رواية حب علي حافة الهاوية الفصل الثاني2بقلم ملكة الروايات



رواية حب علي حافة الهاوية الفصل الثاني2بقلم ملكة الروايات 


​كانت أضواء الثريات الكريستالية تتلألأ في القاعة الكبرى لفندق "البرج"، تعكس بريق الكؤوس والوجوه المبتسمة بأناقة تصنعها الأموال. أقيمت المأدبة السنوية لرؤساء قطاع الأعمال والمال في أجواء تتسم بالفخامة المفرطة؛ تعزف الفرقة الموسيقية ألحاناً كلاسيكية خافضة، بينما يتبادل الحاضرون الضحكات الدبلوماسية والصفقات غير المكتوبة.
​كانت "جوان" تقف بجانب والدها، ترتدي فستاناً أسود بسيط التصميم ولكنه يفيض بالرقي، ينعكس على بشرتها الشاحبة قليلاً أثر إرهاق الأمس. رغم محاولاتها في إظهار الهدوء، كانت عيناها تتجولان بين الوجوه بشغف مكتوم وحذر شديد.
​أمّا "عاصم بك"، فقد كان يتحرك كالملك في عرشه، يصافح كبار المستثمرين ويمطرهم بالابتسامات الواثقة، إلا أن توتراً خفياً كان ينبض في عروق رقابته. كان يُكثر من النظر نحو المدخل الرئيسي، وكأنه ينتظر وصول طيف يخشاه.
​"عاصم بك! أهلاً بك وبالجميلة جوان،" هتف رجل أعمال خمسيني يدعى "سامح"، وهو يربت على كتف عاصم، "سمعت أنك على وشك توقيع مشروع 'المرفأ المالي' مع التحالف الدولي. خطوة جبارة ستؤمن صدارتك للسوق لسنوات قادمة."
​عدّل عاصم ياقة بدلته بنخوة وقال: "النجاح لا يأتي بالمصادفة يا سامح، بل بالسيطرة المطلقة وعدم ترك أي مجرى للريح."
​وفجأة، هدأت همهمات القاعة تدريجياً، وتحولت بعض الرؤوس نحو مدخل القاعة الرئيسي.
​دخل "فارس".
​كان يرتدي بدلة سوداء رسمية ذات حياكة راقية، تبرز بنيته القوية وهيبته الطبيعية. لم تكن وسامته تكمن في ملاحة وجهه فحسب، بل في تلك الهالة الساطعة من الثقة والنفوذ التي تحيط به. كان يسير بخطوات هادئة إلى جواره مستشاره "سليم"، وعيناه الحادتان تفحصان الحضور ببرود مستفز.
​توقفت أنفاس جوان لثوانٍ. رأت كيف أحدث دخوله فارقاً زلزل ثبات القاعة؛ فقد تهامس رجال الأعمال من حولهم تساءلاً عن هذا المستثمر الصاعد الذي استحوذ على حصص ضخمة في البورصة خلال الأشهر الأخيرة تحت اسم مجموعة "الشهاب".
​امتقع وجه عاصم بك، وتيبست يده الممسكة بكأس العصائر حتى كاد ينكسر الزجاج في قبضته.
​اقترب فارس من المجموعة بخطى واثقة، وعيناه مثبتتان على عاصم قبل أن ينتقل ببطء ورفق نحو جوان.
​"مساء الخير يا حضرات،" قال فارس بصوت رخيم وعميق جلب انتباه الدائرة بأكملها، "أتمنى ألا أكون قد قاطعت حديثاً مهماً."
​تدخل سامح مرحباً بفضول: "أهلاً بك! سيد... فارس، أليس كذلك؟ الشاب الذي أحدث ضجة في قطاع العقارات والأسهم مؤخراً؟"
​ابتسم فارس ابتسامة متزنة: "يشرفني ذلك يا سيد سامح. يسعدني أن أكون بينكم اليوم كشريك جديد في هذا المجتمع المصغر."
​ثم التفت فارس رأساً نحو عاصم، الذي كان يقف جامداً كالصخرة، وقال بنبرة تحمل تقطيراً من السخرية المبطنة: "عاصم بك... تبدو مشغولاً بصفقاتك الكبرى. أتمنى ألا تكون حادثة الأمس قد أثرت على مزاجك أو على صحة الآنسة جوان."
​وجهت جوان نظرة فاحصة لفارس، وردت بنبرة هادئة ومتماسكة: "أنا بخير تماماً يا سيد فارس، شكرًا لتفقدك. لكنني أتساءل... هل تخطط دائماً لدخول حياتنا بأحداث درامية، أم أن هذه مجرد بداية لجوار عادي؟"
​لمعت عين فارس بأعجاب غير خفي لذكائها وجرأتها، واسترسل بخفض نبرته: "الحياة الحقيقية يا آنسة جوان لا تعترف بـ 'العادي'. أحياناً نجد أنفسنا في منتصف الدراما دون أن نختار، لكن التحدي يكمن في إدراك من يحرك الدمى من خلف الستار."
​شعر عاصم بأن البساط يسحب من تحت قدميه، فتدخل بحزم وقسوة، دافعاً بجسده قليلاً ليحجب جوان عن رؤية فارس: "فارس بك، تقديري لمساعدتك لابنتي أمس لا يعني أن تدس أنفك في أمورنا الشخصية أو الاستثمارية. سوق الأعمال هنا له قواعد وقادة، والمتطفلون الجدد غالباً ما يخسرون رؤوس أموالهم سريعاً."
​لم تهتز شعره من فارس، بل خطى خطوة أقرب نحو عاصم، ليصبح على مسافة سنتيمترات منه، وشوش بصوت لم يسمعه غير عاصم وجوان: "القواعد تتغير يا عاصم بك حين يعود أصحاب الحق المطالبون به. والقادة الذين بُنبت عروشهم على رماد غيرهم... غالباً ما ينتهون تحت نفس الرماد."
​اتسعت عينا عاصم برعب حقيقي هذه المرة، وشحب وجهه كالموتى، في حين وقفت جوان مذهولة، تتردد في أذنيها تلك الكلمات الكثيفة كالسم.
​انسحب فارس ببساطة وأناقة، تاركاً خلفه ثقلاً لا يطاق. التفت إلى جوان وقال بنبرة هادئة قبل أن يستدير: "أتمنى لكِ ليلة سعيدة يا آنسة جوان... وداعا ليلة أخرى."
​ابتعد فارس نحو الطاولات الرئيسية، بينما اعتذر عاصم بك بصوت متلعثم من الحضور وانسحب نحو شرفة الفندق ليتنفس الهواء النافذ، تاركاً جوان في منتصف القاعة، ينهشها الشك والفضول.
​لم تعد المسألة بالنسبة لجوان مجرد إنقاذ في لحظة خطر، بل أصبحت لغزاً مظلماً يتداخل فيه تاريخ والدها المبهم مع هذا الفارس الذي ينضح بالانتقام. وقررت في تلك اللحظة بالذات... أنها لن تبقى مجرد شاهدة على الحلبة.

خرجت جوان إلى الشرفة الواسعة المطلة على أضواء المدينة المتلألئة، علّ النسائم الباردة تهدئ من تسارع أفكارها. كان والدها يقف عند السور الخرساني، يُمسك هاتفه بيد ترتجف ويحدث شخصاً ما بصوت خفيض ونبرة يسودها التوتر والذعر:
"قلت لك افحص أرشيف الشركة قبل عشرين عاماً! أريد أن أعرف كل حركة باسم 'الشهاب' أو أي اسم يرتبط بـ... مستحيل أن يكون قد عاد، تحرّوا عن نسله وعن كل من حوله!"
​توقفت جوان في منتصف الشرفة، وتصاعدت حدة الشك في أروقة عقلها. عندما سمع عاصم حركة قدميها، ألقى المكالمة بسرعة واقتطع الحديث، مديراً وجهه إليها بحركات مرتبكة حاول أن يكسوها بابتسامة باهتة.
​"جوان؟ لماذا خرجتِ في هذا البرد؟" سألها وهو يحاول تمثيل الدور.
​اقتربت منه جوان بخطوات ثابتة، وعيناها مثبتتان على عينيه الشاحبتين: "من هو فارس يا بابا؟ ولماذا ترتعد لمجرد ذكره؟ ما الذي حدث قبل عشرين عاماً وترفض أن تخبرني به؟"
​تنهد عاصم بتعب، وعادت تلك القسوة المصنوعة لتغلف ملامحه: "أنتِ تتخيلين أشياء لا وجود لها يا جوان. الرجل مجرد منافس رخيص يحاول استخدام أساليب الحساسية النفسية ليربكني قبل توقيع مشروع 'المرفأ المالي'. إنه يمارس ألاعيب مكشوفة لضرب استقرار شركتنا."
​"الألاعيب لا تجعل وجهك يبتل بالعرق ويدك ترتجف بهذا الشكل!" ردت جوان بصوت حاسم، "كلماته لم تكن عن الأسهم ولا العقارات... كان يتحدث عن حق ودَيْن ورماد. أنت تعرفه، أو على الأقل تعرف الحقائق التي يخفيها اسم مجموعة 'الشهاب'."
​اقترب منها عاصم وأمسك بذراعيها برفق وقسوة متداخلين: "اسمعيني جيداً... أنتِ كل ما أملك في هذه الحياة، وكل ما بنيته كان لأجلكِ. لا تجعلي هذا الغريب يزرع الشك بيننا. ابتعدي عنه، ولا تحاولي التفتيش خلفي، مفهوم؟"
​سحبت جوان يدها ببطء، وفي عينيها الإصرار ذاته الذي ورثته منه، لكنها لم تجب. آثرت الصمت لأنها علمت أن الأسئلة لن تجلب لها سوى المزيد من الأجوبة المضللة.
​في تلك الأثناء، وفي الزاوية الأخرى من الشرفة البعيدة عن الأعين، كان فارس يراقب مشهدهما من خلف الستائر المخملية الداكنة. كان يمسك بكأسه، وعيناه تتابعان جوان وهي تبتعد عن والدها وتنسحب نحو داخل القاعة بخطى مثقلة بالحيرة.
​اقترب منه "سليم" ووشوش له: "فارس، 'عاصم بك' أجرى مكالمة عاجلة لمكتبه السري. يبدو أنه بدأ يشك ويحاول تتبع أصول شركة 'الشهاب'."
​ارتسمت على شفتي فارس ابتسامة باردة تحمل ثقة مطلقة: "دعهم يفتشون يا سليم... كلما حفر أكثر، كلما غرق في رمال خطايانا القديمة. لقد ألقيت بالشرارة، والآن حان وقت استدراج جوان."
​سأله سليم بتوجس: "وهل تعتقد أنها ستنساق إليك؟ الفتاة ذكية للغاية، وليست بالسذاجة التي تمكنك من التلاعب بها بسهولة."
​التفت فارس ونظر إلى الطاولة التي تركت عليها جوان منديلها الحريري بالخطأ أثناء اندفاعها للشرفة، فمشى ببطء والتقطه بيده، وقال بصوت خفيض مليء بالتعقيد والغموض:
"ذكاؤها هو سلاحي الحقيقي... السذج لا يكترثون بالبحث عن الحقيقة، أما جوان ففضولها وذكاؤها سيقودانها بنفسها إلى شباكي. غداً ستأتي بحثاً عن الإجابات بنفسها... وسأكون في انتظارها."
خرجت جوان من قاعة الاحتفال تاركةً خلفها صخباً مزيفاً وجواً يفيض بالخداع، واندفعت نحو سيارتها لتسبق والدها إلى القصر. كان ذهنها يستحضر مشاهد الليلة كشريط سينمائي متصل: نظرات فارس، اضطراب والدها، والكلمات المبهمة التي سقطت في أروقة الفندق كالقنابل الموقوتة.
​حين وصلت جوان إلى القصر العائلي الشامخ، كانت أضواء الطابق العلوي متوهجة. في صالة الاستقبال الكبرى، كان أخوها الأكبر "مراد" يعود بخطوات مضطربة جيئة وذهاباً، ممسكاً بملفات مالية معقدة. مراد، الإبن الذي طالما سعى لإرضاء والده عاصم بك والخروج من عباءة سلطته، كان يفتقر إلى حنكة أبيه وقوة شخصيته، مما جعله عرضة دائمة للتأثر بمن حوله.
​وعلى الأريكة المخملية المجهزة بكل سبل الراحة، كانت تجلس زوجته "شيرين"؛ امرأة تتشح بالرقة والنعومة الظاهرية، تضع يدها برفق حنون على بطنها الساكن، مظهرة علامات التعب والحمل الذي انتظرته العائلة لسنوات ليحمل اسم آل عاصم ويضمن استمرار السلالة والنفوذ.
​"أين كنتِ يا جوان؟" سأل مراد بنبرة يسودها التوتر وهو يضع الأوراق جانباً، "أبي لا يجيب على هاتفه، وهناك تحركات غريبة في البورصة! أسهم مجموعتنا تتعرض لضغط غير مفهوم، وهناك كتلة مالية مجهولة تحت اسم 'الشهاب' تشتري كل العروض المتاحة!"
​قبل أن تجيب جوان، اقتربت شيرين بخطوات بطيئة وحذرة، تتصنع الضعف، وقالت بصوت ناعم يحمل خبثاً مغلّفاً بالحرص: "هدئ من روعك يا مراد... الطبيب قال إن التوتر يؤثر سلباً على الجنين. طفلنا المنتظر يحتاج إلى الهدوء، وعاصم بك قادر على حل هذه الأزمات كما يفعل دائماً."
​نظر إليها مراد بعاطفة جارفة، ودنا منها ليقبل رأسها: "معكِ حق يا حبيبتي.. هذا الطفل هو مستقبل العائلة، وهو كل ما نعيش لأجله الآن."
​ابتسمت شيرين ابتسامة رقيقة ووديعة، لكن عينيها كانتا تخفيان مكر سرٍّ مظلم؛ لم تكن شيرين حاملاً على الإطلاق. لقد قامت بالتزوير والتلاعب بالفحوصات الطبية بالاتفاق مع طبيب جشع، منسجةً هذه الخدعة الكبرى لتستغل شغف "عاصم بك" بجنس الأبناء والحفاد، وضغطت على مراد لكتابة أصول وأسهم ضخمة باسم هذا "الحفيد المنتظر" لتبتلع ثروة العائلة بالكامل حين تأتي اللحظة المناسبة، متلاعبة بغرور الأب وضعف الابن.
​نظرت جوان إلى الشاشة الصغيرة لشيرين، وسرت في نفسها موجة الشك ذاتها. أسلوب شيرين المفرط في استغلال "الحمل" في كل نقاش مالي لم يكن يريح جوان أبداً، إلا أنها آثرت عدم فتح جبهة جديدة في هذه الليلة المشتعلة.
​ردت جوان ببرود وهي تتجه نحو السلم: "فارس... هذا هو الاسم الذي يبحث عنه أبي يا مراد. الرجل الذي يقف خلف 'الشهاب' هو جارنا الجديد، وهو ينوي تجريد أبي من كل ما يملك."
​صُدم مراد وسقطت منه أوراقه: "ماذا تقولين؟ الجار الجديد؟"
​في تلك اللحظة، فتح باب القصر ودخل عاصم بك. كان وجهه شاحباً كوجوه الاموات، وعيناه غائرتان. رأى أولاده وزوجة ابنه يجتمعون، فسار نحوهم بخطى وُزنت بصعوبة.
​تظاهرت شيرين بالهلع ونهضت لتستقبله مساندةً: "عمي عاصم! ما بك؟ تبدو مريضاً جداً!"
​نظر عاصم إلى شيرين، وثبتت عيناه لثوانٍ على بطنها، ليتنفس بعمق وكأنه يستمد القوة من أمله الأخير في استمرار إمبراطوريته: "لا شيء يا شيرين... مجرد إرهاق. كيف حال حارسي الصغير؟ هل يفحصه الطبيب دورياً؟"
​أجابت شيرين بابتسامة ساحرة ومخادعة: "إنه بخير يا عمي، وأنا أحرص على تطبيق كل التوصيات. فقط أرجوك ألا تجهد نفسك... فنحن جميعاً ونشأة هذا الطفل نعتمد عليك."
​أومأ عاصم رأسه، ثم التفت إلى مراد وجوان بنبرة حادة وصارمة: "اجتماع عاجل في مكتبي فوراً. مراد... أريد حصر كافة أصولنا وتأمين عقود 'المرفأ المالي' بأي ثمن. المعركة التي دخلناها للتو ليست مجرد منافسة تجارية... إنها حكاية حياة أو موت."
​ألقى عاصم كلماته وانصرف إلى مكتبه، بينما تبادلت جوان ونظرات شيرين نظرة صامتة، مشحونة بالغموض والشك، علم الجميع فيها أن القصر الشامخ بات يتداعى من الداخل والخارج على حد سواء.

                الفصل الثالث من هنا
تعليقات



<>