رواية حب علي حافة الهاوية الفصل الاول1بقلم ملكة الروايات
كان الشفق يلقي بظلاله الذهبية على المزرعة الواسعة حين كانت "جوان" تقود مهرها الأشهب بسلاسة. كان الهواء يعصف بلطف، محملاً برائحة الأشجار والتربة المبللة. كانت جوان تعشق هذا الوقت بالذات، فهو المساحة الوحيدة التي تهرب فيها من صخب الحفلات ورسميات مجتمع رجال الأعمال الذي يقوده والدها، "عاصم بك".
فجأة، انكسر غصن شجرة ضخم بالقرب من الممر. تحرك ظل غريب بين الأشجار، ليصدر صوتاً أربك الجواد الأشهب. اختل توازنه، وجزِع المهر ليرفع قدميه الأماميتين في الهواء متأوهاً، ثم انطلق بسرعة هستيرية نحو الحافة الصخرية المطلة على الوادي السحيق!
علا صوت صراخ جوان وهي تحاول بكل قوتها السيطرة على اللجام، لكن الرعب كان قد تملك الجواد بالكامل. كادت أن تفقد السيطرة وتسقط تحت أقدامه المسرعة. وفي اللحظة التي أوشك فيها المهر على القفز إلى الهاوية، برز فارس من بين الأشجار المتشابكة على متن حصانه الأسود المهيب.
كان يتحرك ببراعة ودقة متناهية؛ قاد حصانه في مسار موازٍ لمهرها، وبقفزة سريعة وزاوية محكمة، اندفع بنصف جسده للأمام وأمسك بلجام جوادها بقوة هائلة، جاذباً إياه للخلف بحزم، ليجبره على التوقف الشديد قبل السقوط بالهاوية بسنتيمترات معدودة.
سقطت جوان على الأرض من أثر التوقف المفاجئ، تتنفس بصعوبة، وقدمها ترتجف من أثر الصدمة. نزل الرجل الغريب عن حصانه بخطوات ثابتة، واثقة، ومحسوبة. اقترب منها ببطء ومد يده ليرفعها.
التقطت عيناها عينيه النافذتين؛ كانتا حادتين كالسيف، تعكسان سواد الليل، وفي عمقهما لمعة غموض تثير الرهبة والفضول في آن واحد.
"هل أنتِ بخير؟" سألها بنبرة صلبة ومطمئنة، تحمل دفئاً غير متوقع.
ردت جوان وهي تحاول استعادة أنفاسها وكبريائها، ومسحت التراب عن ملابسها وهي تنفض الغبار: "أجل.. أنا بخير. شكراً لك.. كدتُ أهلك. من أنت؟ لم أرك في أرضنا من قبل."
ابتسم ابتسامة خفيفة لم تصل إلى عينيه، وقال ببرود متقن:
"الأرض واسعة يا أنسة.. وأنا جاركم الجديد. اسمي فارس."
نظر فارس حوله، ممتداً ببصره نحو القصر المنيف الذي يلوح في أفق المزرعة، ثم أعاد نظرته الحادة إليها وقال: "يجب أن تكوني أكثر حذراً.. الخيل تتأثر بما يدور حولها، تماماً كما البشر."
قبل أن تستوعب جوان مغزى كلماته، سمعت أصوات سيارات تسرع نحو المكان. كانت حراسة المزرعة التابعة لوالدها قد انتبهت للخطر. ترجل الحراس مسرعين وعلى رأسهم "عاصم بك"، الذي بدا عليه الهلع وهو يركض نحو ابنته الوحيدة.
"جوان! حبيبتي! هل أنتِ بخير؟!" هتف عاصم وهو يعانقها بلهفة، ثم التفت بحزم وشك نحو الرجل الغريب الواقف بثبات: "من أنت؟ وماذا تفعل في أملاكي؟"
تلاقت أعين فارس وعاصم. في تلك اللحظة، مرت موجة غير مرئية من الصدمة على وجه عاصم بك؛ شحبت ملامحه لثوانٍ معدودة كأنه رأى شبحاً من الماضي، قبل أن يستعيد تمالكه سريعاً.
رد فارس بابتسامة غامضة ونبرة هادئة تحمل حداً من التحدي: "أنا فارس.. الصديق الذي أنقذ ابنتك للتو من سقوط محقق، والجار الذي اشترى القصر المجاور ومساحات الأراضي التابعة له أمس."
اقترب فارس خطوة واحدة من عاصم، ومد يده للمصافحة وهو ينظر مباشرة في عينيه: "سعيد بلقائك يا عاصم بك... أظن أن أيامنا القادمة ستكون مليئة باللقاءات المشتركة."
صافحه عاصم ببرود، بينما كانت جوان تقف بينهما، تلاحظ بذكائها تلك التوترات الخفية والشرارات المتبادلة بين أبيها وهذا الغريب.
لم تكن جوان تعلم أن هذه اللحظة لم تكن مجرد إنقاذ عابر، بل كانت القبلة الأولى في معركة انتقام خطط لها فارس لسنوات، وأن قلبها سيكون الساحة الأولى لهذا الصراع المشتعل.
هبت نسائم المساء الثقيلة محمّلة بصمت رصين بين الرجال الثلاثة، صمتٍ ينبئ بعاصفة قادمة لا محالة. سحب عاصم بك يده من مصافحة فارس ببطء، وعيناه تختزلان مزيجاً متضارباً من التوجس والغيظ الدفين، بينما ظل فارس ثابتاً في وقفته، ترتسم على شفاهه تلك الابتسامة المبهمة التي تجعل الموقف أكثر غموضاً.
"جارنا الجديد إذن؟" قال عاصم بصوت يحاول ضخ النفوذ فيه ليكسر وطأة الصدمة، "القصر المجاور كان مهجوراً لسنوات طويلة، ولم أكن أعلم أن مالكه القديم قرر البيع بهذه السرعة."
رد فارس بنبرة هادئة وهو يربت على عنق حصانه الأسود: "بعض الفرص لا تنتظر يا عاصم بك... والأرض دائماً تعود لمن يعرف قيمتها وينتظر الوقت المناسب لاستردادها."
لم تفُت هذه الكلمات جوان؛ كانت تراقبهما بعينين متقدتين بالذكاء. لم تكن الطريقة التي ينطق بها فارس حروف اسم والدها مجرد احترام عابر، بل كانت أشبه بمن يزن عدواً قديمًا يعرف كل نقاط ضعفه. تلفتت بين ملامح والدها المشتتة ووجه فارس المنحوت بثقة صلبة، وشعرت برعشة خفيفة تسري في أوصالها، لم تكن رعشة خوف من السقوط الذي نجت منه للتو، بل من شيء أعمق وأكثر تعقيداً.
التفت عاصم إلى حراسه بصوت جاف ليكسر هذا التوتر الملموس: "خذوا مهر الآنسة جوان إلى الإسطبلات وافحصوه جيداً... وإياكم أن يتكرر هذا الإهمال." ثم أخذ بطلب رفيق نحو ابنته: "تعالي يا جوان، يجب أن يرتاح جسدكِ ويرسَل في طلب الطبيب ليطمئن عليكِ."
خطت جوان خطوة نحو والدها، لكنها توقفت والتفتت بكامل جسدها نحو فارس. انهمرت خصلات شعرها الذهبي حول وجهها الشاحب، ونظرت إليه بامتنان تشوبه رغبة قوية في سبر أغواره: "شكراً لك مرة أخرى يا فارس... لو لا شجاعتك لما كنتُ أقف هنا الآن."
التقط فارس نظرتها الحادة، وانخفضت نبرة صوته لتصبح أكثر دفئاً وإرباكاً: "واجبٌ عليّ يا آنسة جوان... احرصي على ألا تتركي لجامكِ للصدف مرة أخرى. فاللحظات الحاسمة لا تمنح دائماً فرصة ثانية."
سار عاصم بابنته نحو إحدى السيارات المنتظرة بخطى حثيثة، وكأنه يهرب بها من ساحة مكشوفة. وفي السيارة، ساد صمت ثقيل لم يقطعه سوى صوت محرك السيارة الهادئ. كانت جوان ترقب والدها من طرف عينها؛ يداه الممسكتان ببعضهما كانتا ترتجفان بشكل خفيف، وعيناه شاردتان في الفراغ المطلق عبر الزجاج المظلل.
"بابا..." نادته جوان بصوت خفيض، "هل تعرفه؟ ملامحك عندما رأيته... لم تكن ملامح رجل يلتقي بجاره لأول مرة."
استفاق عاصم من شروده وسارع بنفي الأمر بنبرة حادة غير معتادة منه: "بالطبع لا! رجل مغرور ظهر فجأة واشترى أرضاً مجاورة... أمثاله من المتسلقين الجدد يملؤون سوق الأعمال هذه الأيام. أريدكِ أن تبتعدي عنه تماماً يا جوان، ولا تتواصلي معه تحت أي ظرف."
"لكنه أنقذ حياتي!" ردت بنبرة تتحدى أوامره المباشرة.
"وأنا أقدر ذلك وسأكافئه بطريقتي," قال عاصم وهو ينهي النقاش بقسوة، "لكن القرب من الغرباء الذين يدخلون حياتنا بأساليب مسرحية أمرٌ لا أسمح به."
على الجانب الآخر، ظل فارس واقفاً في مكانه بجانب حصانه، يراقب موكب السيارات وهو يبتعد ويخلف وراءه غبار الممر الترابي. تلاشت الابتسامة الغامضة من وجهه ليحل محلها قناع من الجدية الصارمة والألم القديم.
وصل رجل أربعيني بخطى سريعة من بين الأشجار، يرتدي بدلة داكنة ويحمل هاتفاً مغلقاً؛ كان "سليم"، المستشار والمساعد المخلص لفارس منذ سنوات.
وقف سليم إلى جواره ونظر نحو القصر البعيد المتلألئ بأضوائه الفاخرة، ثم قال بصوت خفيض: "لقد بدأت الخطة إذن... هل تسير الأمور كما خططت يا فارس؟"
أمسك فارس بلجام حصانه وقاده بخطوات واثقة نحو قصره الجديد، وقال بصوت حاد كالشفرة: "أفضل مما خططت يا سليم. عاصم رأى في عينيّ الشبح الذي كان يخشاه طوال عشرين عاماً... واليوم فقط، بدأت شرارة الدَيْن تُدفع."
توقف فارس لبرهة ونظر إلى القفاز الجلدي في يده، والذي لمست أطرافه يد جوان منذ دقائق. استعاد في ذهنه نظرة عينيها النافذتين، وذكاءها السريع الذي لمس التوتر بينه وبين أبيها.
سأله سليم بتوجس: "والفتاة؟ هل ستكون جزءاً من المعركة؟"
أغلق فارس قبضته بقوة على اللجام، وتطلع نحو أفق الليل الذي ساد المزرعة، ثم قال بنبرة غامضة تحمل في طياتها وعداً صامداً:
"جوان هي نقطة قوته الوحيدة يا سليم... وهي الثغرة التي سأنفذ منها لتهديم كل ما بناه على أجساد الأبرياء."
كانت ليلة استثنائية لم تهدأ فيها الخواطر، بل ظلت الأفكار تتماوج في القصرين المتقابلين كأنها حشود تستعد لنزاع طويل.
في قصر "عاصم بك"، كانت جوان تجلس في غرفتها المطلة على الأفق الفسيح، تتأمل الشرفة المغطاة بظلال الليل. امتنعت عن النوم رغم الإرهاق الذي ألم بجسدها. كانت ملامح "فارس" ونبرته الجادة تُعيد تشكيل نفسها في مخيلتها مراراً وتكراراً. لم تكن جوان سريعة التصديق أو الاندفاع، فقد علمها مجتمع رجال الأعمال أن تدقق في التفاصيل الصغيرة؛ والنظرة التي تبادلها والدها مع ذلك الغريب لم تكن مجرد تعارف عابر بين جارين، بل كانت شرارة مدفونة أخرجتها الأقدار إلى السطح.
في هذه الأثناء، كان عاصم بك يخيم عليه الأرق في مكتبه الفخم المزين بالخشب الداكن. كان يجلس خلف مكتبه، يدخن بغضب مكتوم، وأمامه ملفات قديمة استخرجها من خزانتيه السرية. كانت يداه ترتجفان وهو يقلب صوراً وأوراقاً يعلوها الغبار، قبل أن يتوقف عند وثيقة معينة تحمل اسماً كان يظن أنه دفنه تحت ركام السنين.
زمجر عاصم بصوت خفيض ونبضات قلبه تتسارع: "مستحيل... أيعقل أن يكون هو؟ كيف عاد؟ ومن أين أتى بتلك الثروة ليشتري هذا القصر بالذات؟"
في الجهة المقابلة، وفي القصر المجاور الذي كانت ترمم أركانه أضواء خافتة، كان فارس يقف أمام نافذة ممتدة من الأرض إلى السقف، يطل منها على أضواء قصر عاصم المتلألئة في العتمة. دخل عليه "سليم" وبيده حاسوب محمول، يضع أمامه التقارير المالية الأخيرة.
قال سليم بنبرة هادئة لكنها جادة: "فارس، تحركاتنا في السوق بدأت تؤثر على أسهم شركات 'عاصم بك'. لقد بدأ يحس بالضغط المالي من جهة العقود الجديدة، لكن الشائعات تقول إنه يستعد لإبرام صفقة ضخمة ستقوم بترميم كبواته. إذا تمت هذه الصفقة، فسيستعيد نفوذه بالكامل."
التفت فارس ببطء، وتجلت في عينيه القسوة الصلبة التي تخفي خلفها سنوات من القهر والتخطيط، وقال: "لن تتم هذه الصفقة يا سليم. عاصم ظن أنه نجح في محو الماضي وثبيتها بالمال، لكنه نسي أن الحقوق لا تسقط بالتقادم. سنضربه في المكان الذي لا يتوقعه."
سأل سليم بفضول: "وما الخطوة القادمة؟"
اقترب فارس من الخريطة المعلقة على الجدار والتي تجمع عقارات وأراضي المنطقة، ثم وضع إبهامه على الممر الترابي الفاصل بين المزرعتين: "غداً، ستقام مأدبة التعارف السنوية لرؤساء الشركات، ووالدها بالتأكيد سيرسلها لممثليته أو يحضر برفقتها. سأكون هناك... وسأجعل جوان ترى الحقائق بنفسها، خطوة بخطوة."
مرت الساعات ثقيلة حتى بزغ الفجر، معلناً بداية يوم جديد يتسلل فيه الشك إلى القلوب، وتنطلق فيه أولى خطوات اللعبة الخطرة التي ستقلب حياة الجميع رأساً على عقب.
تري ماذا يفعل فارس وماهي قصته هذا ماسوف نعرفه الحلقه القادمه
