعيه على آخرهم وقال "يا لها من سعادة سأحظى بها فقط افعلوها"
تحرك سيف للداخل وخلفه خمس فتيات ما بين شقراء الشعر وسوداء وبنية وكلهن صغيرات وفاتنات بملابس صارخة تدعو أي رجل بلا حياء
نهض رائد وكالعادة اختار الشقراء الطويلة وأحاطها بذراعه وقال "تبدو مشرقة"
لكنته العربية كانت ظاهرة ومع ذلك لغته لم تكن سيئة، وافي لم يختار فتاة وحصل رائد على الثانية وجلست سمراء البشرة بجوار ظافر الذي تجرأت يده على ساقيها الطويلة العارية بينما هز راكان رأسه للفتاة المتوسطة بفستانها الأحمر لتتحرك له
جلست على ذراع مقعده والفتيات لا يعرفن مع من يجلسون وهذا من أساسيات عملهم
الصخب استمر والليل انتصف ونهضوا لينضموا للحفل الصارخ للمطربين المشاهر عدا راكان..
ظل بالخلف واقفا ويده بجيبه ويده الأخرى تحمل كأسه الوحيد الذي لم يتناوله، هو لا يثمل أبدا، رشفة واحدة بالليلة كلها وعيونه تظل صاحية وأصدقائه تلهو هنا وهناك
بينما اقترب سيف منه وقال "لم تعجبك الحفلة؟"
لم ينظر للرجل وقال "بل جيدة، حسني المنشاوي يبدو فاقدا للوعي"
ضاقت عيون سيف وقال "يحاول تجاوز خسارته، غريب أنه لم يحاول التحدث معك"
لفت عيونه على الباقين وقال "لن يفعل لأنه يدرك أني لن أسانده، تعلم طريقتي"
هز سيف رأسه عندما تدخل صوت ناعم بينهم يقول "تبتعد كثيرا عن الزحام، ألا تعجبك الصحبة؟"
كانت فتاة جميلة، بيضاء جدا وطويلة وقوامها المثالي متألق بفستان فاضح كلمة تكاد لا توفيه الوصف، متبرجة بشكل مثير للاشمئزاز
أخفض راكان عيونه عليها وقال "ألا تعجبك أنتِ!؟"
كاد سيف يتحرك لأبعادها فقد بدت ثملة ولكن حركة من ذراعه أوقفت سيف والفتاة تقول "ومن لا تعجبه حفلات العمدة؟ كل هؤلاء المشاهير بمكان واحد، الجنون يعصف بكل الموجودين"
لم يبدي أي حركة وهو يقول "تحضرين كل حفلاته؟ العمدة؟"
تناولت ما بكأسها وقالت "على قدر استطاعتي، تمنيت رؤيته، أنت تشبهه كثيرا هل هو أنت؟"
منح سيف الكأس وعاد لها وهو يقول "لماذا تريدين رؤيته؟"
اهتز جسدها من الثمالة وتمايلت فمد ذراعه ليساندها وهي تقول "لأشكره، منحني عمل هنا"
بسرعة تذكرها وأعادها لاتزانها وهو يقول "تكادين تفقدين وظيفتك بما تفعليه بنفسك الليلة"
كانت الفتاة التي كاد سائقه يدهسها الشهر الماضي وهو أمر بأخذها للمشفى وعندما زارها رأى أهلها البسطاء جدا وبدون أن تراه أمر لها بعمل وقد منحت عمل هنا
شهقت وقالت "لا، اليوم اجازتي"
لم يتركها وهو يقول "الحفل لا يحضره العاملين"
جذبته من صدر بدلته ليصل لمستوى وجهها وقالت "لقد تسللت دون أن يلاحظني أحد"
لف وجهه لوجهها ونظراتها القاتمة وقال "حسنا لا تجعلي أحد يكتشف ذلك، اذهبي وأكملي ليلتك"
وأبعد يداها عنه فابتعدت الفتاة فالتفت لسيف وقال "أبعدها عن الفندق، جد لها عمل بمكان آخر، أهلها أشخاص بسيطة ولن يكون مستقبلها جيد لو ظلت هنا، لقد خدعت الرجال القائمة على الحفل سيف"
احمر وجه سيف وقال "سأتعامل مع الأمر يا عمدة"
سفيان تحرر من الفتاة التي كانت تتعلق به والتفت متحركا ليحصل على كأس وبالفعل أخذ واحدا والتفت ليصطدم بجسد لين كاد يسقطه..
لكنه أسرع ولف ذراعه حول المرأة التي شهقت خوفا من السقوط..
أعادها سفيان له ليلتقي بسماوية عيونها التي حدقت به بفزع وسط وجه بيضاوي أبيض وشعر أسود كظلام الكهوف بليلة غاب عنها القمر
هتفت "عذرا!"
هتف هو الآخر "آسف"
لم يفلتها وهي تحدق بعيونه القاتمة السوداء والتي غطت عليها رموشه الحريرية، شعره تساقط على جبينه وهو مستمتع بلمس جسدها اللين وعطرها النافذ ويداها تلمس صدره حتى تداركت نفسها..
ابتعدت بوجه تورد وقالت "أعتذر سيد..؟"
عدل جاكته وقال "سفيان.. سفيان الحلواني"
ضاقت عيونها وقالت "حفيد حسين الحلواني؟"
ظهرت أسنانه من ابتسامته وقال "تعرفيه؟"
عادت تفتح عيونها بطريقة عفوية وقالت "ومن لا يعرفه؟ عملت بإحدى شركاته منذ عامان حتى تحرش بي مديري فتركت العمل"
تسلل الغضب له وهو يقول "أي فرع؟"
أخذت كوب عصير وعادت له وهي تقول "السويس، هي بلدي بالأساس، لم يعد الأمر بالهام فأنا من بعدها حصلت على عملي الحالي، أعمل مساعد مدير بشركة الرماح"
قال بإعجاب "هذا مثير للإعجاب، لم أعرف اسمك؟"
ابتسامتها كانت رقيقة مثلها وهي تقول "ندى، ندى شريف"
مدت يدها لتحيته فأخذها برقة ورفعها لفمه وقبلها وعيونه لا تترك عيونها وإعجاب واضح تحرك بينهما بالحال..
طلبها للرقص فلم تمانع واندمجا بالحديث وبعد لحظات بدأ العد التنازلي بانتظار العام الجديد
لف سفيان ذراعه حول ندى ولم تمانع وهي تعد معه بابتسامة خلابة على وجهها الفاتن..
كانت جميلة وشعر بأنها تسرق أنفاسه بعيونها الواسعة وابتسامتها المثيرة وسرعان ما وصلوا للصفر وانطفأ النور والصيحات تنتشر من هنا وهناك بينما كان سفيان يضم ندى له بقوة ويقبلها بلا مقدمات ولا امتناع منها وكأن شيء ظهر فجأة بينهم بلا مقدمات
عندما عاد النور مع صيحات الجميع أبعدها وعيونه تسقط على عيونها ووجهها يتورد بشدة وأنفاسها تتلاحق وقد أدركت ما فعلت
ارتجف جسدها بقوة وتراجعت خطوة وعيونها تتسع ثم سيطرت على ساقيها الواهنة وأسرعت تجري خارجة من القاعة وهو تبعها ولم يتركها
قال راكان الذي كان يتابع المشهد "لقد علقت صنارته بصيد ثمين، الفتاة جميلة بالفعل"
لم يرد سيف بينما انضم وافي له وقال "عام سعيد راكان"
ابتسم لصديقه وقال بصدق "عام سعيد يا صديقي"
جذب كأسه من سيف ورفعه لكأس وافي وتبادلا النخب عندما انضم لهما ظافر ورائد وفتياتهم وصيحات الاحتفال من حولهم
بالخارج كان سفيان يقبض على ذراع ندى قبل أن تخرج من الفندق وقال "ماذا حدث؟ لماذا تفرين مني؟"
كانت عيونها ممتلئة بالدموع وهي تنظر له وقالت "لم يكن عليّ فعل ذلك"
لفها بذراعيه وقال "هل تهدئي؟ نحن لم نفعل شيء، تعالي لنتناول مشروب بالبار"
تحركت معه ولا تفهم سر ضعفها معه وعدم اعتراضها على ما يطلبه
ما أن جلسا حتى طلب كأسين وهو يقول "كيف حصلت على دعوتك للحفل هنا؟"
احتضنت الكأس بيداها البيضاء وأصابعها الطويلة وقالت دون النظر له "مديري منحني الدعوة بدلا منه فلقد سافر فجأة لدبي فلم أفكر، من المجنون الذي يرفض حفل كهذا؟ هل هو حقا خاص بالعمدة؟"
تناول رشفة من الكأس وقال "هل تعرفيه؟"
ظلت تحدق بالمشروب دون أن تمسه وقالت "شخصيا لا، فقط سمعت عنه، سيد عصام مديري تعامل مرة مع أحد شركات العمدة وأخبرني أنه من العمالقة، تقريبا كل شيء بيده"
قال بلا تفكير "هو كذلك، يعجبك؟"
رفعت وجهها البريء له وقالت "أنا لا أعرفه، أنت خرجت معي هكذا ألم تكن معك صحبة؟"
أدارت الحوار بطريقة سهلة وبسيطة وهو تجاوب معها وابتسم وهو يجيبها "كان لدي صحبة، ولكنهم كرجال لن يفتقدوني، أنتِ تقيمين هنا؟"
هزت رأسها بالإيجاب وكأن به مغناطيس يجذبها له، يجعلها طيعة بين يديه، يأمر فتجيب
قالت بنبرتها الرقيقة "نعم، شقة مشتركة مع فتاة، أخبرتك أن والدتي تقيم بالسويس وترفض ترك بيتنا هناك، أخبرتني أنها تكره العاصمة"
حدق بها وجمالها يأخذه حقا، يدرك أنه أسقط فريسته وآن أوان تذوقها فقال "ألا يعجبك المشروب؟ سيمنحك بعض الهدوء، ليس لديكِ سوى والدتك؟"
ذاقت المشروب وجزعت من طعمه ولكنه بعث دفء بعروقها دون أن تسأل عن ماهيته
عادت لعيون الرجل الذي جذبها بقوته ووسامته واهتمامه بها رغم الفاتنات اللاتي ملأن القاعة مما أشبع غرورها، قالت "نعم ، أمضي الاجازات معها بالعادة لكن اليوم لم أقاوم الحفلة"
مال تجاهها وهمس "هذا من حسن حظي"
ارتجف جسدها عندما احتك جسده بذراعها وشعرت أنها تنصهر من حرارته التي ضربتها فرفعت الكأس لفمها تلتمس أي راحة منه وعيونها لا تفترق عندما همس
"لنرقص"
أنهت مشروبها وهي ترحل من عالم العقل لعالم لا تعرف لأين سيأخذها وفقدت كل التعقل وسمحت له أن يقودها تجاه قاعة الرقص
لفها بقوة ذراعه ليقربها من صدره باحثا عن عيونها وانحنى عليها وقال "أنتِ جميلة"
احمر وجهها وهي تركت نفسها له وهي تتأمل جمال عيونه وتشرد بهما وهي تهمس "وأنت حلم"
ابتسم وما زال يضمها له وردد "حلم؟"
هزت رأسها وكأنها تسبح بالخيال بلا وعي وقالت بصوت مبحوح "أنا فتاة بسيطة من مدينة بعيدة تشق طريقها وسط الصخر لكن أنت، أنت نجم عالي جدا لا يمكن الوصول لك"
أعجبته كلماتها وشعر بأنها تمس جزء داخله
عاش سنواته كلها بين تلك النساء اللامعات بوسطه مثل والدته ونساء عائلته المعروفات وأخريات ممن علق معهم ليلة وتنتهي..
لكن ولا واحدة منهن جذبته مثل تلك المرأة التي بين ذراعيه، زاد وجهه قربا من وجهها حتى كاد يلمس بشرتها وهو يقول "حتى النجم يمكن الوصول إليه حاليا ندى، فقط دعيني آخذك لتصلي إليّ فأنا حقا أجدني ملتصق بكِ بشكل لم أعرفه من قبل"
هل تسارعت الأمور بينهم بشكل غير طبيعي؟
لا إجابة..
رفع يدها على كتفه وضم ذراعيه حول خصرها النحيف وأنهى المسافة الفاصلة بينهم وهي تسند يداها على أكتافه وقالت "أمثالك لا يليق بهم إلا من هم مثلهم"
لم يفكر ونظراته تسقط على شفاهها المصبوغة بالبني القاتم وما زال طعم قبلتها بفمه وقال "ولكني أريدك أنت"
الموسيقى تبدلت مما جعله يتراجع ويدرك مكانهم فجذبها وقال "أحتاج لكأس"
****
وافي حدق بظافر الذي لف ذراعه حول فتاة صغيرة وقال "أنا انتهيت من هنا، أراكم عندما نستيقظ"
ضحك الرجال وهو يرحل بفتاته بينما نظر راكان لوافي وقال "كعادتك لن تختار واحدة؟"
أجاب وافي "تلك الطويلة تغمز لي ما رأيك؟"
لف راكان وجهه لها فبدت فاتنة حقا فعاد لوافي الذي ابتلع مشروبه وسمع راكان يقول "حظا سعيدا بالعام الجديد"
نظر وافي له وقال "لن تحظى بأي متعة؟"
ابتسم راكان وقال بلا أي تعبير على وجهه "ربما، لا تشغل بالك بي"
أنهى مشروبه وترك الكأس على صينية الفتاة التي تحمل الأكواب وتحرك للفتاة التي تنتظره
قال سيف "سيد رائد صعد للغرفة التي منحتها له"
هز رأسه ونظراته تتجول حوله وقال "جيد، هكذا لم يعد لوجودي داعي"
رفع كم جاكته ونظر لساعته ثم قال "لنرحل"
قبل أن يتحرك ظهرت امرأة أمامه عرفها بالطبع.. جيرمين..
صاحبة شركة استثمارية بمصر ورثتها من والدها وهي شابة بأوائل العشرينات، والآن بأوائل الثلاثينات وتبدو رائعة الجمال
استغلت جمالها لتخترق صفوف أعتى الرجال لتجد مكانها بينهم إلا هو، حاولت معه مرارا بل وحصل عليها مرة لكن علاقة كغيرها انتهت بمجرد ترك الفراش وبشكل سيء
صوتها الرقيق أوقفه "راكان"
ثبت مكانه ونظراته تنخفض على قوامها المثالي بفستان ذهبي يتناقض مع عيونها الزرقاء، ورثتها من جدتها التركية، صدرها الواضح من فستانها كان يعرفه جيدا وبدا مثيرا لكنه الليلة لا يفكر بالجنس ولا هي بالذات
لديه ما يشغله حقا لذا قال ببرود "جيرمين"
ابتسمت بدلال يعرفه وهو ما يعني دعوة للفراش وهي تقول "لم أراك منذ بداية الحفل"
قال بهدوء "كنتِ مشغولة مع باسم"
رفعت حاجبها المرسوم بدقة وقالت "تراقبني!؟ اهتمام بالتأكيد وليس غيرة"
كان دوره برفع حاجبه وهو يردد "غيرة!؟ من على من؟ لا أفهمك"
شحب وجهها من الإهانة الغير صريحة وقالت "لا أحبك عندما تقلل من علاقتنا"
قال بنفس البرود الذي تستحقه "ليس هناك علاقة لأقلل منها جيرمين، لابد أن أذهب، استمتعي بوقتك"
كاد يتحرك لكنها تحركت معه لتوقفه وهي تقول بإصرار غريب "تعلم أن هناك الكثير بيننا"
تحدى عيونها، يعرفها جيدًا ويدرك ما ترغب به وبالطبع لا مكان له لديه فقال بطريقته التي جعلتها ترتجف "الكثير من ماذا جيرمين؟ كلانا يعلم أن وجودنا مرة على فراش واحد كان من أجل إفراغ تلك الرغبة التي تنتهي بخروجنا من الفراش ووقتها طردتك من غرفتي رغم أنكِ حصلت على مقابل أظن أنه كان كافي جدا"
شحب وجهها وقسوته لطمتها بلا رحمة فقالت "أنت وقح"
شبح ابتسامة زار شفتيه وهو يقول "تركت لكِ الأدب والأخلاق جيرمين"
رفعت رأسها وقالت بفخر "لا تدفعني لعداوتك"
لم تتبدل ملامحه وهو يقول "أحب تهديد النساء، يكون له مذاق خاص، أنتظر أولى هجماتك بفارغ صبر"
وتحرك مبتعدا وقد تأخر على موعده وتبعه خطاب الذي ظهر من العدم وهو يجاري خطواته وقال "أتمنى أن تكون الحفلة أعجبتك"
كان يغلق جاكته وهو يتحرك خارج القاعة وقال "لا بأس بها، أنت تعرف أصدقائي امنحهم ما يشاءون دون قيود أو إذن"
لم ينتظر الرد وهو يخرج والسيارة السوداء الفاخرة تنتظره وأحد رجاله يفتح له الباب
دخل وتبعه سيف، يركب بجواره فسيف ليس فقط حارس شخصي له بل ذراعه الأيمن ورفيق له منذ الصغر
نظر سيف له هو يقول "لم يصل بعد"
قال بضيق "لا تأذن لها بحضور حفل أنا فيه بعد اليوم"
أخرج هاتفه بينما قال سيف "كما تشاء، هل ترغب بطعام؟ أنت لم تتناول شيء منذ الصباح"
لم يرفع وجهه عن الهاتف وقال "أكرهك عندما تتحول للدجاجة الأم"
رن الهاتف فأجاب بإنجليزية لا خطأ بها "أهلا جاكلين الباخرة تأخرت"
جائه صوت المرأة "أعتذر راكان لقد ضربتها عاصفة بالبحر المفتوح ستصل بالصباح الباكر وسألتزم بغرامة التأخير"
أجاب "جيد"
دفع الهاتف بجيب الجاكيت وقال "هل عرفت شيء عن تلك الفتاة، ندى؟"
لف سيف وجهه له وقال "سيكون لديك تقرير بعد ساعة"
كانت السيارة تتحرك تجاه الطريق الجبلي وخلفه سيارة الحراسة عندما اندفعت أضواء قوية بالطريق المخالف وفجأة انطلقت رصاصات من كل صوب نحوهم
